"لاإله إلا الله" ( نفي ، واثبات )
قال أهل العلم في شهادة التوحيد [لا إله إله الله]: فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات؛ نفي الآلهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات، وإثباتها لله وحده أ.هـ.
قال صاحب قرة العيون: وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة نفياً وإثباتاً، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله بقولك: [لا إله]، وأثبتت الإلهية لله بقولك: [إلا الله] قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:18].
قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد عن هذه الشهادة العظيمة:
فدلالتها على نفي الآلهة وعبادتها / وإفراد الله تعالى بالعبادة: دلالة مطابقة أ.هـ
وقد ذكر ذلك بصدد تناوله لقوله تعالى: [الصافات:35/36].
﴿إِنّهُمْ كَانُوَاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتَارِكُوَ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مّجْنُونٍ﴾
فقال: فعرفوا أنها تدل على ترك عبادة معبوداتهم.قال: ودلالتها على هذا [دلالة تضمن] وأن ذلك يقتضي إخلاص العبادة لله وحده فدلالتها على نفي الآلهة وعبادتها وإفراد الله تعالى بالعبادة [دلالة مطابقة]. دلالة اللفظ علي كل معناه
فدلت لا إله إلا الله على نفي العبادة عن كل ما سوى الله، كائناً من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون ما سواه. وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره؛ كما قال تعالى عن الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيّ أَنّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ الْجِنّ فَقَالُوَاْ إِنّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباًيَهْدِيَ إِلَى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَن نّشرِكَ بِرَبّنَآ أَحَداً﴾ [الجن:1 /2].
فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً واعتقد ذلك وقبله وعمل به. وأما من قالها عن غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهو حجة عليه بلا ريب أ.هـ
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. باب (فضل التوحيد – معنى لا إله إلا الله) صـ49ـ.
وبهذا يتبين أن شق النفي في شهادة التوحيد يتضمن نفي الآلهة المزعومة /وعابديها /وعبادتها، فجميع ذلك من الباطل الذي تنفيه هذه الشهادة العظيمة.فهي من جوامع الكلم حقا وصدقا .
وما أجملته في هذه الكلمات الجامعة فصلته النصوص الشريفة قرآناً وسنة في المواضع المتعددة.
• أ ـ فأما ما يتعلق بنفي بالآلهة المزعومة وكل معبود من دون الله بغير حق:
فقد تكاثرت النصوص المثبتة لهذا الفرض الكبير المقترن دائماً بالإيمان بالله وحده. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:256].
قال ابن كثير رحمه الله:
أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله وشهد أن لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى الصراط المستقيم. قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام. وقال سعيد جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله أ.هـ.
وقال تعالى في ذلك أيضاً:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ﴾ [النحل:36].
قال ابن كثير رحمه الله
في هذه الآية: أن الله [بعث في كل أمة] أي في كل قرن وطائفة من الناس رسولاً، وكلهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ أ.هـ والآيات في هذا كثيرة جداً.
• ب ـ وأما ما يتعلق بنفي عابديها وهم أهل الشرك :
فقد تكاثرت في ذلك أيضاً النصوص، وعلى رأسها سورة الإخلاص والمسماة بسورة [الكافرون] وهي من أوائل ما نزل من سور القرآن وآيات الذكر الحكيم وفيها يقول المولى تبارك وتعالى:
﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾.
قال صاحب رسالة [نجاة السول من السيف المسلول]:فلما بعث بها محمد ودعا إليها أمره الله أن يبين هذين الركنين، كما ذكر الله ذلك في سورة الإخلاص أمره أن يقول: ﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون]. وعرف المشركون ذلك حين دعاهم إلى قول: لا إله إلا الله.
قالوا: ﴿أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَـَهاً وَاحِداً إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5].
وكذلك ما جرى له مع عمِّه عند وفاته، لما قال له يا عم قل لا إله إلا الله وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ عرفوا معناها أن فيها التولي والتبري. وكذلك أمره الله أن يدعوا أهل الكتاب إليها وهم يقولونها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ﴾ [آل عمران:64].
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال [من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل].
فتبين بذلك خطأ المغرورين وبطلان حجة المبطلين، فإن لا إله إلا الله ومعناها كما تقدم النفي والإثبات، وحقيقتها الموالاة والمعاداة، ثم لابد مع ذلك من البغض والاعتزال للداعي والمدعو، والعابد والمعبود، مع الكفر بهم،
كما ذكر الله ذلك في قوله تعالى:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].
وكذلك ما جرى للنبي وأصحابه مع قومهم من الاعتزال العداوة العظيمة.
وكما ذكر الله ذلك أيضاً عن الخليل عليه السلام مخبراً. قال تعالى:
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾[مريم:48].
وقال تعالى مخبراً عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ﴾ [الكهف:16].
فذكر الله في هذه الآيات المحكمات أنهم بدأوا بالمشركين فاعتزلوهم قبل المعبودين.
فأين هذا من الواقع من أهل هذا الزمان، إذا كان علماؤهم لا يعرفون معناها كما عرف جهال الكفار؟ ولا يعلمون بمقتضاها ولا حقيقتها، بل عندهم (لا إله إلا الله) وحده لا شريك له في ملكه. وهى كلمة عليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ونبه الله على فضلها وعظم شأنها أنبياؤه ورسله أ.هـ مجموعة التوحيد
وقال الشيخ حمد بن عتيق :
وها هنا نكته بديعة في قوله ﴿إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾ الآية. وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتياً بالواجب عليه.
وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وهذا كقوله تعالى:
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَأَدْعُو رَبّي عَسَىَ أَلاّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبّي شَقِيّاً﴾[مريم:48]، فقدم اعتزالهم أي المشركين على اعتزال معبوداتهم أ.هـ
رسالة النجاة والفكاك من موالاة المرتدون وأهل الإشراك.ص305
• ج ـ وأما أن شهادة التوحيد تنفي [الشرك] وأن الشرك يناقضها،:
فقد قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:31].
فهذا مما بيناه بتفصيل في مواضع أخرى ، مثل ماذكرناه في باب [نواقض الاسلام] من أن الشرك هو الناقض الأول من نواقض التوحيد وشهادة [أن لا إله إلا الله]
_______________________
Comments
Post a Comment