من شبهات العاذرين بالجهل

شبهــات وردود
ـــــــــــــــــــــ

احتجوا بقول تعالى:
ــــــــــــــــــــــــــ

"وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115] وكذا قول الحق سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25] .

قالوا فقد شرط الله لثبوت العقاب عليهم أن يكون فعلهم ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى
____________

أقول بعون الله : مع أن الآية ليست في موضع النزاع أصلاً , الذي هو حكم من خرق التوحيد وتلبس بالشرك وعبد غير الله في الدنيا بغض النظر عن كونه معذباً يوم القيامة بشركه أو معذوراً بجهله ، بالرغم من ذلك .
فهذه الآية لا تصلح لهم حجة على دعواهم أبداً بأنه لا يعذب إلا من كانت صفته ( المرتد ) ومن شاق الرسول من بعد ما تبين وعلم ذلك .
إنما تتحدث الآيتان عن حالة واحدة وصفة معينة ، من حالات المعذبين وأهل النار ولكنهما لم تنفيا وجود غيرهما أصلاً .
أما آية النساء فهي تتحدث عمن شاق الرسول بعد العلم وتبيان الحق , ونحن نعلم علم اليقين أن من الكافرين المعذبين من يموت شاكاً في البعث والرسالة وقضايا الإيمان الأخرى ، غير متبين للحق فيها ولا عالماً بها , بنص قوله تعالى :
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ (سبأ:21) وقوله : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى (الرعد :19) . وقوله : الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (التوبة :97) . وقوله : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنبياء :24) . وقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (الشورى :18). وغير ذلك من النصوص الكثيرة المستفيضة ، التي تجزم بأن من الكافرين المعذبين من هو شاك في قضايا التوحيد غير فاهم لها و لا عالم بها .
أما سورة محمد فهي تتحدث أيضاً عن حالة واحدة من حالات الكافرين ونوع من أنواعهم , وهو من ارتد من بعد إيمانه ، وليس كل كافر مرتد بعد إيمان ، ومن زعم ذلك فقد كابر وبغى ، فمن المقطوع به أن من الكافرين المعذبين من لم يدخل الإسلام ابتداءً ، بل جماهيرهم كذلك .

وجماع القول في هاتين الآيتين ، أنهما تتحدثان عن حالة واحدة من حالات الكافرين المعذبين ، وليس معنى ذلك أنهما تنفيان حكم من هم بغير هذه الصفة , اللهم إلا أن تأتي قرينة قطعية تجزم بنفي العذاب عمن هم بغير هذا التقييد للوصف , هذا بيان واضح للآيتين .
و الحقيقة أن هذا النمط من الاحتجاج ـ وهو ما يعرف بمفهوم المخالفة أو دليل الخطاب كما يسميه بعض الأصوليين ـ وهو على التحقيق والصواب لا تقوم به الحجة بمجرده ، اللهم إلا أن تحتف به أو بغيره من القرائن القطعية التي تفيد إثبات ما ذهب إليه المحتج به ونفي ما عداه .

فحين نسمع قول الحق تبارك وتعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران:130) لم يكن من الفقه والعلم أن يقول أحد من الناس بأن ما كان من الربا بهذا التقيد في صفته فهو المنهي عنه وما عداه فهو مباح , وإنما الحق والصواب هو القول بأن هذه الآية تبين تحريم نوع من الربا ولا تقصر التحريم عليه حتى يأتي نص يبين هذا القصر ، أما تحريم الحالات الأخرى من الربا فيعلم بالنصوص الأخرى لقوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (البقرة :278) وغيرها من الآيات والأحاديث التي تتحدث في ذات الموضوع , ومثل ذلك في مفهوم آيات عديدة كقوله تعالى : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (المؤمنون :117) فلا يفهم من ذلك أن هناك دعوى للندية بالدليل والبرهان , ومثل ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.. (البقرة:61) لا يفهم من ذلك أن هناك قتل لنبيين بالحق في المقابل , وكذا قوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (النحل:8) لا يفهم من ذلك نفي شرعية الاستعمال بغير هذا القيد في الصفة إلا بأدلة أخرى من خارج هذا النص .
وبالجملة فدليل الخطاب لا يفيد حجة ملزمة بمجرده وإنما يفيد - فحسب - لإثبات الحكم الخاص بالحالة المقيدة من غير إثبات ولا نفي لغيرها من الحالات .

وفي هاتين الآيتين ـ وهما مدار النقاش هنا ـ , يتحدث الله سبحانه وتعالى عن حالتين من حالات الكفار المعذبين وهما : المرتد الذي كفر بعد إيمانه , والذي شاق الرسول بعد العلم والتبيان . فلزم إثبات الحكم الذي قررته الآيتان لمناط الحكم الذي قيدته من غير إثبات ولا نفي لغيرهما ، اللهم إلا أن يأتينا المخالف بدليل آخر يفيد جزم ما ذهب إليه ، أما قبل ذلك فلا حجة له . وبذلك يسقط استدلالهم بالآيتين وبالله التوفيق .

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر