معني كلمة الدين ومعني كلمة أصل الدين

 د.ماجد كارم
أصــل الدين
ــــــــــــــــ

معنى كلمة أصول
____________

بما أننا نتكلم عن أصول الدين فلابد أولاً مِن تعريفه حتى يسهل علينا الخوض فيما يتعلق به ، فالأصلُ له عدة معان في اللغة ، مِنها : أنَّهُ ما يُبنى عليه غيرهُ ، أو هوَ ما يستند وجود الشيء إليه ، وجمعها أصول ، جاءَ في تاج العروس : ( الأصلُ : أسفلُ الشيء ، يُقالُ : قعد في أصل الجبل ، وأصل الحائط ، وقلعَ أصلَ الشجر ، ثم كَثُرَ حتى قيل : أصل كل شيء : ما يستندُ وجودُ ذلك الشيء إليه ، فالأبُ أصل للولد ، والنهر أصلٌ للجدول ، قاله الفيومي ، وقال الراغب : أصل كل شيء قاعدته التي تُوهِّمَت مرتفعةً ارتفعَ بارتفاعها سائرهُ ، وقال غيرهُ : الأصلُ ما يُبنى عليه غيره . ) أهـ .
وإذا أُضيفَ "الأصول" إلى "الدين" فيكونُ حينئذٍ على معنًى آخر
و أصول مفردها أصل ,والأصل هو الأساس وهو مايبنى عليه غيره وكلما كان الأًصل متينا كان البناء متينا ,كأصل البيت وأصل الشجرة وأصل الجدار ,ومنه أصل الدين ,وله عند العلماء استعمالات وتعريفات واطلاقات منها :-

الأول: الدليل، كما يقولون: الأصل في هذه المسألة الكتاب أو السنة أو الحديث الفلاني.

الثاني: يطلقون الأصل على الراجح من أحد الأمرين، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة.

الثالث: يطلقون الأصل على القاعدة المستمرة، كقولهم: جواز أكل الميتة على خلاف الأصل.
الرابع: يستعمل في القياس الذي يكون له أصل وفرع.

فهذه الاستعمالات الأربعة مشهورة في استعمال العلماء، سواء في الفقه أو في الأصول، ولكن المقصود هنا هو: الأصل الذي تبنى عليه العقيدة.

وعند الفقهاء والأصوليين يطلق "الأصل" على معانٍ:

أحدها: الدليل، يقال: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة.

وثانيها: القاعدة الكلية التي تشتمل على جزئيات موضوعها، كقاعدة: لا ضرر ولا ضرار.

وثالثها: الراجح، أي: الأولى والأحرى، يقال: الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز.

ورابعها: المستصحب، يقال: "تعارض الأصل والظاهر ... ".

والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد، ومن حيث إنها مسالك واضحة إليها سميت مناهج, ومن حيث إنها علامات لها سميت أعلاما.

الأصول لغة :
________

مفردها أصل ولها أربعة معانٍ لغوية هي : الأساس ( ما يبنى عليه غيره ) مثل : أصل البيت أساسه - الجذر ( ما له فرع ) مثل أصل الشجرة جذرها - مادة الشيء وحقيقته مثل أصل الإنسان من طين وأصل الزجاج الرمل - قعر الشيء مثل : أصل الجحيم قعر جهنم وأصل البئر قعره .
وتأتي اصطلاحا بمعانٍ كثيرة من أشهرها : الأصل بمعنى المستصحب كالأصل في المياه الطهارة .
والأصل بمعنى الراجح كقولنا الأصل عند الجمهور حرمة المعازف .
الأصل بمعنى القاعدة : كقولنا الأصل الضرورات تبيح المحظورات
الأصل بمعنى المقاس عليه كالأصل في المسكرات الخمر .
الأصل بمعنى الدليل : الأصل في كفر تارك الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر .."
الأصل بمعنى السند هذا الحديث لا أصل له أي لا سند له .
الأصل بمعنى النسب كقولنا فلان لا أصل له أي لا نسب يعرف به .
وأكثر المعاني ترجع إلى المعاني اللغوية .
والأصل في الدين: التوحيد، والأصل في الاعتقاد هو الإيمان بالمبدأ والمعاد ...
فإذا كان الأصل هو أساس الشيء أو ما يبتنى الشيء عليه وما يقوم عليه، فأصول الدين هي ما يقوم الدين عليه ويعتبر أصلا له. والدين الإسلامي يقوم على عقيدة التوحيد، ومن هنا سمي علم التوحيد أو العقيدة "علم أصول الدين" كما سماه بعضهم علم الأصول، أو علم الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة، ومنهم من يجعل أصول الدين اسما لكل ما تتفق فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير، سواء كان علميا أو عمليا، فيجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين(انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": 19/ 134)

، وقد اختلف العلماء في تعريف أصول الدين على أقوال لا يهمنا ذكرها ، لكن نذكر الراجح منها ، فالأقربُ منها إلى الكتابِ والسنة والأسلمُ باعتبار المعنى اللغوي للأصل ، أن نقول في تعريف أصول الدين : أنَّها مسائلُ الدين الهامَّة التي يُبنى عليها الدين ، والتي أجمع عليها السلفُ مِن الصحابة والتابعين سواءً كانت عقليةً أم خبرية علميةً أم عمليَّة ، ويحرم المخالفة فيها ويترتب على المخالفة فيها القدحُ في الدين أو العدالة .......

وفى شرح لرسالة أصول السنة
--------------------------------
(قال المصنف : [أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع؛ وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات في الدين] .

هذه رسالة للإمام أحمد في أصول السنة، والأصل: هو ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع عنه غيره كأساس الحيطان وأصول الشجر، والمعنى: أن السنة لها أصول تتفرع عنها،
فأصل الأصول هو كتاب الله وسنة نبيه صل الله عليه وسلم وما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، فإذا حقق الناس هذه الأصول وتمسكوا بالكتاب والسنة وتمسكوا بما كان عليه الصحابة فإنهم بذلك سيكملون ما يتفرع عن هذه الأصول).

ويقول شيخ الإسلام بن تيمية مبيناً أصل الدين ومفرقاًبين المسائل الخفية والمسائل الجلية
-
(ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور؛ يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين:
أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.
والثاني: دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضاً نافع، يتوسل به من دعا له وشفع له باتفاق المسلمين.
ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة، وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك، فمن أنكره فهو أيضاً كافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عرف ذلك فإن أصر على إنكاره فهو مرتد) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (1/ 115).
_________________________________________
معنى كلمــة الدين
ــــــــــــــــــــــــــ

قال أحمد بن فارس فى معجم مقاييس اللغة 2/319 : الدال والياء والنون أصل واحد إليه ترجع فروعه كلها. وهو جنس من الانقياد والذل"
وذكر محمد ملكاوى فى عقيدة التوحيد فى القرآن الكريم والمودودى فى المصطلحات الأربعة وغيرهما من العلماء معانى كثيرة للدين فى اللغة والشرع ومن هذه المعانى :-

1- القهر والاستعلاء والغلبة من ذي سلطة عليا: يقال: دِنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا، والديان القهار من دان القوم: إذا ساسهم وقهرهم فدانوا له، ومنه قول ذي الأصبع العدواني:
لاه ابنُ عمك لا أفضلتَ في حسب ... فينا ولا أنت ديّاني فتخزوني
أي لست بقاهر علي فتسوس أمري، وفسرت كلمة دان بقول الرسول صل الله عليه وسلم عند الترمذى: "الكيس من دان نفسه" بالقهر أي قهر نفسه وذللها، ومن ذلك أن يقال: ديان للقاهر الغالب على قطر أو أمة أو قبيلة والحاكم عليها، كما قال الأعشى الحرمازي مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: يا سيد الناس وديان العرب.
ومنه سمى الله الديان؛ لأنه يقهر الناس على الطاعة ويحكمهم، قال ابن منظور "الديان من أسماء الله عز وجل معناه: الحكم القاضي, والديان القهار"لسان العرب 13/167 وتاج العروس 9/208 وأساس البلاغة ص200

2- وتطلق كلمة الدين لغة كذلك على الطاعة والانقياد والخضوع والذل، يقال: دان له يدين دِينًا: إذا أصحب وانقاد له وأطاعه وخضع وذل له، قال الزبيدي: "والدين الطاعة وهو أصل المعنى وقد دنته ودنت له أي أطعته" أ. هـ. تاج العروس 9/208
والدين لله: إنما هو طاعته والتعبد له، ودانه دِينًا: أي أذله واستعبده يقال: دنته فدان وقوم دِين: أي دائنون مطيعون منقادون قال الشاعر:
ويوم الحزن إذ حشَدتْ مَعدٌّ ... وكان الناس إلا نحن دِينا
يعني بذلك مطيعين على وجه الذل. انظر لسان العرب 13/170 ومعجم مقاييس اللغة 2/319 والطبري 3/211
وقد فسر الخطابي كلمة الدين بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق عليه من حديث على رضى الله عنه "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية". بالطاعة والخضوع: أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها ولا يخضعون له انظر لسان العرب 13/170 وتاج العروس 9/208.
ومن النظر في المعنيين السابقين نرى أن كلمة الدين استعملت في الضدين العزة والقهر والاستعلاء, وضدها الذل والطاعة والخضوع.
قال القرطبي: "قال ثعلب: دان الرجل: إذا أطاع، ودان: إذا عصى، ودان، إذا عز، ودان: إذا قهر, فهو من الأضداد"أ. هـ تفسير القرطبي 1/144.

3- وتطلق كلمة الدين لغة كذلك على الجزاء والمكافأة والحساب، ومنه دنته بفعله دَينا "بفتح الدال وكسرها": أي جزيتة، يوم الدين يوم الجزاء، وفي المثل: كما تدين تدان: أي كما تجازي تجازى، ودانه دِينا: أي جازاه وحاسبه، ومن ذلك قول الشاعر: واعلم وأيقِن أن ملكك زائل ... واعلم بأنك ما تدين تدان
قال القرطبي: "الدين، والجزاء على الأعمال والحساب بها.. يدل عليه قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَق} 2: أي حسابهم ... ومنه: الديان في صفة الرب تعالى: أي المجازي. وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه": أي حاسبها
وقوله تعالى: {أَئِنَّا لَمَدِينُون} : أي هل نحن مجزيون محاسبون، وقوله تعالى: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع} .

4- وتطلق كلمة الدين في اللغة كذلك على العادة والشأن والسيرة والطريقة, يقال: دِينَ: أي عُوِّد, ويقال: ما زال ذلك ديني وديدني، أي دأبي وعادتي, وعدّه الزبيدي بأنه هو أصل المعنى، وكان صلى الله عليه وسلم على دين قومه: ليس معناه على الشرك وعبادة الأصنام, إنما معناه: على عادتهم من الكرم والشجاعة وغير ذلك من أخلاقهم الحميدة.
فكأن الدين أطلق على العادة؛ لأن النفس إذا اعتادت شيئًا مرنت معه وانقادت له.

5- وتطلق كلمة الدين في اللغة أيضًا على ما يتدين به الرجل، ومنه: دان بالإسلام ديِنًا وتدين به: أي تعبد به واتخذه دينا، ودَيِّن: مثل سيد أي صاحب دين وديّنته: بالتثقيل: وكلته إلى دينه وتركته وما يدين به، قال الزبيدي: "والدين: اسم لما يتعبد الله عز وجل به عباده, والدين الملة، يقال اعتبارًا بالطاعة والانقياد للشريعة، قال الله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام} أ. هـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فى العبودية"والدين يتضمن الخضوع والذل, يقال: دِنته فدان: أي ذللته فذل، ويقال: يدين الله ويدين لله: أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له،فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له"أ. هـ.

وقد ذكر الزبيدي، عدة معان لكلمة الدين في اللغة منها: الجزاء، والمكافأة والإسلام، والعادة والشأن، والعبادة، والطاعة والذل، والانقياد، والحساب والقهر، والغلبة، والاستعلاء، والسلطان، والملك والحكم والسيرة والتوحيد والدين اسم لما يتعبد به، والدين الملة, والدين الورع، والمعصية، والإكراه، والحال، والقضاء.

هذه المعاني الكثيرة التي تدخل تحت مفهوم الدين، متقاربة حسب ارتباط بعضها ببعض, ونستطيع حصرها حسب اشتقاقات الكلمة، وبالنظر إلى تعديتها بالباء أو باللام أو بنفس الكلمة بثلاثة وجوه.

1- إذا عديت الكلمة بنفسها فقلنا: "دانه دينا": شملت معاني: الملك والحكم والقضاء والقهر والمحاسبة والجزاء والأمر والإكراه والغلبة والاستعلاء والسلطان وما في معناها.

2- وإذا عديت الكلمة باللام فقلنا: "دان له" شملت معاني: الطاعة والخضوع والعبادة والذل والانقياد وما في معناها.
ونلاحظ هنا أن بين المعنيين تلازمًا، وكلاهما مرتبط بالآخر: فقولنا: "دانه فدان له": أي قهره فخضع له وأطاع وذل.

3- وإذا عديت بالباء فقلنا: "دان به", شملت معاني: العادة والشأن والملة والطريقة والسيرة ومافي معناها، لأن كل من دان بشيء فقد اتخذه مذهبًا ودينًا واعتاده وتخلق به، وعلى هذا فكل طريقة يسير عليها المرء في حياته نظرية كانت أو عملية تسمى دينًا، وهذا المعنى الأخير مرتبط بما قبله كذلك، لأن من دان بالشيء يكون قد خضع له وانقاد والتزم طاعته واتباعه،
وقد عرف العلماء المسلمون الدين بتعاريف مختلفة منها تعريف ابن الكمال بأنه: وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عن الرسول، وقال غيره بأنه: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وعرفه الدكتور محمد عبد الله دراز: بأنه ما شرعه الله على لسان نبيه من الأحكام, وسمى دينًا لأننا ندين به وننقاد له
إن مفهوم الدين في الإسلام واسع لا يقتصر على النواحي الاعتقادية والتعبدية فهو يشمل نظام الحياة الكامل الشامل لنواحيها الاعتقادية والتعبدية والفكرية والخلقية والعلمية والعملية والاقتصادية وغيرها، فإن كان هذا النظام مستندًا إلى شرع الله وسلطته، فهو دين الله الحق، وإن كان هذا النظام مستندًا إلى شرع البشر والحكام وسلطانهم فهو دين الحكام، وهو دين باطل، ويجب البراءة منه كما أمر بذلك رسول الله صل الله عليه وسلم بتوجيه الله تعالى له أن يقول للكفار الذين عبدوا الأصنام وشرعوا من عند أنفسهم ما لم يأذن به الله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} ، وقد بين ابن القيم رحمه الله: بأن هذه الآية ليست إقرارًا من الرسول صل الله عليه وسلم لدين الكفار ورضًا به, بل هو أمرَ بالبراءة من دينهم وكلِّ دين باطل، والمعنى أن الدين الذي أدين به غير دينكم الباطل الزائف.

وقال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} ، فواضح في هذه الآية أن الدين يشمل النظام العام في البلاد وفي جميع مناحي الحياة؛ لأن نظام الملك وشرعه، ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه جزاء سرقته، إنما كان هذا نظام يعقوب وشريعة دينه، فالدين هنا هو النظام والشرع،وإن كثيرًا من الناس يقصرون مفهوم الدين على الاعتقاد والشعائر, ويعتبرون أن كل من يعتقد وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويؤدي الشعائر المكتوبة، داخلًا في دين الله وإن كان خاضعًا بالطاعة لغير الله من الأرباب والآلهة المتفرقين في الأرض, وإنما سمى الله الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، لإعطائهم لأنفسهم حق التشريع في الحلال والحرام, فقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}
إن هذا الانكماش في مفهوم الدين حتى أصبح لا يعني في تصور كثير من الناس إلا الاعتقاد والشعائر، لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم السلام، لقد كان هذا الدين يعني دائمًا الالتزام بشرع الله في العقائد والشعائر والشرائع، ورفض ما يشرعه غيره وإفراده تعالى بالألوهية، وهذه هي الصورة الوحيدة التي تدخل الناس في دين الله، وأما إذا حكموا في حياتهم نظامًا وشرعًا من عند غير الله من الحكام والرؤساء، فهم في دين الحاكم الذي قبلوا نظامه وشرعه, ولا يجوز لمسلم أن يجهل هذه الحقيقة، وجهله لا يعفيه من أنه قد أشرك بالله غيره، وخرج من دينه لدين غيره من الأرباب والآلهة، لأن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها، وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها فضلًا عن أصولها وكلياتها داخلة في دين الله، وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا غيره، وأن الشرك بالله لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غيره معه، ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره، وأن عبادة الأصنام لا تقتصر على الأحجار والأشجار، بل تتمثل في إقامة شعارات ومبادئ ونظم لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ، يقول ابن تيمية رحمه الله: وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله, ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، وكما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}، ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه, فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به ). هـ

وقال في موضع آخر: "ودين الإسلام بني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان، فلما كانت شريعة التوراة محكمة، كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل، وكذلك في أول الإسلام، لما كان النبي صل الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، كانت صلاته إليه من الإسلام, ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة، كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام أ. هـ

فإن معنى كلمة الدين هو القهر والطاعة والانقياد والجزاء والمحاسبة
فلكي يدرك المرء في أي ملّة هو، وعلى أي دين لا بد أن يعرف معنى كلمة الدّين.
جاء في "لسان العرب" معنى كلمة الدين: (الدَّيان؛ من أسماء الله عز وجل، معناه الحكَم القاضي، والدين؛ الجزاء، ويوم الدين؛ يوم الجزاء، والدين؛ الطاعة، والدين؛ العادة، والدين لله من هذا إنما هو طاعته والتعبد له، وفي التنزيل العزيز: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}، قال قتادة: "في قضاء الملك"، ودِنتُه؛ سُسْتُه، والدين؛ السلطان، وفي حديث الخوارج: "يمرقون من الدين مُروقَ السهم من الرميَّة"، قال الخطابي: "أراد بالدين الطاعة أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة) اهـ بتصرف.

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.
قال ابن تيمية: (والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون كله لله)

وقال ابن جرير في التفسير: (وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره).

قال المودودي : (المراد بـ "الدين" في جميع هذه الآيات هو القانون والحدود، والشرع والطريقة والنظام الفكري والعملي الذي يتقيد به الإنسان، فإن كانت السلطة التي يستند إليها المرء لاتباعه قانونا من القوانين، أو نظاما من النظم سلطة الله تعالى؛ فالمرء لا شك في دين الله عز وجل، وأما إن كانت تلك السلطة سلطة ملك من الملوك؛ فالمرء في دين الملك)

قال الشنقيطي في "الأضواء": (الدّين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه.
وفي قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}،
قال سيد قطب رحمه الله: (وبملاحظة جميع ما ورد في القرآن من تفاصيل لقصة موسى عليه السلام وفرعون، لا يبقى من شك في أن كلمة "الدين" لم ترد في تلك الآيات بمعنى النحلة والديانة فحسب، أريد بها الدولة ونظام المدينة أيضا، فكان مما يخشاه فرعون ويعلنه: أنه إن نجح موسى عليه السلام في دعوته، فإن الدولة ستزول وإن نظام الحياة القائم على حاكمية الفراعنة والقوانين والتقاليد الرائجة سيقتلع من أصله).
وقال: (والتحليل والتحريم - أي الحظر والإباحة - هو الشريعة، هو الدين، فإذا كان الذي يحلل هو الله، فالناس إذن في دين الله، وإن كان الذي يحرم أو يحلل أحد غير الله، فالناس إذن يدينون لهذا الأحد، وهم إذن في دينه لا في دين الله، والمسألة على هذا الوضع هي مسألة الألوهية وخصائصها، وهي مسألة الدين ومفهومه، وهي مسألة الإيمان وحدوده، فلينظر الناس في أنحاء الأرض أين هم من هذا الأمر؟ أين هم من هذا الدين؟ وأين هم من الإسلام وإن كانوا ما يزالون يصرون على ادعائهم للإسلام!)

- فائدة:
--------
إن كل الغبش والغموض والتميّع الذي طال المفاهيم - التي سلف ذكرها -؛ يتحمّل مسؤوليته بالدرجة الأولى العلماء والحكام، فالفساد يدخل العالم من ثلاث فرق، كما قال ابن المبارك رحمه الله:
وهل أفسد الدّين إلاّ الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
- فالملوك الجائرة؛ يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها ويقدّمونها على حكم الله ورسوله.
- وأحبار السوء؛ وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بأرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمّنة تحليل ما حرّم الله ورسوله وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره، ونحو ذلك.
والرهبان؛ وهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالذواق والمواجيذ ... المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه.
وفي حديث أبي طالب قال له (:" أريد من قريش كلمة تدين لهم بها العرب " أي تطيعهم وتخضع لهم.
والدين: الجزاء والمكافأة .. ويوم الدين: يوم الجزاء.
والدين: الطاعة، وقد دنته، ودنت له أي أطعته ..
والدين: العادة والشأن .. وفي الحديث:" الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله "، قال أبو عبيد: قوله " دان نفسه " أي أذلها واستعبدها، وقيل: حاسبها ..
والدين لله من هذا إنما هو طاعته والتعبد له، ودانه ديناً أي أذله واستعبده، يقال: دِنتُه فدان ..
وفي التنزيل العزيز: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك (، قال قتادة: في قضاء الملك. والدين: الحال. والدين: ما يتدين به الرجل. والدين: السلطان. والدين: الورع. والدين: القهر. والدين: المعصية. والدين: الطاعة.
وفي حديث الحج:" كانت قريش ومن دان بدينهم " أي اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه.
قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله (الأنفال:39.

قال ابن تيمية رحمه الله: والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
وقال: الدين مصدر، والمصدر يُضاف إلى الفاعل والمفعول، يقال دان فلان فلاناً، إذا عبده وأطاعه، كما يقال دانه إذا أذله، فالعبد يدين لله أي يعبده ويطيعه، فإذا أُضيف الدين إلى العبد فلأنه العابد المطيع، وإذا أضيف إلى الله فلأنه المعبود المطاع.وقال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله (الشورى:21.
وقال تعالى: (لكم دينكم ولي دين )وأما إن كانت تلك السلطة سلطة ملك من الملوك، فالمرء في دين الملك، وإن كانت سلطة المشايخ والقسوس فهو في دينهم. وكذلك إن كانت تلك السلطة سلطة العائلة أو العشيرة، أو جماهير الأمة، لا جرم هو في دين هؤلاء.
ومما سبق يتضح جلياً أن كلمة الدين بمفهومها الشامل العام يدخل فيها أصول الدين وفروعه , عقيدة وشريعة بل الدين هو منهاج الحياة الذى ارتضاه الله لعبادة وهذا الدين منه الأصل الذى لايقبل إلابه ,ومنه الواجب ,ومنه المستحب ،،،

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر