هل أقمت عليه الحجــة ؟


شبهــات وردود 
ـــــــــــــــــــــ

هل أقمت عليه الحجــة ؟

يبادر مرجئة العصر أي رجل سمعوه يكفر أي كافر بقولهم المشهور المنشور: هل أقمت عليه الحجة ؟!
______________________

فنقول : 

أولاً : من الذي يُقيم الحجة ؟ أهو المفتي والقاضي فحسب أم هو المسلم العالم بالأمر الذي سيتكلم فيه :
لا شك ولا ريب أنه المسلم الذي يعلم ما يتكلم فيه، وقد قال الأصوليون : " من علم حجة على من لم يعلم " .
قال من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع التي حضرها بشر كثير : ( ليبلغ الشاهد الغائب ) فلنا أن نسأل هنا سؤال: هل كل من حضر هذه الخطبة من المفتين والقضاة ؟
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم ( بلغوا عني ولو آية ) [ أخرجه البخاري ]
وقال أيضاً : ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه ) [ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم )فبهذه الأحاديث وغيرها الكثير، يتضح للمسلم اللبيب أنه لا يشترط في الذي يقيم الحجة أن يكون كأحمد بن حنبل أو كأحمد ابن تيمية !

قال الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في معرض كلامه في الرد على الأخ إبراهيم بن عجلان في بعض هفواته فقال : وقولك : حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية من إمام أو نائبه، معناه أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قبول الحق، ممن قاله كائناً من كان . أهـ [ الدرر السنية 10/ 394 ]

أيها القارئ لك أن تتصور كم ابن عجلان في هذه الأزمان، والله المستعان .

ثانياً : إن قيام الحجة غير فهمها، بل لا يلزم فهم الحجة وإنما اللازم بلوغ الحجة:
قال الله تعالى : ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن يروا كل آيةٍ لا يُؤمنوا بها ) [ الأنعام : 25 ]
وقال تعالى( إنا جعلنا على قُلوبِهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبدا ) [ الكهف : 57 ] ومعلوم أن الفقه هو الفهم . قال قتادة : يسمعون بآذانهم ولا يعون منه شيئاً كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها . أهـ 

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب مفتاح دار السعادة في قوله تعالى : ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كُنا في أصحاب الجحيم ) : فهذا السمع المنفي عنهم سمع الفهم والفقه ، وقوله تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ) أي لأفهمهم ، والسمع هنا سمع فهم ، وإلاَّ فسمع الصوت حاصل لهم ، وبه قامت حجة الله عليهم.أهـ [ 1/81 ]

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ولكن أصل الإشكال أنكم لم تُفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحُجة ، فإن أكثر الكُفار والمُنافقين من المسلمين لم يفهموا حُجة الله مع قيامها عليهم ، كما قال تعالى : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) [ الفرقان : 44 ] .
وقيام الحجة نوع وبلوغها نوع وقد قامت عليهم ، وفهمهم إياها نوع آخر ، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها ، إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج : ( أينما لقيتموهم فاقتلوهم ) وقوله : ( شر قتلى تحت أديم السماء ) مع كونهم في عصر الصحابة ، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ، ومع إجماع الناس : أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد ، وهم يظنون أنهم يُطيعون الله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها.أهـ [ الدرر السنية 10/93 ]

وقال الشيخ سليمان بن سحمان في كشف الشبهتين ص 91 : قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله : وينبغي أن يُعلم الفرق بين قيام الحُجة وفهم الحُجة ، فإن من بلغته دعوة الرُسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجه يمكن معه العلم ، ولا يُشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول .

فأفهم هذا يكشف عنك شُبُهات كثيرة في مسألة قيام الحجة ، قال الله تعالى : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) [ الفرقان : 44 ] وقال تعالى : ( وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غِشاوة ولهم عذابٌ عظيم ) [ البقرة : 7 ] ، انتهى 

قلت : ومعنى قوله رحمه الله تعالى: إذا كان على وجه يمكن معه العلم ، فمعناه : أن لا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون ، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يُترجم له ، ونحو هؤلاء ، فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحُجة . أهـ 

وقال المشائخ عبد الله وإبراهيم أبناء الشيخ عبد اللطيف وسليمان بن سحمان : وأما قوله : - أي أحد المجادلين عن المشركين - وهؤلاء ما فهموا الحجة ؛ فهذا مما يدل على جهله ، وأنه لم يُفرق بين فهم الحجة وبلوغ الحجة ، ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر، فقد تقوم الحجة على من لم يفهمها . أهـ [ الدرر السنية 10/433 ]

وقال الشيخ محمد بن ناصر بن معمر في كتاب النبذة الشريفة النفيسة : فكل من بلغه القرآن فليس بمعذور فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام قد بينها الله ووضحها وأقام بها الحجة على عباده ، وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهماً جلياً كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره ، فإن الكفار قد قامت عليهم حجة الله مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنةً أن يفقهوا كلامه ، فقال : ( وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذنهم وقراً ) [ الأنعام : 25 ] …

والآيات في هذا المعنى كثيرة ، يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن ولم يفقهوه وأنه عاقبهم بجعل الأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم وأنه ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ، فلم يعذرهم مع هذا كله بل حكم بكفرهم . أهـ 

وهنا نسأل مرجئة العصر ومن لف لفهم عن فاعل الكفر ورؤوس الطواغيت الذين يجادلون عنهم ويمارون دون تكفيرهم : هل بلغهم القرآن أم لم يبلغهم ؟
ثالثاً : هل تقام الحجة في المسائل الواضحات 

قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإخوان ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد : ما ذكرتم من قول الشيخ : كل من جحد كذا وكذا ، وقامت عليه الحجة ؛ وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة ، فهذا من العجب ، كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مراراً ؟! فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة ، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يُكفَّر حتى يُعرَّف ، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حُجة الله هي القرآن ، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحُجة . أهـ [ الدرر السنية 10/93 ]

وقال الشيخ عبد الله أبا بطين : معلقاً على قول ابن تيميه في معرض ردّه على الذي يدعي أن شيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم يقولان أن من فعل هذه الأشياء ـ أي الشرك ـ لا يُطلق عليه أنه كافر مُشرك حتى تقوم عليه الحُجة ، قال : إن من فعل شيئاً من هذه الأمور الشركية لا يُطلق عليه أنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر وعبادة غير الله ونحوه من الكفر ، وإنما قال هذا في المقالات الخفية كما قدمنا من قوله : وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يُقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها .
فلم يجزم بعدم كفره وإنما قد يُقال ، لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلم العامة والخاصة بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمداً بُعث بها وكفَّر من خالفها من عبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة غيره فإن هذا أظهر شعائر الإسلام . ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداة المشركين وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش والربا والميسر ..

يعني فهذا لا يمكن أن يُقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها . أهـ [ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ج 4 القسم الثاني ص 474 ، 475 ]
______________

والقول ( بأن فاعل الشرك الأكبر لا يكفر إلا بعد البيان ) إن كان حقاً وصدقاً وقاعدة في صلب هذه الشريعة الغرَّاء، لكان مقتضى ذلك أن يكون عليها العمل في تطبيقاتها الجزئية. فإذا خرجت التطبيقات الجزئية عن مقتضى هذا العموم سقط ادعاء كون ذلك قاعدة في العمل وسقط ادعاء صدق القول بها؛ وذلك كالحال الذي ادعاه اليهود في مواجهة القرآن الكريم، وكيف ردَّ الله تعالى عليهم بما يسقط ادعاءهم ويثبت كذبه، وذلك في وقوله تعالى: 
" وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ
قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ " الأنعام:91

فادعاؤهم الكاذب بأن:" مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ " سقط بإثبات قضية جزئية يعلمون صدقها وإيمانهم بها، وذلك حين رد عليهم فقال: " قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ" وهي التوراة، وقد كانوا يؤمنون بها.
قال ابن كثير رحمه الله: سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة ( مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ )وهو التوراة الذي قد علمتم وكل أحد علم أن الله قد أنزلها على موسي ابن عمران نوراً وهدي للناس أ.هـ. 
فهكذا كل من ادَّعى قاعدة في أي أمر من الأمور، وادَّعى فيها ما يدعي: 
- إذا لم يأت عليها بالدليل الصادق. 
- وإذا لم تنقاد لها قضاياها الجزئية. 
كان ذلك من الدليل القاطع للخصومة بأن هذا القول لا هو أصل ولا هو قاعدة. 
وهذا القول أو الادعاء بأن: ( فاعل الكفر أو الشرك الأكبر لا يحكم بكفره إلا بعد البيان ). 
يلزم للقول بصدقه وادعاء التقعيد له أو اعتباره حاكما على أفعال وأقوال الشرك الأكبر أن يتأيد ذلك بالدليل الصريح الواضح من نصوص القرآن والسنة، وهو ما يعجز عنه أصحاب هذا القول يقيناً، وغاية ما لديهم أقوال لبعض العلماء قد وضعوها في غير مواضعها لتعلقها بأصحاب الكبائر العملية من زنا أو سرقة أو خلافه، أو بأصحاب الكبائر الاعتقادية البدعية لأهل البدع والأهواء، وحيث قد عُلم أن أحد أصول أهل السنة الكبار ( أنا لا نكفر المعين منهم إلا باستحلال ما جنت يداه من معاص) ، ( وأن البدع العقائدية من جنس هذه الذنوب والمعاصي ) وصاحب البدعة الاعتقادية قد دخل في حكم هذا الأصل الكبير من أصول أهل الإيمان من أنه لا يكفر إلا باستحلال ما دخل فيه، ولا يعلم ذلك عنه إلا بالبيان، ولذا قيل عن أهل الكبائر الاعتقادية أن الفعل كفر والفاعل لا يكفر إلا بعد البيان الذي يثبت به استحلاله لهذه الكبيرة، وهو أمر غير مجمع عليه عند علماء السنة؛ حيث أن كثير من أهل السنة لا تكفر صاحب البدعة المخطئ لا قبل البيان ولا بعده كالإمام الخطابي، وكما صرح بذلك الإمام البغوى في شرح السنة، وغيره كثير. 
فسوء الفهم عن الله وعن الرسول وعن علماء الأمة والسلف الصالح هو أصل كل ضلالة نشأت على أيدي أدعياء العلم فنسأل الله تعالى العفو والعافية.
ومن جانب آخر: أن القضايا الكلية والجزئية الكثيرة والعديدة بما لا يحصى والمنصوص عليها بنصوص الذكر الحكيم وسنة سيد المرسلين وقضايا الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام الطيبين والأئمة الأعلام، بخلاف هذا الذي ادعوا فيه مثل هذه القاعدة، بل قد قطعت بأن مرتكب الشرك الأكبر يكفر بمجرده، بل ولعله لا يشعر بكفره إذا لم يشعر بخطورة فعله، وهو ما ذكره السلف في تفسير قوله تعالى: 
" يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ
وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ " المائدة:51.
قال القرطبي رحمة الله في ذلك: " وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ " أي هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك أ.هـ

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر