صحوة عوراء








صحـوة عـوراء:

ولئن كانت الفرق التي قامت في القرون الأولى وبالا على الأمة، لأنها فرقت شملها، بعد أن بدلت وتركت ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والذي بقي سائدا بعدهم، فإنها اليوم بخلاف ذلك، إذ أنها انطلقت من الخراب لا من البناء السليم، فلا يصح التعامل معها كالأولى.
وإذا كانت الأولى تسقط فهذه ترتفع، فهي تسير من الأسوأ إلى السيء على الأقل في جوانب عديدة، ولكنها ترتفع وهي دون درجة الصفر، إذ لم تصل لحد الآن إلى معرفة أصل الإسلام، فالأولى كانت مسلمة، وكانت تبحث عن الظلام وهي في النور، والأخرى غير مسلمة تبحث عن النور وسط الظلام.
فقد كانت الأمة على الفطرة والسنة كما علّمها النبي صلى الله عليه وسلم، وشذت عنها عناصر ضالة، لكن هذه الأمة اليوم قد ضلت أكثر من تلك الفرق، بل إن ضلالها هو استمرار وتطور لضلال تلك الفرق الأولى، ثم تخرج اليوم عناصر هي أفضل من الأمة وتقع في ضلالات أخرى.
هذه الدعوات اليوم قائمة -مثل الأولى- على ردود الفعل بينها، وعلى استخلاص الدروس، فانظر -مثلا- إلى الدعوة النجدية التي قامت منكرة عبادة القبور، وامتدت إلى سائر الأقطار بنسب متفاوتة، لأن ذلك الداء كان منتشرا.
ولما ظهر الإحتكام إلى شرائع الطاغوت بفعل الإحتلال الأوروبي وقابلته هذه الأمة بالرضى، سكت أتباع تلك الدعوة عن ذلك ولم يعتبروه كفرا بالله، وهذا مثل الذين يدعون نصارى اليوم إلى الإسلام، وينكرون عليهم نصرانيتهم من عبادة للمسيح، وينسون علمانيتهم، حتى إذا أرادوا الدخول في الإسلام فهموه في إطار العلمانية.
وكان من أبرز من تفطنوا لها مبكرا المودودي في الهند، وذلك لأن حكامها كانوا هندوسا ولاّهم الإنجليز حكم البلاد، فظهر له بصورة واضحة أن اتباع شرائع الطاغوت كفر بالله وقد كان محاميا، ومن جهة أخرى لم يُعر اهتماما كبيرا ما كان يفعله أهل الهند الذين يتسمّون بالمسلمين من عبادة للأوثان كعبادة الهندوس.
وكذلك أحمد شاكر في مصر، الذي كان قاضيا فيما كان يسمى بالمحكمة الشرعية، التي بقيت لها بعض الإختصاصات تحكم فيها بشرع الله، عكس "المحكمة الأهلية" التي كانت تزحف وتتسع مجالاتها إلى أن ألغَت غريمتها واكتسحتها.
ثم سيد قطب الذي احتك بالأوساط السياسية العلمانية، وكان متأثرا في بداية أمره بحركة الإخوان، التي جعلت نصب عينيها تغيير الأنظمة الحاكمة مع اتباع للديمقراطية والشرائع الطاغوتية متناسية عبادة القبور، بل كانت تحض عليها وتبيحها لأتباعها.
يقول سيد قطب في "معالم في الطريق" (62): (وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها "مسلمة" وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضا، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها وكل مقومات حياتها تقريبا).
وهذا ردًا منه على ظاهرة العلمنة التي تحصر الدين في الشعائر، فأراد أن يوضح أن الشرك يشمل صورًا أخرى، فهو أوسع دائرة من عبادة الأوثان، ثم تجاوز عبادة الأوثان وتناساها.
فهؤلاء اعتقدوا أن عبادة الأوثان في طريقها إلى الزوال، فلا داعي لإنكارها، ونسوا أن على الناس أن يكفروا بها ابتداء حتى يكونوا مؤمنين بالله.
فالكفر لا يسقط بالتقادم إن لم يتب منه صاحبه، ومن جهل أن عبادة القبور شرك بالله وأن فاعليها غير مسلمين وهو لم يعبدها، فليس بموحد حتى يعلم ويؤمن ويتبع، وليس مجرد موافقته للإسلام عن غير قصد تثبت له الإسلام.
هذا مثال عن ردود الفعل بين التيارات المنتسبة إلى دعوة الإسلام وإن قفزت قفزة نوعية في كشف كثير من عقائد الإسلام المطموسة، فكلا الدعوتين لم تستطع التمييز بين المسلمين والكفار، حتى تتضح سبيل المجرمين، ويبين أولياء الرحمان من أولياء الشيطان.
وكل ذلك لاعتبارها جاهل الإسلام مسلما إذا قال: لا إله إلا الله، وبذلك هدمت كل ما بنت، رغم علمها بأن شهادة الناس قول لا يغير شيئا من دينهم.
والدخول في الإسلام يكون فردًا فردًا، كما كان الخروج منه، ثم يتسع وينتشر، وقد كان المجتمع الأول يسير ببطء من الخير إلى الشر، ومجتمع اليوم ينتقل جزئيا من الشر إلى الخير

م.ن.ق.و.ل

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر