قبح الشرك وبطلانه يدرك بالعقل قبل ورود الشرع

 د. ماجد كارم
قبح الشرك وبطلانه يدرك بالعقل قبل ورود الشرع :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
-------------------------------
(وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته ، وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال ، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى .

وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به... وبعبادة غيره ! وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه ! .

فيا عجبا ! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج ، والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقول والفطر ؟ وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم ؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي ، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل ، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه ، وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة ، بل نفى عنهم السمع والبصر ، والمراد سمع القلب وبصره ، فأخبر أنهم صم بكم عمي ، وذلك وصف قلوبهم أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ، وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح ، والحق والباطل ، ولذلك اعترفوا في النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع والعقل ، وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم .

قال الله تعالى حاكيا عنهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وكم يقول لهم في كتابه " أفلا تعقلون " ، " لعلكم تعقلون " .

فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحسن والقبيح ، ويحتج عليهم بها ، ويخبر أنه أعطاهموها لينتفعوا بها ، ويميزوا بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل .

وكم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به ، وقبح ما نهى عنه ، فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ، ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي دون ضرب الأمثال ، وتبيين جهة القبح المشهودة بالحسن والعقل .

والقرآن مملوء بهذا لمن تدبره ، كقوله تعالى "ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون "يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له ، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ، ولا يرضى بذلك ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي ؟ وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر ، والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك .

وكذلك قوله تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئوا الملكة ، وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له ، فهل يصح في العقول استواء حال العبدين ؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان ) أ.هـ.
____________
(مدارج السالكين)

قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( قوله : "من شهد أن لا إله إلاَّ الله"، أي : من تكلم بهذه الكلمة عارفاً لمعناها ، عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً ، كما دل عليه قوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُسورة محمد: (19) ، وقوله : إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ سورة الزخرف : (86) أمـا النطق بها من غير معـرفة لمعنــاها ولا عمل بمقتضـاها ، فإن ذلك غــير نــافع بالإجماع… فتباً لمن كان أبو جهل ورأس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه بـ : (( لا إله إلاَّ الله )) )
_______________________

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :

( فإذا عرفت أن جُهال الكُفار يعرفون ذلك ، فالعجب ممن يدعي الإسلام ، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جُهال الكفار ، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها ، من غير اعتقاد القلب ، بشيء من المعاني ؛ والحاذق منهم يظن : أن معناها لا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يُحيي ، ولا يُميت ، ولا يُدبر الأمر إلاَّ الله ، فلا خير في رجل جُهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلاَّ الله ) .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لابُد أن يكون بالقلب الذي هو : العلم ، واللسان الذي هو : القول ، والعمل الذي هو : تنفيذ الأوامر والنواهي ؛ فإن أخل بشيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً .
فإن أقرَّ بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس ، وإن عمل بالتوحيد ظاهراً وهو لا يعتقده باطناً فهو منافق خالصاً أشر من الكافر ) .

ـ وقال رحمه الله :

( اعلم رحمك الله ، أن معنى لا إله إلاَّ الله نفي وإثبات ،
تنفي أربعة أنواع وتُثبت أربعة أنواع :

تنفي الآلهة ، والطواغيت ، والأنداد ، والأرباب ،
فالآلهة : ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر فأنت متَّخذه إلهاً ،
والطواغيت : من عُبد وهو راضٍ أو رُشِح للعبادة ، مثل السمان أو تاج أو أبي حديدة ،
والأنداد : ما جذبك عن دين الإسلام من أهل أو مسـكن أو عشيرة أو مال ، فهو ندّ لقـوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ سورة البقرة : (165) ،
والأرباب : من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته ، مصداقاً لقوله تعالى : اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ سورة التوبة :(31) .

وتثبت أربعة أنواع : القصد وهو كونك ما تقصد إلاَّ الله ، والتعظيم والمحبة لقوله عزّ وجلّ :
والذين آمنوا أشدُ حباً لله سورة البقرة: (165) ، والخوف والرجاء ، لقوله تعالى : وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ سورة يونس : (107) .

فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ، ولا تكبُر عليه جهامة الباطل ، كما أخبر الله عن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام بتكسيره الأصنام وتبرِّيه من قومه لقوله تعالى : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ الآية سورة الممتحنة
____________________________
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله وأنه المعبود ، وعرف حقيقة العبادة ، تبين له أن من جعل شيئاً من العبادة لغير الله فقد عبدهُ واتخذه إلهاً وإن فرَّ من تسميته معبوداً أو إلهاً ، وسمى ذلك توسلاً وتشفُعاً والتجاءً ونحو ذلك .
فالمشرك مشرك شاء أم أبى ، كما أن المُرابي مرابي شاء أم أبى ، وإن لم يُسم ما فعله رِبا ، وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها ) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( والمُخالف لهذا الأصل ـ أي التوحيد ـ من هذه الأمّة أقسام : إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته ؛ ويدعوا الناس إلى عبادة الأوثان ، أو مشرك يدعوا غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها ، أو شاك في التوحيد : أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريكاً في عبادته ؟ أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يُقرب إلى الله ، وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم من قبلهم ؛ لمّا اشتدت غُربة الدين ، ونُسي العلم بدين المُرسلين ) .
 
 
قال محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( فمن دعا غير الله ، من ميت ، أو غائب ، أو استغاث به ، فهو مُشرك كافر ، وإن لم يقصد إلاَّ مجرد التقرب إلى الله ، وطلب الشفاعة عنده ) اهـ
______________
الدرر السنية 1/567.
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر