لا عذر بالجهل في الشرك الاكبـر


قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :
______________________________

(فإذا عرفت ما قلت لك، معرفة قلب; وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} الآية، [سورة النساء آية: 48، و116] ، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه، من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ، [سورة يونس آية: 58] . وأفادك أيضا: الخوف العظيم؛ فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها، وهو يظن أنها تقربه إلى الله، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [سورة الأعراف آية: 138] ، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.
واعلم: أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} ، [سورة الأنعام آية: 112] . وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} ، [سورة غافر آية: 83] .
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، كما قال تعالى: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآية [سورة الأعراف آية: 86] .

فالواجب عليك: أن تعلم من دين الله، ما يصير لك سلاحا، تقاتل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [سورة الأعراف الآيتان: 16-17] .
ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف، ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفا; والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} ، [سورة الصافات آية: 173] . فجند الله: هم الغالبون بالحجة، واللسان; كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان; وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح.) الدرر السنية 71/1

قلت :
------
فانظر لقول الشيخ مبينا بصريح العبارة أنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر حين قال:

(فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها، وهو يظن أنها تقربه إلى الله، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [سورة الأعراف آية: 138] ، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.)(فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها، وهو يظن أنها تقربه إلى الله، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [سورة الأعراف آية: 138] ، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.)


لا عذر لأحد في الكفر بالله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام ابن القيم رحمه الله :

(ومن ذلك قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله تعالى أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة.

وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة..

فذكر تعالى أربعة أمور ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم والرابع منتظر موعود به وعد الحق:

الأول: كونهم كانوا أمواتا لا أرواح فيهم بل نطفا وعلقا ومضغة مواتا لا حياة فيها.

الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.

الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.

الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول ويكذب بالرابع وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق فالذي أحياكم بعد أن كنتم مواتا ثم أماتكم بعد أن أحياكم ما الذي يعجزه عن إحيائكم بعد ما يميتكم وهل إنكاركم ذلك إلا كفر مجرد بالله تعالى فكيف يقع منكم بعد ما شاهدتموه) أ.هـ بدائع الفوائد 4/137

قال ابن القيم رحمه الله :
______________

( وقد كثرت الرحل إلى الآفاق وتداخل الناس وانتدب أقوام لجمع حديث النبي وضمه وتقييده ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شيء منه وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأولة في الحديث وعرف الصحيح من السقيم وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ترك عمله وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغها إليه وقيام الحجة بها عليه ولم يبق إلا العناد والتقليد.

ولم يبق إلا العناد والتقليد) أ.هـ. الصواعق المرسلة 2 / 540
_______________

قلت : فانظر هداك الله كيف حكم هذا الإمام الهمام على أهل زمانه بأنه لا عذر لهم في اتباع ما يخالف كلام رسول الله ولا ترك العمل به وأنه لم يبق في أهل زمانه إلا معاندا أو مقلدا لأهل العناد .

فكيف بزماننا الذي توفرت فيه وسائل العلم بأسهل الطرق وأيسرها واستغني عن الرحلة لطلب العلم بالشبكة العنكبوتية والمكتبات الالكترونية التى تحوي آلاف المجلدات ويسهل البحث فيها .

وإذا كان هذا كلامه في السنن والهدي في زمانه فكيف بالتوحيد الذي هو أصل الأصول ومفطور عليه العباد وأخذ عليه الميثاق وأقيمت عليه البراهين القاطعة الباهرة هل يبقى لمشرك من عذر ؟!!!!
_______________________________


مَنْ لم يَكُنْ مُوحداً كان مُشرِكاً وَلابُد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، قال البغوي (... وجملة القول فيه، أن الله خلق الكافر وكفره فعلُ ُ له وكسب، وخلق المؤمن وإيمانه فعلُ ُ له وكسب، فلكل واحدٍ من الفريقين كسب واختيار، وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان، لأن الله تعالى أراد ذلك منه، وقدره عليه، وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله تعلى إياه يختار الكفر، لأن الله تعلى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه، وهذا طريق أهل السنة والجماعة من سلكه أصاب الحق وسَلِمَ من الجبر والقدَر) . وقال سبحانه: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

قال البغوي ( قال ابن عباس: من خسر نفسه، وقال الكلبي: ضل من قبل نفسه، وقال أبو عبيدة: أهلك نفسه،وقال ابن كيسان والزجاج: معناه جهل نفسه، والسفاهة الجهل وضعف الرأي وكل سفيه جاهل، وذلك أن من عبد غير الله فقد جهِلَ نفسه،لأنه لم يعرف أن الله خَلَقَهَا )

وقال ابن القيم فيها ( فقسم سبحانه الخلائق قسمين سفيهاً لا أسفه منه ورشيداً، فالسفيه من رغب عن ملته إلى الشرك، والرشيد من تبرأ من الشرك قولاً وعملاً وحالاً فكان قولُه توحيداً وعمله توحيداً وحاله توحيداً ودعوته إلى التوحيد ) .

وقال رحمه الله ( فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أم أبى والمعرض عن السنة مبتدع ضال شاء أم أبى ) .

وقال ابن تيمية ( من لم يعبد الله وحده فلا بد أن يكون عابداً لغيره، يعبد غيره فيكون مشركاً، فليس في بني آدم قسم ثالث، بل إما موحدُ وإما مشرك، أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل، النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام ) .

وقال رحمه الله (... فكل من لم يعبد الله مخلصاً له الدين فلا بد أن يكون مشركاً عابداً لغير الله وهو في الحقيقة عابد للشيطان ) .
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر