شبهة ات فاعل الكفر الأكبرالمعين لايكفر إلا بعد البيان أوإقامة الحجة؟
ونحن هنا نرد علي هذا الادعاء الكاذب الباطل من عدة وجوه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الأول:
ــــــــــــــــ
مخالفة هذا القول ومناقضته لقواعد الاشتقاق المنصوص عليها لغة وشرعاً، وهي ذات القواعد التي قضت بأن فاعل السرقة حقيقة يسمى سارق/ وأن فاعل الزنا حقيقة يسمى زانٍ / وأن فاعل جريمة القتل حقيقة يسمى قاتل، وبنفس هذه القواعد الشرعية هي التي قضت بأن فاعل الشرك حقيقة هو المشرك وأن فاعل الكفر الأكبر حقيقة هو الكافر. فالأصل في اللغة والشرع؛ "من فعل فعلاً سمى بهذا الفعل"، فمن شرب سميَ شارباً، فهل نقول لمن شرب "ماء"؛ فعله شرب ولكن هو لم يشرب؟! فالنحويين متفقون، سواء قيل بان الاسم مشتق من المصدر أو من الفعل فكل النحويين متفقون على ذلك، في أصل الاشتقاق، لأن المصدر والفعل كلاهما يتضمن الحدث الذي هو الفعل، فشارب مثلا يتضمن حدث الشرب، وهذا الحدث موجود في الفعل والمصدر، وفارق الفعل المصدر بأن الحدث قارنه زمن.
فمن أشرك مع الله غيره سمي مشركا، ومن ابتدع في الدين سمي مبتدعا، ومن شرب الخمر سمي شاربا للخمر.
الوجه الثاني:
ـــــــــــــــ
إن الحجة في التكاليف الشرعية هي القرآن والسنة وما يقرراه هو الأصل في الأحكام. وكل أصل لم يقل به القرآن والسنة فليس بأصل؛ قال ابن القيم رحمة الله عن هذه الأصول والقواعد غير المستندة إلى دليل من القرآن أو السنة: أما أن نقعد قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلعمر الله لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد أ.هـ
والقائل بأن فاعل الكفر الأكبر لا يكفر بفعله حتى ( يبين له وتقام عليه الحجة ) هو قول مخالف لصريح القرآن والسنة المصرحة بكفره ومناقضة للسنة الموجبة لاستتابته.
الوجه الثالث:
ــــــــــــــــ
أن النصوص الشرعية والسنة المطهرة وفعل أصحاب الرسول لم تفرق بين كافر بلغته دعوة الإسلام وكافر لم تبلغه الدعوة، بل الجميع في ميزان الشريعة وصريح النصوص كافر على غير دين الإسلام من مرتدين أو من سائر الأمم الأخرى والملل، والفارق الوحيد بينهما أن من لم تبلغه الدعوة كافر لا يجوز قتله قبل دعوته؛ ففي الحديث الصحيح عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً. وفيه قوله: ( وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ـ أو خلال ـ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ) الحديث رواه أحمد ومسلم وغيرهما.
قال الشوكاني رحمة الله: فيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة، وفي المسألة ثلاث مذاهب: الأول: أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه. وبه قال مالك والهادوية وغيرهم، وظاهر الحديث معهم.
والمذهب الثاني: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بغلتهم ولكن يستحب، قال ابن المنذر: وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه وبه يجمع بين ما ظاهرة الاختلاف من الأحاديث أ.هـ.
فانظر إلى عدم اختلاف الحكم بالكفر على أهل الكفر، ولم يفرق في ذلك بين من بلغته الدعوة ومن لم تبلغه، وأن الفارق الوحيد الذي يمكن إثباته بينهما هو ما ينبغي من دعوة من لم تبلغه الدعوة بينهم قبل قتالهم، فالأمر يتعلق بالقتال ولم يتعلق بحكم الكفر الثابت لديهم فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم وجعلوا الدعوة قبل قتالهم وقبل الحكم بكفرهم، ولم يكن ذلك هو الوارد بنص القرآن أو السنة، وقد تكاثرت الغزوات والسرايا والبعوث والفتوحات خلال عصر النبوة وما بعدها ولم يكن الكافر الذي لم تبلغه الدعوة موضع شك في كفره في أي من هذه البعوث.
قال الإمام ابن تيمية في ذلك: وسر ذلك أنا لا نجيز قتل كافر حتى نستتيبه؛ بأن يكون قد بلغته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فإن قتل من لم تبلغه الدعوة غير جائز، والمرتد قد بلغته الدعوة، فجاز قتله كالكافر الأصلي الذي بلغته، وهذا هو علة من رأى الاستتابة مستحبة، فإن الكفار يستحب أن ندعوهم إلى الإسلام عند كل حرب، وإن كانت الدعوة قد بلغتهم، فكذلك المرتد، ولا يجب ذلك فيها أ.هـ.
كما قال رحمة الله: يؤيد ذلك أن المرتد أغلظ كفراً من الكافر الأصلي: فإذا جاز قتل الأسير الحربي من غير استتابة فقتل المرتد أولى أ.هـ.
كما قال في شأن المرتد وكيف أنه أخبث حالاً من الكافر الأصلي: أن المرتد يجب قتله عيناً وإن لم يكن من أهل القتال، والكافر الأصلي لا يجوز أن يقتل إلا أن يكون من أهل القتال، كما يجوز استبقاؤه بالأمان، والهدنة، والذمة، والإرقاق، والمن، والفداء, وأما المرتد فلا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل أ.هـ.
فالنصوص لم تفرق بين كافر بلغته الدعوة وكافر لم تبلغه، إلا في شأن القتال لا الحكم بالكفر. وقد جعلت المرتد وهو صاحب فعل الكفر بعد الإسلام في مرتبة (الكافر الذي بلغته الدعوة)، بل هو شر منه .وهل الكافر الذي بلغته الدعوة يحتاج أن يبين له للحكم بكفره !!!
الوجه الرابع:
ــــــــــــــــ
إن هذه الشريعة الغراء لم تأتِ بتكفير المصرّ على الذنب أو المعصية أياً كانت المعصية، عدا الشرك أو الكفر الأكبر؛ حيث يكفر صاحبه بمجرده، والقول بعدم تكفير فاعل الشرك إلا بعد البيان أشبه في الضلال والإنحراف بالقول بتكفير المصر على الذنب أو المعصية،غير أن الأول صاحب تفريط مخل والثاني صاحب إفراط وغلو ، وحيث المصر على الذنب هو المتكرر الفعل له، حتى مع نهيه عن ذلك، وكلا القولين من الباطل ومخالف لما صرَّحت به النصوص قرآنا وسنة من تكفير فاعل الكفر أو الشرك الأكبر بمجرده، كما ورد في قوله تعالى
" يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ " التوبة:74
وكيف يظن عدم تكفير المتكلم بالكفر أو فاعله، رغم أن طائفة منهم جاؤوا ليعتذروا عن فعلهم هذا بادعائهم " إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ" فقيل لهم
" لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" التوبة
فلم يتوقف الحكم بتكفيرهم على بيان عالم ولا على حجة تقام مع ظهورها ، ولم يدفع الحكم عنهم حتى الاعتذار المجرد؛ قال ابن تيمية رحمة الله: قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر أ.هـ.
فأين توقف الحكم بكفر أمثال هؤلاء على البيان أو إقامة الحجة أو مثل هذا الكلام الذي ما أنزل الله به من سلطان؟!
وقال أيضاً رحمة الله: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافراً؛ إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله أ.هـ
وقال أيضاً: أن النبي كان له أن يعفو عمن شتمه وسبَّه حال حياته، وليس للأمة أن تعفوا عن ذلك، ويوضح ذلك أنه لا خلاف أن من سب النبي أو عابه بعد موته من المسلمين كان كافراً حلال الدم، وكذلك من سب نبياً من الأنبياء أ.هـ.
الوجه الخامس:
ــــــــــــــــــــ
أنه من المعلوم أصولياً أن كل عبادة تخلف عنها شيئاً من أركانها الأساسية أو شروط صحتها كانت عبادة باطلة لا تجزئ عن صاحبها ولا تبرأ بها الذمة.
ولما كان الكفر الأكبر والشرك المخرج من الملة مما يناقض أركان الإيمان الرئيسية؛ وكما قال تعالى
" وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً " النساء:136.
وهو أي الكفر الأكبر والشرك المخرج من الملة مما يناقض أيضاً أركان التوحيد الأساسية؛ وكما قال تعالى:
" إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدَا " النساء:116.
والنصوص في ذلك كثيرة،
فإن ادعاء الإسلام أو الإيمان مع التلبس بشيء من أنواع الكفر الأكبر أو الشرك المخرج من الملة يناقض:
أ ـ أركان الإيمان الرئيسية.
ب ـ كما يناقض أركان التوحيد الأساسية.
وكل عبادة تخلف ركن من أركانها الأساسية فهي عبادة باطلة في ميزان الشريعة، وهكذا ادعاء الإسلام مع التلبس بشيء من الكفر أو الشرك الأكبر ادعاء باطل لا يجزئ عن صاحبه شيئا، بل هو مردود عليه حتى يأتي بما دلت عليه النصوص صراحة من وجوب الانتهاء عن الشرك أو الكفر حتى يحكم له بالإسلام، وقد تكاثرت في إثبات ذلك الأدلة؛ ومنها قوله تعالى:
" إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ
وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ " الأنفال:19.
قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية المباركة: قوله تعالى " وَإِن تَنتَهُواْ " أي عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله " فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ " أي في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى " وَإِن تَعُودُواْ" كقوله " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " معناها وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة" وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ"أ.هـ.
فانظر كيف جعل العلامة الصالحة للحكم بإسلامهم هو (الانتهاء عن الشرك )وحذَّرهم مغبَّة العودة إليه " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " فكيف إذا عادوا إليه لا يحكم بكفرهم؟!.
وبمثل هذا يقول تعالى: الأنفال:38
" قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ "
قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية الكريمة: " قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ " أي عمَّا هم فيه من الكفر والمشاقَّة والعناد، ويدخلون في الإسلام والطاعة والإنابة. "يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ" أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال: ( من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ).
وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها ).
وقوله "وَإِنْ يَعُودُواْ " أي يستمروا على ما هم فيه. "فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ" أي فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. أ.هـ.
وقد أمر تعالى بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ويكون الدين كله لله، فكيف يرد الأمر بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ثم إذا وقع نفس هذا الشرك من أدعياء الإسلام فلا شيء عليه، ولا يكفر بذلك ! سبحانك هذا بهتان عظيم، وضلال مبين، ومعاندة لما أرسل الله به النبي الأمين؛ فقد قال عز من قائل: الأنفال:39.
" وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
قال ابن كثير: قال الضحاك عن ابن عباس " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" يعني لا يكون شرك وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد.
وقوله " فَإِنِ انْتَهَوْاْ" أي عما هم فيه من الكفر فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم " فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" كقوله: " فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ " الآية.
وفي الآية الأخرى " فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ " أ.هـ.
وتتكاثر في ذلك النصوص الدالَّة على أن الحكم بالإسلام لا يكون إلا بترك الشرك كلية والانتهاء عنه؛ وكما قيل: ( ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ).
ومن ثم فإن القول بعدم كفر فاعل الشرك الأكبر إلا بعد البيان تصحيح لعقائد فاسدة باطلة في ميزان الشريعة، وما في ذلك من مناقضة للأصول الحاكمة وتعطيل للأحكام الشرعية الصادقة الصحيحة بغير مبرر شرعي.
وقد ورد النص الصريح في المواطن المتعددة بكفر من فعل الشرك أو الكفر، ولم يقل أحد بعدم تكفيرهم حتى يبين لهم، فهذا ما لم تقل به النصوص ولا فرضته؛ وقد قال تعالى: البقرة:34.
" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ "
وقال وعز من قائل: " لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ " المائدة:73.
وقال فيمن تكلم بكلمة الكفر الصريحة:
" يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ " التوبة:74
فهل وجد القارئ الكريم في جميع هذه النصوص وغيرها كثير جداً ما يدل على عدم إطلاق الحكم بالتكفير إلا بعد البيان؟!
_________________________
الوجه السادس:
ـــــــــــــــــــ
القول بعدم تكفير فاعل الشرك الأكبر المنصوص على كفر فاعله، ثم ادعاء أن تكفيره يتوقف على البيان من قبل العلماء، فيه إهدار لحرمة القرآن والسنة وحجيتهما وما جاءا به من أحكام، إذ جعل الحجة والمؤاخذة والتكفير على مخالفة بيان [العالم] لا على مخالفة ما جاء به القرآن العظيم والسنة المطهرة ، ولا يرد علي ذلك بأن العالم يبين ما جاء بالقرآن والسنة ، لأن العالم غير معصوم، وقوله لا يعد حجة، بل يعرض قوله على القرآن والسنة، والحجة هي القرآن والسنة لا غيرهما، وكل ما يخالف القرآن والسنة من أقوال فلا حجة فيه، بل هو موضوع مذموم.
فيكف توقف الأحكام على قول من لا يعد قوله حجة، وبالمعاندة لصريح نصوص القرآن والسنة؟! هذا من التنقص بالقرآن والسنة ومن المعاندة لهما؛ قال الإمام مالك رحمة الله: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. أ.هـ.
وقد تكاثرت أقوال الأئمة وسلف الأمة بمثل ذلك.
الوجه السابع:
ــــــــــــــــــ
أن القول ( بأن فاعل الشرك الأكبر لا يكفر إلا بعد البيان ) إن كان حقاً وصدقاً وقاعدة في صلب هذه الشريعة الغرَّاء، لكان مقتضى ذلك أن يكون عليها العمل في تطبيقاتها الجزئية. فإذا خرجت التطبيقات الجزئية عن مقتضى هذا العموم سقط ادعاء كون ذلك قاعدة في العمل وسقط ادعاء صدق القول بها؛ وذلك كالحال الذي ادعاه اليهود في مواجهة القرآن الكريم، وكيف ردَّ الله تعالى عليهم بما يسقط ادعاءهم ويثبت كذبه، وذلك في وقوله تعالى:
" وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ
قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ " الأنعام:91
فادعاؤهم الكاذب بأن:" مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ " سقط بإثبات قضية جزئية يعلمون صدقها وإيمانهم بها، وذلك حين رد عليهم فقال: " قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ" وهي التوراة، وقد كانوا يؤمنون بها.
قال ابن كثير رحمه الله: سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة ( مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ )وهو التوراة الذي قد علمتم وكل أحد علم أن الله قد أنزلها على موسي ابن عمران نوراً وهدي للناس أ.هـ.
فهكذا كل من ادَّعى قاعدة في أي أمر من الأمور، وادَّعى فيها ما يدعي:
- إذا لم يأت عليها بالدليل الصادق.
- وإذا لم تنقاد لها قضاياها الجزئية.
كان ذلك من الدليل القاطع للخصومة بأن هذا القول لا هو أصل ولا هو قاعدة.
وهذا القول أو الادعاء بأن: ( فاعل الكفر أو الشرك الأكبر لا يحكم بكفره إلا بعد البيان ).
يلزم للقول بصدقه وادعاء التقعيد له أو اعتباره حاكما على أفعال وأقوال الشرك الأكبر أن يتأيد ذلك بالدليل الصريح الواضح من نصوص القرآن والسنة، وهو ما يعجز عنه أصحاب هذا القول يقيناً، وغاية ما لديهم أقوال لبعض العلماء قد وضعوها في غير مواضعها لتعلقها بأصحاب الكبائر العملية من زنا أو سرقة أو خلافه، أو بأصحاب الكبائر الاعتقادية البدعية لأهل البدع والأهواء، وحيث قد عُلم أن أحد أصول أهل السنة الكبار ( أنا لا نكفر المعين منهم إلا باستحلال ما جنت يداه من معاص) ، ( وأن البدع العقائدية من جنس هذه الذنوب والمعاصي ) وصاحب البدعة الاعتقادية قد دخل في حكم هذا الأصل الكبير من أصول أهل الإيمان من أنه لا يكفر إلا باستحلال ما دخل فيه، ولا يعلم ذلك عنه إلا بالبيان، ولذا قيل عن أهل الكبائر الاعتقادية أن الفعل كفر والفاعل لا يكفر إلا بعد البيان الذي يثبت به استحلاله لهذه الكبيرة، وهو أمر غير مجمع عليه عند علماء السنة؛ حيث أن كثير من أهل السنة لا تكفر صاحب البدعة المخطئ لا قبل البيان ولا بعده كالإمام الخطابي، وكما صرح بذلك الإمام البغوى في شرح السنة، وغيره كثير.
فسوء الفهم عن الله وعن الرسول وعن علماء الأمة والسلف الصالح هو أصل كل ضلالة نشأت على أيدي أدعياء العلم فنسأل الله تعالى العفو والعافية.
ومن جانب آخر: أن القضايا الكلية والجزئية الكثيرة والعديدة بما لا يحصى والمنصوص عليها بنصوص الذكر الحكيم وسنة سيد المرسلين وقضايا الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام الطيبين والأئمة الأعلام، بخلاف هذا الذي ادعوا فيه مثل هذه القاعدة، بل قد قطعت بأن مرتكب الشرك الأكبر يكفر بمجرده، بل ولعله لا يشعر بكفره إذا لم يشعر بخطورة فعله، وهو ما ذكره السلف في تفسير قوله تعالى:
" يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ
وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ " المائدة:51.
قال القرطبي رحمة الله في ذلك: " وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ " أي هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك أ.هـ
الوجه الثامن:
ــــــــــــــــ
أن مصنفات الفقه المختلفة في جميع المذاهب الفقهية على تعددها وانتشارها وقد احتوت على كتاب الجنايات وما اشتمل عليه من جرائم الحدود والقصاص والتعازير، ولا تكاد تجد في أي من هذه الجرائم ـ على تنوعها ـ أن قال أهل العلم بتوقف حكم الفاعل لأي منها على البيان أو التبيين أو إقامة الحجة) حتى يؤاخذ بما اقترفته يداه؛ من زنا أو سرقة أو قتل أو قذف أو خلافه،
وفي حد الردة و(المرتد) تحديداً، هو المظهر لشيء من الكفر بعد الإيمان، لم يذكر في هذا الباب شيئاً عن وجوب توقف الحكم على بيان العلماء، لم يكن هذا الادعاء محل ذكر البتة عند دراسة حد الردة، بما يؤكد أنه قول محدث لا أساس له ولا مستند، بل جميع ما ذكره أهل العلم عن هذا المرتد هو وجوب استتابته مما اقترفه من أعمال الشرك أو الكفر، فإن تاب وإلا قتل. فسموه (مرتدا ) بلا تردد أو شك وطالبوه بالتوبة ، وقد تكاثرت الأمثلة العديدة في الفقه والتاريخ الإسلامي على ذلك، وقد اشتهرت على نحو ينفي ادعاء الجهالة فيه، بل من المعلوم شرعا أن سبب ذلك يرجع إلي أنه لا يشترط التعدد ولا التكرار لكلمة الكفر أو فعله لإثبات الحكم بالكفر أو الردة وهذا ما نبينه في الوجه التاسع التالي :
الوجه التاسع :
ـــــــــــــــــــ
لا يشترط التعدد ولا التكرار لكلمة الكفر أو فعله
لإثبات الحكم بالكفر أو الردة:
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ( لا يحلُّ دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ، والنفس بالنفس , والتارك لدينه المفارق للجماعة ).
وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي قال ( لا يحلُّ دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه , أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفساً بغير نفس ).
قال ابن رجب الحنبلى رحمه الله في شرح هذا الحديث الجليل:
• فيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله.
• والقتل بكل واحدة من هذه الخصال متفق عليه بين المسلمين :
ـ أما زنى الثيب ، فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت ، وقد رجم النبي ماعزاً والغامدية , وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم )
ـ وأما النفس بالنفس فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا بغير حق عمداً فإنه يقتل بها ، وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالي ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ المائدة: 45.
ـ وأما التارك لدينه المفارق للجماعة ، فالمراد به من ترك الإسلام وارتد عنه وفارق جماعة المسلمين؛ كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان ، وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة وحكم الإسلام لازم له بعدها ، ولهذا يستتاب ويطلب منه العودة إلي الإسلام وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين العلماء.
ـ وأيضاً فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين ويدعى الإسلام , كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام أو سب الله ورسوله أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك , وفي ( الصحيح البخاري ): عن ابن عباس عن النبي r قال ( مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ ).
قال: ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء , ومنهم من قال: لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا
يقتل نساء أهل الحرب في الحرب ، وإنما تقتل رجالهم ، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، وجعلوا الكفر
الطارئ كالأصلى.
والجمهور فرقوا بينهما ، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام ، ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب كالشيخ الفاني والزمن والأعمى ، ولا يقتلون في الحرب.
وقوله صلى الله عليه وسلم ( التارك لدينه المفارق للجماعة ) يدل على أنه لو تاب ورجع إلي الإسلام لم يقتل لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه ولا مفارق للجماعه أ.هـ .
فهذه الجرائم الثلاث الواردة في هذا الحديث الشريف من زنا بعد إحصان , وقتل نفس بغير حق , وردة بعد إسلام , جنساً واحداً من حيث العقوبة المقررة عليها والمبيحة لهذه الدماء ، دماء الفاعل لأي منها خروجاً على المبدأ العام من عصمة دماء أهل الإسلام ، وهذه الجرائم الثلاث لذلك جنساً واحداً بخلاف سائر جرائم الحدود الأخرى وبخلاف جرائم التعازير , على النحو الموضح بمصنفات الفقه الجنائي الإسلامي.
ومن خصائص أحكام هذا الجنس من الجرائم المبيح لدم فاعل شيء منها , أنه لا فرق فيه بين قليله وكثيره ، كما لا يشترط في استحقاق الفاعل لحكمه والعقوبة المقررة أن يرتكب الفعل الآثم فيه مرة واحدة أو
مرات متعددة ، جميع ذلك لا دخل له في ثبوت الحكم في حق الفاعل ولا في تقرير العقوبة المستحقة عليه بوقوع الفعل منه.
1ـ ولذلك فالقاتل العمد العدوانى مستحق للعقوبة القصاص بقتله الواحد من الناس , ولا يقول عاقل بوجوب أن يتكرر منه هذا الفعل كى يحكم عليه بكونه قاتل وبكونه مستحق للقصاص ،
2ـ والزاني بعد إحصان إذا ثبت الفعل في حقه - وفق قواعد الإثبات الصحيحة - يثبت في حقه حكم الزنا ويستحق العقوبة المقررة لهذا عن هذه الواقعة الثابتة في حقه , دون أن يقال أن ذلك يتوقف على أن يتكرر منه هذا الفعل ,
3ـ وهكذا لمن صدر منه فعل أو قول يثبت به في حقه الردة عن الإسلام فإنه يعد بذلك مرتدا يستتاب فإن تاب وإلا استحق العقوبة المقررة لجريمة الردة دون أن يتوقف ذلك على أن يتكرر منه الفعل مرات , وإلا كان ذلك تقريراً للأحكام بغير مستند من الشريعة وإبطال للأحكام الشرعية الصحيحة.
قال ابن تيمية رحمه الله: إن الجنس المبيح للدم - من الجرائم - لا فرق بين قليله وكثيره ، وغليظه وخفيفه , في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة والزنا والمحاربة ونحو ذلك.
الوجه العاشر :
ــــــــــــــــــ
أن الدليل الصريح دل علي عكس هذا الإدعاء بحيث نص علي أن كل من أشرك بالله مطالب بالحجة علي ما ذهب إليه من شرك ...
فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم وحرفوا كلمات أهل العلم والنصوص عن مواضعها فأغري العزيز الحكيم العداوة والبغضاء بينهم ولا يزالون مختلفين :
فتتكاثر تلك النصوص التي تنص على تحديا واضحا وأمراً قاطعاً وحجة بالغة تقطع الخصومة في إثبات باطل ما ذهب إليه كل من أشرك بالله تعالي ولو ساعة من الزمان.
تلك النصوص التي تطالب كل من أشرك بالله في أي صورة من الصور , وسواء بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد أن يأتي بالبرهان والحجة على صحة ما اقترفه وما تلبس به من أفعال الشرك أو أقواله أو عقائده.
وما ذلك إلا لكون التوحيد هو الحقيقة الوحيدة الدامغة في شأن الربوبية والإلهية ,
هذه الحقيقة الدامغة التي شهد بها الكون من حولنا وفي الآفاق وفي أنفسنا ،
هذه الحقيقة التي فُطر الناس عليها وشهدت بها الفطرة ، هذه الحقيقة التي أرسل بها والبراهين عليها جميع رسل الله تعالي وأنبياؤه عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ، كما أنزلت بها الكتب من الله العزيز الحكيم وآخرها القرآن العظيم.
فتوحيد الله تبارك وتعالي ووحدانيته شهدت به السموات والأرض والكون , وتوافقت الفطرة التي فطر الله الناس عليها مع هذه الشهادة والتي آياتها وبراهينها أجل من أن تنكر وأعظم من أن تجحد , وقد شهدت بربوبيته العقول والأبصار قبل أن تستمع لدعوة الأنبياء الأبرار أو تقرأ نصوص قرآن الواحد الجبار .
_______________________________
جزء من مقال " رسالة الي العاذر بالجهـل "
![Photo: هل فاعل الكفر الأكبرالمعين لايكفر إلا بعد البيان أوإقامة الحجة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونحن هنا نرد علي هذا الادعاء الكاذب الباطل من عدة وجوه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوجه الأول: ــــــــــــــــ مخالفة هذا القول ومناقضته لقواعد الاشتقاق المنصوص عليها لغة وشرعاً، وهي ذات القواعد التي قضت بأن فاعل السرقة حقيقة يسمى سارق/ وأن فاعل الزنا حقيقة يسمى زانٍ / وأن فاعل جريمة القتل حقيقة يسمى قاتل، وبنفس هذه القواعد الشرعية هي التي قضت بأن فاعل الشرك حقيقة هو المشرك وأن فاعل الكفر الأكبر حقيقة هو الكافر. فالأصل في اللغة والشرع؛ "من فعل فعلاً سمى بهذا الفعل"، فمن شرب سميَ شارباً، فهل نقول لمن شرب "ماء"؛ فعله شرب ولكن هو لم يشرب؟! فالنحويين متفقون، سواء قيل بان الاسم مشتق من المصدر أو من الفعل فكل النحويين متفقون على ذلك، في أصل الاشتقاق، لأن المصدر والفعل كلاهما يتضمن الحدث الذي هو الفعل، فشارب مثلا يتضمن حدث الشرب، وهذا الحدث موجود في الفعل والمصدر، وفارق الفعل المصدر بأن الحدث قارنه زمن. فمن أشرك مع الله غيره سمي مشركا، ومن ابتدع في الدين سمي مبتدعا، ومن شرب الخمر سمي شاربا للخمر. الوجه الثاني: ـــــــــــــــ إن الحجة في التكاليف الشرعية هي القرآن والسنة وما يقرراه هو الأصل في الأحكام. وكل أصل لم يقل به القرآن والسنة فليس بأصل؛ قال ابن القيم رحمة الله عن هذه الأصول والقواعد غير المستندة إلى دليل من القرآن أو السنة: أما أن نقعد قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلعمر الله لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد أ.هـ والقائل بأن فاعل الكفر الأكبر لا يكفر بفعله حتى ( يبين له وتقام عليه الحجة ) هو قول مخالف لصريح القرآن والسنة المصرحة بكفره ومناقضة للسنة الموجبة لاستتابته. الوجه الثالث: ــــــــــــــــ أن النصوص الشرعية والسنة المطهرة وفعل أصحاب الرسول لم تفرق بين كافر بلغته دعوة الإسلام وكافر لم تبلغه الدعوة، بل الجميع في ميزان الشريعة وصريح النصوص كافر على غير دين الإسلام من مرتدين أو من سائر الأمم الأخرى والملل، والفارق الوحيد بينهما أن من لم تبلغه الدعوة كافر لا يجوز قتله قبل دعوته؛ ففي الحديث الصحيح عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً. وفيه قوله: ( وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ـ أو خلال ـ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ) الحديث رواه أحمد ومسلم وغيرهما. قال الشوكاني رحمة الله: فيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة، وفي المسألة ثلاث مذاهب: الأول: أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه. وبه قال مالك والهادوية وغيرهم، وظاهر الحديث معهم. والمذهب الثاني: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بغلتهم ولكن يستحب، قال ابن المنذر: وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه وبه يجمع بين ما ظاهرة الاختلاف من الأحاديث أ.هـ. فانظر إلى عدم اختلاف الحكم بالكفر على أهل الكفر، ولم يفرق في ذلك بين من بلغته الدعوة ومن لم تبلغه، وأن الفارق الوحيد الذي يمكن إثباته بينهما هو ما ينبغي من دعوة من لم تبلغه الدعوة بينهم قبل قتالهم، فالأمر يتعلق بالقتال ولم يتعلق بحكم الكفر الثابت لديهم فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم وجعلوا الدعوة قبل قتالهم وقبل الحكم بكفرهم، ولم يكن ذلك هو الوارد بنص القرآن أو السنة، وقد تكاثرت الغزوات والسرايا والبعوث والفتوحات خلال عصر النبوة وما بعدها ولم يكن الكافر الذي لم تبلغه الدعوة موضع شك في كفره في أي من هذه البعوث. قال الإمام ابن تيمية في ذلك: وسر ذلك أنا لا نجيز قتل كافر حتى نستتيبه؛ بأن يكون قد بلغته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فإن قتل من لم تبلغه الدعوة غير جائز، والمرتد قد بلغته الدعوة، فجاز قتله كالكافر الأصلي الذي بلغته، وهذا هو علة من رأى الاستتابة مستحبة، فإن الكفار يستحب أن ندعوهم إلى الإسلام عند كل حرب، وإن كانت الدعوة قد بلغتهم، فكذلك المرتد، ولا يجب ذلك فيها أ.هـ. كما قال رحمة الله: يؤيد ذلك أن المرتد أغلظ كفراً من الكافر الأصلي: فإذا جاز قتل الأسير الحربي من غير استتابة فقتل المرتد أولى أ.هـ. كما قال في شأن المرتد وكيف أنه أخبث حالاً من الكافر الأصلي: أن المرتد يجب قتله عيناً وإن لم يكن من أهل القتال، والكافر الأصلي لا يجوز أن يقتل إلا أن يكون من أهل القتال، كما يجوز استبقاؤه بالأمان، والهدنة، والذمة، والإرقاق، والمن، والفداء, وأما المرتد فلا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل أ.هـ. فالنصوص لم تفرق بين كافر بلغته الدعوة وكافر لم تبلغه، إلا في شأن القتال لا الحكم بالكفر. وقد جعلت المرتد وهو صاحب فعل الكفر بعد الإسلام في مرتبة (الكافر الذي بلغته الدعوة)، بل هو شر منه .وهل الكافر الذي بلغته الدعوة يحتاج أن يبين له للحكم بكفره !!! الوجه الرابع: ــــــــــــــــ إن هذه الشريعة الغراء لم تأتِ بتكفير المصرّ على الذنب أو المعصية أياً كانت المعصية، عدا الشرك أو الكفر الأكبر؛ حيث يكفر صاحبه بمجرده، والقول بعدم تكفير فاعل الشرك إلا بعد البيان أشبه في الضلال والإنحراف بالقول بتكفير المصر على الذنب أو المعصية،غير أن الأول صاحب تفريط مخل والثاني صاحب إفراط وغلو ، وحيث المصر على الذنب هو المتكرر الفعل له، حتى مع نهيه عن ذلك، وكلا القولين من الباطل ومخالف لما صرَّحت به النصوص قرآنا وسنة من تكفير فاعل الكفر أو الشرك الأكبر بمجرده، كما ورد في قوله تعالى " يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ " التوبة:74 وكيف يظن عدم تكفير المتكلم بالكفر أو فاعله، رغم أن طائفة منهم جاؤوا ليعتذروا عن فعلهم هذا بادعائهم " إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ" فقيل لهم " لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" التوبة فلم يتوقف الحكم بتكفيرهم على بيان عالم ولا على حجة تقام مع ظهورها ، ولم يدفع الحكم عنهم حتى الاعتذار المجرد؛ قال ابن تيمية رحمة الله: قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر أ.هـ. فأين توقف الحكم بكفر أمثال هؤلاء على البيان أو إقامة الحجة أو مثل هذا الكلام الذي ما أنزل الله به من سلطان؟! وقال أيضاً رحمة الله: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافراً؛ إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله أ.هـ وقال أيضاً: أن النبي كان له أن يعفو عمن شتمه وسبَّه حال حياته، وليس للأمة أن تعفوا عن ذلك، ويوضح ذلك أنه لا خلاف أن من سب النبي أو عابه بعد موته من المسلمين كان كافراً حلال الدم، وكذلك من سب نبياً من الأنبياء أ.هـ. الوجه الخامس: ــــــــــــــــــــ أنه من المعلوم أصولياً أن كل عبادة تخلف عنها شيئاً من أركانها الأساسية أو شروط صحتها كانت عبادة باطلة لا تجزئ عن صاحبها ولا تبرأ بها الذمة. ولما كان الكفر الأكبر والشرك المخرج من الملة مما يناقض أركان الإيمان الرئيسية؛ وكما قال تعالى " وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً " النساء:136. وهو أي الكفر الأكبر والشرك المخرج من الملة مما يناقض أيضاً أركان التوحيد الأساسية؛ وكما قال تعالى: " إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدَا " النساء:116. والنصوص في ذلك كثيرة، فإن ادعاء الإسلام أو الإيمان مع التلبس بشيء من أنواع الكفر الأكبر أو الشرك المخرج من الملة يناقض: أ ـ أركان الإيمان الرئيسية. ب ـ كما يناقض أركان التوحيد الأساسية. وكل عبادة تخلف ركن من أركانها الأساسية فهي عبادة باطلة في ميزان الشريعة، وهكذا ادعاء الإسلام مع التلبس بشيء من الكفر أو الشرك الأكبر ادعاء باطل لا يجزئ عن صاحبه شيئا، بل هو مردود عليه حتى يأتي بما دلت عليه النصوص صراحة من وجوب الانتهاء عن الشرك أو الكفر حتى يحكم له بالإسلام، وقد تكاثرت في إثبات ذلك الأدلة؛ ومنها قوله تعالى: " إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ " الأنفال:19. قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية المباركة: قوله تعالى " وَإِن تَنتَهُواْ " أي عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله " فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ " أي في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى " وَإِن تَعُودُواْ" كقوله " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " معناها وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة" وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ"أ.هـ. فانظر كيف جعل العلامة الصالحة للحكم بإسلامهم هو (الانتهاء عن الشرك )وحذَّرهم مغبَّة العودة إليه " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " فكيف إذا عادوا إليه لا يحكم بكفرهم؟!. وبمثل هذا يقول تعالى: الأنفال:38 " قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ " قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية الكريمة: " قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ " أي عمَّا هم فيه من الكفر والمشاقَّة والعناد، ويدخلون في الإسلام والطاعة والإنابة. "يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ" أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال: ( من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ). وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها ). وقوله "وَإِنْ يَعُودُواْ " أي يستمروا على ما هم فيه. "فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ" أي فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. أ.هـ. وقد أمر تعالى بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ويكون الدين كله لله، فكيف يرد الأمر بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ثم إذا وقع نفس هذا الشرك من أدعياء الإسلام فلا شيء عليه، ولا يكفر بذلك ! سبحانك هذا بهتان عظيم، وضلال مبين، ومعاندة لما أرسل الله به النبي الأمين؛ فقد قال عز من قائل: الأنفال:39. " وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " قال ابن كثير: قال الضحاك عن ابن عباس " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" يعني لا يكون شرك وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد. وقوله " فَإِنِ انْتَهَوْاْ" أي عما هم فيه من الكفر فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم " فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" كقوله: " فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ " الآية. وفي الآية الأخرى " فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ " أ.هـ. وتتكاثر في ذلك النصوص الدالَّة على أن الحكم بالإسلام لا يكون إلا بترك الشرك كلية والانتهاء عنه؛ وكما قيل: ( ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ). ومن ثم فإن القول بعدم كفر فاعل الشرك الأكبر إلا بعد البيان تصحيح لعقائد فاسدة باطلة في ميزان الشريعة، وما في ذلك من مناقضة للأصول الحاكمة وتعطيل للأحكام الشرعية الصادقة الصحيحة بغير مبرر شرعي. وقد ورد النص الصريح في المواطن المتعددة بكفر من فعل الشرك أو الكفر، ولم يقل أحد بعدم تكفيرهم حتى يبين لهم، فهذا ما لم تقل به النصوص ولا فرضته؛ وقد قال تعالى: البقرة:34. " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ " وقال وعز من قائل: " لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ " المائدة:73. وقال فيمن تكلم بكلمة الكفر الصريحة: " يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ " التوبة:74 فهل وجد القارئ الكريم في جميع هذه النصوص وغيرها كثير جداً ما يدل على عدم إطلاق الحكم بالتكفير إلا بعد البيان؟! _________________________ الوجه السادس: ـــــــــــــــــــ القول بعدم تكفير فاعل الشرك الأكبر المنصوص على كفر فاعله، ثم ادعاء أن تكفيره يتوقف على البيان من قبل العلماء، فيه إهدار لحرمة القرآن والسنة وحجيتهما وما جاءا به من أحكام، إذ جعل الحجة والمؤاخذة والتكفير على مخالفة بيان [العالم] لا على مخالفة ما جاء به القرآن العظيم والسنة المطهرة ، ولا يرد علي ذلك بأن العالم يبين ما جاء بالقرآن والسنة ، لأن العالم غير معصوم، وقوله لا يعد حجة، بل يعرض قوله على القرآن والسنة، والحجة هي القرآن والسنة لا غيرهما، وكل ما يخالف القرآن والسنة من أقوال فلا حجة فيه، بل هو موضوع مذموم. فيكف توقف الأحكام على قول من لا يعد قوله حجة، وبالمعاندة لصريح نصوص القرآن والسنة؟! هذا من التنقص بالقرآن والسنة ومن المعاندة لهما؛ قال الإمام مالك رحمة الله: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. أ.هـ. وقد تكاثرت أقوال الأئمة وسلف الأمة بمثل ذلك. الوجه السابع: ــــــــــــــــــ أن القول ( بأن فاعل الشرك الأكبر لا يكفر إلا بعد البيان ) إن كان حقاً وصدقاً وقاعدة في صلب هذه الشريعة الغرَّاء، لكان مقتضى ذلك أن يكون عليها العمل في تطبيقاتها الجزئية. فإذا خرجت التطبيقات الجزئية عن مقتضى هذا العموم سقط ادعاء كون ذلك قاعدة في العمل وسقط ادعاء صدق القول بها؛ وذلك كالحال الذي ادعاه اليهود في مواجهة القرآن الكريم، وكيف ردَّ الله تعالى عليهم بما يسقط ادعاءهم ويثبت كذبه، وذلك في وقوله تعالى: " وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ " الأنعام:91 فادعاؤهم الكاذب بأن:" مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ " سقط بإثبات قضية جزئية يعلمون صدقها وإيمانهم بها، وذلك حين رد عليهم فقال: " قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ" وهي التوراة، وقد كانوا يؤمنون بها. قال ابن كثير رحمه الله: سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة ( مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ )وهو التوراة الذي قد علمتم وكل أحد علم أن الله قد أنزلها على موسي ابن عمران نوراً وهدي للناس أ.هـ. فهكذا كل من ادَّعى قاعدة في أي أمر من الأمور، وادَّعى فيها ما يدعي: - إذا لم يأت عليها بالدليل الصادق. - وإذا لم تنقاد لها قضاياها الجزئية. كان ذلك من الدليل القاطع للخصومة بأن هذا القول لا هو أصل ولا هو قاعدة. وهذا القول أو الادعاء بأن: ( فاعل الكفر أو الشرك الأكبر لا يحكم بكفره إلا بعد البيان ). يلزم للقول بصدقه وادعاء التقعيد له أو اعتباره حاكما على أفعال وأقوال الشرك الأكبر أن يتأيد ذلك بالدليل الصريح الواضح من نصوص القرآن والسنة، وهو ما يعجز عنه أصحاب هذا القول يقيناً، وغاية ما لديهم أقوال لبعض العلماء قد وضعوها في غير مواضعها لتعلقها بأصحاب الكبائر العملية من زنا أو سرقة أو خلافه، أو بأصحاب الكبائر الاعتقادية البدعية لأهل البدع والأهواء، وحيث قد عُلم أن أحد أصول أهل السنة الكبار ( أنا لا نكفر المعين منهم إلا باستحلال ما جنت يداه من معاص) ، ( وأن البدع العقائدية من جنس هذه الذنوب والمعاصي ) وصاحب البدعة الاعتقادية قد دخل في حكم هذا الأصل الكبير من أصول أهل الإيمان من أنه لا يكفر إلا باستحلال ما دخل فيه، ولا يعلم ذلك عنه إلا بالبيان، ولذا قيل عن أهل الكبائر الاعتقادية أن الفعل كفر والفاعل لا يكفر إلا بعد البيان الذي يثبت به استحلاله لهذه الكبيرة، وهو أمر غير مجمع عليه عند علماء السنة؛ حيث أن كثير من أهل السنة لا تكفر صاحب البدعة المخطئ لا قبل البيان ولا بعده كالإمام الخطابي، وكما صرح بذلك الإمام البغوى في شرح السنة، وغيره كثير. فسوء الفهم عن الله وعن الرسول وعن علماء الأمة والسلف الصالح هو أصل كل ضلالة نشأت على أيدي أدعياء العلم فنسأل الله تعالى العفو والعافية. ومن جانب آخر: أن القضايا الكلية والجزئية الكثيرة والعديدة بما لا يحصى والمنصوص عليها بنصوص الذكر الحكيم وسنة سيد المرسلين وقضايا الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام الطيبين والأئمة الأعلام، بخلاف هذا الذي ادعوا فيه مثل هذه القاعدة، بل قد قطعت بأن مرتكب الشرك الأكبر يكفر بمجرده، بل ولعله لا يشعر بكفره إذا لم يشعر بخطورة فعله، وهو ما ذكره السلف في تفسير قوله تعالى: " يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ " المائدة:51. قال القرطبي رحمة الله في ذلك: " وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ " أي هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك أ.هـ الوجه الثامن: ــــــــــــــــ أن مصنفات الفقه المختلفة في جميع المذاهب الفقهية على تعددها وانتشارها وقد احتوت على كتاب الجنايات وما اشتمل عليه من جرائم الحدود والقصاص والتعازير، ولا تكاد تجد في أي من هذه الجرائم ـ على تنوعها ـ أن قال أهل العلم بتوقف حكم الفاعل لأي منها على البيان أو التبيين أو إقامة الحجة) حتى يؤاخذ بما اقترفته يداه؛ من زنا أو سرقة أو قتل أو قذف أو خلافه، وفي حد الردة و(المرتد) تحديداً، هو المظهر لشيء من الكفر بعد الإيمان، لم يذكر في هذا الباب شيئاً عن وجوب توقف الحكم على بيان العلماء، لم يكن هذا الادعاء محل ذكر البتة عند دراسة حد الردة، بما يؤكد أنه قول محدث لا أساس له ولا مستند، بل جميع ما ذكره أهل العلم عن هذا المرتد هو وجوب استتابته مما اقترفه من أعمال الشرك أو الكفر، فإن تاب وإلا قتل. فسموه (مرتدا ) بلا تردد أو شك وطالبوه بالتوبة ، وقد تكاثرت الأمثلة العديدة في الفقه والتاريخ الإسلامي على ذلك، وقد اشتهرت على نحو ينفي ادعاء الجهالة فيه، بل من المعلوم شرعا أن سبب ذلك يرجع إلي أنه لا يشترط التعدد ولا التكرار لكلمة الكفر أو فعله لإثبات الحكم بالكفر أو الردة وهذا ما نبينه في الوجه التاسع التالي : الوجه التاسع : ـــــــــــــــــــ لا يشترط التعدد ولا التكرار لكلمة الكفر أو فعله لإثبات الحكم بالكفر أو الردة: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ( لا يحلُّ دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ، والنفس بالنفس , والتارك لدينه المفارق للجماعة ). وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي قال ( لا يحلُّ دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه , أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفساً بغير نفس ). قال ابن رجب الحنبلى رحمه الله في شرح هذا الحديث الجليل: • فيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. • والقتل بكل واحدة من هذه الخصال متفق عليه بين المسلمين : ـ أما زنى الثيب ، فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت ، وقد رجم النبي ماعزاً والغامدية , وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم ) ـ وأما النفس بالنفس فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا بغير حق عمداً فإنه يقتل بها ، وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالي ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ المائدة: 45. ـ وأما التارك لدينه المفارق للجماعة ، فالمراد به من ترك الإسلام وارتد عنه وفارق جماعة المسلمين؛ كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان ، وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة وحكم الإسلام لازم له بعدها ، ولهذا يستتاب ويطلب منه العودة إلي الإسلام وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين العلماء. ـ وأيضاً فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين ويدعى الإسلام , كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام أو سب الله ورسوله أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك , وفي ( الصحيح البخاري ): عن ابن عباس عن النبي r قال ( مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ ). قال: ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء , ومنهم من قال: لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا يقتل نساء أهل الحرب في الحرب ، وإنما تقتل رجالهم ، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلى. والجمهور فرقوا بينهما ، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام ، ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب كالشيخ الفاني والزمن والأعمى ، ولا يقتلون في الحرب. وقوله صلى الله عليه وسلم ( التارك لدينه المفارق للجماعة ) يدل على أنه لو تاب ورجع إلي الإسلام لم يقتل لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه ولا مفارق للجماعه أ.هـ . فهذه الجرائم الثلاث الواردة في هذا الحديث الشريف من زنا بعد إحصان , وقتل نفس بغير حق , وردة بعد إسلام , جنساً واحداً من حيث العقوبة المقررة عليها والمبيحة لهذه الدماء ، دماء الفاعل لأي منها خروجاً على المبدأ العام من عصمة دماء أهل الإسلام ، وهذه الجرائم الثلاث لذلك جنساً واحداً بخلاف سائر جرائم الحدود الأخرى وبخلاف جرائم التعازير , على النحو الموضح بمصنفات الفقه الجنائي الإسلامي. ومن خصائص أحكام هذا الجنس من الجرائم المبيح لدم فاعل شيء منها , أنه لا فرق فيه بين قليله وكثيره ، كما لا يشترط في استحقاق الفاعل لحكمه والعقوبة المقررة أن يرتكب الفعل الآثم فيه مرة واحدة أو مرات متعددة ، جميع ذلك لا دخل له في ثبوت الحكم في حق الفاعل ولا في تقرير العقوبة المستحقة عليه بوقوع الفعل منه. 1ـ ولذلك فالقاتل العمد العدوانى مستحق للعقوبة القصاص بقتله الواحد من الناس , ولا يقول عاقل بوجوب أن يتكرر منه هذا الفعل كى يحكم عليه بكونه قاتل وبكونه مستحق للقصاص ، 2ـ والزاني بعد إحصان إذا ثبت الفعل في حقه - وفق قواعد الإثبات الصحيحة - يثبت في حقه حكم الزنا ويستحق العقوبة المقررة لهذا عن هذه الواقعة الثابتة في حقه , دون أن يقال أن ذلك يتوقف على أن يتكرر منه هذا الفعل , 3ـ وهكذا لمن صدر منه فعل أو قول يثبت به في حقه الردة عن الإسلام فإنه يعد بذلك مرتدا يستتاب فإن تاب وإلا استحق العقوبة المقررة لجريمة الردة دون أن يتوقف ذلك على أن يتكرر منه الفعل مرات , وإلا كان ذلك تقريراً للأحكام بغير مستند من الشريعة وإبطال للأحكام الشرعية الصحيحة. قال ابن تيمية رحمه الله: إن الجنس المبيح للدم - من الجرائم - لا فرق بين قليله وكثيره ، وغليظه وخفيفه , في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة والزنا والمحاربة ونحو ذلك. الوجه العاشر : ــــــــــــــــــ أن الدليل الصريح دل علي عكس هذا الإدعاء بحيث نص علي أن كل من أشرك بالله مطالب بالحجة علي ما ذهب إليه من شرك ... فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم وحرفوا كلمات أهل العلم والنصوص عن مواضعها فأغري العزيز الحكيم العداوة والبغضاء بينهم ولا يزالون مختلفين : فتتكاثر تلك النصوص التي تنص على تحديا واضحا وأمراً قاطعاً وحجة بالغة تقطع الخصومة في إثبات باطل ما ذهب إليه كل من أشرك بالله تعالي ولو ساعة من الزمان. تلك النصوص التي تطالب كل من أشرك بالله في أي صورة من الصور , وسواء بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد أن يأتي بالبرهان والحجة على صحة ما اقترفه وما تلبس به من أفعال الشرك أو أقواله أو عقائده. وما ذلك إلا لكون التوحيد هو الحقيقة الوحيدة الدامغة في شأن الربوبية والإلهية , هذه الحقيقة الدامغة التي شهد بها الكون من حولنا وفي الآفاق وفي أنفسنا ، هذه الحقيقة التي فُطر الناس عليها وشهدت بها الفطرة ، هذه الحقيقة التي أرسل بها والبراهين عليها جميع رسل الله تعالي وأنبياؤه عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ، كما أنزلت بها الكتب من الله العزيز الحكيم وآخرها القرآن العظيم. فتوحيد الله تبارك وتعالي ووحدانيته شهدت به السموات والأرض والكون , وتوافقت الفطرة التي فطر الله الناس عليها مع هذه الشهادة والتي آياتها وبراهينها أجل من أن تنكر وأعظم من أن تجحد , وقد شهدت بربوبيته العقول والأبصار قبل أن تستمع لدعوة الأنبياء الأبرار أو تقرأ نصوص قرآن الواحد الجبار . _______________________________ جزء من مقال " رسالة الي العاذر بالجهـل "](https://scontent-b-cdg.xx.fbcdn.net/hphotos-prn2/t1.0-9/s403x403/10297631_663600150353691_6795344401690815859_n.jpg)
Comments
Post a Comment