أحكام من واقع وتاريـخ

د. ماجد كارم

الأول: ما ذكره أهل السير عن حروب الردة ومسيرة خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة لما تابعوا مسيلمة الكذاب، وقد قدم مائتي فارس طليعة أمام الجيش، وقال: من أصبتم من الناس – أي من بني حنيفة – فخذوه. فأخذوا مجاعة أحد أكابر بني حنيفة في ثلاثة وعشرون رجلاً من قومه،فسألهم خالد عن مسيلمة وادعاء النبوة فقالوا: هو نبي، فكفرهم جميعآ وأمر بقتلهم. واستبقى مجاعة لم يقتله لحكمة حربية، ولكن مجاعة قال لخالد: يا خالد‍‍ لقد علمت أني قدمت على رسول الله في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يك كذاباً قد خرج فينا فإن الله يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
فقال خالد: يا مجاعة تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة وقد بلغك مسيري، إقراراً له ورضاء بما جاء به أ.هـ.
__________________________

الثاني: كان على عهد الصحابة أيضاً وفي خلافة الخليفة الراشد عثمان بن عفان وقد كان عبد الله بن مسعود أميراً له على الكوفة، وقد كان بها مسجداً لأفراد من بني حنيفة قوم مسيلمة بعد أن تابوا، وقد مر بهم بعض الناس في صلاة المغرب، فسمعوا قول بعضهم: ما أظن أن مسيلمة كان كاذباً، ولم ينكر عليه أحد من أهل المسجد، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فاتفق هو ومن معه من الصحابة على الحكم بردة أهل المسجد، فاستتابهم وقتل بعض الأفراد ولم يستتبهم، منهم عبد الله بن النوّاحة، والذي كان قد حمل رسالة مسيلمة الكذاب إلى النبي في حياته وقد سأله عن مسيلمة فقال للنبي هو نبي فقال له الرسول لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك. فلما عرض بعد ذلك ضمن أفراد مسجد بني حنيفة على عبد الله بن مسعود قال له: الحمد لله الذي أمكنني منك بلا عهد ولا رسالة، ثم أمر بضرب عنقه ضمن من لم يستتبهم.
________________________________________

الثالث: ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية وغيره عن خروج [المختار الثقفي] ثائراً في خلافة يزيد بن معاوية وتعهده بقتل قتلة الحسين بن على رضي الله عنهما. وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً، تجمع على أثره من حوله كثير من الرجال، وصار له شوكة غير أنه لم يلبث أن ادعى النبوة وأنه يوحى إليه، وتابعه على ذلك خلق كثير. فسيَّر إليه عبد الله بن الزبير جيشاً بقيادة شقيقه مصعب بن الزبير، ودارت بينهما معركة فاصلة قتل فيها [المختار الثقفي] وكانت تحته ابنة أحد الصحابة لم تتبرأ من زوجها ولم تكفره على ادعائه، فأرسل مصعب بن الزبير إلى الإمام بأمرها، فأرسل إليه عبد الله بن الزبير يأمره بقتلها إن لم تتبرأ منه فقتلها.
____________________________

فهذه ثلاثة مواقف في التاريخ الإسلامي وفي عصور الإسلام الأولى والصحابة متوافرون مجتمعون. وقد دلت على تكفير المشركين وعدم عذرهم و تكفير من لم يكفر الكافر والعمل بمقتضاه دون غرابة ولا استنكار.

ومن العبر اللطيفة الواردة في الذكر الحكيم قوله تعالى من سورة [الأعراف:136].
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ
يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾
وقد ذكر ابن كثير رحمه الله وغيره من المفسرين في شأن أهل هذه القرية أنهم صاورا على ثلاثة فرق:

1ـ فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت.

2ـ وفرقة فاصلتهم على ذلك بعد أن نهتهم بشدة عنه ثم اعتزلتهم.

3ـ وفرقة لم تفعل المنكر ولم تنهى، ولكن قالت للمنكرة :
﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذباً شديداً﴾.

هذا ما ذكره أهل التفسير عن هذه القرية التي مسخ الله أهلها إلى قردة وخنازير بعصيانهم واحتيالهم على صيد السمك في اليوم الذي نهاهم الله عن الصيد فيه.

فأصبحنا في عصورنا هذه مع قومنا ثلاثة فرق أيضاً:

-فرقة ترتكب الشرك وتتمرغ فيه بطناً لظهر في جميع صوره.

-وفرقة نهت عن ذلك أشد النهي واعتزلتهم عقائدياً.

-وفرقة ثالثة لم تقل: ﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم﴾ بل قالت: (لما تكفرون قوماً الله يعذرهم ) !!!

وأين الاحتيال لصيد السمك في السبت ، من تبديل شرائع الله واستحلال ما حرم الله والاستهزاء بدين الله والاحتيال لتعطيل شرائعه وأحكامه فضلاً عن سائر الصور الشركية الأخرى التي تملأ البلاد وقلوب العباد وأفعالهم. ولاحول ولاقوة الابالله

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر