شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))
![Photo: شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) ------------------------------------------------ يُعظم علماء المرجئة وعلماء الحكومات هذا الحديث في أعين الناس حتى أستقر عند كثير من طلبة العلم أن من كفر مسلم فهو كافر - وهذا قول باطل - حتى تورع كثيرٌ من طلبة العلم عن تكفير الطواغيت، ووجد من يتورع عن قول ((ظالم)) للطاغوت، ويتبين ضلال هذا القول من وجوه: -------------------- 1) أن عمر بن الخطاب كفر حاطب بن أبي بلتعة لأنه فعل جُرماً عظيماً وليس كفراً، والدليل على ذلك أن الله ناداه باسم الإيمان في قوله: {يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية [الممتحنة/1]، لمّا أراد الرسول صل الله عليه وسلم فتح مكة كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بقدوم النبي صل الله عليه وسلم، فقال عمر: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، ولم ينكر النبي صل الله عليه وسلم على عمر ولم يغضب، وقال: ((وما يُدريك يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) - وأصل القصة في البخاري - ، ومع ذلك ما قال النبي صل الله عليه وسلم لعمر: أنت تكفيري تكفر المسلمين وأنت من الخوارج، كما يقول علماء الحكومات اليوم لأهل التوحيد، ومع ذلك بوب البُخاري في (صحيحه) على هذه القصة، وقال: (باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً). -------------------------- - وقال ابن القيم رحمه الله على قصة حاطب وما فيها من الفوائد: (وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظّه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يُثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدَّعوه) 2) وأيضاً ما ثبت في البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أن معاذاً كان يُصلي مع النبي صل الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم، فقرأ بالبقرة، فتجوز رجل فصلى صلاةً خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فأخبر الرجل النبي صل الله عليه وسلم، ولم ينكر قول معاذ للرجل ولكن أنكر الإطالة، فقال: ((أفتّان أنت يا معاذ - قالها ثلاثاً - اقرأ (والشمس وضحاها) و (سبح أسم ربك الأعلى) ونحوها)). 3) وأيضاً ما حصل للصحابة في قصة الإفك، والحديث عند البخاري من حديث عائشة في كتاب التفسير سورة النور، لما صعد النبي صل الله عليه وسلم المنبر وقال: ((يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً. وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي))، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت - أي عائشة رضي الله عنها - : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلً صالحاً، ولكن احتملته الحميَّة، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتُلنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين... إلى آخر القصة. فجعل أُسيد بن حُضير سعد بن عبادة منافق، ويجادل عن منافق يعني عبد الله بن أبي سلول، ومعروف من هو سعد بن عباده! ومع ذلك لم ينكر النبي صل الله عليه وسلم على أُسيد ولم يقل إنك تكفيري أو خارجي، مثل ما يقول علماء الحكومات للترقيع لطواغيتهم، وما قام أحد من أهل التوحيد وصدع به وتبرأ من الطواغيت إلاَّ قالوا له هذا الكلام، حتى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لمّا صدع بالتوحيد وسب الطواغيت وعاداهم، قالوا عنه علماء السوء: إنه خارجيّ تكفيري مثل اليوم سواءً بسواء، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. وأما معنى الحديث: ((فقد باء بها)) أي باء بالإثم، يعني أنه آثم ولا يجوز ذلك، أما من قال إنه كُفر فقوله ضعيف بعيد جداً، فليُنتبه لذلك، ومن أراد مزيد بحث فليرجع إلى كلام الشيخ عبد الله أبو بطين في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) (5/511). ---------------------------------------------------- - وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (إن كان: المكفِّر لبعض صُلحاء الأمة متأولاً مخطئاً، وهو ممن يسوغ له التأويل، فهذا وأمثاله ممن رُفع عنه الحرج والتأثيم، لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعه، فإن عمر رضي الله عنه وصفه بالنفاق، وأستأذن رسول الله صل الله عليه وسلم في قتله، فقال له رسول الله صل الله عليه وسلم: ((وما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). ومع ذلك فلم يُعنف عمر، على قوله لحاطب: إنه قد نافق؛ وقد قال الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا} [البقرة/286] وقد ثبت: أن الربَّ تبارك وتعالى، قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها ((قد فعلت)) وأما إن كان: المكفِّر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان، من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفراً بواحاً، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفِّر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله) - وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله عن الذي يروي ((من كفر مسلماً فقد كفر)): فأجاب : (لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي صل الله عليه وسلم، وإنما الحديث المعروف: ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) ومن كفَّر إنساناً، أو فسقه. أو نفقه، متأولاً، غضباً لله تعالى، فيُرجى العفو عنه كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعه، أنه منافق، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم... وقول الجُهال: إنكم تكفرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام ولا التوحيد، والظاهر: عدم صحة إسلام هذا القائل فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئاً فليس بمسلم) =================== وقوله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه ) ، وفي الرواية الأخرى : ( ليس من رجل ادعى لغير أبيه ، وهو يعلمه إلا كفر . ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار . ومن دعا رجلا بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك ، إلا حار عليه . ____________________ 1- ذكر النووي في شرحه لمسلم استشكال بعض العلماء لظاهر الوعيد في هذه الأحاديث، وذلك لأن مذهب أهل الحق ، أهل السنة والجماعة ، أن لا يكفر المسلم بالمعاصي [1] ، ومن ذلك قوله لأخيه ( كافر ) ، من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام . لذلك ذكر في تأويله خمسة أوجه : أحدها : أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر . الوجه الثاني : معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره . الثالث : أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين ، نقله القاضي عياض عن الإمام مالك بن أنس . الرابع : معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر ، وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر ، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر . الوجه الخامس : معناه قد رجع عليه تكفيره ، فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً ، فكأنه كفر نفسه ، إما لأنه كفر من هو مثله ، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام ، والله أعلم .. أهـ [ مختصراً من شرح مسلم ] هذا وقد ضعف النووي الوجه الثالث المروي عن مالك ، بدعوى أن الخوارج عند الأكثرين لا يكفرون ببدعتهم ، وتعقبه الحافظ في الفتح فقال : ولما قاله مالك وجه ، وهو أن منهم من يكفر كثيراً من الصحابة ، ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة والإيمان ، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بالتأويل . ثم قال : والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم ، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم . أهـ 2- كان تبويب البخاري رحمه الله للأحاديث المتقدمة بقوله : باب من كفر أخاه [2] بغير تأويل فهو كما قال . ثم قال في الباب الذي يليه : باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً [3] . وذكر فيه قول عمر رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة ، إنه منافق ، وحديث إطالة معاذ بن جبل صلاته في قومهم وقوله عن الرجل الذي تجوز وحده في الصلاة ،أنه منافق . 3- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر حديث ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) وحديث ( إذا قال المسلم لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ) قال : وهذه الأحاديث كلها في الصحاح ، وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك ، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة : يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق ، ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا ، بل شهد للجميع بالجنة …) . [4] أهـ [ مجموع الفتاوى 3/284 ] 4-وقال ابن القيم رحمه الله ، في زاد المعاد ( فصل في الإشارة إلى ما في فتح مكة من الفقه ) : وفيها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه ، فإنه لا يكفر بذلك ، بل لا يأثم به ، بل يثاب على نيته وقصده ، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع ، فإنهم يُكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم وبدعهم ونحلهم ، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه . أهـ [ 3/423 ] 5-وقال الحافظ في الفتح في كتاب الصلاة [ 1/523 ] في فوائد الحديث الذي فيه قول القائل عن مالك بن الدخشن إنه منافق يجادل عن المنافقين : وان من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده ، لا يكفر بذلك ولا يفسق بل يعذر بالتأويل . أهـ 6-وقال الإمام أبو جعفر الوراق الطحاوي في عقيدته : ولا ننزل أحدا منهم [5] جنة ولا ناراً ، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك[6]، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى . [ متن العقيدة الطحاوية ص 9 ] 7- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدرر السنية : لو قدر أن رجلاً من المسلمين قال في أناس قد تلطخوا بأمور قد نص العلماء على أنها كفر ، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة ، غيرة لله ، وكراهة لما يكره الله من تلك الأعمال ، فغير جائز لأحد أن يقول في حقه : (ومن كفر مسلماً فهو كافر ) . أهـ [ ص132 من جزء الجهاد ] . _______________________________________ [1] لأن تكفير المسلم من جملة الذنوب الغير مكفرة . [2] تأمل قوله : أخاه . أي المسلم، وليس المرتد . [3] سبحان الله : إن مرجئة الزمان يلتمسون ألف عذرٍ وعذر لأجل سواد عيون طواغيت الحكم، بينما على العكس من ذلك مع من كفر أولئك الطواغيت فيكفرونهم دون الالتفات لتوفر شروط أو انتفاء موانع ! ولقد وقفت على وصف بعضهم للشيخ الفاضل محمد بن محمد الفزازي بأنه طاغوت ! حقاً كما قيل عنهم : مرجئة مع الحكام، خوارج مع الدعاة . [4] فنقول للمرجئة : هل كفر حاطب ؟! هل حار الكفر على عمر ؟! – حشا لله - . [5] أي من أهل القبلة . [6] ومفهوم المخالفة أنه إن ظهر منه شيء من ذلك فنشهد عليه بالكفر والشرك والنفاق على حسب عمله الذي اقترفه . ولذلك قال شارح الطحاوية – ابن أبي العز الحنفي - : لأنا قد أُمرنا بالحكم بالظاهر، ونُهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم . [ شرح الطحاوية ص 379 ] ==========](https://scontent-b-atl.xx.fbcdn.net/hphotos-ash4/1239840_618335591544747_480298969_n.png)
يُعظم علماء المرجئة وعلماء الحكومات هذا الحديث في أعين الناس حتى أستقر عند كثير من طلبة العلم أن من كفر مسلم فهو كافر - وهذا قول باطل - حتى تورع كثيرٌ من طلبة العلم عن تكفير الطواغيت، ووجد من يتورع عن قول ((ظالم)) للطاغوت، ويتبين ضلال هذا القول من وجوه:
--------------------
1) أن عمر بن الخطاب كفر حاطب بن أبي بلتعة لأنه فعل جُرماً عظيماً وليس كفراً، والدليل على ذلك أن الله ناداه باسم الإيمان في قوله: {يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية [الممتحنة/1]، لمّا أراد الرسول صل الله عليه وسلم فتح مكة كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بقدوم النبي صل الله عليه وسلم، فقال عمر: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، ولم ينكر النبي صل الله عليه وسلم على عمر ولم يغضب، وقال: ((وما يُدريك يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) - وأصل القصة في البخاري - ، ومع ذلك ما قال النبي صل الله عليه وسلم لعمر: أنت تكفيري تكفر المسلمين وأنت من الخوارج، كما يقول علماء الحكومات اليوم لأهل التوحيد، ومع ذلك بوب البُخاري في (صحيحه) على هذه القصة، وقال: (باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً).
--------------------------
- وقال ابن القيم رحمه الله على قصة حاطب وما فيها من الفوائد: (وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظّه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يُثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدَّعوه)
2) وأيضاً ما ثبت في البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أن معاذاً كان يُصلي مع النبي صل الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم، فقرأ بالبقرة، فتجوز رجل فصلى صلاةً خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فأخبر الرجل النبي صل الله عليه وسلم، ولم ينكر قول معاذ للرجل ولكن أنكر الإطالة، فقال: ((أفتّان أنت يا معاذ - قالها ثلاثاً - اقرأ (والشمس وضحاها) و (سبح أسم ربك الأعلى) ونحوها)).
3) وأيضاً ما حصل للصحابة في قصة الإفك، والحديث عند البخاري من حديث عائشة في كتاب التفسير سورة النور، لما صعد النبي صل الله عليه وسلم المنبر وقال: ((يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً. وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي))، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت - أي عائشة رضي الله عنها - : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلً صالحاً، ولكن احتملته الحميَّة، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتُلنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين... إلى آخر القصة.
فجعل أُسيد بن حُضير سعد بن عبادة منافق، ويجادل عن منافق يعني عبد الله بن أبي سلول، ومعروف من هو سعد بن عباده! ومع ذلك لم ينكر النبي صل الله عليه وسلم على أُسيد ولم يقل إنك تكفيري أو خارجي، مثل ما يقول علماء الحكومات للترقيع لطواغيتهم، وما قام أحد من أهل التوحيد وصدع به وتبرأ من الطواغيت إلاَّ قالوا له هذا الكلام، حتى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لمّا صدع بالتوحيد وسب الطواغيت وعاداهم، قالوا عنه علماء السوء: إنه خارجيّ تكفيري مثل اليوم سواءً بسواء، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.
وأما معنى الحديث: ((فقد باء بها)) أي باء بالإثم، يعني أنه آثم ولا يجوز ذلك، أما من قال إنه كُفر فقوله ضعيف بعيد جداً، فليُنتبه لذلك، ومن أراد مزيد بحث فليرجع إلى كلام الشيخ عبد الله أبو بطين في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) (5/511).
----------------------------------------------------
- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (إن كان: المكفِّر لبعض صُلحاء الأمة متأولاً مخطئاً، وهو ممن يسوغ له التأويل، فهذا وأمثاله ممن رُفع عنه الحرج والتأثيم، لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعه، فإن عمر رضي الله عنه وصفه بالنفاق، وأستأذن رسول الله صل الله عليه وسلم في قتله، فقال له رسول الله صل الله عليه وسلم: ((وما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). ومع ذلك فلم يُعنف عمر، على قوله لحاطب: إنه قد نافق؛ وقد قال الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا} [البقرة/286] وقد ثبت: أن الربَّ تبارك وتعالى، قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها ((قد فعلت)) وأما إن كان: المكفِّر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان، من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفراً بواحاً، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفِّر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله)
- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله عن الذي يروي ((من كفر مسلماً فقد كفر)): فأجاب : (لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي صل الله عليه وسلم، وإنما الحديث المعروف: ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) ومن كفَّر إنساناً، أو فسقه. أو نفقه، متأولاً، غضباً لله تعالى، فيُرجى العفو عنه كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعه، أنه منافق، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم... وقول الجُهال: إنكم تكفرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام ولا التوحيد، والظاهر: عدم صحة إسلام هذا القائل فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئاً فليس بمسلم)
===================
وقوله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه ) ، وفي الرواية الأخرى : ( ليس من رجل ادعى لغير أبيه ، وهو يعلمه إلا كفر . ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار . ومن دعا رجلا بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك ، إلا حار عليه .
____________________
1- ذكر النووي في شرحه لمسلم استشكال بعض العلماء لظاهر الوعيد في هذه الأحاديث، وذلك لأن مذهب أهل الحق ، أهل السنة والجماعة ، أن لا يكفر المسلم بالمعاصي [1] ، ومن ذلك قوله لأخيه ( كافر ) ، من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام . لذلك ذكر في تأويله
خمسة أوجه :
أحدها : أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر .
الوجه الثاني : معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره .
الثالث : أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين ، نقله القاضي عياض عن الإمام مالك بن أنس .
الرابع : معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر ، وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر ، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر .
الوجه الخامس : معناه قد رجع عليه تكفيره ، فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً ، فكأنه كفر نفسه ، إما لأنه كفر من هو مثله ، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام ، والله أعلم .. أهـ [ مختصراً من شرح مسلم ]
هذا وقد ضعف النووي الوجه الثالث المروي عن مالك ، بدعوى أن الخوارج عند الأكثرين لا يكفرون ببدعتهم ، وتعقبه الحافظ في الفتح فقال : ولما قاله مالك وجه ، وهو أن منهم من يكفر كثيراً من الصحابة ، ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة والإيمان ، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بالتأويل . ثم قال : والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم ، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم . أهـ
2- كان تبويب البخاري رحمه الله للأحاديث المتقدمة بقوله : باب من كفر أخاه [2] بغير تأويل فهو كما قال . ثم قال في الباب الذي يليه : باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً [3] . وذكر فيه قول عمر رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة ، إنه منافق ، وحديث إطالة معاذ بن جبل صلاته في قومهم وقوله عن الرجل الذي تجوز وحده في الصلاة ،أنه منافق .
3- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر حديث ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) وحديث ( إذا قال المسلم لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ) قال : وهذه الأحاديث كلها في الصحاح ، وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك ، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة : يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق ، ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا ، بل شهد للجميع بالجنة …) . [4] أهـ [ مجموع الفتاوى 3/284 ]
4-وقال ابن القيم رحمه الله ، في زاد المعاد ( فصل في الإشارة إلى ما في فتح مكة من الفقه ) : وفيها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه ، فإنه لا يكفر بذلك ، بل لا يأثم به ، بل يثاب على نيته وقصده ، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع ، فإنهم يُكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم وبدعهم ونحلهم ، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه . أهـ [ 3/423 ]
5-وقال الحافظ في الفتح في كتاب الصلاة [ 1/523 ] في فوائد الحديث الذي فيه قول القائل عن مالك بن الدخشن إنه منافق يجادل عن المنافقين : وان من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده ، لا يكفر بذلك ولا يفسق بل يعذر بالتأويل . أهـ
6-وقال الإمام أبو جعفر الوراق الطحاوي في عقيدته : ولا ننزل أحدا منهم [5] جنة ولا ناراً ، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك[6]، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى . [ متن العقيدة الطحاوية ص 9 ]
7- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدرر السنية : لو قدر أن رجلاً من المسلمين قال في أناس قد تلطخوا بأمور قد نص العلماء على أنها كفر ، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة ، غيرة لله ، وكراهة لما يكره الله من تلك الأعمال ، فغير جائز لأحد أن يقول في حقه : (ومن كفر مسلماً فهو كافر ) . أهـ [ ص132 من جزء الجهاد ] .
_______________________________________
[1] لأن تكفير المسلم من جملة الذنوب الغير مكفرة .
[2] تأمل قوله : أخاه . أي المسلم، وليس المرتد .
[3] سبحان الله : إن مرجئة الزمان يلتمسون ألف عذرٍ وعذر لأجل سواد عيون طواغيت الحكم، بينما على العكس من ذلك مع من كفر أولئك الطواغيت فيكفرونهم دون الالتفات لتوفر شروط أو انتفاء موانع ! ولقد وقفت على وصف بعضهم للشيخ الفاضل محمد بن محمد الفزازي بأنه طاغوت ! حقاً كما قيل عنهم : مرجئة مع الحكام، خوارج مع الدعاة .
[4] فنقول للمرجئة : هل كفر حاطب ؟! هل حار الكفر على عمر ؟! – حشا لله - .
[5] أي من أهل القبلة .
[6] ومفهوم المخالفة أنه إن ظهر منه شيء من ذلك فنشهد عليه بالكفر والشرك والنفاق على حسب عمله الذي اقترفه . ولذلك قال شارح الطحاوية – ابن أبي العز الحنفي - : لأنا قد أُمرنا بالحكم بالظاهر، ونُهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم . [ شرح الطحاوية ص 379 ]
Comments
Post a Comment