الإرجاء وتأثيره في غياب الإسلام

إن المرجئة الأوّلين الذين ابتدعوا بذرته الأولى لم يؤثر في عملهم، بل كانوا مجتنبين للذنوب وإن كانوا يعتقدون أن إتيانها لا يؤثر في دينهم، ولم يكن يدور بخلدهم أنه سيأتي أقوام يصلّون لله ويقولون في سجودهم : يا عبد القادر انصرنا ! ولم يكونوا ليقبلوا به أبدًا، ولم يكن القوم يومئذ يختلفون في العمل بالتوحيد إن كان من الإيمان أولا يدخل في مسمّاه، وإنما اختلفوا في الشرائع الفرعية.
لقد هدّمت عقيدة المرجئة التوحيد عندما جعلت الشرك والكفر أمرًا لا يؤبه له مادام الإنسان - ولا نقول المسلم - يتلفّظ بـ » لا إله إلا الله« ، وبذلك أفرغت الإسلام من محتواه وميّعته وصيّرته كالطبل الأجوف.
وأما تطوّرها الأفقي فيتمثل في أنها لم تبق محصورة في طائفة معيّنة تدعى باسمها كغيرها من الفرق، بل اتسع نطاقها لتتغلغل وسط الأمة، وممّا سهّل في ذلك كونها ميسورة جدًا لا عناء فيها، فما هو إلا ترديد لكلمة صغيرة حتى يبقى قائلها مسلما ويكون من أهل الجنّة والرضوان، وليفعل بعدها ما شاءت له نفسه من كفر ومعاص.
فشملت سائر الأمة على تعدّد مذاهبها وفرقها، إذ لم ينج منها حتى الذين كانوا يسمّون بأهل السّنة والجماعة وهم قد باض فيهم الشرك وفرّخ، حتى وإن كانت هذه العقيدة تنسب إلى مؤسسيها وهم المرجئة فإنها كانت تسيطر على أذهان الناس شرقا وغربا، فأصبحوا يشركون بالله وكلّهم يظن أنه مسلم ولا يرى كفره ذاك كفرًا ينفي عنه الإسلام، وهذا هو معنى عقيدة المرجئة وروحها.
إلا أن كفار المرجئة قد سمحوا بالكفر والشرك مع العلم به أنه كفر، أما سائر الأمة فتسامحوا معه جهلا بذلك، وجرى الإعتقاد بين من كانوا ينتسبون إلى السنة وغيرهم أن مشركي الأمة مسلمون، ماداموا يجهلون أن فعلهم شرك، وماداموا يقولون » لا إله إلا الله« قولا دون عمل، ودون اعتقاد أيضا بما أنهم يجهلون معناها، وفي هذا الأمر فاقوا المرجئة ضلالا، لأن المرجئة قالوا بإسلام المشرك الذي يفهم معناها.
وأكثر من ذلك فإنهم لم يتخلّوا عن تكفير الجاهل فقط، بل حتى عن تكفير من عرف أنه يشرك بالله من القبوريين وغيرهم، وإن كانوا يقولون بأنهم لا يكفّرون إلا من أقيمت عليه الحجة فأباها فإنهم لم يكفّروا الإثنين، فإن دعوا الناس إلى التوحيد وترك الشرك فإن من استجاب فهو مسلم، ومن أبى فهو مسلم كذلك مادام يدّعي الإسلام.
إلا أن عامة الأمة لازالوا يدركون التفاضل في الإيمان بين المسلمين على عكس المرجئة، ويعتقدون أنه يتبعض فيزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ويحاسب المسلم على معاصيه، وهذا لاهتمامهم بالفروع دون الأصل دوما، وتناسيهم الكفر الذي وقعوا فيه.
إن هذه العقيدة لم تكن تجادل في إطار الإسلام، فلم يكن مدار حديثها حول صفات الله أو القدر، بل كانت تخالف الكتاب والسنة في أصل الدين وأساسه، وبذلك قطعت شوطا لا يستهان به في الإنحطاط بالأمة نحو الجاهلية، وبعد بضعة قرون فقط - وإن كانت هذه العقيدة تحملها طائفة تجادل عنها وتدعو إليها - ما لبثت أن اعتـنقتها شرائح واسعة من الأمة وكانت تدين بها حقيقة، وإن لم تكن مأخوذة من عقائد المرجئة بالذات، فإن حالة الدين في ذلك الوقت هي التي أملت عليهم هذا الإعتقاد، وهي وجود الكفر والجهل به مع تمسّكهم بالإنتساب إلى المسلمين.
ولذلك لم يبق لهذه العقيدة كيان محدّد في فرقة ما، وقد كان السنّية والشيعة والخوارج والمعتزلة وغيرهم على خلاف المرجئة يقولون بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، لكن لمّا دخلوا جميعًا في دين الشرك لم يبق لهذا القول معنى، فكانوا يخالفونهم قولا ويردون عليهم وهم يحملون حقيقة عقيدتهم.
ولقد أصبحت هذه العقيدة روح الكفر في الأمة ومنبعه، والتطبيق العمليّ له هو عبادة القبور، وتولّي الكافرين والإعتقاد في إسلامهم كالفرق الكافرة، واتباع شرائع عوضا عن شرائع الله، إذ كان لابدّ لوجود الكفر من مبرّرات ودوافع تقنع فاعليه، ولذلك ساهمت هذه العقيدة بالقسط الأوفر في خلط الإسلام بالكفر.
م.ن.ق.و.ل
Comments
Post a Comment