رد دعوي انتساب الناس للاسلام للتفريق بين جاهل وجاهل


Photo: ‎رد دعوي انتساب الناس للاسلام للتفريق بين جاهل وجاهل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  وكثير ممن يرى عذر الجاهل الذي يرتكب الشرك الأكبر، يجعل العلة في ذلك انتسابه إلى الإسلام، ودعواه أنَّه من المسلمين. فإذا عبد غير الله، ودعاه وذبح له، ونشأ على ذلك من مولده إلى مماته، وكان يقول بلسانه إني مسلم، عده من المسلمين، وإذا عبد غير الله ودعاه وذبح له، وكان يقول بلسانه إنِّي على الدين الذي أمرني الله به لم يعذره، وهذا من التناقض ولا شكَّ. وإذا أُورد عليه التسوية بين عباد القبور وعباد الأوثان وعدم عذر أحد منهم بالجهل، جعل الفرق الانتساب إلى الإسلام، وبسبب هذا الانتساب يحكم بكفر عابد الوثن، وبإسلام عابد القبر.وليس معه دليل علي التخصيص كما اسلفنا ذكره  والانتساب إلى الإسلام إن أُريد به الانتساب إلى الإسلام وحده دون سائر الشرائع، فهو حكم لا دليل عليه، وإن أُريد به الانتساب إلى دين الله عز وجل، سواء كان الانتساب إلى الإسلام الذي بُعث به محمد صل الله عليه وسلم، أو إلى اليهودية أو النصرانية أو غيرها من الأديان التي بُعث بها الرسل، لزم صاحب هذه المقالة أن يحكم بإسلام جهال اليهود والنصارى وغيرهم لأنهم منتسبون إلى دين الله الذي أمرهم باتباعه، فيما يزعمون ويظنون ووقعوا في نواقض له عن جهل، ومن عذر هؤلاء كفر وخرج من الملة، وكذّب الصحيح الصريح من الأدلة. بل يلزمه أن يحكم بإسلام مشركي قريش قبل بعثة رسول الله صل الله عليه وسلم، لأنهم على دين إبراهيم فيما يزعمون ويظنون، وكان عندهم بعض الشعائر منه والأحكام كالحج والختان وتعظيم المشاعر، ويقرون بالله ربًّا لا شريك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، ولكنهم يشركون مع الله غيره لتقربهم إلى الله معتقدين أن الله أذن له بالنيابة عنه والوساطة بينه وبين خلقه تعالى الله عما يزعمون، وعباد القبور مثلهم في كل هذا، إلا أن عباد القبور ينتسبون إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بدل انتساب الجاهليين إلى إبراهيم، ثم هم وإياهم سواء في كل شيء، ولا ينفع عباد القبور اتباعهم النبي صل الله عليه وسلم أو التزامهم بعض شرائع دينه، كما لا ينفع كفار قريش اتباعهم إبراهيم أو التزامهم بعض شرائع دينه. فالانتساب إلى الإسلام يُقابله الانتساب إلى ملة إبراهيم، وبعض الشرائع التي يتعبدون بها تقابلها شرائع، والكثرة والقلة لا تؤثر في ثبوت الإيمان والكفر، والإقرار بالربوبية لله يُقابله إقرار أولئك بالربوبية، وكل من الفريقين كافرٌ بالله خارج من الملة مارق من الدين، بل حتى زعم القبوريين أنَّ ما يفعلونه من أمر الله ورسوله، يُقابله قول المشركين في الجاهلية كما حكى الله عز وجل عنهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، وهذا حجة غالب المشركين من عباد القبور اليوم، بل قد لقيت من كبار مشايخ أهل الشرك المعمرين، من يحتج بحجة الكفار الأولين بعينها، ويقول ليس لك أن تنكر ما عليه الناس لأنَّهم أخذوه عن آبائهم، وآباؤهم لا شك أنَّهم أخذوه عن آبائهم، وأخذه الخلف عن السلف، ثم هو عن رسول الله صل الله عليه وسلم !، وهذا عين ما في الآية من احتجاج المشركين بأمرين: أنهم وجدوا عليه آباءهم، وأن الله أمرهم به. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: ”ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع“، وهذا وإن كان ورد في سياق الفاحشة التي فسرت بأنها طوافهم بالبيت عراة، إلا أنه يدل على وجه استدلالهم بفعل آبائهم، وهو ظنهم أن فعل آبائهم عن شريعة من الله. وهذا الغلط كما يقع من بعض المخالفين في مسألة العذر بالجهل، فإنَّه يقع في العامة كثيرًا في عذر المعاند المنتسب إلى الإسلام، فلا يكفرون منتسبًا إلى الإسلام أبدًا، بل قد سمعت بعض من كانوا يسمون دعاة الصحوة ممن بدل تبديلاً كثيرًا يقول: لا أكفِّر من يقول أنا مسلم، عند سؤاله عن مثل بشار الأسد وطواغيت العرب من الحكام الكافرين، وهذه عين الشبهة العامِّيَّة، وليت شعري إن كان هذا المسلك هدى وحقًّا، فلم كلف الصديق نفسه مقاتلة مسيلمة ومن معه حتى فني خيار الصحابة واستحرَّ القتل في القراء أهل العلم والقرآن؟! وأكثر من حكم أهل العلم بكفرهم من المرتدين، إن لم يكن غالبهم كانوا ينتسبون إلى الإسلام ويأبون أن يُوصفوا بغيره. بل طرد هذا القول: أن لا يكفر من يقول أنا على دين موسى، أو أنا على دين عيسى من اليهود والنصارى، وهذا القول ممعن في الضلالة بعيد كل البعد عن دين الله وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: لا يُسلَّم بهذا فإنَّهم كفروا بعد بعثة محمد ونسخ أديانهم، فمقتضى هذا أنَّهم لو انتسبوا إلى الإسلام بعد بعثة محمد وبقوا على ما هم عليه عُذر جاهلهم وكان مسلمًا، ومقتضاه أيضًا أنَّ جهالهم كانوا جميعًا مسلمين مؤمنين وقت بعثة النبي صل الله عليه وسلم، وإنَّما كفروا ببعثته، وهذا معلوم البطلان.  قال الشوكاني ،في رده على من يقول بأن عباد القبور مثبتون للتوحيد بخلاف غيرهم : ( ولا يخفاك أن هذا عذر باطل؛ فإن إثباتهم للتوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشركون في ذلك؛ هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون، وإن كان بأفعالهم، فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم )  قال تعالى: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86] فقد أخبر الله تعالى أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن الجهل لا يغني مع صحة القول شيئا.وهذا محل اجماع   ويبين ذلك قوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [محمد:19] فهذا يبين أن العلم ركن في تحقيق شهادة الحق لا إله إلا الله وهذا يهدم بجلاء القول بالعذر بالجهل.  ولما دعي المشركون إلى التوحيد حكى الله عنهم قولهم: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، فأدركوا معنى كلمة التوحيد وشهادة الحق ولكنهم لم يستجيبوا، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يعذر القبوريون الذين قالوا كلمة التوحيد ثم نقضوها جهلا بالاستغاثة بالموتى والذبح عند قبورهم وغير ذلك من النواقض؟ وكيف يعذر المحكمون للطاغوت الموالون للكفار المحاربون للدعاة إلى الخير؟  إذا كان أهل العذر بالجهل يقولون إن العلم ركن اوشرط في التوحيد فكيف يعذرون جاهل التوحيد ويحكمون له به، وإذا لم يشترطوا في التوحيد العلم به فهم دعاة للجهل والضلال.  فكيف يتصور أن يعذر جاهل التوحيد إلا إذا قبلنا التناقض، فمن جهل التوحيد فهو كمن لم يوحد أصلا لأن الشرط يلزم من عدمه العدم.   وكلمة التوحيد لا بد فيها من أمرين لقبولها:  العلم بمعناها،  والعمل بمقتضاها. فالجاهل بالتوحيد كافر كفر الجهل.  والكفر أنواع ( كفر جهل وتكذيب وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار وكفر نفاق )  . وإذا تأملت أحوال المتلبسين بالشرك، وجدت أنهم يكذبون كل من ينهى عما هم عليه من الشرك كالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وغيرها، بسبب جهلهم.  إن منهم من يقع في الشرك العظيم وهو يحفظ القرآن ويعرف لغة العرب بل يدرسها  وقد قال سبحانه: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ . وقال سبحانه: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ .   فهؤلاء جهال دفعهم الجهل إلى التكذيب بما لم يحيطوا به علما ولم يعذروا بجهلهم.    ومن المعلوم أن أهل النار جهال فقد وصفهم الله سبحانه بغاية الجهل ومنتهاه قال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ ، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ . وقد ذكر الله سبحانه شك المشركين فيما جاءهم من عند الله والشاك جاهل قال سبحانه: ﴿ِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ . وقال: ﴿  وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .  يقول الله سبحانه﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .   قال الطبري ( هذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين أن الله لا يعذب من عباده إلا من كفر به عنادا بعد علمه بوحدانيته وبعد تقرر صحة ما عاند ربه تبارك وتعالى عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق وخداعهم إياه والمؤمنين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون، وأنهم يخادعون الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيمان به مخدوعون ثم أخبر تعالى ذكره أن لهم عذابا أليما بتكذيبهم بما كانوا يكذبون من نبوة نبيه واعتقاد الكفر به، وبما كانوا في زعمهم أنهم مؤمنون وهم على الكفر مصرون) .   وقال البغوي: ( وما يشعرون) أي : لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم ) .  وقال ابن كثير ( وقوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك وأن ذلك نافعهم عنده وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين ) . قال تعالى: ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .  قال ابن كثير في تفسيره: ( قال ابن جرير : وهذا من أبين الدلالة على خطإ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيرتكبها عنادا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهُدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية ) . فهذا كلام شيخ المفسرين وصاحب أصح التفاسير، وقال البغوي في تفسيرها : ( قوله عز وجل ﴿ فَرِيقًا هَدَى ﴾ أي هداهم الله ﴿ وَفَرِيقًا حَقَّ  ﴾ وجب ﴿ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ  ﴾ أي الإرادة السابقة ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء) . وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ . ( روى البخاري عن مصعب قال سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ أهم الحرورية ؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد رضي الله عنه يسميهم : الفاسقين" ) . وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم. لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا.  فإن هذه الآية مكية، قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد غير الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ  * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ  * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً  ﴾ . وقوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ . وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ . وقال في هذه الآية الكريمة ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ﴾ أي نخبركم ﴿ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ ثم فسرها فقال ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ أي : يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون) .  فالغفلة والجهل والتقليد ليست أعذارا مقبولة، ولا يُعذر في الكفر إلا المكره المطمئن قلبه بالإيمان قال تعالى: { مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }[النحل:106- 108]،   فكل من وقع في الكفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا وهو من الغافلين، فلا ريب أن هذه الغفلة التي منها الجهل تؤدي بصاحبها إلى الشرك فكيف يُعذر بها وهي المؤدية إلى الشرك.  يقول شيخ الاسلام رحمه الله تعالى   في تفسير قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً..} [النحل: 106]، الآيات  قال: (لو كان التكلم بالكفر لا يكون كفراً إلا إذا شرح به الصدر لم يستثن المكره. فلما استثنى المكره علم أن كل من تكلم بالكفر غير المكره فقد شرح به صدراً. فهو حكم وليس قيداً للحكم). اهـ. وتأمل قوله الأخير.. (فهو حكم وليس قيداً للحكم) فإنه مهم..  فالمعلن لكلمة الكفر لغير عذر شرعي كافر قد شرح بالكفر صدره، ولا يقال ننظر حتى نعرف ما في صدره أمعتقد هو أم مستحل أم لا؟ وكذا الساب لله ولرسوله ولدينه شارح بسبّه هذا صدره للكفر وإن لم يعلمنا هو بذلك، وكذا الساجد للصنم طائعاً قد شرح بالكفر صدره بفعله هذا ولا يقال ننظر أمستحل أم غير مستحل، لأن هذه الأعمال أعمال مكفرة بذاتها، وكذا المسثغيث بغير الله والمشرّع مع الله أو المتبع والمبتغي غير الله حكماً ومشرعاً ومعبوداً قد شرح بالكفر صدره بجعل نفسه طاغوتاً معبوداً في ذلك أو باتباعه للطاغوت والتزامه وتحاكمه لشرعه، ولا نقول ننظر أستحل الفعل المكفر اوالتشريع مع الله واعتقده أم لم يعتقده.. وكذا المستهزئ بشيء من دين الله كافر باستهزائه نفسه، شارح بالكفر صدره وإن لم يخبرنا هو بذلك، فنكفره بمجرد الاستهزاء ولا نتوقف حتى نسأله عن اعتقاده واستحلاله، بل لو صرّح بأنه غير معتقد ولا مستحل لكفرناه وقلنا له كما قال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66].  فهو حكم بالكفر كما ذكر شيخ الإسلام وليس قيداً للكفر كما جعله اهل الارجاء . ولو اعتبر مثل هذا الأمر الغيبي الخفي قيداً للكفر في الأعمال المكفرة لأصبح دين الله ألعوبة بيد كل زنديق. فما من كافر ولا مشرك إلا ويزعم أنه يضمر الإحسان والتوفيق والإيمان والرشاد.  والشارع الحكيم إنما أناط الأحكام الشرعية - ومنها التكفير - في الدنيا بعلل وأسباب ظاهرة ومنضبطة، ولم ينطها بأسباب خفية أو غيبية أو باطنية فهذا كله يتبع أحكام الآخرة. ثم كُفر التكذيب والجحود ما هو إلا نوع واحد من أنواع الكفر.. وليس هو النوع الوحيد كما هو معلوم..  وكم من جاهل أن قولا ما أو عملا ما مكفِّر كُفِّر بما قال أو عمل من ذلك ولم يُعذر ومما يوضح ذلك قوله تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.. }[التوبة:65- 66]،   فهؤلاء يجهلون أن عملهم ذلك مكفر، فلم ينفعهم جهلهم وتأويلهم فالجد والهزل والجهل في الكفر سواء، وهذا في قوم الأصل فيهم الإيمان، وكذلك قوم نوح الأصل فيهم الإيمان عبدوا الأصنام لجهلهم.  واعلموا أن الجاهلين لم يُكرَهوا فقد فطرهم الله على الإيمان ورزقهم العقول ونصب لهم الأدلة الواضحة والآيات الدالة على وحدانيته فهم غافلون ما لم يوحدوا الله، وغافلون ما لم يأتهم رسول من عند الله، ولا تزول تلك الغفلة إلا بالإيمان والتوحيد.  وتأمل قوله تعالى: { ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } [الأنعام:131]، فلم يصبهم الهلاك في الدنيا لغياب الرسالة ومع ذلك فهم غافلون كما في قوله تعالى: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [يس:6]. فهؤلاء الذين لم يُنذروا لم يُعذروا بجهلهم وغفلتهم فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس: ( أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: في النار فلما قفَّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويُطعم المسكين فهل ذاك نافعه ؟ قال: لا ينفعه إنه لم يقل يوما ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين) رواه مسلم.  وروى أحمد أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدم عليه وفد بني المنتفق: ( يا رسول الله هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار (قالها للسائل )، فقال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: فلكأنه وقع حرّ بين جلدي ووجهى ولحمى مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم إذا الأخرى أجمل فقلت يا رسول الله وأهلك قال: وأهلي لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار)  فانظر إلى هؤلاء الغافلين الذين لم يُنذروا ومع ذلك لم يُعذروا بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في النار فكيف يُعذر قوم بلغهم القرآن ولم يزالوا جاهلين غافلين متلبِّسين بالشرك. ولنتأمل في هذا الموضوع كتاب الله.  يقول جل من قائل: { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الزمر:64- 66]، فصرف العبادة أو بعضها لغير الله هو الشرك بعينه، والأمر بذلك شرك، ومع ذلك وصف هؤلاء الجاهلون بالمشركين، ولم يُعذروا بجهلهم، وهذا من أقوى الأدلة في المسألة حيث ذكر الله حبوط العمل بالشرك الذي أمر به أولئك الجاهلون الذين { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الأنعام: 67 ]. ويقول تعالى: { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } [الأنعام: 148] فهؤلاء سماهم الله تعالى مشركين ولم يكن عندهم من علم وإنما كانوا يتبعون الظن ولم يُعذروا بذلك، } قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }[الأنعام:149].  "وهذا يبين لنا أن الحجة قد تقام على الشخص ويبقى رغم ذلك على جهله فهل يعذر أم أنه ما دام جاهلا لم تُقم عليه الحجة فلا بد من علمه وعناده، فإن قالوا لا يُعذر فما الفرق بين الحالتين وسبب العذر لا يزال موجودا ألا وهو الجهل، وإن قالوا يُعذر فما المترتب على إقامة الحجة عليه والحكم لم يتغير، وهذا يبين لك أن وصف الشرك أو الكفر يثبت قبل قيام الحجة."  ___________________  روى مسلم من حديث يحي بن يعمر قال  (كان أول من تكلم في القدر في البصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين .. الحديث، وفيه أنهم سألوا ابن عمر عن ناس يقرؤون القرآن ويتقعرون العلم وذكر من شـأنهم وأنهم يزعمون ألا قدر وأن الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ... الحديث) .   قال النووي في شرحه للحديث : هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنه ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض رحمه الله : " هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف) . وقال ابن تيمية ( وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها فهذا حق لا ريب فيه وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار، وهذا العلم والكتاب هو القدر الذي ينكره غالبية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار. كفرهم الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما ) . فتأمل كيف أن ابن عمر لم ينظر في حال هؤلاء بل قال بكفرهم بمجرد سماعه لمقالتهم، وهكذا الأئمة قالوا بكفرهم، ومعلوم أنهم ما قالوا مقالتهم إلا بسبب الجهل والتأويل الفاسد، ثم إنها دون عبادة غير الله، فكيف بمن وقع في الشرك بعبادة غير الله؟   قال ابن جرير رحمه الله: ( فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف لوجود الأدلة متفقة في الدلالة عليه غير مختلفة ظاهرة للحس غير خفية. فتوحيد الله تعالى ذكره والعلم بأسمائه وصفاته وعدله. وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة فلن يعدم دليلا دالا وبرهانا واضحا يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه ويوضح له حقيقة صحة ذلك، ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدا كان بالصفة التي وصفت بالجهل وبأسمائه، وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره، والخلاف عليه بعدم العلم به وبربوبيته في أحكام الدنيا وعذاب الآخرة فقال جل ثناؤه: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾  ) . قال محقق "التبصير"  – في تعليقه على كلام ابن جرير هذا: ( ومثل هذا ما قاله – رحمه الله – في تفسيره لآيات الكهف (15/28) فقال: ( والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله عز وجل عنى بقوله: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا  ﴾ كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهبان والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا) ا.هـ  قال المحقق ( وإن زعم هؤلاء- وبعضهم ذو اجتهاد وعبادة على طريقته- أنهم يتعبدون لله ويتقربون إليه، ومع هذا كله كفرهم الله وسماهم بأسماء الكفرة وجعل لهم أحكامهم في الآخرة، ولازمه أنه لم يعذرهم على جهلهم وظنهم ( حسبانهم ) أنهم على حَسَنٍ من العمل صالح كما في سورة فاطر حيث يقول سبحانه: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾، قالها سبحانه في هؤلاء وأمثالهم، فجهلهم غير مقبول لوجوب طلب الهدى عليهم وتقرره في حقهم وهذه المسألة مهم فهمها".  ثم ساق رد ابن جرير رحمه الله على من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانية الله. قال المحقق ( وهذا مثل كفرة أهل الكتاب من اليهود والنصارى والقبوريين بل والوثنيين عموما لا يكفرون حتى يعلم قصدهم للكفر وعناد الله سبحانه وتعالى وهذا باطل بصريح القرآن والسنة... ودلالة الفطرة والعقل السليم. فتأمله بلوازمه ترى أثره ) .  فتأمل رحمك الله كيف عطف القبوريين على اليهود والنصارى ثم عطف عليهم الوثنيين عموما مع العلم أن القبوريين ينتسبون للإسلام ويجهلون ما هم عليه من الشرك بالله، فصنيعه هذا هو ما يقتضيه الفهم السليم والمعرفة الحقة.   قال الشوكاني رحمه الله ( من وقع في الشرك جاهلا لم يعذر، لأن الحجة قامت على جميع الخلق بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن جهل فقد أُتي من قبل نفسه بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة وإلا ففيهما البيان الواضح كما قال سبحانه وتعالى في القرآن ﴿ ... تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ . وكذلك السنة قال أبو ذر رضي الله عنه ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ترك طائرا يقلب جناحيه بين السماء والأرض إلا ذكر لنا منه علما . أوكما   قال رضي الله عنه، فمن  جهل فبسبب إعراضه ولا يعذر أحد بالإعراض )  . _________________________ جزء من مقال "رسالة الي العاذر بالجهل "‎
وكثير ممن يرى عذر الجاهل الذي يرتكب الشرك الأكبر، يجعل العلة في ذلك انتسابه إلى الإسلام، ودعواه أنَّه من المسلمين.
فإذا عبد غير الله، ودعاه وذبح له، ونشأ على ذلك من مولده إلى مماته، وكان يقول بلسانه إني مسلم، عده من المسلمين، وإذا عبد غير الله ودعاه وذبح له، وكان يقول بلسانه إنِّي على الدين الذي أمرني الله به لم يعذره، وهذا من التناقض ولا شكَّ.
وإذا أُورد عليه التسوية بين عباد القبور وعباد الأوثان وعدم عذر أحد منهم بالجهل، جعل الفرق الانتساب إلى الإسلام، وبسبب هذا الانتساب يحكم بكفر عابد الوثن، وبإسلام عابد القبر.وليس معه دليل علي التخصيص كما اسلفنا ذكره 
والانتساب إلى الإسلام إن أُريد به الانتساب إلى الإسلام وحده دون سائر الشرائع، فهو حكم لا دليل عليه، وإن أُريد به الانتساب إلى دين الله عز وجل، سواء كان الانتساب إلى الإسلام الذي بُعث به محمد صل الله عليه وسلم، أو إلى اليهودية أو النصرانية أو غيرها من الأديان التي بُعث بها الرسل، لزم صاحب هذه المقالة أن يحكم بإسلام جهال اليهود والنصارى وغيرهم لأنهم منتسبون إلى دين الله الذي أمرهم باتباعه، فيما يزعمون ويظنون ووقعوا في نواقض له عن جهل، ومن عذر هؤلاء كفر وخرج من الملة، وكذّب الصحيح الصريح من الأدلة.
بل يلزمه أن يحكم بإسلام مشركي قريش قبل بعثة رسول الله صل الله عليه وسلم، لأنهم على دين إبراهيم فيما يزعمون ويظنون، وكان عندهم بعض الشعائر منه والأحكام كالحج والختان وتعظيم المشاعر، ويقرون بالله ربًّا لا شريك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، ولكنهم يشركون مع الله غيره لتقربهم إلى الله معتقدين أن الله أذن له بالنيابة عنه والوساطة بينه وبين خلقه تعالى الله عما يزعمون، وعباد القبور مثلهم في كل هذا، إلا أن عباد القبور ينتسبون إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بدل انتساب الجاهليين إلى إبراهيم، ثم هم وإياهم سواء في كل شيء، ولا ينفع عباد القبور اتباعهم النبي صل الله عليه وسلم أو التزامهم بعض شرائع دينه، كما لا ينفع كفار قريش اتباعهم إبراهيم أو التزامهم بعض شرائع دينه.
فالانتساب إلى الإسلام يُقابله الانتساب إلى ملة إبراهيم، وبعض الشرائع التي يتعبدون بها تقابلها شرائع، والكثرة والقلة لا تؤثر في ثبوت الإيمان والكفر، والإقرار بالربوبية لله يُقابله إقرار أولئك بالربوبية، وكل من الفريقين كافرٌ بالله خارج من الملة مارق من الدين، بل حتى زعم القبوريين أنَّ ما يفعلونه من أمر الله ورسوله، يُقابله قول المشركين في الجاهلية كما حكى الله عز وجل عنهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، وهذا حجة غالب المشركين من عباد القبور اليوم، بل قد لقيت من كبار مشايخ أهل الشرك المعمرين، من يحتج بحجة الكفار الأولين بعينها، ويقول ليس لك أن تنكر ما عليه الناس لأنَّهم أخذوه عن آبائهم، وآباؤهم لا شك أنَّهم أخذوه عن آبائهم، وأخذه الخلف عن السلف، ثم هو عن رسول الله صل الله عليه وسلم !، وهذا عين ما في الآية من احتجاج المشركين بأمرين: أنهم وجدوا عليه آباءهم، وأن الله أمرهم به. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: ”ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع“، وهذا وإن كان ورد في سياق الفاحشة التي فسرت بأنها طوافهم بالبيت عراة، إلا أنه يدل على وجه استدلالهم بفعل آبائهم، وهو ظنهم أن فعل آبائهم عن شريعة من الله.
وهذا الغلط كما يقع من بعض المخالفين في مسألة العذر بالجهل، فإنَّه يقع في العامة كثيرًا في عذر المعاند المنتسب إلى الإسلام، فلا يكفرون منتسبًا إلى الإسلام أبدًا، بل قد سمعت بعض من كانوا يسمون دعاة الصحوة ممن بدل تبديلاً كثيرًا يقول: لا أكفِّر من يقول أنا مسلم، عند سؤاله عن مثل بشار الأسد وطواغيت العرب من الحكام الكافرين، وهذه عين الشبهة العامِّيَّة، وليت شعري إن كان هذا المسلك هدى وحقًّا، فلم كلف الصديق نفسه مقاتلة مسيلمة ومن معه حتى فني خيار الصحابة واستحرَّ القتل في القراء أهل العلم والقرآن؟! وأكثر من حكم أهل العلم بكفرهم من المرتدين، إن لم يكن غالبهم كانوا ينتسبون إلى الإسلام ويأبون أن يُوصفوا بغيره.
بل طرد هذا القول: أن لا يكفر من يقول أنا على دين موسى، أو أنا على دين عيسى من اليهود والنصارى، وهذا القول ممعن في الضلالة بعيد كل البعد عن دين الله وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: لا يُسلَّم بهذا فإنَّهم كفروا بعد بعثة محمد ونسخ أديانهم، فمقتضى هذا أنَّهم لو انتسبوا إلى الإسلام بعد بعثة محمد وبقوا على ما هم عليه عُذر جاهلهم وكان مسلمًا، ومقتضاه أيضًا أنَّ جهالهم كانوا جميعًا مسلمين مؤمنين وقت بعثة النبي صل الله عليه وسلم، وإنَّما كفروا ببعثته، وهذا معلوم البطلان.

قال الشوكاني ،في رده على من يقول بأن عباد القبور مثبتون للتوحيد بخلاف غيرهم :
( ولا يخفاك أن هذا عذر باطل؛ فإن إثباتهم للتوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشركون في ذلك؛ هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون، وإن كان بأفعالهم، فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم )

قال تعالى: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86] فقد أخبر الله تعالى أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن الجهل لا يغني مع صحة القول شيئا.وهذا محل اجماع 

ويبين ذلك قوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [محمد:19] فهذا يبين أن العلم ركن في تحقيق شهادة الحق لا إله إلا الله وهذا يهدم بجلاء القول بالعذر بالجهل.

ولما دعي المشركون إلى التوحيد حكى الله عنهم قولهم: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، فأدركوا معنى كلمة التوحيد وشهادة الحق ولكنهم لم يستجيبوا، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يعذر القبوريون الذين قالوا كلمة التوحيد ثم نقضوها جهلا بالاستغاثة بالموتى والذبح عند قبورهم وغير ذلك من النواقض؟ وكيف يعذر المحكمون للطاغوت الموالون للكفار المحاربون للدعاة إلى الخير؟

إذا كان أهل العذر بالجهل يقولون إن العلم ركن اوشرط في التوحيد فكيف يعذرون جاهل التوحيد ويحكمون له به، وإذا لم يشترطوا في التوحيد العلم به فهم دعاة للجهل والضلال.

فكيف يتصور أن يعذر جاهل التوحيد إلا إذا قبلنا التناقض، فمن جهل التوحيد فهو كمن لم يوحد أصلا لأن الشرط يلزم من عدمه العدم. 
وكلمة التوحيد لا بد فيها من أمرين لقبولها: 
العلم بمعناها، 
والعمل بمقتضاها.
فالجاهل بالتوحيد كافر كفر الجهل. 
والكفر أنواع ( كفر جهل وتكذيب وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار وكفر نفاق ) . وإذا تأملت أحوال المتلبسين بالشرك، وجدت أنهم يكذبون كل من ينهى عما هم عليه من الشرك كالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وغيرها، بسبب جهلهم. 
إن منهم من يقع في الشرك العظيم وهو يحفظ القرآن ويعرف لغة العرب بل يدرسها 
وقد قال سبحانه: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ . وقال سبحانه: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ .

فهؤلاء جهال دفعهم الجهل إلى التكذيب بما لم يحيطوا به علما ولم يعذروا بجهلهم. 

ومن المعلوم أن أهل النار جهال فقد وصفهم الله سبحانه بغاية الجهل ومنتهاه قال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ ، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ . وقد ذكر الله سبحانه شك المشركين فيما جاءهم من عند الله والشاك جاهل قال سبحانه: ﴿ِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ . وقال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .

يقول الله سبحانه﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .

قال الطبري ( هذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين أن الله لا يعذب من عباده إلا من كفر به عنادا بعد علمه بوحدانيته وبعد تقرر صحة ما عاند ربه تبارك وتعالى عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق وخداعهم إياه والمؤمنين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون، وأنهم يخادعون الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيمان به مخدوعون ثم أخبر تعالى ذكره أن لهم عذابا أليما بتكذيبهم بما كانوا يكذبون من نبوة نبيه واعتقاد الكفر به، وبما كانوا في زعمهم أنهم مؤمنون وهم على الكفر مصرون) . 

وقال البغوي: ( وما يشعرون) أي : لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم ) .

وقال ابن كثير ( وقوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك وأن ذلك نافعهم عنده وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين ) .
قال تعالى: ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .

قال ابن كثير في تفسيره: ( قال ابن جرير : وهذا من أبين الدلالة على خطإ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيرتكبها عنادا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهُدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية ) . فهذا كلام شيخ المفسرين وصاحب أصح التفاسير، وقال البغوي في تفسيرها : ( قوله عز وجل ﴿ فَرِيقًا هَدَى ﴾ أي هداهم الله ﴿ وَفَرِيقًا حَقَّ ﴾ وجب ﴿ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾ أي الإرادة السابقة ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء) .
وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ .
( روى البخاري عن مصعب قال سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ أهم الحرورية ؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد رضي الله عنه يسميهم : الفاسقين" ) .
وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم. لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا. 
فإن هذه الآية مكية، قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد غير الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ . وقوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ . وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ .
وقال في هذه الآية الكريمة ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ﴾ أي نخبركم ﴿ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ ثم فسرها فقال ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ أي : يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون) .

فالغفلة والجهل والتقليد ليست أعذارا مقبولة، ولا يُعذر في الكفر إلا المكره المطمئن قلبه بالإيمان قال تعالى: { مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }[النحل:106- 108]،

فكل من وقع في الكفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا وهو من الغافلين، فلا ريب أن هذه الغفلة التي منها الجهل تؤدي بصاحبها إلى الشرك فكيف يُعذر بها وهي المؤدية إلى الشرك.

يقول شيخ الاسلام رحمه الله تعالى 

في تفسير قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً..} [النحل: 106]، الآيات

قال: (لو كان التكلم بالكفر لا يكون كفراً إلا إذا شرح به الصدر لم يستثن المكره. فلما استثنى المكره علم أن كل من تكلم بالكفر غير المكره فقد شرح به صدراً. فهو حكم وليس قيداً للحكم). اهـ.
وتأمل قوله الأخير.. (فهو حكم وليس قيداً للحكم) فإنه مهم..

فالمعلن لكلمة الكفر لغير عذر شرعي كافر قد شرح بالكفر صدره، ولا يقال ننظر حتى نعرف ما في صدره أمعتقد هو أم مستحل أم لا؟ وكذا الساب لله ولرسوله ولدينه شارح بسبّه هذا صدره للكفر وإن لم يعلمنا هو بذلك، وكذا الساجد للصنم طائعاً قد شرح بالكفر صدره بفعله هذا ولا يقال ننظر أمستحل أم غير مستحل، لأن هذه الأعمال أعمال مكفرة بذاتها، وكذا المسثغيث بغير الله والمشرّع مع الله أو المتبع والمبتغي غير الله حكماً ومشرعاً ومعبوداً قد شرح بالكفر صدره بجعل نفسه طاغوتاً معبوداً في ذلك أو باتباعه للطاغوت والتزامه وتحاكمه لشرعه، ولا نقول ننظر أستحل الفعل المكفر اوالتشريع مع الله واعتقده أم لم يعتقده.. وكذا المستهزئ بشيء من دين الله كافر باستهزائه نفسه، شارح بالكفر صدره وإن لم يخبرنا هو بذلك، فنكفره بمجرد الاستهزاء ولا نتوقف حتى نسأله عن اعتقاده واستحلاله، بل لو صرّح بأنه غير معتقد ولا مستحل لكفرناه وقلنا له كما قال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66].

فهو حكم بالكفر كما ذكر شيخ الإسلام وليس قيداً للكفر كما جعله اهل الارجاء . ولو اعتبر مثل هذا الأمر الغيبي الخفي قيداً للكفر في الأعمال المكفرة لأصبح دين الله ألعوبة بيد كل زنديق.
فما من كافر ولا مشرك إلا ويزعم أنه يضمر الإحسان والتوفيق والإيمان والرشاد.

والشارع الحكيم إنما أناط الأحكام الشرعية - ومنها التكفير - في الدنيا بعلل وأسباب ظاهرة ومنضبطة، ولم ينطها بأسباب خفية أو غيبية أو باطنية فهذا كله يتبع أحكام الآخرة.
ثم كُفر التكذيب والجحود ما هو إلا نوع واحد من أنواع الكفر.. وليس هو النوع الوحيد كما هو معلوم..

وكم من جاهل أن قولا ما أو عملا ما مكفِّر كُفِّر بما قال أو عمل من ذلك ولم يُعذر ومما يوضح ذلك قوله تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.. }[التوبة:65- 66]، 

فهؤلاء يجهلون أن عملهم ذلك مكفر، فلم ينفعهم جهلهم وتأويلهم فالجد والهزل والجهل في الكفر سواء، وهذا في قوم الأصل فيهم الإيمان، وكذلك قوم نوح الأصل فيهم الإيمان عبدوا الأصنام لجهلهم.

واعلموا أن الجاهلين لم يُكرَهوا فقد فطرهم الله على الإيمان ورزقهم العقول ونصب لهم الأدلة الواضحة والآيات الدالة على وحدانيته فهم غافلون ما لم يوحدوا الله، وغافلون ما لم يأتهم رسول من عند الله، ولا تزول تلك الغفلة إلا بالإيمان والتوحيد.

وتأمل قوله تعالى: { ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } [الأنعام:131]، فلم يصبهم الهلاك في الدنيا لغياب الرسالة ومع ذلك فهم غافلون كما في قوله تعالى: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [يس:6].
فهؤلاء الذين لم يُنذروا لم يُعذروا بجهلهم وغفلتهم فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس: ( أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: في النار فلما قفَّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويُطعم المسكين فهل ذاك نافعه ؟ قال: لا ينفعه إنه لم يقل يوما ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين) رواه مسلم.

وروى أحمد أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدم عليه وفد بني المنتفق: ( يا رسول الله هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار (قالها للسائل )، فقال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: فلكأنه وقع حرّ بين جلدي ووجهى ولحمى مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم إذا الأخرى أجمل فقلت يا رسول الله وأهلك قال: وأهلي لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار)

فانظر إلى هؤلاء الغافلين الذين لم يُنذروا ومع ذلك لم يُعذروا بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في النار فكيف يُعذر قوم بلغهم القرآن ولم يزالوا جاهلين غافلين متلبِّسين بالشرك. ولنتأمل في هذا الموضوع كتاب الله.

يقول جل من قائل: { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الزمر:64- 66]، فصرف العبادة أو بعضها لغير الله هو الشرك بعينه، والأمر بذلك شرك، ومع ذلك وصف هؤلاء الجاهلون بالمشركين، ولم يُعذروا بجهلهم، وهذا من أقوى الأدلة في المسألة حيث ذكر الله حبوط العمل بالشرك الذي أمر به أولئك الجاهلون الذين { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الأنعام: 67 ].
ويقول تعالى: { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } [الأنعام: 148] فهؤلاء سماهم الله تعالى مشركين ولم يكن عندهم من علم وإنما كانوا يتبعون الظن ولم يُعذروا بذلك، } قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }[الأنعام:149].

"وهذا يبين لنا أن الحجة قد تقام على الشخص ويبقى رغم ذلك على جهله فهل يعذر أم أنه ما دام جاهلا لم تُقم عليه الحجة فلا بد من علمه وعناده، فإن قالوا لا يُعذر فما الفرق بين الحالتين وسبب العذر لا يزال موجودا ألا وهو الجهل، وإن قالوا يُعذر فما المترتب على إقامة الحجة عليه والحكم لم يتغير، وهذا يبين لك أن وصف الشرك أو الكفر يثبت قبل قيام الحجة."

___________________

روى مسلم من حديث يحي بن يعمر قال (كان أول من تكلم في القدر في البصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين .. الحديث، وفيه أنهم سألوا ابن عمر عن ناس يقرؤون القرآن ويتقعرون العلم وذكر من شـأنهم وأنهم يزعمون ألا قدر وأن الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ... الحديث) . 
قال النووي في شرحه للحديث : هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنه ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض رحمه الله : " هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف) .
وقال ابن تيمية ( وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها فهذا حق لا ريب فيه وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار، وهذا العلم والكتاب هو القدر الذي ينكره غالبية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار. كفرهم الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما ) .
فتأمل كيف أن ابن عمر لم ينظر في حال هؤلاء بل قال بكفرهم بمجرد سماعه لمقالتهم، وهكذا الأئمة قالوا بكفرهم، ومعلوم أنهم ما قالوا مقالتهم إلا بسبب الجهل والتأويل الفاسد، ثم إنها دون عبادة غير الله، فكيف بمن وقع في الشرك بعبادة غير الله؟ 

قال ابن جرير رحمه الله: ( فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف لوجود الأدلة متفقة في الدلالة عليه غير مختلفة ظاهرة للحس غير خفية. فتوحيد الله تعالى ذكره والعلم بأسمائه وصفاته وعدله. وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة فلن يعدم دليلا دالا وبرهانا واضحا يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه ويوضح له حقيقة صحة ذلك، ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدا كان بالصفة التي وصفت بالجهل وبأسمائه، وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره، والخلاف عليه بعدم العلم به وبربوبيته في أحكام الدنيا وعذاب الآخرة فقال جل ثناؤه: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ ) .
قال محقق "التبصير" – في تعليقه على كلام ابن جرير هذا: ( ومثل هذا ما قاله – رحمه الله – في تفسيره لآيات الكهف (15/28) فقال: ( والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله عز وجل عنى بقوله: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهبان والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا) ا.هـ 
قال المحقق ( وإن زعم هؤلاء- وبعضهم ذو اجتهاد وعبادة على طريقته- أنهم يتعبدون لله ويتقربون إليه، ومع هذا كله كفرهم الله وسماهم بأسماء الكفرة وجعل لهم أحكامهم في الآخرة، ولازمه أنه لم يعذرهم على جهلهم وظنهم ( حسبانهم ) أنهم على حَسَنٍ من العمل صالح كما في سورة فاطر حيث يقول سبحانه: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾، قالها سبحانه في هؤلاء وأمثالهم، فجهلهم غير مقبول لوجوب طلب الهدى عليهم وتقرره في حقهم وهذه المسألة مهم فهمها".

ثم ساق رد ابن جرير رحمه الله على من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانية الله. قال المحقق ( وهذا مثل كفرة أهل الكتاب من اليهود والنصارى والقبوريين بل والوثنيين عموما لا يكفرون حتى يعلم قصدهم للكفر وعناد الله سبحانه وتعالى وهذا باطل بصريح القرآن والسنة... ودلالة الفطرة والعقل السليم. فتأمله بلوازمه ترى أثره ) .

فتأمل رحمك الله كيف عطف القبوريين على اليهود والنصارى ثم عطف عليهم الوثنيين عموما مع العلم أن القبوريين ينتسبون للإسلام ويجهلون ما هم عليه من الشرك بالله، فصنيعه هذا هو ما يقتضيه الفهم السليم والمعرفة الحقة. 

قال الشوكاني رحمه الله ( من وقع في الشرك جاهلا لم يعذر، لأن الحجة قامت على جميع الخلق بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن جهل فقد أُتي من قبل نفسه بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة وإلا ففيهما البيان الواضح كما قال سبحانه وتعالى في القرآن ﴿ ... تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ . وكذلك السنة قال أبو ذر رضي الله عنه ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ترك طائرا يقلب جناحيه بين السماء والأرض إلا ذكر لنا منه علما . أوكما قال رضي الله عنه، فمن جهل فبسبب إعراضه ولا يعذر أحد بالإعراض ) .
_________________________
جزء من مقال "رسالة الي العاذر بالجهل "

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر