موقف السلف من المرجئة



أنكر السلف مقالات المرجئة إجمالاً وتفصيلاً وردوا عليهم وأغلظوا لهم القول،

وبدَّعوا من منع الاستثناء في الإيمان ، وبدَّعوا من قال بعدم الزيادة والنقصان أو أحدهما ، وكفَّروا من قال الإيمان هو المعرفة ، وكفَّر بعض السلف الكرَّامية الذين قالوا : الإيمان قول اللسان كما نُقل عن وكيع بن الجراح والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم من السلف - رحمهم الله جميعاً ، أما الجهم بن صفوان المعطِّل رأس الجهمية فقد كفَّره السلف لأنه يقول الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار والعمل بسائر الطاعات .
و تكلمنا عن حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة وقلنا أنه مركب من أركان ثلاثة لا يصح أحدهم بدون الآخر وهي الاعتقاد والقول والعمل وأن الأعمال من الإيمان وركن فيه ، وهذا مما خالف فيه المرجئة أهل السنة .
وكذلك الكفر عند أهل السنة يكون بالاعتقاد وبالقول وبالعمل وبالشك وبالترك ، وهذا أيضًا مما خالفت فيه المرجئة أهل السنة ؛ فخالفوهم في الإيمان والكفر ، فحقيقة الإيمان عند المرجئة هو التصديق بالقلب وزادت بعض فرق المرجئة الإقرار باللسان كشرط لإرجاء أحكام الدنيا ، وليس الإقرار داخلاً في حقيقة الإيمان عند جمهور المرجئة - كما مر معك - ومن المعلوم أن المرجئة أقسام عدة وأنواع مختلفة وطوائف شتى ، وكل طائفة لها قول مختلف عن الأخرى ، وإن كانوا جميعًا يجمعهم خروج العمل من مسمى الإيمان ، نقول ذلك حتى لا يفهم البعض أن المرجئة قسمًا واحدًا ، فالمرجئة فرق عديدة ذكر الأشعري في المقالات والملطي في الرد والتنبيه إنهم اثنتا عشرة فرقة ، منهم مرجئة خالصة ومنهم من يجمع مع الإرجاء بدع أخرى ويجمعهم إخراجهم العمل من مسمى الإيمان ، وتختلف فرق المرجئة في تعريفها للإيمان

وحاصل أقوالها يرجع إلى ثلاثة أقوال :
-----------------------------------
الأول:
أن الإيمان مجرد المعرفة ، وبعضهم يقول المعرفة والتصديق مع دخول عمل القلب ، ومنهم من لا يدخله كجهم بن صفوان.

الثاني:
أن الإيمان مجرد قول اللسان فقط وهو ما انفردت به الكرامية دون سائر الفرق وهو الإقرار والتصديق باللسان.

الثالث:
أن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان وهو ما يسمى بإرجاء الفقهاء ، وهؤلاء جميعًا اتفقوا على خروج أعمال الجوارح من مسمى الإيمان مع تفاوت بينهم في التصديق والمعرفة والإقرار
وقد انقسمت المرجئة إلى طوائف في شأن من قال أو فعل ما ورد النص بكفر فاعله:
منهم من قال: كل من نص الشارع على كفره فهو كافر ظاهرًا وباطنًا ، ليس بالعمل المكفر ولكن لأن العمل المكفر أمارة على أنه مكذِّب بقلبه ، وهذا هو قول الأشاعرة والأحناف والفقهاء.

ومنهم من قال: كل من نص الشارع على كفره وهو كافر في الظاهر ويجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن ، وهذا قول الجهمية وهو قول في غاية الفساد لأن من أخبر الله بكفره فهو كافر ظاهرًا أو باطنًا.

ومنهم من قال: أن من نص الشارع على كفره لا يحكم عليه بالكفر إلا أن يصرح بالجحد وهو الإنكار الظاهر باللسان أو الاستحلال القلبي ، وهؤلاء كفرهم السلف ـ كما سبق ـ وهو قول مرجئة العصر ,فهم جهمية فى باب الكفر يقيدون الكفر الأكبر بالجحود والاستحلال والإعتقاد والقصد القلبى ,وهو ماصرح به الخلفى والمراكبى والعفانى والعدوي وبرهامي والحويني ومن علي شاكلتهم وغيرهم من دعاة الإرجاء فى زماننا

وقال الأشاعرة ومرجئة الفقهاء هو كافر ظاهرًا وباطنًأ ولكن ليس بنفس القول أو الفعل المكفر بل لأنه أمارة على أنه مكذِّب بقلبه ، وهؤلاء هم أصحاب القول الأول.

وقالت الجهمية هو كافر في الظاهر لورود النص بكفره ، ويجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن إذا كان تصديقه مازال قائمًا ، وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني.

غلاة المرجئة المعاصرة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاءوا بدين جديد وقول جديد لم يسبقهم إليه أحد ، فقالوا لا يكفر هذا إلا أن يجحد أو يستحل ويصرح بذلك ، ومعلوم أن الجحود والاستحلال عمل قلبي ، فقالوا حتى لو كفر لا نحكم بكفره حتى نعرف قلبه أجحد أو لا ، ونحن لا نعرف ما في قلبه إذًا لا نستطيع أن نكفره مع إثباته الفعل المكفِّر والقول المكفِّر لأننا لا نعلم حقيقة ما في قلبه ، وهذا قول يخالف أهل السنة من كل وجه وليس اختلافًا لفظيًا كما يدعيه البعض ، بل الخلاف معهم حقيقي وتترتب عليه آثار كبيرة لأن الكفر قد يقع بالقول أو العمل أو الفعل أو الاعتقاد أو الشك ، وأحكام الدنيا تجري على الظاهر من إسلام وكفر ، فقد يقع الكفر بقول اللسان المكفر أو بعمل الجوارح أو باعتقاد القلب وشكه ، فيكون الكفر بالقول والعمل والاعتقاد لأن الإيمان مركب من القول وهو قولان : قول القلب وقول اللسان ، والعمل وهو عملان : عمل القلب وعمل الجوارح ، وبهذا يتضح فساد مذهب المرجئة وبطلانه وإسقاطهم واجبات القلب الإيمانية وهي العلم بما جاء به الرسول صل الله عليه وسلم إجمالاً والتصديق به والانقياد له بالعمل ، وضد العلم الجهل ، وضد التصديق التكذيب وتقع بالقلب واللسان ، فليس التكذيب ضد العلم ولكنه ضد التصديق ،

كما قال الإمام ابن القيم في المدارج وطبقات المكلفين,آخر كتاب طريق الهجرتين
فمن لم يعلم شيئًا عن الرسول صل الله عليه وسلم وما جاء به فهو كافر كفر جهل، ومن علم ماجاء به الرسول صل الله عليه وسلم ولم يصدقه بقلبه ولا بلسانه فهو كافر كفر تكذيب,
ومن علم ما جاء به الرسول صل الله عليه وسلم وصدقه بقلبه وكذبه بلسانه فهو كافر كفر جحود ،
ومن علم ما جاء به الرسول صل الله عليه وسلم وكذبه بقلبه وصدقه بلسانه فهو كافر كفر نفاق ،
ومن علم ما جاء به الرسول صل الله عليه وسلم وصدقه بقلبه ولسانه ولم ينقد له بالعمل فهو كافر كفر إعراض ، ومن هنا تعلم انحراف مرجئة العصر ، وإن كانت المرجئة المعاصرة هي امتداد للمرجئة القديمة إلا أن مرجئة العصر أتوا بقول لم يقله أحد غيرهم ، وهو من التلبيس والتدليس بمكان قالوا إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وهذا بلا ريب هو تعريف الإيمان عند أهل السنة - كما سبق -

لكن زيفهم وضلالهم وتلبيسهم يظهر عندما تقول لهم ، وما منزلة الأعمال من الإيمان؟ سيقولون إنها كمال فيه ، جاء بأعمال الجوارح عمل أو لم يعمل فهو مؤمن ، وتخلف أعمال الجوارح بالكلية مع قدرته يُنقِص إيمانه ولا ينقضه لأن الأعمال وإن كانت داخلة في مسمى الإيمان إلا أنها ليست منه ، ولذلك أن تارك عمل الجوارح بالكلية مع القدرة التامة والتمكن وعدم العجز مسلم مؤمن ، وهو تحت المشيئة مثل أصحاب الكبائر ، إن شاء الله غفر له ابتدءًا دون سابقة عذاب ، ودخل الجنة بالتصديق وقول اللسان مع عدم انقياده بالطاعة ووقوعه في كفر الإعراض ، وإن شاء عذبه بقدر أصحاب الكبائر ولكن مآله إلى الجنة مساويًا تمامًا مع من تعب وخاف وانقاد بالعمل في الدنيا فهم سواء لا فرق !! هكذا يقولون انظر إلى هذا القول الفاسد ، هل قال جهم ذلك ؟ هل قالت الكرامية ذلك ؟ هل قال مرجئة الفقهاء ذلك ؟ والعجب كل العجب أنهم ينسبون هذا القول إلى السلف ويجرؤن الناس على المعاصي وترك العمل والوقوع في الكفر والزندقة والاكتفاء بالمعرفة وتصديق القلب فلماذا العمل إذًا والكل سواء نهايتهم في الجنة ؟ ولماذا فرض الله الفرائض وأوجب الواجبات إن كان الناس فيها سواء ، عبثًا ولهوًا كان السلف يعملون عندما فهموا عن الله ورسوله أن تارك العمل معرض عن الله متولٍ عن الطاعة كافر في الدنيا لكنه يوم القيامة مآله إلى الجنة والنعيم المقيم .

ما فائدة الأعمال إذا كان الكل سواء في النهاية لماذا التعب والنصب والخوف من سوء الخاتمة ، وأي خاتمة مهما كانت فهي في الدنيا فقط وإن عُذِّب في النار فترة من الوقت لكن النهاية يتطهر ويدخل الجنة بالإيمان الذي في قلبه هل رأيتم قولاً أخبث من هذا؟ هل رأيتم هدمًا للدين وتمييعًا للإسلام في صورة السلف والسلفية أوضح من هذا المذهب الخبيث؟ إذن ما هو الكفر الذي يخلد صاحبه في النار؟ أهو الجحود والاستحلال القلبي والكفر الاعتقادي؟ لذلك لا تعجب من ضلال هؤلاء عندما تراهم يدافعون عن الطواغيت وأنصارهم وجنودهم ، ويثبتون لهم الإسلام ، ويعتقدون فيهم أنهم ولاة الأمر الواجب على المسلمين السمع والطاعة لهم ، فهؤلاء الطواغيت لا يكفرون لأنهم يقولون لا إله إلا الله ، ولم يكفروا بقلوبهم ولم يستحلوا ولم يجحدوا الحكم بما أنزل الله؟

لا تعجب من هؤلاء عندما تراهم يحاربون أهل الحق والسنة ويرمونهم بالغلو في التكفير والتشدد والإرهاب والتطرف واستعداء الطواغيت عليهم؟
لا تتعجب من تنحية شرع الله ومحاربة أولياء الله والصد عن سبيل الله.
لا تعجب من ظهور الشرك والكفر والإلحاد والعلمانية وعبادة القبور والأضرحة وصرف العبادة التي هي حق لله ، لغير الله ، فهؤلاء مسلمون جهلة لا يعرفون الله ، والله يعذرهم ويدخلهم الجنة بجهلهم وإن لم يعملوا بالإسلام فهم في الجنة؟

لا تعجب من كل هذه المصائب و الابتلاءات و المحن التي تنزل بالمسلمين وبلادهم كل ذلك من آثار لوثة الإرجاء الخبيثة ، الإيمان في القلب ها هنا

، وقد ترتب على هذا الأصل الفاسد آثار مدمرة نتيجة هذا الاعتقاد الخبيث وهو أن الإيمان التصديق وأن محله القلب ، وكذلك ضده ونقيضه وهو الكفر ومحله أيضًا القلب

ترتب على ذلك الفهم والتأثر بهذا القول الوقوع في عدة أخطاء في موضوع الإيمان والكفر غير الذي سبق منها:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- أن الإيمان شيء واحد غير مركب من شعب لأن التصديق واحد إذا زال بعضه زال كله

2- أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق شيء واحد ولو نقص لصار شكًا وهو كفر.

3-أن الناس فى أصل الإيمان سواء ، الفاجر كالتقي كلهم إيمانهم كإيمان النبي وجبريل لأن الإيمان شيء واحد.

4-أن العمل ليس من الإيمان لأن الإيمان تصديق القلب وإنما العمل ثمرة الإيمان وإن سُمِّي العمل إيمانًا مجازًا.

5-أن الفاجر الفاسق مؤمن كامل الإيمان مادام مصدقًا وهذا من قبائحهم.
6-أن أهل الإيمان لا يتفاضلون فيه بل إيمانهم على السواء ، وإنما يتفاضلون في الأعمال والأعمال ليست من الإيمان عندهم ، فيكون المآل إلى الجنة ، الكل سواء.

7-أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان ، وهو قول : أنا مؤمن إن شاء الله ؛ لأنه شك ، والشك في الإيمان الذي هو التصديق كفر ، بل يقول : أنا مؤمن حقًا وقطعًا.

8-أن الكفر هو التكذيب لا غير أو ما هو راجع إلى التكذيب كالجحود والاستحلال ، لأن الكفر هو نقيض الإيمان ، والإيمان تصديق القلب فليس الكفر تكذيب القلب ، فاشترطوا للتكفير كفر القلب لأجل الحكم بالكفر ، وإلا لا تكفير إلا بالجحود والاستحلال القلبي,وهذا هو قول مرجئة العصر أمثال الخلفى والمراكبى والحلبى وهشام البيلى والعفانى وبرهامى والزغبى والحويني وحسان وغيرهم وهذا ماتتبناه وتنشره وتدعوا إليه الجماعات الحزبية مثل أنصار السنة المحمدية فى مصر ,ومدرسة الإسكندرية ,ومدرسة الأردن...
ومن أخطائهم المترتبة على هذا الفهم في موضوع التكفير ،

9-الخلط بين قصد الكفر وقصد العمل المكفر ، فالمعتبر عند أهل السنة هو قصد العمل المكفر وليس قصد الكفر لأنه لا يقصد الكفر أحد إلا أن يشاء الله كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله

10- اشتراط شرح الصدر بالكفر لأجل الحكم بالكفر؛ مع أن انشراح الصدر بالكفر زيادة في الكفر

11- حصر أسباب الكفر في كفر الاعتقاد وهو كفر القلب أو تقييد الكفر بكفر القلب.

12- القول بأنه لا كفر إلا بالجحد والاستحلال وهذا مرجعه إلى تكذيب النصوص وقد أشكل على المرجئة أن هناك أقوالاً وأفعالاً نص الشارع على كفر فاعلها.

هذه بعض الآثار والمفاسد المترتبة على القول بأن الأعمال ليست من الإيمان وأن كانت داخله فيه لفظًا إلا أنها ليست منه على الحقيقة وأن تارك عمل الجوارح بالكلية مع القدرة مسلم وليس بكافر.
وقد ترتب على هذا القول الفاسد الضال الخبيث هذه الانحرافات السابقة
وأعظمها التهوين من شأن العمل عند كثير من الناس والمنتسبين إلى الإسلام لأن مدار النجاة من الخلود في النار على ما في القلب من إيمان مع قول اللسان ،
وأعظمها وأشنعها تنحية شرع الله بالكلية ، وسن القوانين الوضعية وإلزام الناس بها والتحاكم إليها ، ومعاقبة كل من لم يتحاكم إليها أو يخالفها ومحاربة ومطاردة كل من يطالب بتحكيم شرع الله واتهامه بالإرهاب والتطرف والغلو، ونقض عُرى الإيمان والولاء والبراء والحب والبغض وانتشار شرك النسك والولاية للكفار واليهود والنصارى والركون إليهم بالكلية ؛ والواقع خير شاهد على كل ذلك ، والسجون والمعتقلات تحكي لك قصص أهل التوحيد والجهاد المتمسكين بمذهب أهل السنة والجماعة وبما كان عليه رسول الله وصحابته الكرام –

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر