أصل الدين بين الغلو والتفريط



التبس اصل الدين وحقيقته وما يصير به المرء مسلما على كثير من الناس حتى أننا نجد من قد يغلو فى ذلك أو يفرط, فمن يغلو يجعل من أصل الدين ماليس فيه ويخرج بذلك أقواماً من المسلمين من الإسلام ظاناً أنه بذلك قد يحتاط لنفسه أو أنه اهون عليه أنه يحكم على الناس بالكفر بدلا من أن يحكم لهم بالاسلام.

أما من يفرطون فإنهم يفرغون أصل الدين من معناه وحقيقته فيحكمون للكفار بالإسلام رأفة منهم ورفقا بهم وشفقة على أهلهم وذويهم وكأنهم أرحم بهم من الله سبحانه -نعوذ بالله ان نكون من الجاهلين - وكأن الرسول  (r) لم يبين أصل الدين وتركه لعبث هؤلاء وهؤلاء ، وقد نسى كلا الفريقين أن الذى يقرر حقيقة هذا الدين هو الله سبحانه ورسوله (r)وفق ما جاءت به الآيات القرآنية القاطعة الشافية والأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة.

 وبين الغلو والتفريط كان هذا الدين ،وسأحاول فى إسلوب بسيط أن أبين أصل الدين وحقيقته وما يصير به المرء مسلما عسى الله ان يشرح به الصدور ويهدى بنا إلى صراط مستقيم والله مولانا ونعم الوكيل0

                   

دعوة النبى صلى الله عليه وسلم :-

عندما أرسل الله رسوله محمداً للناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا كانت الأرض والديار ديار كفر ولم تكن ثمة بعد دار إسلام فدعا الرسول  الناس إلى عبادة الله تعالى وحده والكفر بكل ما يعبد من دونه, ولم يكن يشترط عليهم  أن يعرفوا كيف تصير الديار دار إسلام أو شروط الديار والفرق بين دار الكفر ودار الحرب وغير ذلك. ولا أن يعرفوا حكم مجهول الحال واللقيط فى دار الإسلام .ولا معرفة كيف تتحول دار الإسلام إلى دار الكفر بل كانت دعوته (r) قاطعة صريحة بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا وأن يَدَعوا اللات والعزى وما يعبدون من الأوثان. روى الإمام أحمد بسند صحيح أن رجلا سأل النبى (r) :بم أتيتنا؟ فقال النبى (r):لم آتكم إلا بخير.أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وأن تَدَعوا اللات والعزى . وفى حديث البخارى عندما سأل هرقل ابا سفيان قائلا:بم يأمركم ؟ قال أبو سفيان:أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا . وأن نترك ما كان يعبد آباؤنا. وفى حديث مسلم عن عمرو بن عبسة السلمي قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجلٍ بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله  مستخفيًا، جُرَءَاءُ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه مكة فقلت له : ما أنت ؟ قال: أنا نبى . قلت وما نبى ؟ قال أرسلنى الله . قلت وبأى شىء أرسلك؟ قال:أرسلنى بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله ولا يشرك به شىء. وفى الصحيحين عن عمروبن العاص : سمعت رسول الله(r)جهارا غير سر وأنا فى الجاهلية يقول:(ألا إن آل أبى فلان وفلان ليسوا لى بأولياء . إنما ولى الله وصالح المؤمنين). وروى ابن إسحاق بسند  مرسل صحيح عن محمد بن كعب أن عتبة بن ربيعة قال للنبى (r)(لقد أتيت قومك بأمر عظيم .سفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم وفرقت به جماعتهم وكفرت به من مضى من آبائهم) (1) وقد أمر الله تعالى رسوله (r)أن يخاطب أهل الكتاب بدعوته هذه فقال تعالى ( قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )(آل عمران)

واستمر رسول الله(r)على دعوته هذه فى مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بكل ما يعبد من دونه فآمن به من آمن وكفر به من كفر حتى أذن الله تعالى له بالهجرة إلى المدينة حيث وضع رسول الله(r)فيها أسس الدولة المسلمة الجديدة على تقوى من الله ورضوان .

(1)هذا الحديث مرسل صحيح وهو تابع لما فى الصحيحين من الأحاديث التى كفر فيها رسول الله(r)من مضى من آبائه, ومنها حديث أنس عند مسلم :إن أبى وأباك فى النار, وحديث أبى هريرة :أستأذنت ربى أن استغفر لأمى فلم يأذن لى















أصل الدين:-                               

الأصل فى اللغة معناه : ما  يبنى عليه غيره سواء كان البناء حسيا كبناء الجدار على الأساس أم معنويا كبناء الحكم على الدليل, وقيل هو منشأ الشىء , وقيل هو المحتاج إليه غيره , وقيل هو ما يستند تحقق الشىء إليه ,وقيل  ما منه الشىء. ولعل أصح هذه المعانى الأول والثانى , وإن كان ذلك لا يمنع أن كلمة أصل قد ترد فى اللغة ويراد بها أحد المعانى الأخرى فى بعض الحالات حسب العبارة التى ترد فيها هذه الكلمة , وأما فى اصطلاح علماء الأصول فكلمة أصل لها خمسة معانى

الأول:-الدليل كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة :أى دليلها الكتاب والسنة وهذا هو المعنى المراد عند إضافة كلمة أصول إلى الفقه أى أدلة الفقه

الثانى:الراجح. كقولهم الأصل فى الكلام الحقيقة .أى الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز.

: القاعدة المستمرة. كقولهم إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل. أى على خلاف القاعدة المستمرة.  الرابع: الثالث الحكم المستصحب .كقولهم الأصل فى الأشياء الإباحة. أى أن الحكم المستصحب للأشياء هو الإباحة حتى يرد دليل التحريم.

الخامس:الصورة المقيس عليها .كقياس النبيذ على الخمر فى الحرمة لوجود علة تحريم الخمر وهى الإسكار فى النبيذ. فالخمر فى هذا المثال تسمى الأصل والنبيذ يسمى الفرع .

روى الترمذى بسند صحيح عن معاذ أن النبى (r)قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله . قال: (رأس الأمر الإسلام) وعموده الصلاة, وذروة سنامه الجهاد).وفى رواية الإمام أحمد: قال رسول الله (r)إن شئت حدثتك رأس الأمر هذا وقوام هذا الدين وذروة السنام؟ قلت: بلى فقال النبى (r) (إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإن قوام هذا الأمر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإن ذروة السنام منه الجهاد فى سبيل الله)



وقال ابن رجب الحنبلى فى شرح الحديث فى جامع العلوم والحكم:(فأما رأس الأمر فيعنى بالأمر الدين الذى بعث به وهو الإسلام, وقد جاء تفسيره فى رواية أخرى بالشهادتين فمن لم يقر بهما باطنا وظاهرا فليس من الإسلام فى شىء)ا.ه

وقال ابن رجب الحنبلى فى شرح حديث جبريل عن الإسلام والإيمان(ولا يتكلمون على معنى الشهادتين وهما أصل الدين كله )ا.ه

وإذا كانت الشهادتان هما اصل الإسلام كله فيجب هنا ان نذكر من الأيات والأحاديث النبوية الصحيحة ومن أقوال العلماء ما يدل على معناها ويبينه ويوضحه .

قال تعالى:(وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)الأنبياء

وقال تعالى:(ولقد بعثنا فى كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )النحل

وقال تعالى:(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى)البقرة

وقال تعالى :(ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)لقمان

وقال تعالى:(وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إننى براء مما تعبدون. إلا الذى فطرنى فإنه سيهدين) الزخرف

وقال تعالى:(قد كانت لكم أسوة حسنة فى ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابداً حتى تؤمنوا بالله وحده)الممتحنة

وقال تعالى:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران

وقال تعالى:(قلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)يوسف

وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله (r)قال:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ,ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)متفق عليه.

وفى رواية لمسلم :(حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به).

وروى مسلم عن طارق بن أشيم سمعت رسول الله(r)يقول:من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله), ورواه أحمد بلفظ, وسمعته يقول للقوم:(من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل).

وفى الصحيحين عن أبى هريرة وجابر وابن عمر أن النبى (ص) قال:(بنى الإسلام على خمس أن يوحد الله ويكفر بما دونه......الخ الحديث)

وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الصحيحة التى تبين معنى لا إله إلا الله وشروطها

قال النووى فى شرح مسلم على الحديث :(أمرت أن أقاتل الناس):(قال أبو سليمان الخطابى فى قوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لاإله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.

وقال القاضى عياض:اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول " لا إله إلا الله " إذ كان يقولها في كفره وهى من إعتقاده).اهـ

قال النووى:(لابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول(ص)كما جاء فى الرواية الأخرى(ويؤمنوا بي وبما جئت به).

وقال النووى:(قوله (r) فى الرواية الأخرى (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الإ الله ويؤمنوا بى وبما جئت به)فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام إعتقاداً جازماً لاتردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين لا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى به).اهـ

وقال ابن القيم فى طريق الهجرتين الطائفة السابعة عشر (والعاقل المكلف لا يخرج عن كونه مسلما أو كافرا.

والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.)اهـ

وقال ابن رجب الحنبلى على الحديث الثامن فى جامع العلوم والحكم:(ومن المعلوم بالضرورة أن النبى(ص)كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول فى الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما.)اه

بمعنى أن النبى (r)كان يقبل ممن جاء يريد الإسلام والدخول فيه ممن دعى إليه أو قوتل عليه كان يقبل منه الشهادتين بما تعنيه وبما دعاهم إليه من نفى الشرك والبراءة منه وممن فعله وإخلاص العبادة لله وحده والإيمان بالرسول (r)وطاعته.

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ فى قرة عيون الموحدين صفحة 9:(فمعنى شهادة أن لا اله الا الله :نفى الشرك والبراءة منه وممن فعله وإخلاص العبادة لله وحده والإيمان بالرسول وطاعته)ا.هـ

وعلق على حديث عبادة بن الصامت :(من شهد أن لا إله إلا الله)فقال:(قوله -من شهد-لا ريب أن الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا كانت عن علم ويقين وصدق , وأما مع الجهل والشك فلا تعتبر ولا تنفع فيكون الشاهد والحاله هذه كاذباً لجهله بالمعنى الذى شهد به......... وقال :فكم ضل بسبب الجهل بمعناها من ضل وهم الأكثرون فقلبوا حقيقة المعنى فأثبتوا الإلهية المنفية لمن نفيت عنه من المخلوقين، أرباب القبور والمشاهد والطواغيت والأشجار والأحجار والجن وغير ذلك, واتخذوا ذلك دينا ,وشبهوا وزخرفوا ،واتخذوا التوحيد بدعة وأنكروه على من دعاهم إليه، فلم يعرفوا منها ما عرفه أهل الجاهلية وكفار قريش ونحوهم. فإنهم عرفوا معناها وأنكروا مادلت عليه من الإخلاص كما قال تعالى(إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ويقولون إئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون)الصافات

والمشركون أواخر هذه الأمة أنكروا ما أنكره أولئك على من دعاهم إلى ترك عبادة ما كانوا يعبدون من دون الله من القبور والمشاهد والطواغيت ونحوها.

فأولئك عرفوا المعنى وأنكروه, وهؤلاء جهلوا هذا المعنى وأنكروه . فلهذا تجده يقول لا إله إلا الله وهو يدعو

مع الله غيره)ا.هـ

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى كتاب التوحيد معلقا على حديث طارق إبن اشيم ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه)قال :(وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال ولا معرفة معناها مع لفظها , بل ولا الإقرار بذلك , بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له . بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله . فإن شك أو توقف لا يحرم ماله ولا دمه.)ا.هـ وقال الشيخ عبد الرحمن فى قرة عيون الموحدين صفحة 18:(قال تعالى (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى )فإسلام الوجه هو إخلاص العبادة المنافي للشرك والنفاق، وهو معنى الآية ونحوها إجماعاً. فهذا الذي ينفعه قوله: (لا إله إلا الله)، ولهذا قال تعالى: (فقد استمسك بالعروة الوثقى)،وهذا بخلاف من يقولها وهو يدعو غير الله ويستغيث به من ميت أو غائب لا ينفع ولا يضر,كما ترى عليه أكثر الخلق, فهؤلاء وإن قالوها فقد تلبسوا بما يناقضها فلا تنفع قائلها إلا بالعلم بمدلولها نفيا وإثباتا.

والجاهل بمعناها وإن قالها لا تنفعه لجهله بما وضعت له الوضع العربي الذي أريد منها من نفي الشرك,

وكذلك إذا عرف معناها بغير تيقن له, فإذا انتفى اليقين وقع الشك.)اهـ

وقال:(فإنها دلت على نفي الشرك، والبراءة منه، والإخلاص لله وحده لا شريك له ,ومن لم يكن كذلك لم ينفعه قول لا إله إلا الله كما هو حال كثير من عبدة الأوثان يقولون لا إله إلا الله وينكرون ما دلت عليه من الإخلاص ويعادون أهله وينصرون الشرك وأهله , وقد قال الخليل عليه السلام لأبيه وقومه :(إننى برآء مما تعبدون إلا الذى فطرنى فإنه سيهدين.وجعلها كلمة باقية فى عقبه )وهى لا إله إلا الله وقد عبر عنها الخليل بمعناها الذي وضعت له ودلت عليه, وهو البراءة من الشرك وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له كما تقدم تقريره,وكذلك من قالها ولم يقبل ما دلت عليه من الإخلاص، كان قوله لهذه الكلمة كذبا منه، بل قد عكس مدلولها فأثبت ما نفته من الشرك ونفى ما أثبتته وهو الإخلاص.

فهذا الذي ذكرناه هو حال الأكثرين من هذه الأمة بعد القرون الثلاثة, وسبب ذلك الجهل بمعناها واتباع الهوى)اهـ

قلت:ولهذا أمر الله رسوله (r)فقال له :(قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)يوسف

قال أبو جعفر بن جرير الطبرى :(وقال تعالى ذكره لنبيه محمد(ص):(قل)يا محمد (هذه)الدعوة التى أدعوا إليها والطريقة التى أنا عليها من الدعاء إلى التوحيد لله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان ,والإنتهاء إلى طاعته وترك معصيته(سبيلى) وطريقتى ودعوتى (إلى الله)وحده لا شريك له(على بصيرة)بذلك ويقين وعلم منى به(أنا و) يدعوا إلى الله على بصيرة أيضا (من اتبعنى)وصدقنى وآمن بى (وسبحان الله)ويقول تعالى ذكره:وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك فى ملكه أو معبود سواه فى سلطانه(وما أنا من المشركين) يقول:وأنا برىء من أهل الشرك فلست منهم ولا هم منى .)اهـ

قال تعالى(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)الممتحنه

قال الشيخ عبد الرحمن فى فتح المجيد صفحه59:(ذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه آزر (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله)مريم فهذا هو تحقيق التوحيد وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم والله المستعان )ا.هـ



قلت:ولهذا أمر الله رسوله (r)فقال :(قُلْ يأَيُّهَا الْكَـفِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَـبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَـبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ)الكافرون

وأمر الله تعالى نبيه (r)أن يخاطب اهل الكتاب فقال تعالى:(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)آل عمران

قال البيضاوى فى التفسير والنسفى نحوه :(وهذا معنى لا إله إلا الله فإن تولوا عنه فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون دونكم أو بأنكم كفار)ا.هـ

ولهذا كما جاء فى حديث معاذ فى الصحيحين عن رسول الله (r)قال:(إنكَ ستأتى قوماً أهلُ كتاب, فليكُن أولَّ ما تدعوهم إليهِ شهادةُ أن لا إله إلاَّ الله،وأن محمد ارسول الله، فإن هُم عرفوا الله فأخبرهم أنَّ اللهَ افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم و الليلة)الحديث

قال النووى فى شرح مسلم على الحديث :(فإن هم عرفوا الله).(قال القاضى عياض:هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى, وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى ; وإن كانوا يعبدونه ، ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا ، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا . قال القاضي عياض - رحمه الله - : ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود ، أو أجاز عليه البداء ، أو أضاف إليه الولد منهم ، أو أضاف إليه الصاحبة والولد ، وأجاز الحلول عليه ، والانتقال والامتزاج من النصارى ، أو وصفه بما لا يليق به ، أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له . فإذن ما عرفوا الله سبحانه). قلت :ولهذا كان رسول الله(r)يقول لأهل مكة لا أعبد ما تعبدون وهم إن كانوا يعبدون الله ويحجون ويعتمرون لكن الإله الذى يعرفونه له شريك وإلهنا جل وعلا ليس له شريك ، وكذلك ما يعبده المشركون اليوم ويصلون له ويصومون ويزكون ويحجون ويعتمرون ليس هو الله سبحانه . فإلاههم الذى يعبدونه له شريك اما إلهنا جل وعلا فليس له شريك، ولا يصح إسلام أحد علم ما يعبدون من دون الله -وأكرر-علم ما يعبدون من دون الله حتى يتبرأ منهم ومما يعبدون من دون الله ويخلص العبادة لله وحده.فإذا اعتذر عن كفرهم بالجهل أو بالتأويل أو غير ذلك فهو كاذب فى دعواه كافر مناقض لما جاء به الرسول(r)

من التوحيد.

قال الشيخ عبد الرحمن فى فتح المجيد صفحه42 (على حديث عبادة(لا يصح إسلام أحد علم ما كانوا يقولون حتى يبرأ من قول الطائفتين جميعاً في عيسى عليه السلام ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه أنه عبد الله ورسوله.)ا.هـ وهكذا يتبن مما سبق أن أصل الدين وأصل الإسلام كله هو شهاده أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بما يعنيه هذا من نفى الشرك والبراءة منه وممن فعله وإخلاص العبادة لله وحده والإيمان بالرسول (r)وبما جاء به. ان الناس اليوم قد قصروا معنى العبادة على أداء بعض الشعائر بينما يزاولون العبادة فى كل امورهم لغير الله عز وجل .ان العبادة تعنى الخضوع والذل والطاعة والدينونة لله وحده فى امرنا كله فى الشعائر والنسك ،فى التشريع والحكم،فى الولاء والمناصرة والحب والبراء والذين يخضعون لله فى أداء بعض الشعائر ويخضعون لغيره فيما سوى ذلك من العبادة كفار مشركون وان كانوا يجهلون.(ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وانا أول المسلمين ).

.الدلالات على صحة الاسلام والتمسك بأصل الدين:-

إذا كان أصل الدين ثابتا لا يتغير ولا يتبدل ولا يختلف فيه فإن الدلالات على صحة الإسلام والإلتزام والتمسك بأصل الدين قد تتغير من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان بل من شخص لآخر .قال ابن القيم فى جزء3من زاد المعاد صفحه63(وقد اختلف أئمةُ الإسلام فى الكافر إذا قال: أشهدُ أن محمداً رسولُ اللهِ ولم يَزِدْ، هل يُحكم بإسلامه بذلك؟على ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد إحداها : يحكم بإسلامه بذلك ، والثانية: لا يُحكـم بإسلامه حتى يأتىَ بشهادة أنْ لا إله إلا الله، والثالثة: أنَّه إذا كان مقراً بالتوحيد، حُكِم بإسلامه، وإن لم يكن مقراً، لم يُحكم بإسلامه حتى يأتىَ به)ا.ه

-وسأذكر لك بعد قليل عدم قبول الشافعى من أهل الكتاب قولهم لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله لاعتقادهم أنه رسول للاميين خاصة-وسبق ما ذكرته ونقلته لك عن الإمام الخطابى والقاضى عياض فى شرح الحديث(أمرت أن أقاتل الناس).-

وإذا كانت دلالات الإسلام تختلف باختلاف الاحوال والأقوام فإنها أيضا تختلف فى القوة من دلالة لأخرى .وإليك تفصيل مبسط لهذه الدلالات عسى الله أن ينفعنا وإياك به.

. دلالة المقال:- وهو ما يعبر عنه الإنسان بلسانه.ففى الصحيحين عن ابن عمر قال رسول الله (r):(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)..الحديث

وروى مسلم فى صحيحه عن جابر و عن ابى هريرة أن النبى(r)قال (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى يعرب عنه لسانه فإما شا كراً وإما كفورا)ورواه احمد والنسائى عن الأسود بن سريع عن النبىr)) قال (كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها).

ولقد كان رسول الله (r) يقبل الإسلام ممن قال لا إله إلا الله فقط وممن نطق بالشهادتين وممن قال أسلمت لله وممن قالوا أسلمنا (صبأنا) كما جاء فى الأحاديث الصحيحة،وفى حديث معاوية بن الحكم السلمى عند مسلم قبل النبى من المرأة السوداء عندما سألها أين الله ؟ قالت:فى السماء.فقال من أنا؟ قالت:رسول الله.فقال النبى(r) أعتقها فإنها مؤمنة (1) ، وفى روايه أنها كانت خرساء فأشارت إلى السماء .وقد نقل ابن القيم فى زاد المعاد ص4 ص123 (قال :اعتقها فإنها مؤمنة :قال الشافعى فلما وصفت الإيمان أمر بعتقها)ا.هـ

كل ذلك قبله النبى (r) تعبيراً عن الإجابة للإسلام .بل قد ذهب الإمام ابو حنيفة رحمه الله إلى أنه يقبل من أهل فارس قول متراس أى (أسلمت) بالفارسية .لكنه يجدر بنا حقا أن نتساءل:هل كل ما سبق أن تناولناه من دلالات على صحة الإسلام باللسان هى أصل الدين؟ ولو أمعنت معى النظر رحمك الله علمت أنها ليست كلها من أصل الدين فهاهى الأمة السوداء عندما سألها النبى(r) أين الله؟ قالت فى السماء.فهل معرفة الله فى السماء أصل الدين؟ فهل نحكم بإسلام الناس لمجرد علمهم أن الله فى السماء وإن أشركوا وعبدوا مع الله إلها أخر؟لقدكان اليهود يعلمون أن الله فى السماء وأنه رسول الله ولم يحكم لهم بالاسلام وكان ابو طالب عمه يعلم أن الله فى السماء وأنه رسول الله ولم يحكم له بالاسلام فدل ذلك على أن الاسلام ليس مجرد العلم بما علموه.

ما أريد بيانه هنا أن دلالة المقال قد تكون بأصل الدين وقد تكون بشىء آخر غير أصل الدين وقد يكون هذا الشىء جزءا من أصل الدين ولكنه ليس أصل الدين كله.  وهذا يعنى أن هناك فرق بين أصل الدين والدلالات على صحة الإسلام فأصل الدين ثابت لا يتغير أما الدلالات فقد تتغير كما تغيرت فى حق المرأة الأمة السوداء وبقية الأمثلة الأخرى التى ذكرتها لك والتى نقلها ابن القيم عن الإمام أحمد فى زاد المعاد.غير أنى أحب أن أؤكد على حقيقة وقاعدة هامة ذكرها العلماء ونجدها منثورة فى كتبهم فى باب المرتد وما يقبل به الإسلام وقد ذكر العلماء قاعدة عامة معناها أنه لا يحكم بإسلام الشخص إلا إذا أقر بالشهادتين وكان هذا الإقرار كافياً فى نقض جميع المعتقدات الباطلة التى اشتهر بها فإن لم يكن كذلك كان لابد من النطق بها والتبرى من المعتقدات الباطلة التى لم يندرج نقضها تحت الشهادتين.

.وهذا نفس الأمر الذى ذكره ابن قدامة فى العمدة وأكده شارح العمدة صفحة 581فقال:(ومن ثبتت ردته فأسلم قبل منه ويكفى فى إسلامه أن يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله كما يقبل من الكافر الأصلى إلا أن يكون كفره بجحد نبى او كتاب أو فريضة أو نحوه أو يعتقد أن محمداً (r)بعث إلى العرب خاصة فلا يقبل منه حتى يقر بما جحد فإن كان كفره بقوله أن محمداً إنما بعث إلى العرب خاصة احتاج -مع الشهادتين-إلى أن يقر أنه مبعوث إلى الخلق أجمعين،ويتبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف دين الإسلام، لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أنه أراد ما اعتقده)أ.هـ

قلت: ولهذا لم يقبل الشافعى من أهل الكتاب فى زمانه أن يشهدوا أن لا إله إلا اله وأن محمدا رسول الله لأنهم يعتقدون أنه إنما بعث إلى العرب خاصة و كان لايقبله منهم إلا إذا تبرأوا من كل دين يخالف دين الإسلام (كما جاء فى باب المرتد فى كتاب الأم جزء9 .وإذا نظرت إلى الناس اليوم وجدتهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (r)وهم يدعون غير الله ويستغيثون بغيره ويصرفون جل اعمالهم لغير الله ويحكمون بغير شرعه، فلا تعتبر شهادتهم هذه دليلا على إسلامهم حتى يكفروا بكل المعتقدات الباطلة التى هم عليها والتى
اشتهروا بها ويأتوا بالتوحيد كما جاء به الرسول (r).                                                                   ان الناس اليوم يقصرون معنى الآلهة على الاصنام المصنوعة من الحجارة والخشب بينما هم يعبدون آلهة اخرى عديدة يسبغون عليها صفة الربوبية والالوهية وان سموها بغير اسمها،ان الناس قد اعطوا صفة الربوبية والألوهيةلأفراد ومؤسسات وانظمة ومبادىء..فلقد اعطى الناس صفة الربوبية للحكام الطواغيت المبدلين لشرع الله،واعطوها للعلماء والشيوخ المبدلين لشرع الله والداعين لدين الطواغيت،واعطوها لاصحاب القبور الذين يدعونهم من دون الله ويذبحون لهم وينذرون،واعطوها للقضاة الذين يقضون ويحكمون بغير حكم الله وان اتفقت بعض أحكامهم مع حكم الله،واعطوها لمجالس التشريع (مجلس الشعب والشورىوغيرها)التى تشرع بغير شرع الله،واعطوهاللمنظمات الدوليةالمختلفة كالأمم المتحدة والتى تقضى وتحكم بغير ما أنزل الله بل ان بعض السذج من جهال الكفرة والمشركين يفرحون كل الفرح اذا اعترفت بهم الأمم المتحدة ويسعون جاهدين للانضمام اليها والاعتراف بقوانينها بل ولا يستحى علماؤهم من العمل تحت راية الصليب الاحمر احد منظمات التبشير النصرانية واحد المظاهر الوثنية.،واعطوها للمبادىء الكفرية كالديمقراطية والاشتراكية والقومية والليبرالية وغيرها....
ان البشرية اليوم بجملتها تعيش وتزاول جاهلية شاملة فى كل شىء حتى الذين يسمون انفسهم بالمسلمين تحت مسمى جماعات كثيرة من (السلفية وغيرها)يزاولون ردة كاملة عن الدين،وليس معنى هذا أننا نعطيهم حكم الاسلام ابتداء فهم كفار مشركون.
ان الذين يريدون ان يفرقوا بين اسلام الناس لله فى الشعائر والنسك والحكم والتشريع والولاء والبراء ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا اعد الله لهم عذابا مهينا،وان نادوا بتطبيق الشريعة الاسلامية أو أن الشريعة الاسلاميةهى المصدر الرئيسى للتشريع.
 فليس الاسلام مجرد مصدر للتشريع يكون بجانبه مصادر أخرى،وليس الاسلام مجردقوانين أو حدود،وانما هو خضوع واستسلام وانقياد ودينونة لله فى امرنا كله .فى الشعائر والنسك فى التشريع والحكم فى الولاء والبراء.
ان الذين يقولون أن الاصل في الناس اليوم انهم مسلمون الا من علموا عنه الكفر سواء الذين يعذرونهم مع جهلهم للتوحيد أو الذين لا يعذرونهم كل هؤلاء قد أثبتوا للناس الدخول في دين الاسلام بيقين وعليه فلا يخرجونهم من الاسلام الا بيقين .
وأى يقين هذا الذى جعلهم يزعمون أن الاصل في الناس الاسلام ؟!أهو اليقين في دلالة أقوالهم..؟! أم هو اليقين في دلالة أحوالهم..؟!أم هو اليقين في تبعيتهم لآباء مسلمين..؟!أم هو اليقين في التبعية للبلاد التى يعيشون فيها .فهل بلادهم ديار اسلام أم ديار كفار..؟!ومنذ متى وحد الردة لايطبق بها؟وما حكم أبناء المرتدين؟هل يقال عنهم أنهم مسلمون أم يقال أنهم كفار أصليون؟!
 ان مظاهر الشرك المنتشرة في كل مكان تعلن بكل الوضوح أن الناس ليسوا بمسلمين وان كان أجدادهم الاوائل من المسلمين وكما جاء في الصحيح أن النبى (ص) قال:((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه اما شاكرا واما كفورا)) ولم يمنع كون أهل مكة في زمن النبى (ص)من أحفاد المسلمين وأنهاكانت من قبل دار اسلام لم يمنع هذا النبى وأصحابه من أن يحكموا عليهم بالكفر على الرغم مماهم عليه من توحيد الربوبية وصرف بعض عباداتهم لله كالحج والعمرة وغيرها مما كانوا عليه من بقايا دين ابراهيم عليه السلام.

لقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الله محمداً(ص) وعاد الدين غريبا كما بدأ غريبا وأضحى الناس على بقايا من دين الرسول (ص) كما كان أهل مكة على بقايا من دين إبراهيم عليه السلام ويحسبون أنهم مهتدون .قال تعالى :((فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون .))الأعراف.
دلالة الحال:- والمقصود بحال الناس هنا أفعالهم وهيئاتهم .(قال الله تعالى ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر)التوبة.

والمقصود هنا بالشهادة هى شهادة الحال .فحالهم يشهد بأنهم كفار وكذلك إذا رجعنا إلى قصة نبى الله نوح عليه السلام نجده كما أخبر ربنا:قال:(يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين)هود.

فكان ركوب السفينة مع نوح عليه السلام دليل حال على الإستجابة لدعوته والإيمان به،

و نقل ابن قدامة فى المغنى باب المرتد عن الشافعى:(قال وإذا صلى الرجل فى دار الكفر حكم بإسلامه )أ.هـ

فكانت الصلاة دليل حال على صحة الإسلام فى دار الكفر كما اعتبرها الشافعى . وكان رسول الله(r)يوصى سراياه(إذا سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجداًفلا تقتلوا أحدا)رواه البخارى ومسلم .قال ابن رجب الحنبلى(فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام)

وذكر ابن مفلح فى الفروع 6-168(سأل الإمام أحمد عمن وجد مقتولاً بدار الحرب؟فقال يستدل عليه بالثياب والختان :-فثبت أن للسيما حكماًفى هذه المواضع فى باب الحكم بالإسلام والكفر )أ.هـ فهل الختان من أصل الدين؟كما حكم العلماء على من لبس الزنار ومشى إلى كنائس أهل الكتب بأنه كافر (راجع باب المرتد فى كفايه الاخيار من فقه الشافعية)باعتبار أن اللباس هنا والهيئة دليل حال على أنه منهم.

كما كان يحكم للمنقبات بأنهن من الحرائر، وكما كان يحكم باللباس الإسلامى المميز لأهل الإسلام كدليل حال .

وأعود إلى نفس السؤال.إذا كانت الصلاة كما اعتبرها الشافعى دليل حال على صحة الإسلام فهل هى أصل الدين؟وهل الأذان أصل الدين؟

وهل اللباس والهيئة أصل الدين؟وهل الختان أصل الدين؟بالطبع لا.

وهكذا يتبين لك أن الدلالات على صحة الإسلام ليست هى أصل الدين .فأصل الدين ثابت لا يتغير .بينما هذه الدلالات تختلف وتتغير وليست هى أصل الدين.

واحب ان اؤكد على ان القرائن والدلالات التى اخذ بها العلماء وان اختلفوا فى بعضها كانت هذه الدلالات من الدلالات المميزة والمعتبرة والتى لا يشترك فيها اهل الكفر مع المسلمين وكان مقصود العلماء من الاخذ بها التحقق من اسلام المسلمين بدليل صحيح معتبر،وليس مجرد استصحاب الاسلام للناس بأى دلالة غير مميزة وغير معتبرة يشترك فيها المسلم والكافر .وكما يعلم كل مطلع على كتابات العلماء ان الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال.قال الكاسانى فى بدائع الصنائع(9|4311):(ولو قال يهودى أو نصرانى اشهد ان لا اله الا الله واتبرأ عن اليهودية أو النصرانية لا يكون دليل الدخول فى دين الاسلام،لاحتمال انه تبرأعن ذلك ودخل فى دين سوى الاسلام ،فلا يصلح التبرى دليل الايمان مع الاحتمال،ولو اقر مع ذلك فقال :دخلت فى دين الاسلام او دين محمد حكم بالاسلام لزوال الاحتمال بهذه القرينة.) ا.هـ
...دلالة التبعية:-إذا لم يستدل على صحة الإسلام بدلالة المقال أو دلالة الحال كان لنا أن نستدل على ذلك بدلالة التبعية , والتبعية قد تكون للدار وقد تكون للأبوين أو للسابى أو للمالك كما سبق أن بينت لك .

أ-التبعية للدار وحتى نحكم بتبعية الفرد للدار والبلد التى هو فيها لابد أن تعرف حكم هذه الدار وهل هى دار إسلام أم دار كفر, والأصل فى دار الإسلام الإسلام وفى دار الكفر الكفر

وسأحاول أن أذكرك بنبذة يسيرة من أحكام الديار ثم أتبع ذلك بحكم التبعية للدار لمن لم يستدل عليه بدلالة المقال أو دلالة الحال. وهو ما يطلق عليه العلماء مجهول الحال أو مستور الحال.وسأذكر لك طرفاً من أقوالهم يبين لك حقيقة ذلك .

دار الكفر ودار الإسلام:

*فى المسبوط عن أبى يوسف:(تعتبر الدار دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها وإن كان جل أهلها من الكفار,وتعتبر دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها وإن كان جل أهلها من المسلمين)ا.هـ

*وفى بدائع الصنائع قال الكاسانى :(لا خلاف بين أصحابنا من أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها )أ.هـ

ونقل عن أى حنيفة :(إن المقصود من إضافة الإسلام للدار وكذا الكفر ليس هو عين الإسلام والكفر وإنما هو الأمن والخوف)أ.هـ

*وقال الرافعى فى فتح العزيز :(ليس من شرط دار الإسلام أن يكون فيها مسلماً بل يكفى كونها فى يد الإمام وإسلامه )أ.هـ

*وقال ابن حزم :(لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها)أ.هـ

*وقال ابن القيم فى أحكام أهل الذمة(قال الجمهور:دار الإسلام هى التى نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام ومالم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها.)أ.هـ

*وقال ابن يحيى المرتضى الزبيدى فى عيون الأزهار( دار الإسلام ما ظهرت فيها الشهادتان، والصلاة ولم تظهر فيها خصلة كفرية ولو تأويلا إلا بجوار أو بالذمة والأمان من المسلمين ,ودار الحرب هى التى شوكتها لأهل الكفر و الذمة من المسلمين عليهم )أ.هـ  وقال ابن القيم فى احكام أهل الذمة:(قالت الشافعية...دار الاسلام فهى ثلاثة اضرب:أحدها: دار يسكنها المسلمين

الثانى :  دار فتحها المسلمون وأقروها في يد الكفار بجزية فقد ملكوها أو صالحوهم ولم يملكوها

الثالث:دار كان المسلمون يسكنونها ثم رحلوا عنها ."1"                                                          _________(1)لاشك فى بطلان هذا القول الثالث لأنه يؤدى الى القول بأن بلاد العالم كلها اسلامية فقد كانت الارض من عهد آدم الى نوح دار اسلام حتى أحدث الناس فيها الشرك فأصبحت دار كفر.


تحول الديار:-

القول الأول: أن الدار التى قررت بأنها دار إسلام لم تصر بعد ذلك دار حرب أو كفر وهو ما ذهب إليه بعض الشافعية وظاهر كلام الإمامية(تحفة المحتاج لابن حجر- نهاية المحتاج للرملى-روضة الطالبين للنووي)وهذا في غاية البطلان.
القول الثانى:-أن دار الإسلام تصير دار حرب لمجرد ظهور الكفر فيها أو بمجرد إستيلاء الكفار عليها ,وهو قول ابى يوسف ومحمد والحنابلة وبعض الزيدية والمعتزلة.(المغنى - بدائع الصنائع-المسبوط)
القول الثالث:أن دار الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد ظهور أحكام الكفر مادام سكانها المسلمون يستطيعون البقاء فيها يدافعون عن دينهم ويقيمون بعض شعائر الإسلام فيها كالأذان والجمع والجماعات والعيد وهو قول المالكية, وبعض متأخرى الشافعية والخوارج الأباضية.
 (حاشية الدسوقى-الأنوار لأعمال الأبرار -نهاية المحتاج)
*القول الرابع:أن دار الإسلام لا تصبح دار حرب الإ بثلاثة شروط
أ-ظهور أحكام الكفر فيها.
ب-أن تكون متصلة بدار الحرب لا يكون بينها بلد من بلاد الإسلام.
ج-أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمى آمناً بالأمان الأول الذى مكن رعيته المسلمين من الإقامة بها.
وهذا رأى أبى حنيفة وبعض الزيدية (المغنى)
وبعد أن ذكرت لك طرفاً من أقوال العلماء واختلافهم فى أحكام الديار وشروط تحولها من الإسلام الى الكفر. أعود بك الى حكم التبعية للدار وتفاصيله.
جاء ذكر هذا الإصطلاح(مجهول حال أو مستور حال)فى كثير من كتب العلماء ومصنفاتهم وسأذكر لك بعضا منها حتى يطمئن قلبك وقد جاء ذكر ذلك فى أصل الدين حكم مجهول الحال فى دار الإسلام.
وذكر ابن قدامة فى العمدة باب من ترد شهادته صفحة 649 من العمدة (لا تقبل شهادة صبى ولا زائل العقل ولا أخرس ولا كافر ولا فاسق ولا مجهول الحال )أ.ه
وكل مطلع على كتب العلماء فى مصطلح الحديث يعلم ما تعنيه كلمه (مستور الحال أو مجهول الحال)عندهم.
وقال ابن قدامة فى المغنى باب المرتد :(فأما فى دار الإسلام فإنه يحكم لمجهول حالها ولقيطها بالإسلام لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه كما قال النبى(r)
-رواه البيهقى والدار قطنى والبخارى تعليقاً وقد حكم الحافظ ابن حجر بضعفه فى التلخيص , وحسن البعض إسناده. وروى موقوفاً على ابن عباس-
وقال :أما فى دار الكفر فإنه يحكم لمجهول حالها ولقيطها بالكفر )أ.هـ
وحكم اللقيط(وهو الطفل المنبوذ الذى لا يعرف أهله)له تفاصيل كثيرة واختلف فيه العلماء على الرغم من أنه يندرج تحت حكم مجهول الحال والتبعية للدار وسبق أن ذكرت لك أقوال العلماء فى القسم الأول من هذا البحث وسأعيد لك بعضاً منها هنا لأبين لك أن حكم التبعية ليس من أصل الدين لأن أصل الدين لا يختلف فيه ولا يتغير فإن كان العلماء قد اختلفوا فى حكم التبعية للدار فى بعض أفراده وهو اللقيط دل على أن هذا الحكم ليس من أصل الدين ولكنه من الأحكام الشرعية التى لا تعرف إلا بالشرع والرسول ويعذر فيها بالجهل إن كان ثم من يجهله
قال فى السلسبيل شرح زاد المستقنع لإبن قدامة باب اللقيط :(فائدة:علي الصحيح من المذهب يحكم باسلام اللقيط إن وجد في دار الاسلام وإن وجد فيها اهل ذمة تغليبا للاسلام والدار وكذا إذا كثر المسلمون في دار الحرب , وإن وجد اللقيط فى دار الإسلام فى بلد كل أهلها أهل ذمة فكافر , وقال القاضى وابن عقيل هو مسلم لأن الدار للمسلمين )أ.هـ هذا هو رأى الحنابلة.
-وقال فى كفاية الأخيار من فقه الشافعية صفحة 745 (واعلم أن الحكم بإسلام اللقيط لا يختص بدار الإسلام بل لو كانت دار كفر وفيها مسلمون بل مسلم أسير أو تاجر أو وجد لقيط هناك فإنا نحكم بإسلامه على الأصح)أ.هـ
(وقال أصحاب مالك :كل لقيط وجد فى قرى الإسلام ومواضعه فهو مسلم ,وإن كان فى قرى الشرك وأهل الذمة ومواضعهم فهو مشرك, قال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم,ولو وجد فى قرية ليس فيها الإ الاثنان و الثلاث من المسلمين فهو مشرك.قال أشهب : حكمه أيضا في هذه : الإسلام ، التقطه مسلم أوذمي ، لاحتمال أن يكون لمن فيها من المسلمين)أحكام أهل الذمة
(،وقال الأحناف إن التقطه فى دار الإسلام فهو مسلم تبعا للدار إلا أن يلتقطه من بيعة او كنيسة أو قرية من قراهم فيكون ذمياً لأن الظاهر أن أولاد المسلمين لا يكونون فى مواضع اهل الذمة، وكذلك بالعكس .
قالو:ففى ظاهر الرواية اعتبر المكان دون الواجد كاللقيط إذا وجده مسلم فى دار الحرب ,وروى أبو سليمان عن محمد بن الحسن :أنه اعتبر الواجد دون المكان لأن اليد أقوى, وفى رواية اعتبر الإسلام نظراً للصغير )
(أحكام أهل الذمة لإبن القيم)
فهل بعد هذا الإختلاف كما ترى -يرحمك الله -يمكن لأى أحد أن يقول أن حكم التبعية للدار من أصل الدين؟وهل يختلف فى أصل الدين؟
واليك اختلاف أصحاب أحمد فى الميت مجهول الدين كما ذكره ابن رجب الحنبلى فى قواعده الفقهية القاعدة 159صفحة 345 قال:( لو وجد فى دار الإسلام ميت مجهول الدين فإن لم يكن عليه علامة الإسلام والكفر صلى عليه-نص عليه- فإن كان عليه الكفر خاصة فمن الأصحاب من قال يصلى عليه , والمنصوص عن أحمد أنه لا يصلى عليه ويدفن , وهذا يرجع إلى تعارض الأصل والظاهر اذ الأصل فى دار الإسلام الإسلام والظاهر فى هذا الكفر.
ولو كان الميت فى دار الكفر فإن كان عليه علامات الإسلام صلى عليه والإ فلا. نص عليه أحمد فى رواية على بن سعيد وفى هذا ترجيح للظاهر على الأصل)أ.هـ والذى جعلهم يقدمون الأصل (حكم الدار)الاسلام على الظاهر وهو الكفر في هذا الرجل هو كما ذكر ابن رجب انه عند تعارض الأصل والظاهر:انه اذا كان هذا الظاهر مستنده غلبة الظن ونحو ذلك فهنا يحدث الاختلاف فتارة يقدم الأصل وتارة يقدم الظاهر.)وهذا يبين لك أن الحكم بالتبعية انما هو بغلبة الظن وليس كما يقولون أنه قطعى وأنه من أصل الدين.
ب-التبعية للأبوين
وهذا الحكم بالتبعية يكون للأطفال الذين يعلم من أباؤهم,ولقد ذكرت لك فى القسم الأول من هذا البحث تفاصيل ذلك وسأذكر لك هنا ملخص رأى الحنابلة فى ذلك .نقل ابن القيم فى شفاء العليل صفحة 624 عن الإمام أحمد : (قال:كل مولود يولد من أطفال المشركين يولد على الفطرة التى خلقه عليها من الشقاوة والسعادة التى سبقت فى أم الكتاب وهذا معنى قوله(r):(كل مولود يولد على الفطرة)
فمن أصحابه من قال : هذا قولاً قديما له ثم تركه, ومنهم من جعل المسألة على روايتين وأطلق ومن حكى عنه فيها ثلاث روايات الثالثة: الوقف)أ.ه هذا عن حكمهم عند الولادة
أما عن حكمهم بعد ذلك مع وجود الأبوين فقال ابن القيم فى شفاء العليل صفحة 625 :(فإنه قد علم بالإضطرار(1) من شرع الرسول(r) أن أولاد الكفار تبع لآبائهم فى أحكام الدنيا )أ.هـ(2)
أما عن حكمهم إذا مات الأبوان أو أحد الأبوين فقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد ثلاث روايات قال:(إحداهن : يحكم بإسلامه بموت الأبوين أو أحدهما لقوله (r):(فإبواه يهودانه أو ينصرانه).........
قال :الثانية: لا يحكم بإسلامه بذلك وهو رأى الجمهور. قال شيخنا (ابن تيمية)وهذا القول هو الصواب... قال وقد التزم بعض أصحابه الحكم بإسلامه وهو باطل قطعاً.
قال:والرواية الثالثة: إن كفله أهل دينه فهو باق على دين أبويه وإن كفله المسلمون فهو مسلم. نص عليه فى رواية يعقوب ابن بختان كما ذكره الحلال فى جامعه عنه )أ.هـ
وقد ذكر بن قدامة فى المغنى باب المرتد أحكام أولاد المرتدين ولخصه البهاء المقدسى
(1)نقل محمد بن نصر المروزى وابن بطة وابن المنذر وابن تيمية وابن القيم الإجماع على تبعية الأطفال لآبائهم في أحكام الدنيا (2) يرى الأحناف :(أنه إذا أسلم الحربى فى دار الإسلام فأولاده الصغار الذين هم فى دار الحرب لا يصيرون مسلمين بإسلامه. لثبوت تباين الدارين بينه وبين أولاده وتباين الدارين حقيقة وحكماً مناف للتبعية الإ إذا سبى أولاده الصغار وأدخلوا فى دار الإسلام بعده فهم مسلمون تبعاً له لأنه جمعهما دار واحدة)بدائع الصنائع الجزء السابع صفحة 104
شارح العدة فقال:(فأما أولاد المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم ولا يتبعونهم فى الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم فى الكفر ...
قال :فأما من حدث من أولادهم بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين ويجوز إسترقاقهم فى ظاهر كلام الخرقى ونص عليه أحمد لأنه لم يثبت لهم حكم الإسلام فجاز إسترقاقهم كولد الحربيين)
غير أن ابن قدامة فى المغنى فرق فيما ارتد أحد الأبوين فقط فحكم بإسلام الولد تبعاً للمسلم من آبائهم لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
والأصل فى الحكم على أطفال المشركين حديث النبى (r) عندما سأله المسلمون عن حكم أطفالهم فقال:(هم تبع لأبائهم)كما رواه الإمام مسلم وغيره.
ولعلك قد تيقنت الآن أن حكم التبعية للدار وللأبوين ليس من أصل الدين فلقد رأيت إختلاف العلماء فى أحكام الديار واختلافهم فى حكم اللقيط وكذلك اختلافهم فى حكم التبعية للوالدين.كما أن بعض أصحاب رسول الله(r)كان يجهل حكم التبعية للوالدين فسأل رسول الله(r) عن ذلك . وسأناقش بعد قليل ما ذكره ابن القيم من أن تبعيتهم لآبائهم من المعلوم من الدين بالضرورة.
-ومانقلته لك من قبل من اختلافهم فى أحكام التبعية إضافة إلى ما سبق أن ذكرته لك من دعوة النبى (r)يبين أن أحكام التبعية ليست من أصل الدين .ففى بداية دعوته(ص)لم تكن ثمة بعد دار إسلام حتى يكلف المسلمون بمعرفة حكمها وحكم مجهول الحال واللقيط فيها ولم يكن رسول الله(ص) يشترط عليهم للدخول فى الإسلام معرفة أحكام ذلك,وإلا لبلغنا ذلك مادام من أصل الدين. وعلى من يقول بأنه من أصل الدين أن يأتى بالدليل  من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة.
وأحب أن أنبه هنا على أن الشىء قد يكون من المعلوم من الدين بالضرورة ولا يكون أصل الدين فالصلاة والزكاة والحج من المعلوم من الدين بالضرورة في حق كثير من الناس وليس كل هذا من أصل الدين بل من الفرائض والأحكام وأركان الإسلام.كما أن الشىء قد يكون مجمعا عليه وليس هو أصل الدين كالأركان السابقة انعقد عليها الإجماع وليست هى أصل الدين .بل قد يكون الإجماع منعقدا على شىءولايكون هذا الشىء من المعلوم بالضرورة كحرمةنكاح المرأة على خالتها أو عمتها وكميراث الجدة ورؤية الله عز وجل في الآخرة.ولذلك تجد العلماء قد فرقوا في الحكم بالكفر على مخالف الإجماع فلم يذكروا في الأحكام الظاهرة المتواترة المعلومة بالضرورة استلزام استيفاء الشروط وانتفاء الموانع بينما ذكروا ذلك في المسائل الخفية المجمع عليها كالقول في القرآن ورؤية الله في الآخرة وأفعال العباد وغيرها من المسائل التى انعقد الإجماع عليها وليست من المعلوم بالضرورة.والذى أوقع الكثيرين في الزلل والخطأ عدم الفهم أن المعلوم من الدين بالضرورة يعلم بعد الدخول في الدين وليس هو أصل الدين .


المخالفة للحكم بالدلالات على صحة الإسلام:-

مما يؤكد أن هذه الدلالات ليست أصل الدين أن المخالف لها لم يكن كافراً وما حكم عليه النبى (r) بذلك لما اشتبه عليه الأمر ووجد فى نفسه ما يمنع من الحكم بهذا.
ففى الصحيحين عن المقداد بن الأسود قال : قلت لرسول الله (r) رأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدى بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فقال: أسلمت لله . أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال : (لا تقتله) فقلت يارسول الله قطع إحدى يدى ثم قال ذلك بعدما قطعها ؟ فقال: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال) قال النووى فى رياض الصالحين : ومعنى أنه بمنزلتك :أى معصوم الدم محكوم بإسلامه, ومعنى أنك بمنزلته أى مباح الدم لورثته بالقصاص لا أنه بمنزلته فى الكفر والله أعلم.
قلت: ولعل بعض من لا علم له عندما يقرأ الحديث يحكم بالكفر  عليه لقوله أنك بمنزلته وذلك لعدم فهم الدين ومعرفة ألفاظ النبى (r) وسأتناول بعض الأحاديث التى ظاهرها يجعل البعض ممن لا علم له يحكم بالكفر على الناس لعدم علمه والإحاطة بالأحاديث وطرق الجمع بينها.
فى الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: بعثنارسول الله (r) الى الحرقة من جهنية فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال :لا إله إلا الله .فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي (r)فقال( يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟) قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا .قال فقال:( أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .
وروى الطبرانى عن ابن عباس نحو هذه القصة فى تفسير الآية(إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا) النساء, وفيها أن المقداد قتل الرجل بعد ما قال : لا اله الا الله.حسبه متعوذا . فقال له النبى (r):(إنه كان مسلماً يكتم إيمانه كما كنت تفعل فى مكة فقتلته ).
وروى أحمد والبخارى عن ابن عمر فى قصة خالد ابن الوليد لما أرسله النبى (ص) لبنى جذيمة فلما قالوا(صبأنا صبأنا) ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا قتلهم خالد . فلما بلغ ذلك النبى(ص) رفع يديه الى السماء وقال :( اللهم أبرأ اليك مما صنع خالد) ووداهم النبى (r) (1)
وعوده إلى حديث أسامة بن زيد ففى هذا الحديث الأصل فى الرجل الذى كانوا يقاتلونه أنه كان كافرافلما قال لا إله إلا الله كان الظاهر منه قبول الإسلام الذى قوتل عليه. وعرضت الشبهة لأسامة بن زيد فى أنه ربما قال ذلك متعوذا من السيف.
(1) ذكر ابن القيم فى زاد المعاد ج2ص111(أن النبى(r)ضمنهم نصف الدية لأجل التأويل والشبهه لأن قولهم لم يكن إسلاما صريحا)أ.ه

فحكم أسامة بكفر الرجل ترجيحا للاصل على الظاهر لوجود الشبهة فقتله وحكم الأنصارى بالظاهر ترجيحا له على الاصل لعدم تأثير هذه الشبهة عنده فحكم بإسلام الرجل وكف عنه ولم يكفر أسامة الأنصارى لحكمه.
ولما بلغ ذلك النبى (r)أقر الأنصارى فى حكمه بالظاهر وأمر بإجراء أحكام الناس على الظاهر كما بوب النووى هذا الباب من رياض الصالحين .على أننا يجب أن نؤكد أن هذا الظاهركان يقبل من أهل هذا الزمان فى اعتبار الناس مسلمين لأن الرجل كان يعلم حقيقة دعوة النبى (r)وأن الذى يعصم الدم والمال هذه الكلمة بكل ما تعنيه عند العرب كما فهموها عندما دعاهم إليها وقاتلهم عليها.
والشاهد من هذا الحديث أن أسامة حكم على الرجل بالكفر فقتله بينما حكم له الأنصارى بالإسلام فكف عنه، وأقر النبى(r) الأنصارى فى حكمه للرجل بالإسلام ولم ينقض إسلام أسامة ولم يحكم عليه بالكفر.
وسبق أن نقلت لك ما ذكره ابن القيم من اختلاف الأئمة فى الدلالات ولم يكفر بعضهم بعضا. بل فى مذهب أحمد وعنه ثلاث روايات.
قال ابن القيم فى زاد المعادج3صفحه63(وقد اختلف أئمة الإسلام فى الكافر إذا قال أشهد أن محمد رسول الله .ولم يزد.هل يحكم بإسلامه بذلك؟هى ثلاث أقوال هى ثلاث روايات عن أحمد .أحدها: يحكم بإسلامه بذلك،الثانية:لا يحكم بإسلامه حتى يشهد أن لا إله إلا الله،
الثالثة:إذا كان مقراً بالتوحيد حكم بإسلامه ،وإن لم يكن مقراًبالتوحيد لم يحكم بإسلامه حتى يأتى به)أ.هـ
ولعلك تجد فى زماننا الكثير ممن لا علم له ولا فقه يكفر بمجرد المخالفه فى دلالة من هذه الدلالات ويجعل ذلك ناقضاً للتوحيد بدعوى أنه لم يكفر الكافر .
ويقودنا هذا إلى الحديث عن المسميات واختلاف العلماء فى تكفير بعض الفرق من أهل الأهواء مما حمله البعض على أنهم اختلفوا فى كل الفرق بغض النظر عن التفرقة بين الفرق الغالية وغيرها .




الحكم بالكفر على من قال الكفر وفعله                     الحكم بالكفر بالتبعيه للدار أو الوالدين
. حكم قطعى (كفار فى نفس الأمر) .                      حكم ظنى فقد يكون المحكوم عليه مؤمنا يكتم إيمانه
. ناقض لأصل الدين قطعاً .                              _ . غير معلوم عنه نقض أصل الدين .
. قال أو فعل الكفر .                                      _ . لم يعلم عنه قول الكفر أو فعله .
. معلوم الحال .                                           _ . غير معلوم الحال (مجهول -مستور)
. معلوم الاعتقاد .                                         _ . غير معلوم الاعتقاد.
. غير مختلف فى أفراده .                                 _ . مختلف فى أفراده كالحكم على اللقيط.
. حكم مبنى على الأعتقاد .                                _ . غير مبنى على الأعتقاد .
. غير مرتبط بأحكام الديار فهو كافر سواء                _ . مرتبط بأحكام الديار وبوجود الأبوين
قال الكفر أو فعله فى دار الإسلام أو غيرها .                 أو عدمهما أو عدم أحدهما.
. من أصل الدين .                                          _ . حكم شرعى اجتهادى .
. لا يغفر فى الآخرة وعقابه النار.                         - قد يكون من أهل الجنة كمن يكتم إيمانه والأطفال 


منشأ الاشتباه فى المسألة هو تصور البعض أن الحكم بالتبعية للدار أو للوالدين كالحكم على من تكلم بالكفر وعمل به واشتباه أحكام الكفر فى الدنيا باحكام الكفر فى الآخرة كما بين ذلك الشيخ ابن القيم . قال فى أحكام أهل الذمة وفى شفاء العليل:( ومنشأ الاشتباه فى هذه المسألة  اشتباه أحكام الكفر فى الدنيا بأحكام الكفر فى الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانت تجرى عليهم أحكام الكفر فى الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم و حضانتهم و تمكنهم من تعليمهم وتأديبهم والموارثة بينهم وسبيهم واسترقاقهم وغير ذلك صار يظن من يظن أنهم كفار فى نفس الأمر كالذى تكلم بالكفر وعمل به ، ومن هاهنا قال محمد ابن الحسن أن هذا الحديث وهو قوله (كل مولود يولد على الفطرة) كان قبل أن تنزل الأحكام . فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافى أن يكونوا تبعا لآبائهم فى أحكام الدنيا . وقد زالت الشبهة وقد يكون فى بلاد الكفر من هو مؤمن يكتم إيمانه ولا يعلم المسلمون بحاله فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين وهو فى الآخرة من أهل الجنة كما أن المنافقين فى الدنيا تجرى عليهم أحكام المسلمين وهم فى الدرك الأسفل من النار .فحكمهم فى الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا )أ.هـ

ولعلك تتبين الآن أن الحكم بالتبعية للوالدين وللدار هو من الأحكام الشرعية التى جاءت بعد التوحيد.فهاهو محمد بن الحسن الشيبانى صاحب أبى حنيفة يقول إن ذلك كان قبل أن تنزل الأحكام ثم نزلت الأحكام فعلم أن حكم الأطفال التبعية لآبائهم أى أن الحكم للأطفال بأنهم تبع لآبائهم جاء متأخراً وهو من الأحكام الشرعية الفقهية .

والذى دعا محمد بن الحسن الشيبانى إلى أن يعتقد أن حديث(كل مولود) قد نسخ بما جاء بعد ذلك من أحاديث تثبت التبعية للوالدين هو أنه ظن أن الحديث يقتضى لهم الحكم بأحكام المؤمنين فى أحكام الدنيا طالما ولدوا على الفطرة فقال أن هذا كان قبل أن تنزل الأحكام ويصير هذا الحكم منسوخاً بالأحاديث التى تحكم لهم بالتبعية للوالدين وهكذا فسر قوله الشيخ ابن تيمية كما نقل ذلك ابن القيم فى شفاء العليل. واحكام أهل الذمة (1) .

وحتى تفهم أكثر حقيقة الحكم بالتبعية للدار وللأبوين ويتبين لك أنه ليس من أصل الدين وليس كالحكم على من عبد الطاغوت ولم يكفر به. أضرب لك مثالا ذكره العلماء وسأذكر لك حكمهم عليه.

. مثال:- لو أن رجلا نشأ على شاهق جبل فى بادية بعيدة وكان هذا الرجل يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً ولكنه لا يعرف من شرائع الإسلام وشعائره شيئا. فلو أن هذا الرجل نزل من على الجبل حتى أتى بلداً يختلف أهله عنه فى اللباس والهيئة واللغة. فبماذا يحكم على هذا الرجل إذا لم يحكم على أهل هذا البلد بالكفر أو الإسلام وهو لم ير منهم شركاً ولم يعرف عنهم توحيداً -سواء كان هذا البلد مسلماً أم كان من بلاد الكفر- ؟ قال البغدادى فى أصل الدين:( ومن نشأ على شاهق جبل فإن وصف الإسلام حكمناً بأنه مسلم ويلزم بشرائع الإسلام .)أ.هـ

فهذا الرجل الذى نشأ على شاهق جبل ولم يسمع بالإسلام غير أنه يصف الإسلام بأنه لا يعبد إلا الله ولا يشرك بشيئاً . فهذا رجل مسلم ولا يغير عدم علمه بأحكام الديار ولا عدم معرفته بالشرائع والشعائر التى بعضها من المعلوم من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصيام والحج لا يغير عدم علمه بتلك الأحكام ولا أن أولاد المشركين تبع لآبائهم لا يعتبر فادحاً فى الحكم عليه بالإسلام.و كونه لم يحكم للناس فى البلد التى زارها لأول مرة بالإسلام إن كانوا فعلا مسلمين حيث أنه لم ير منهم ما يبين أو يؤكد ذلك لا يقدح فى الحكم بإسلامه .وإن كانت البلد التى زارها لأول مرة كافرة لا يقدح أيضاً فى إسلامه عدم الحكم على أهلها بالكفر حيث أنه لم ير منهم كفراً ولا شركاً ولم يعلم عن معتقدهم شيئاً.ولا يعتبرمع حاله هذا شاكا بل هو لا يعرف حال الناس ولا يؤثر هذا في الحكم له بالاسلام .ذكر الزركشى في البحر المحيط عن تعريف الشك (1/61))) إنه عبارة عن اعتقادين متقابلين لهما سببان متقابلان. وأكثر الفقهاء لا يدرون الفرق بين ما لا يدرى وبين ما لا يشك فيه. وقال قبل ذلك: إذا دخلت بلدا غريبا، ودخلت سوقا، ووجدت قصابا أو خبازا أو غيره ولا علامة تدل على كونه مريبا أو خائنا، ولا ما لا يدل على نفيه، فهذا مجهول لا يدرى حاله، ولا نقول: إنه مشكوك فيه.))ا.هـ
 ( وكذلك عدم حكمه لأولاد المشركين بالتبعية لآبائهم لا يقدح فى إسلامه كما لم يقدح ذلك فى إسلام أصحاب رسول الله(r) الذين جهلوا ذلك مع أن هذا الحكم اعتبره (الحكم بالتبعية للأبوين)ابن القيم من المعلوم من الدين بالضرورة.
 بل مازال فى زماننا هذا بعض من ينتسب الى العلم وهو يجهل أن أطفال المشركين تبع لآبائهم فى أحكام الدنيا فضلا عن الكثير من عوام المسلمين الذين يجهلون هذا الحكم بالتبعية للأبوين ويحكمون للأطفال بإلاسلام لأنهم ولدوا على الفطرة .))
ويقترب هذا المثال كثيراً من الناس الذين سيكونون في آخر الزمان بعد اندراس بعض معالم هذا الدين كما جاء فى حديث ابن ماجة  عن صلة بن زفر عن حذيفة ففى ذلك الزمان سيكون جل علم الناس فيه هو التوحيد(لااله الا الله)ولن يكون لهم علم بصلاة ولا زكاة وصيام .( وهى من المعلوم من الدين بالضرورة الأن)
 ويستغرب صلة بن زفر الأمر فيقول لحذيفة وماتغنى عنهم لا إله إلا الله ؟فيرد حذيفة: تنجيهم من النار . ( إسناده حسن) ( وإن كان البعض ضعفه) فأولئك القوم لن يكون عندهم علم إلا بالتوحيد فقط وسوف ينجيهم من النار مع جهلهم لشرائع الإسلام وأحكامه .
ويقترب هذا المثل أيضاً من قصة أصحاب الكهف. فبعد أن استيقظوا من نومهم وبعثوا بأحدهم إلى المدينة كان يظن أنها كما كانت من قبل على الكفر حين تركها أول مرة ولم يكن يعلم أن الملك قد تغير وأن الناس قد تغيروا فحكم عليهم بما غلب على ظنه مما كان بخلاف الواقع ولم يقدح هذا فى إسلامه.

وفى قصة زيد بن عمرو بن نفيل فى صحيح البخارى شبه من هذا المثل. فلقد كان زيد يعيب ما عليه قومه من شرك ثم خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقى عالماً من اليهود فسأله عن دينهم

 فقال: إنى لعلى أن أدين دينكم فأخبرنى. فقال اليهودى لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله . فقال زيد: ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنّى (كيف)   أستطيعه ؟ فهل تدلنى على غيره ؟ قال اليهودى: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً    . قال زيد : وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله (رواه البخارى)                                           

 

فهل حكم زيد على عالم اليهود بالكفر أم بالإسلام وهو يريد أن يدخل دينه وقبل أن يعرف ما هو عليه؟

فهل كفر زيد بن عمرو بن نفيل ؟ وهل كفر رسول الله (r) لما حكم له بالإسلام؟! (مالكم كيف تحكمون)ونعوذ بالله أن نكون من الجاهلين.

لقد حكم رسول الله(r)لزيد بن عمرو بن نفيل بالإسلام
) كما جاء فى مسند أحمد بسند حسن وعن ابن اسحاق بسند مرسل صحيح أن سعيد بن زيد وعمر بن الخطاب سألا النبى (r):أنستغفر لزيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال النبى(r): نعم فإنه يبعث أمه يوم القيامة وحده .
إن الأمر واضح غاية الوضوح فى أن الحكم لمجهول الحال بالتبعية للدار ليس من أصل الدين وليس كمن حكم عليه بالكفر لقوله أو فعله الكفر.

وكذلك الحكم بالتبعية للوالدين فهاهم أصحاب رسول الله(r) يجهلون هذا الحكم ويسئلون عنه ولم يكفرهم النبى (r) بل حتى لما حكم لهم النبى (r)بالتبعية سألوه: أيكون ذلك بلا عمل؟ وإليك تفصيل ذلك.

فى صحيح أبى عوانه  الإسفرايينى عن هلال بن خباب عن عكرمه عن ا بن عباس كان النبى (r) فى بعض مغازيه فسأله رجل : ما تقول فى اللاهين ؟ فسكت عنه فلما فرغ من غزوة الطائف إذا هو بصبى يبحث فى الأرض فأمر مناديه فنادى أين السائل عن اللاهين؟ فأقبل الرجل فنهى رسول الله (r)عن قتل الأطفال وقال :( الله أعلم بما كانوا عاملين)-رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط بسند صحيح
وفى المسند من حديث عائشة قالت: قلت يارسول الله: ذرارى المؤمنين ؟ فقال:(هم من آبائهم)فقلت يارسول الله بلا عمل؟قال: (الله اعلم بما كانوا عاملين )قلت :يارسول الله فذرارى المشركين؟  قال:(هم من آبائهم)قلت يارسول الله بلا عمل؟ قال (الله أعلم بما كانوا عاملين) رواه أحمد وأبو داوود ورواه مسلم ابن قتيبة أن البراء بن عازب أرسل الى عائشة يسألها عن الأطفال فقالت : سألت رسول الله(r) قلت يا رسول الله ذرارى المؤمنين؟ وساق الحديث بنفس سياقه أحمد وأبو داوود.
قال الشيخ ابن القيم فى أحكام أهل الذمة (فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل ولهذا فهمت منه عائشة ذلك فقالت: بلا عمل؟ فأقرها عليه وقال(الله أعلم بما كانوا عاملين)

ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل فى أحكام الدنيا وهو الذى فهمته عائشة. ولكن لا ينفى هذا أن يلحقوا بهم فى الأخرة بأسباب أخرى كامتحانهم فى عرصات القيامة فحين إذن يلحقون بآبائهم ويكونون معهم بلا عمل عملوه فى الدنيا .






وأم المؤمنين إنما استشكلت الحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء , وأجابها النبى (r)بأن الله يعلم منهم ما هم عاملوه , ولم يقل لها إنه يعذب بمجرد علمه منهم وهذا ظاهر بحمد الله)أ.هـ

قلت : فهذه أم المؤمنين عائشة تجهل حكم الأطفال وعندما يجيبها النبى (r)بأنهم تبع لآبائهم فى أحكام الدنيا تستشكل لحاقهم بهم بلا عمل عملوه . وهذا البراء بن عازب صاحب رسول الله (r) يجهل الحكم بعد وفاة النبى (r) فيرسل يسأل عائشة عن هذا الحكم. معنى هذا أنه فى حياة النبى (r) لم يكن يعلمه وإلا لسأل النبى (r)عنه فلما مات النبى (r) أرسل إلى عائشة رضى الله يسألها. فها هو صاحب رسول الله (r) يجهل هذا الحكم الذى قال عنه ابن القيم أنه من المعلوم من الدين بالضرورة فهل كان البراء رضى الله عنه يجهل أصل الدين فى حياة النبى (r) ولم يتعلمه إلا بعد وفاته بعد أن أرسل إلى عائشه رضى الله عنها يسألها ؟وهل كفره أصحاب رسول الله (r) لجهله هذا الحكم أم أنهم لم يعلموا أصل الدين؟ نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين

وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال :سئل رسول الله (r) عن ذرارى المشركين فقال : (هم تبع لآبائهم).

فهل من سأله كان يجهل أصل الدين ؟

أن الحكم بالتبعية للأبوين ليس من أصل الدين وتكفير أولاد المشركين تبع لآبائهم ليس كمن قال الكفر وفعله ممن لم يكفر بالطاغوت. وهل يكون الحكم بالتبعيه من أصل الدين ولا يبينه النبى (r) للسائل على الفور؟ أيسكت رسول الله (r)عن بيان أصل الدين ؟ إن هذا لا يمكن أبدا ولا يجوز. ففى حديث ابن عباس عند ابى عوانة و الطبرانى.لما سأله الرجل عن اللاهين سكت (r) ولم يخبره بالحكم إلا بعد غزوة الطائف فهل لم يظهر أصل الدين إلا بعد غزوة الطائف ؟ نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين .وهل جهل أصحاب رسول الله (r) أصل الدين فلم يعلموه إلا بعد غزوات  النبى(r).لأنهم عندما سألوا عن حكم الأطفال سألوا عن ذلك فى أثناء الغزو وعرض لهم قتل الوالدان . فسألوا عن أحكام الأطفال فى الدنيا . فأجابهم النبى (r) عما جهلوه . ففى الصحيحين عن الصعب بن جثامة أن النبى(r)سئل عن أهل الديار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم . فقال رسول الله (r) (هم منهم ) وفى لفظ هم من آبائهم). فقال الزهرى : ثم نهى رسول الله (r) بعد ذلك عن قتل النساء والولدان قال بن القيم فى أحكام أهل الذمة صفحة 429 (فإنه إنما سئل عن أحكام الدنيا وبذلك أجاب والمعنى أنهم إن أصيبوا في التبييت ، والغارة فلا قود ولا دية على من أصابهم لكونهم أولاد من لا قود ولا دية لهم وعلى ذلك مخرج الحديث سؤالاً وجواباً)أ.هـ

ولقد ذكرت لك فى القسم الأول من هذا البحث أحكام التبعية بالتفصيل واختلاف العلماء فيها بما يغنى عن الإعادة هنا ولقد ذكرت لك هنا بعض ما سبق أن ذكرته لأبين لك أن الحكم بالتبعية للوالدين ليس من أصل الدين وتكفير أولاد المشركين بالتبعية لآبائهم ليس كتكفير من عبد الطاغوت وقال الكفر أوفعله.

وأسأل من يسوى بين التكفير بالتبعية للدار بالنسبة لمجهول الحال واللقيط وبالتبعية للأبوين المشركين . وبين من قال الكفر وفعله ممن يعبد الطاغوت ولم يكفر به. أسأله : كيف علمت أن مجهول الحال هذا واللقيط لم يكفر بالطاغوت ألمجرد إقامته بدار الكفر؟ وكيف علمت أن أطفال المشركين لم يكفروا بالطاغوت ألمجرد ولادتهم لأبوين مشركين؟

ومتى كانت الإقامة بدار الكفر تنقل عن الملة وتخرج من الملة (1) ؟ وكيف تسوى بين معلوم الحال من عباد الطواغيت بمن لا تعرف عنه كفراً ولا إسلاماً ؟ أم إنك تجعل عبادة الطاغوت مساوية للإقامة فى دار الكفر ؟

وأنقل لك بعض ما ذكره العلماء عن حكم الإقامة فى دار الكفر قال بن قدامة فى العمدة(وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه فى دار الحرب وتستحب لم قدر على ذلك) قال شارح العمدة فى العدة صفحة 614

فالناس فى الهجرة على ثلاثة أضرب

 إحدها من تجب عليه وهو من لا يمكنه إظهار دينه ولا عذر له من مرض ولا عجز عن الهجرة فهذا تجب عليه للآية قول تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم)سورة النساء ولأن القيام بواجب الدين واجب ولا تتمكن منه إلا بالهجرة ومالا يتمكن من الواجب إلا به واجب لكونه من ضرورة الواجب .

الثانى: من تستحب له الهجرة وهو من يتمكن من إظهار دينه فى دار الحرب والقيام بواجبه إما لقوة عشيرته أو غير ذلك فهذا لا تجب عليه لإمكانه إقامة واجب دينه وتستحب له لأن فى إقامته عندهم تكثيراً لعددهم واختلاطاً بهم ورؤية المنكر فيهم.

الثالث: أن تسقط عنه الهجرة وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف فهذا لا تجب عليه ولا يوصف باستحباب لقوله تعالى (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم وكان الله عفواً غفورا )النساء أ.هـ


قلت: ومن لا يجد داراً يهاجر إليها اليوم ولا فئة ينحاز إليها من المسلمين ويتشبه بزى وهيئة المسلمين ولا يعرفه المسلمون ماحكمه أيحكم عليه بالكفر لإقامته بدار الكفر وكل الديار حوله هى ديار كفر. أم يحكم له بالإسلام. أم يتوقف فى الحكم عليه ؟ وإذا كان العلم واليقين من الشروط الأساسية فى الشهادة فأين العلم واليقين هنا ؟ أم أن هذا الحكم له شروط تختلف عن شروط شهادة أن لا إله إلا الله لأنه ليس من أصل الدين وليس من التوحيد؟ وهل يعرف كل مسلم المسلمين الموجودين حوله فى دار الكفر؟ سوف نجد الإجابة عن هذه الأسئلة فيما سأذكره بعد ذلك إن شاء الله لكنى هنا أذكرك بأن شرط البراءة من أهل الكفر العلم بما يقولون وإلا كيف يتبرأ من شىء لا علم له به .

وسؤال لابد منه لكل من يعتنق هذا الدين وهو ماحكم عوام المسلمين وعجائزهم ونسائهم الذين نشأوا من قبل في عز الإسلام في قرية من قرى المسلمين لم يبرحوها ولا يخرجون من بيوتهم إلا قليلا ولم يعرفوا شيئا عن ديار الكفر البعيدة عنهم فضلا عن قرى المسلمين القريبة منهم.هل لو دخل عليهم أغراب من الكفار من النساء أو الرجال ممن لايظهر عليهم أى شىء يتميزون به عندهم _وإن كانوا يتميزون عند غيرهم _,فلم


(1) يرى بعض الخوارج أن مجرد الإقامة فى دار الكفر ينقل عن الملة - مقالات الإسلاميين للأشعرى

يحكموا لهم بشىء أو حكموا لهم بالإسلام فهل يكفرون بذلك ؟وهل هؤلاء لم يعرفوا أصل الدين ؟! إليك حديث البخارى في الأدب المفرد(1156) عن عبد الرحمن قال (:مر ابن عمر بنصرانى فسلم عليه فرد عليه ،فأخبرأنه نصرانى،فلما علم رجع إليه فقال رد علىَ سلامى .) فهذا النصرانى اعتقد ابن عمر أنه مسلم فسلم عليه فلما علم أنه نصرانى كافر رجع إليه وقال له رد على سلامى .فهل كفر ابن عمر لما اعتقد أن الرجل مسلم؟!وهل لم يعرف ابن عمر أصل دين الرسول ؟!وهل ينتقض إسلام المسلمين إذا لم يتميز أهل الكتاب بظاهر يميزهم عن غيرهم من المسلمين في ديار المسلمين.؟!سبحانك هذا بهتان عظيم ...إننا نستطيع أن نفهم ما حدث بطريقة أسهل وأعمق ,فلما كانت الدار دار إسلام كان الحكم لمجهول الحال (النصرانى)أنه مسلم وهذا حكم بالأصل لأنه لم يظهر منه ما يخالف هذا الأصل إذ الأصل في دار الإسلام أن أهلها مسلمون ولما كان هذا النصرانى لايتظاهر بظاهر يميزه عن غيره من المسلمين حكم له ابن عمر بالإسلام_ظنا منه أنه مسلم _ فسلم عليه فلما علم أنه نصرانى كافر رجع إليه وقال رد على سلامى .وهكذا يجب أن تتناول الأمور بعيدا عن الجهل والتشنج والقول على الله بغير علم كما يفعل الذين يقولون أن كل ما فيه حكم على الناس هو من أصل الدين .وكأن ابن عمر لم يعرف أصل الدين لما حكم للنصرانى بالإسلام _ظنه مسلما _وكأنه لم يكفر بالطاغوت نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين.وأحب أن أنبه المخلصين من أهل التوحيد على أن يفرقوا بين الحكم بالظن الغالب وبين العلم فابن عمر وغيره من أصحاب رسول الله ممن وقع لهم مثل ما وقع لابن عمر لما خالف ظنهم في أهل الكتاب ما هو معلوما عنهم لم يكونوا بذلك ناقضين لأصل الدين ولم يكونوا كافرين، والاشتباه الذى حدث لديهم إنما كان منشؤه أن أهل الكتاب لم يتميزوا بظاهر يفرق بينهم وبين غيرهم من المسلمين فكان حكم ابن عمر وغيره من الصحابة هو بغلبة الظن وهو أن الأصل في دار الإسلام أن أهلها مسلمون فبدأوا أهل الكتاب بالسلام وهم لا يعلمون أنهم أهل كتاب.فالذى يحكم عليه بالكفر هو من يعلم أنهم أهل كتاب ثم لا يكفرهم _أما حكم من يبدأ أهل الكتاب بالسلام فمكانه كتب الفروع فليراجع هناك_ المقصود هنا هو أننا يجب أن نفرق بين الحكم بغلبة الظن كالحكم بالتبعية للديار وبين الحكم بالعلم واليقين وذلك كمن علمنا عنه الكفر من مقاله أو فعله أو حاله .                      

قال الزركشى في البحر المحيط(4/321)((ولهذا لما علمنا اتصاف أغلب من في دار الحرب أو وصفهم بالكفر غلب على ظنناأن جميع من نشاهده منهم كذلك حتى جاز لنا استرقاق الكل)).أ.هـ

وهذا يبين لك أن تكفير مجهول الحال فى دار الكفر ليس كتكفير من عبد الطاغوت وقال الكفر وفعله.

قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ فى فتح المجيد صفحة 42: (فلا يصح إسلام أحد علم ماكانوا يقولون حتى يبرأ من قول الطائفتين جميعاً فى عيسى عليه السلام ويعتقد ما قاله الله تعالى عنه أنه عبد الله ورسوله)أ.هـ

فلا يصح إسلامه إذا علم مايقولون أما مع عدم العلم فكيف يؤمر بالبراءة من شىء لا يعلمه ؟!.

أما عن التسوية بين التبعية للوالدين المشركين وبين قول الكفر وفعله ممن لم يكفر بالطاغوت فسأذكر لك بعض النصوص عن الإمام أحمد مما يبين الإختلاف .

قال ا بن القيم فى أحكام أهل الذمة صفحة 360( قال الخلال فى الجامع ( باب الذميين يجعلون أولادهم مسلمين)  أخبرني عبد الكريم بن الهيثم العاقولي قال : سمعت أبا عبد الله يقول في المجوسيين يولد لهما ولد ، فيقولان : هذا مسلم. فيمكث خمس سنين ثم يتوفى ؟ قَالَ : ذلك يدفنه المسلمون)

قلت : فهل كان آباؤه يعلمونه الإسلام؟ أم أن مجرد قولهم هذا مسلم يقطع التبعية بينهم وبينه؟

وإليك توقف الإمام أحمد فى الحكم بالتبعية للوالدين أو السابى والمالك قال ابن القيم فى أحكام أهل الذمة صفحة 360 (قال الخلال فى الجامع ( باب الرجل والمرأة يسبيان فيكونان عند المسلم فيولد لهما أو يزوجهما المسلم فيولد لهما في ملك سيدهما أولاد ما الحكم فيه ؟ أخبرنا أبو بكر المروزي أن أبا عبدالله قال:إذا ولد لهما وهما في دار الإسلام في ملك مولاهما لا أقول في ولدهما شيئا  )

وإليك قوله فى الأطفال يسبون مع آبائهم .قال ابن القيم فى أهل الذمة صفحة 356 (قال أبو داوود : قلت لأبى عبد الله: السبى يموتون فى بلاد الروم ؟ قال: معهم آباؤهم؟ قلت: لا. قال: يصلى عليهم . قلت لم يقسموا ونحن فى السرية قال: إذا صاروا الى المسلمين وليس معهم آباؤهم فإن ماتوا يصلى عليهم وهم مسلمون قلت: فإن كان معهم آباؤهم ؟ قال: لا. قلت لأبى عبد الله: إن أهل الثغر (الأوزاعى وأهل الشام ) يجبرونهم على الإسلام وإن كان معهم آباؤهم . قال : لا أدرى )أ.هـ

وإليك قوله فيمن مات أبواه وله عم . قال ابن القيم فى أهل الذمة صفحة 357(قال المروزى :قلت لأبي عبد الله : إني كنت بواسط فسألوني عمن يموت هو وامرأته ويدعان طفلين ولهما عم ما تقول فيهما ؟ فإنهم قد كتبوا إلى

البصرة فيها وقالوا : إنهم قد كتبوا إليك. فقال : أكره أن أقول فيها  برأيي. دع حتى أنظر لعل فيها شيئاً عمن تقدم فلما كان بعد شهر عاودته. فقال: قد نظرت فيها فإذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :(فأبواه  يهودانه وينصرانه) وهذا ليس له أبوان. قلت يجبر على الإسلام؟ قال: نعم هؤلاء مسلمون لقول النبي صلى الله عليه وسلم )أ.هـ

فهل يستطيع أحد بعد ذلك أن يسوى بين التبعية للوالدين وبين الكفر بالطاغوت أو أن يقول أن الحكم بالتبعية للوالدين من أصل الدين؟!! نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين.واذا كان بعض العلماءقد نقل الاجماع على تبعية الاطفال لآبائهم في حكم الدنيافقد نقل ابن القيم في أحكام أهل الذمة(388):((قال أبو عمر بن عبد البر:وقد اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافا كثيرا وكذلك اختلفوافى الاطفال

وحكمهم في الدنيا والآخرة.....ونقل عن ابن المبارك قوله في تفسير الحديث:(الله أعلم بما كانوا عاملين)وكذلك عن الامام مالك وقال:(وهذه جملة تؤدى الى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو ايمان أو جنة أو نار ما لم يبلغوا العمل.)ا.هـ



.فصل :إذا كنت قد بينت لك أن الحكم بالتبعية للدار وللوالدين ليس من أصل الدين إلا أن البعض يعتقد أن ذلك من أصل الدين وأن الجاهل لهذا الحكم أو المتوقف فيه يعتبر كافراً ولا عذر فيه بجهل ولا تأويل .

قالوا: . أحكام الديار والتبعية للوالدين من أصل الدين فهى قد ثبتت بأدلة قطعية الدلالة والثبوت كما أنها من المعلوم من الدين بالضرورة.

وقالوا :. إن ثمة علاقة بين أصول الفقه وبين العقيدة وأحكام الإعتقاد ولذلك يستدلون بالإستصحاب على أن أحكام التبعية للدار وللوالدين من أصل الدين.

وقالوا: . أن الدلالة على أن أحكام التبعية للدار من أصل الدين قوله تعالى(سَأُورِيكُمْ دَار الْفَاسِقِينَ ), وقوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ), وقوله تعالى :(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ),وقوله تعالى :(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ) ,وبعض آيات أخرى فيها ذكر الأمم السابقة وما أنزل الله بهم من عقاب لكفرهم.

أما الأدلة من السنة فهى: أن العلماء أجمعوا على أن مكة كانت دار كفر قبل الفتح وأن المدينة كانت دار كفر قبل الهجرة وأصبحت دار إسلام بعد الهجرة وأن خيبر كانت دار كفر قبل فتحها وبعد الفتح صارت دار إسلام وأن ديار المرتدين كانت ديار كفر.

قالوا:. والأصل فى الحكم على الديار هو ظهور الأحكام فيها وأن الدار تطلق ويراد أهلها وهذا هو الدليل العام ويخرج النبى (r)والذين آمنوا معه بالدليل الخاص وذلك كما أخبر تعالى :(لُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ).

قالوا: ومما يؤكد أن أحكام الديار من أصل الدين هو ارتباط بعض الأحكام الأخرى بأحكام الديار مثل : الحكم على الناس وهذا أصل الدين, وتطبيق الأحكام الشرعية , أحكام الجهاد والهجرة , أحكام أهل الذمة , أحكام الجمارك والعشور, العهود والمواثيق.

قالوا: و يؤكد على ذلك ارتباط علاقة الحاكم بالمحكومين ويحكم هذه العلاقة بعض القواعد منها :-

.الدار تطلق ويراد أهلها فيقال دار الكافرين ودار الفاسقين ويراد به أن أهلها كافرون وفاسقون, ويقال دار إسلام ويراد به أن أهلها مسلمون .

. المسؤلية الجماعية وشخصية المسؤلية :-فعند ترك فروض الكفاية يأثم الجميع عند عدم قيام البعض بفروض الكفايات ممن يقدر على ذلك.


. قاعدة التبعية فما يقوم به الراعى ينصرف الى الرعية ويسئل عنه الرعية ولقد الزم النبى (r) جميع بنى قريظة عاقبة نقض ملوكهم العهد معه .

. قاعدة الجريمة السلبية لأنه مع ظهور الشرك وترك الإنكار يجعل الجميع مشاركا فى المسؤلية وينزل العقاب على الجميع لقوله تعالى :( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ) سورة النساء

. قاعدة الإستحلال : فعدم نص الدول الموجودة الآن على المحرمات فى قوانينهم يعنى أنهم يستحلون هذه المحرمات وجميع أفراد الشعب يشاركون فى هذا الإستحلال,قاعدة العذاب وسنة الله فى خلقه أن ينزل العذاب بالكافرين وينجى الله رسله ومن معهم من المؤمنين كما جاء فى سورة الشعراء.

قالوا: ولقد كان يحكم بإسلام الناس فى دار الإسلام وهذا هو الدليل العام المستصحب ويستثنى منه بالدليل الخاص تميز أهل الذمة فى الزى والهيئة كما جاء فى العهد العمرى والوثيقة العمرية.

قالوا: أما فى دار الكفر فيحكم بكفر أهلها وهذا هو الدليل العام المستصحب ويستثنى منه بالدليل الخاص ما يصير به المرء مسلماً . مع الوضع فى الإعتبار حتى تنضبط الأحكام ضرورة معرفة الدليل والواقع المخاطب به الدليل كما قال ابن القيم فى أحكام الموقعين .فمن كان كفره مثلاً بجحد فريضة فلابد لهم من الإقرار بالفريضة مع الشهادتين فالدليل الخاص هنا الإقرار بالفريضة.

كان هذا ملخص اعتقاد هذه الطائفة التى تعتقد بأن أحكام التبعية للدار والوالدين من أصل الدين وسأناقش ماقالوه وأبين بطلانه وفساده قبل أن أبين حكم المتوقف وحكمهم مع اعتقادهم لهذا الإعتقاد الباطل.

فصل: سأبدأ مناقشة أقوالهم من خلال العلاقة بين أصول الفقه والعقائد لأنهم يعتبرون أن هناك علاقة بينهم ويستدلون على أصل الدين بالإستصحاب وقد ذكروا فى إستشهادهم على ذلك بما ذكره ابن رجب الحنبلى فى جامع العلوم والحكم على حديث (الحلال بين والحرام بين)عند قوله عن القاعدة عند التعارض بين الأصل والظاهر من الأحكام الشرعية . فهل هناك علاقة بين أصل الدين وأصول الفقه وبين العقائد وأصول الفقه؟ كل قارىء لكتب أصول الفقه يقرأ هذا التعريف لأصول الفقه:هو العلم بالقواعد التى يتوصل بها الى معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.

وبناء على هذا التعريف تخرج أحكام الإعتقاد من الفقه وأصوله لأن الأحكام الشرعية العملية المكتسبة لا تدخل فيها العقيدة ولا أصل الدين. ويختص بدراسة ذلك علم الكلام .

وإذا كنت قد بينت لك سلفاً معنى الأصل فإننى سأذكر لك هنا ما ذكره صاحب نظم الورقات الشرف العمريطى فى تعريف أصول الفقه حتى يتبين لك العلاقة بين أصول الفقه وأصل الدين والعقيدة.



قال: هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا ...................... لِلفَنِّ مِن جزأين قَد تَرَكَّبَا.

الأوَّلُ الأُصولُ ثُمَّ الثَّانِي     .......................... الفِقْـــهُ وَ الْجُـزْءَانِ مُفْــرَدَانِ.

فَـالْأََصْـلُ مَـا عَلَيْـهِ غَيْرُهُ  بُنِي .................. وَالْفَـرْعُ مَــا عَلَى سِــوَاهُ يَنْبَنِي

وَالفِقْـهُ عِلْـمُ كُلِّ حُكْـمٍ شَرْعِي .................. جَــاءَ  اجْتِهَـادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي

فالفقه لغة معناه الفهم كما قال تعالى (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ)هود يعنى لا نفهم.

أما فى الشرع فكما قال العمريطى : علم كل حكم شرعى جاء اجتهاداً دون حكم قطعى فقد أخرج العمريطى هنا فى تعريفه أحكام القطعية لأن العلم بالأحكام القطعية كوجوب الصلاة لا يحتاج إجتهاداً فلا يدخل فى مسمى الفقه.

أما على التعريف الأول فيدخل العلم بوجوب الصلاة والأحكام القطعية فى مسمى الفقة .

فهل ما يدخل به المرء الإسلام ويصير به مسلما يحتاج إلى النظر والإجتهاد في الادلة الشرعية أم هو قطعى حتى يحتاج المرءإلى النظر فى أصول الفقه ليعلم أصل دينه وبأيهما يبدأ بتعلم أصول الفقه حتى يعلم أصل الدين أم بالتقليد فى أصل الدين حتى يتعلم أصول الفقه؟

لو ألزمناه بتعلم أصول الفقه أولاً فهذا معناه أنه لن يسلم إلا من تعلمها وهذا فى غاية الفساد والبطلان.

ولو قلنا يقلد فى أصول الدين حتى يتعلم أصول الفقه ثم يتعلم أصل الدين فهذا أيضا فى غاية الفساد والبطلان إذ لا يسوغ التقليد فى أصل الدين . فالعلم بالله تعالى ووحدانيته ليس فقهاً فى اصطلاح أصول الفقه حتى نستعمل أصول الفقه لمعرفة أصل الدين. ولكنه يعتبر فى الشريعة فقها فلذلك نجد الإمام أبا حنيفة قد سمى كتابه بالفقه الأكبر وهو يتناول عقيدة المسلمين ولذلك يسمى البعض العلم المتعلق بأفعال المكلفين بالفقه الأصغر تمييزاً له عن الفقه الأكبر . وإذا كان علم أصول الفقه قد تناول الكلام وما يتركب منه وطرق فهم الخطاب فهذا يوجد أيضاً فى كتب الفقه ويحتاج إليها كل من يريد أن يفهم الخطاب العربى بغض النظر أن يكون هذا الخطاب يتحدث عن العقيدة أو أفعال المكلفين . غير أننى أحببت أن أبين العلاقة بين أصل الدين وأصول الفقه حتى أبين لك أن الذى يستدلون به من قاعدة ما عليه العمل فى التعارض بين الأصل والظاهر والامثله التى عليها كلها تندرج تحت الاحكام العملية الشرعية ولا علاقة لها بأصل الدين وهذا يبطل دعواهم فى الإستدلال بها على أن الحكم بالتبعية للدار والوالدين من أصل الدين.

فإن قيل :أن أصول الفقه قد تعرض لعوارض الأهلية ومنها الإكراه على الإعتقاد فلماذا تقول أن لا علاقة بين أصول الفقه و العقيدة؟ قلت: عندما تناول العلماء الإكراه فى أصول الفقه تناولوه فى كل ما يختص به سواء من العقيدة أو من الأحكام الشرعية وإذا كنتم تقولون أن أصول الفقه أيضاً يتناول أصل الدين والعقيدة وتمثلون بعوارض الأهلية والإكراه فلماذا تعترضون على من يجعلون الجهل كعارض من العوارض الأهلية يؤثر فى أصل الدين ويعذرون جاهل التوحيد ؟ وهل استدل العاذرية إلا بأصول الفقه ؟ أم حلال لكم وحرام عليهم؟ إن أصل الدين وتوحيد الله عز وجل لا يحتاج إلا لفهم الخطاب العربى أو الخطاب بأى لغة أخرى يفهمها المخاطب والمدعو الى توحيد الله ولا يحتاج لأصول الفقه لمعرفة توحيد الله ولا ليدخل دين الله كما أن جهله لهذا التوحيد يعنى عدم معرفته وعدم اعتقاده له إذ الإعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة ومن يجهل التوحيد وأصل الدين غير معتقد له ولا يسمى مسلماً أبدا. وإن قال بلسانه لاإله إلا الله. فهو كالببغاء الذى يردد كلمة لا يدرى معناها وكالأعجمى الذى يردد كلمة سمعها لا يدرى معناها.

أما عن قولهم الإستصحاب من الأدلة الشرعية أو مصادر التشريع التى تدرس فى أصول الفقه وهذا دليل على العلاقة بين الإعتقاد وأصل الدين وأصول الفقه . فإننى أحب أن أبين هنا وأؤكد على أن العمل بالإستصحاب كدليل ومصدر من مصادر التشريع مختلف فيه بين العلماء وإن كان الأئمة الأربعة ومن تبعهم متفقين على الأخذ به مع إختلافهم فى مقدار الأخذ.

وعن مكانة الإستصحاب كدليل قال الشيخ ابن تيمية فى الفتاوى الجزء342/11..(الإستصحاب من أضعف الأدلة ولا يصارإليه إلا بعد ألا يجد دليلا من كتاب أو سنه أو قياس أو إجماع سواء كان الدليل نصاً أو ظاهراً أو قول صحابى)

ونقل الشوكانى فى إرشاد الفحول صفحة 208 عن الخوارزمى فى الكافى عن الإستصحاب قوله:( وهو آخر مدار الفتوى فإن المفتى إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها فى الكتاب والسنة ثم فى الإجماع ثم فى القياس, فإن لم يجد فيأخذ حكمها من إستصحاب الحال فى النفى والإثبات, فإن كان التردد فى زواله فالأصل  بقاؤه, وإن كان التردد فى ثبوته فالأصل عدم ثبوته.)أ.ه

فإذا كان الإستصحاب من أضعف الأدلة فهل يستدلون به لتقرير أصل الدين ؟!

وإذا كان الإستصحاب آخر مدارالفتوى عند العلماء فكيف يستدلون به لتقرير أصل الدين؟أم أن أصل الدين لم يظهر ولم يتبين فى الكتاب والسنة ولا فى الإجماع؟!!

وإن كنت أحسن الظن بهم وأقول أنهم يقصدون هنا أستصحاب عموم العام إلى أن يرد أو يوجد دليل التخصيص(1)قال ابن قدامة في روضة الناظر:(إن استصحاب عموم النص إلى أن يرد مخصص له هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.) .فأنا أسألهم أين يوجد دليل التخصيص هذا حتى يقول الناس به؟ومن الذى ينص عليه هم أم الشرع؟ ثم هل من جهل دليل التخصيص هذا يعتبر جاهلاً بأصل الدين؟ ثم هل لو اشترك الكافر والمسلم فى دليل التخصيص المنصوص عليه فما هو دليل التخصيص الجديد؟ وكيف يتوصل إليه عوام المسلمين؟ وماحكم من عمل بدليل التخصيص المنصوص عليه؟ وماحكم من اشتبه عليه دليل التخصيص ؟ ثم هل كل دليل عام قطعى. أم أن هناك إختلاف فى دلالة العام؟

وأذكر لك هنا ملخص ما ذكره العلماء عن دلالة العام.

. دلالة العام :- . اتفق الإصوليون على أن العام الذى صاحبته قرينه تدل على شموله لجميع أفراده وتنفى احتمال تخصيص باق على عمومه وأنه يتناول جميع أفراده على وجه القطع واليقين.

مثل قوله تعالى (كلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ)آل عمران. فهذا النفى يدل على شمول الموت لكل نفس على وجه القطع واليقين.

. كما اتفق الأصوليون على أن العام الذى دلت القرينة على أن حكمه لا يراد به كل أفراده وإنما يراد به بعضهم فإنه يتناول هذا البعض على سبيل الظن لاحتمال خروج أفراد أخرى منهم بدليل من الأدلة.

مثل قوله تعالى(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)البقرة.

أما العام الخالى من القرينتين -أى الذى لم تصاحبه قرينه تدل على شموله لجميع أفراده ولا قرينة تدل على أن حكمه لا يراد به كل أفراده- فهذا اتفق الأصوليون على أن يتناول جميع أفراده ويشملها ،و أن الحكم الثابت له ثابت لأفراده جميعا لكنهم اختلفوا فى هذه الدلالة هل هى قطعية أم ظنية؟

أ-فذهب بعض الفقهاء ومنهم جمهور الأحناف إلى أن دلالته قطعية مثل دلالة الخاص على معناه.لأن الأصل فى اللفظ عند إطلاقه أنه يتصرف إلى معناه الذى وضع له قطعاً إلى أن يوجد ما يدل على أنه أريد به معنى آخر غير المعنى الذى وضع له ، وهذا العام موضع الاختلاف لم يوجد ما يصرفه سوى احتمال التخصيص ومجرد الاحتمال لا يؤثر فى القطعية.

ب-ذهب جمهور الفقهاء منهم الشافعية وبعض الاحناف إلى أن دلالته ظنية لأن أكثر ألفاظ العموم دخلها التخصيص حتى صار قولهم مشهوراً(ما من عام إلا وخصص) وينسب هذا إلى ابن عباس -بل هذه العبارة نفسها خصصت  فلم تشمل العام غير قابل للتخصيص كقوله تعالى:(كل نفس ذائقة الموت) آل عمران .

وهذا الإستقراء فى أن كل عام خصص أورث شبهة فى دلاله العام ومع وجود تلك الشبهة لا تكون الدلالة قطعية بل تكون ظنية.وتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين فى أن القائلين بقطعية هذا العام لا يخصص عندهم إلا بقطعى أما الدليل الظنى كحديث الآحاد عند البعض والقياس فلا . أما الذين يقولون بظنيته فإنهم يجوزون التخصيص بالظن . على أنه مما ينبغى التنبيه عليه أن هذا العام الذى إذا خصص بدليل قطعى يجوز تخصيص بعد ذلك بدليل ظنى.

كان هذا ملخص لما ذكره العلماء عن دلالة العام قد تساعدك فى فهم ما يعتقده هذا الفريق من الناس القائلين بأن أحكام التبعية للدار وللوالدين من أصل الدين.

وقال الزركشى عن الاستقراء الناقص:(( والناقص: إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته من غير احتياج إلى جامع. وهو المسمى في اصطلاح الفقهاء ب "الأعم الأغلب". وهذا النوع اختلف فيه, والأصح أنه يفيد الظن الغالب, ولا يفيد القطع. لاحتمال تخلف بعض الجزئيات عن الحكم, كما يقال: التمساح يحرك الفك الأعلى عند المضغ. فإنه يخالف سائر الحيوانات في تحريكها الأسفل. واختاره من المتأخرين صاحب الحاصل "والمنهاج" والهندي.

ومنهم من رده بأن معرفة جميع الجزئيات مما يعسر الوقوف عليها, فلا يوثق به إلا إذا تأيد الاستقراء بالإجماع. واختاره الرازي فقال: الأظهر أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل, ثم بتقدير الحصول يكون حجة. واقتضى كلامه أن الخلاف إنما هو في أنه هل يفيد الظن أم لا؟ لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة أم لا؟. والمذهب الأول, ولهذا لما علمنا اتصاف أغلب من في دار الحرب أو وصفهم بالكفر غلب على ظننا أن جميع من نشاهده منهم كذلك, حتى جاز لنا استرقاق الكل ورمي السهام إلى جميع من في صفهم. ولو لم يكن الأصل ما ذكرنا لما جاز ذلك.))ا.هـ البحر المحيط(4/321)فهل بعد ذلك لاحد ان يقول أنه حكم قطعى ومن أصل الدين؟!سبحانك هذا بهتان عظيم.



فصل:-يقولون أن أحكام الديار والتبعية للوالدين من المعلوم من الدين بالضرورة وثبتت بأدلة قطعية الثبوت والدلالة فهى من أصل الدين.

وهنا أسأل هل كل ما ثبت بأدلة قطعية الثبوت والدلالة وكان معلوماً من الدين بالضرورة يعتبر أصل الدين ؟!

إن الصلاة ثبتت بأدلة قطعية وهى من المعلوم من الدين بالضرورة وكذلك بقية أركان الإسلام فهل هى من أصل الدين ؟ وهل هى التوحيد؟!!

وقد سبق أن بينت لك أن العلم الضرورى هو مالا يمكن دفعه ولا يستطيع الإنسان أن يدفعه كعلمنا أن الواحد نصف  الأثنين وعلمنا أن ثمة خالقاً للناس علم ضرورى قال تعالى (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)الطور

فالضرورات ثلاثة:

 الضرورة العقلية . وهو مايدرك بالعقل ضرورة

والضرورة الحسية . وهو مايدرك بالحواس الخمس

والضرورة الشرعية . وهو مايعلم من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصوم والحج بين الذين يعيشون فى بلاد المسلمين.

وسبق أن بينت لك أن المعلوم من الدين بالضرورة قد يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن شخص إلى آخر لأن الصحابة أول ما آمنوا آمنوا بالله ولم تكن الفرائض نزلت بعد وهاجر بعضهم الى الحبشة ونزلت بعض الفرائض وهم بالحبشة ولم يكونوا بجهلها كفارا إنما يكفر من جحدها منهم بعد علمه بها . وأما الجهل بالله وتوحيده فهو كفر قبل الخبر وبعد الخبر(1)

فصل: وهل أحكام الديار والتبعية للوالدين قطعية ومن المعلوم من الدين بالضرورة؟ وهل ما ذكروه من أدلة يدل على هذا؟

سبق أن ذكرت لك أحكام الديار وإختلاف العلماء فيها وكذلك اختلافهم فى حكم التبعية للوالدين ولا أجد فى ماذكروه من أدلة ما يدل دلالة قطعية على أحكام الديار وإلا لما اختلف العلماء فيها .وأنا أسألهم بأى دلالة من الدلالات دلت الآيات التى يستشهدون بها على ما يزعمون ؟ هل دلت على ذلك بدلالة المنطوق أم بدلالة المفهوم ؟ وهل بفحوى الخطاب أم بلحن الخطاب أم بدليل الخطاب؟وهل بدلالة الإقتضاء أم بدلالة الإشارة أم بدلالة الإيماء ؟ وهل سبقهم أحد من العلماء بالقول بأن أحكام الديار من أصل الدين ؟ وهل استدل بها أحد كما استدلوا؟ وإذا كانت الآيات كلها تتحدث عن أهل الكفر فهل يستدلون بالمفهوم على دار الإسلام وهل لازم القول قول عندهم أم ليس بقول ؟ وهل ألزم رسول الله(ص)المسلمين فى بداية إسلامهم المعرفة بشروط الديار وتحولها وضرورة معرفة دار الإسلام وأحكامها؟ ثم أين حكم مجهول الحال واللقيط فى الآيات؟! وكيف يعتقدون أن هذا الحكم من المشكلات والمتشابهات, ثم يجعلونه من أصل الدين ومن المعلوم  من الدين بالضرورة ومما دلت عليه الآيات دلالة قطعية ؟!

إن مجرد اعتبارهم أن حكم مجهول الحال واللقيط والولدان من المشكلات والمتشابهات يبطل لهم كل دعوى وزعم بأن حكم التبعية للدار وللوالدين من أصل الدين ويؤكد على الفساد والإضطراب والبطلان فى ما يعتقدون , ولولا أن أحاول جاهداً أن أجد وجهاً أو رابطاً فيما يستدلون به لما استطاع أحد أن يفهم ماالذى يريدون إثباته بهذه الطريقة التى يستدلون بها ويعرضون بها عقيدتهم. فأين الأدلة القطعية وأين الإجماع على أن هذا من أصل الدين؟! بل أريد قول عالم واحد من السلف يقول أن أحكام الديار والوالدين من أصل الدين.

غالب ظنى أنهم يجعلون من أى حكم فيه الحكم على الناس بالكفر أو بالإسلام من أصل الدين والسبب فى ذلك الجهل بأصل الدين وعدم التفريق بين من يقول الكفر ويعمل به ومن يحكم له بذلك بالتبعية للدار وللأبوين أو السابى والمالك.

وليسأل كل واحد منهم نفسه: هل كفر العلماء بعضهم بعضاً عندما اختلفوا فى كفر جاهل الصفةوأهل الأهواء؟ وهل كفروا من توقف منهم فى هؤلاء -أهل الأهواء-؟ أم أن توحيد الصفات ليس من التوحيد ؟

ولعلك إذا وازنت بين طريقتهم فى الإستدلال بإثبات أن الحكم بالتبعية للدار وللوالدين من أصل الدين تجدها هى نفس طريقة من يستدلون بالإستصحاب لإثبات الإسلام الحكمى للناس وكلا الإستدلالين فاسد وباطل .

فهم يقولون أن أحكام الديار والتبعية للوالدين من أصل الدين ومن المعلوم من الدين بالضرورة وأن الآيات دلت دلالة قطعية على ذلك وأن دار الإسلام هى التى تعلوها أحكام الإسلام وعليه يحكم لأهلها بالإسلام إلا من تميز بالدليل الخاص . ومعنى هذا أن الذى يخالف مايقولون كافر . فهل كفر الذين قالوا:أن الدار التى قررت بأنها دار إسلام لن تصير بعد ذلك دار حرب أو كفر؟!! وهذا ما ذهب إليه بعض الشافعية وظاهر كلام الإمامية (راجع فى ذلك تحفة  المحتاج لابن حجر ونهاية المحتاج للرملى , روضة الطالبين للنووى)

وهل كفر الذين قالوا:أن دار الإسلام تصير دار حرب بمجرد إستيلاء الكفار عليها؟!! وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد ابن الحسن من الأحناف وما ذهب إليه الحنابلة وبعض الزيدية والمعتزلة(أنظر فى ذلك المغنى وبدائع الصنائع والمسبوط)

وهل كفر الذين قالوا أن دار الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد ظهور أحكام الكفر مادام سكانها المسلمون يستطيعون البقاء فيها يدافعون عن دينهم ويقيمون بعض شعائرالإسلام فيها كالأذان والجمع والجماعات والعيد ؟!!

وهذا ماذهب إليه المالكية وبعض المتأخرين من الشافعية والخوارج الأباضية .

(راجع فى هذا حاشية الدسوقى , نهاية المحتاج , الأنوار لأعمال الأبرار)

وهل كفر أبو حنيفة وبعض الزيدية لما قالوا: إن دار الإسلام لا تصير دار حرب إلا  بثلاثة شروط.

أ-ظهور أحكام الكفر فيها .ب-أن تكون متصلة بدار الحرب بحيث لا يكون بينها بلد من بلاد الإسلام .

ج- أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمى آمناً بالأمان الأول الذى مكن رعيته المسلمين من الإقامة فيها .؟!!

 (أنظر المغنى , شرح الدر المختار لابن عابدين).

وهل كفر شمس الدين الرملى الشافعى عندما أفتى بغير ما يعتقدون ؟!!

فلقد سئل الرملى عن المسلمين الساكنين فى وطن من الأوطان الأندلسية يسمى (أرغوان) وهم تحت ذمة السلطان النصرانى الذى سلط عليهم فيأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبون فيها ولم يتعدى عليهم بظلم لا فى أموالهم ولا فى الأنفس ولهم جوامع يصلون فيها ويظهرون شعائر الإسلام عيانا ويقيمون شريعة الله جهرا . فهل تجب عليهم الهجرة أم لا أفتونا مأجورين؟فكان جوابه كما جاء فى هامش الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر:بأنه لاتجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم لقدرتهم على إظهار دينهم به, و لأن النبى (r)بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها, بل لا تجوز الهجرة منه لأنه يرجى بإقامتهم إسلام غيرهم, ولأنه دار إسلام فلو هاجروا لصارت دار حرب)أ.هـ

وهل كفر الشيخ ابن تيمية لما سئل عن ماردين التى غلب عليها التتار وأهلها مسلمون فقال عنها أنها دار بين بين ؟!!

فصل:ومما يستدلون به على أن أحكام الديار من أصل الدين أن العلماء أجمعوا على أن مكة كانت دار كفر قبل الفتح وأن المدينة كانت دار كفر قبل الهجرة وأن خيبر قبل فتحها كانت دار كفر وأن ديار المرتدين كانت ديار كفر وهنا أسأل هل الإجماع على حكم من الأحكام يجعله من أصل الدين؟!

والإجابة بالطبع لا . فكم من الأحكام التى أجمع عليها العلماء وليست من أصل الدين (التوحيد) فكل أركان الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحج من الأحكام والأركان المجمع عليها وليست هى التوحيد وليست أصل الدين وهل لو جهل حديث العهد بالإسلام بهذه الأركان يكفر ويعتبر من الكافرين ؟! بالطبع لا لأن الصحابة قد جهلوا الكثير من الأحكام عند نزولها ولم يكن من جهلها منهم كافراً إنما يكفر من جحدها بعد علمه بها كما سبق أن بينت لك فيما نقلته لك عن الشيخ ابن تيمية كما ذكره فى كتاب الإيمان.

وأعود وأسألهم هل أجمع العلماء على أن حكم التبعية للدار وللوالدين من التوحيد (أصل الدين). بل هل قال بهذا القول أحد من سلف الأمة؟! بالطبع ليس عندهم أى قول لأحد من سلف الأمة على ما يذهبون إليه والذى أدى بهم إلى هذا الفهم السقيم لأصل الدين(التوحيد)هو الجهل بأصل الدين وإتباع العقول قبل النقل والمأثور .

فصل:قالوا: ومما يؤكد أن أحكام الديار من أصل الدين إرتباط بعض الأحكام الأخرى بأحكام الديار مثل (الحكم على الناس, تطبيق الأحكام الشرعية -أحكام الجهاد-أحكام الهجرة- أحكام أهل الذمة- الجمارك والعشور-العهود والمواثيق)أقول: وهل معنى ارتباط الأحكام بعضها ببعض أو ترتب بعض الأحكام على بعض يجعلها من أصل الدين ؟! ولنضرب مثلاً بالصلاة فهل اعتبرها أحد من العلماء من أصل الدين (التوحيد)لترتب الأحكام عليها؟ فلقد جعلها النبى(r)من دلالات الحال على صحة الإسلام قال النبى (r)فى حديث البخارى(من شهد شهادتنا وصلى إلى قبلتنا... فهو مسلم) الحديث

وقال تعالى:( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)التوبة

ولهذا قال الشافعى كما جاء فى المغنى لابن قدامة(فإذا صلى الرجل فى دار الكفر حكمنا بإسلامه)أ.هـ

وجعلها النبى (r)فارقة بين الكفر والإسلام فقال فى الصحيح:(بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، واختلف العلماء فى كفر تاركها الغير جاحد لها ورتبوا على ذلك أحكام ،كما يرتبط بالصلاة أحكام كثيرة . فهل معنى هذا أن الصلاة من أصل الدين(التوحيد)؟!وهل معناه أن الجاهل للصلاة جاهل لأصل الدين كافر بالله العظيم؟ واذا كانوا يقولون اننا نكفر من كفره الله ورسوله وهذا من أصل الدين ومن لم يكفره فهو كافرفهل

 كفر العلماء الذين لم يحكموا بكفر تاركها الغير جاحد لها؟! ثم ما هى الأحكام المرتبطة والمترتبة على الحكم بالتبعية للوالدين حتى يجعلوه من أصل الدين (التوحيد)؟! إن هذا يؤكد بيقين على بطلان ما يدعونه من أن الحكم بالتبعية للديار وللوالدين من أصل الدين(التوحيد)

فصل :قالوا ومما يؤكد أن أحكام الديار من أصل الدين إرتباط علاقة الحاكم بالمحكومين وما ذكروه من القواعد التى تبين ذلك .

ومن هذه القواعد التى ذكروها : قاعدة التبعية وأن ما يقوم به الراعى ينصرف إلى الرعية واستدلوا على ذلك بأن النبى (r)ألزم جميع بنى قريظة بنقض ملوكهم لعهدهم معه كما جاء فى كتب السيرة .

أقول : ومعنى هذا  أنه إذا كفر الراعى كفرت الرعية . وهذا هو نفس قول الخوارج البهيسية كما ذكره الأشعرى فى المقالات تقول البهيسية (إذاكفر الامام كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد )أ.هـ

أما عن إلزام جميع بنى قريظه بنقض العهد لأن ذلك كان عقد صلح و لم يعترض القوم على نقض ملوكهم ولا انخلعوا منهم . ولقد فرق أصحاب الشافعى بين عقد الصلح وعقد الذمة فخصوا عقد الذمة بمن نقضه خاصة دون من رضى به وأقر عليه وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد ولهذا كان موضوعا على التأييد بخلاف عقد الهدنة والصلح .(1) فهل تصلح هذه القاعدة منهم للتأكيد على أن أحكام التبعية من أصل الدين؟!

وهل كفر أصحاب الشافعى لإختلافهم مع بقية جمهور العلماء فى التفرقة بين عقد الذمة وعقد الصلح فى عدم إلزام غير الناقض بما نقضه؟! وهل جهل هذا القاعدة يعتبر جهلاً بأصل الدين (التوحيد) ويجعل الجاهل بها كافراً؟!!

أما عن قاعدة الجريمة السلبية والمسئولية الجماعية وما ذكروه من أن الله تعالى يعم الجميع فى دار الكفر بعقابه  وأن العذاب ينزل على الجميع وهذا هو الدليل العام عندهم وهو من التوحيد ومن أصل الدين من يجهله يكون كافراً. وقبل أن أناقش ذلك أسأل ! هل قال أحد العلماء بأن من يجهل هذه القاعدة أو فحواها يكون كافراً؟!

وهل لما جهلت السيدة عائشة رضى الله عنها هذا الدليل العام أو هذه القاعدة كانت كافرة وجاهلة للتوحيد ولأصل الدين؟!! (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)

(1) زاد المعاد الجزء2 صفحه 108 (ابن القيم)





روى البخارى فى صحيحه عن السيدة عائشة أن النبى (r)قال: يغزو جيش الكعبة حتي إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم. )) قالت: يا رسول الله،  يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم اسوافهم ، ومن ليس منهم؟ قال: (( يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم.)

   

وفى هذا الحديث دلالة واضحة على بطلان ما يذهبون إليه من أن الحكم بالتبعية للدار (وللوالدين)من أصل الدين وبطلان ما استدلوا به ليجعلوه من أصل الدين فالسيدة عائشة رضى الله عنها جهلت قاعدة المسئولية الجماعية والجريمة السلبية كما يقولون ولم تكن جاهلة للتوحيد (أصل الدين) ولم يكفرها النبى(r) لجهلها لهذا الحكم ولا لجهلها للدليل العام الذى يستشهد بها هؤلاء على أصل الدين وعلى أن الحكم بالتبعية للديار من أصل الدين. أما مايذكرون من الدليل الخاص فى هذه القاعدة وأن الله ينجى رسله والذين آمنوا معهم من العذاب. فهل جهل هذا الدليل الخاص الذى يجعلونه من أصل الدين هل يجعل الجاهل به كافراً؟!

قال تعالى فى سورة العنكبوت:( وَلَمّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىَ قَالُوَاْ إِنّا مُهْلِكُوَ أَهْلِ هَـَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ. قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ).

وقال تعالى فى سورة هود:(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ .إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ.يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ).

فعندما أخبرت الملائكة ابراهيم عليه السلام أنهم سيهلكون أهل هذه القرية لأن أهلها كانوا كافرين . ظن ابراهيم أن العذاب والهلاك سيعم جميع أهل القرية وفيهم لوط وأهله المؤمنون .فأقرته الملائكة على فهمه و بينوا له أنهم سينجون لوطاو أهله المؤمنين. فهل معنى هذا أن ابراهيم عليه السلام لم يكن من المسلمين لجهله الدليل الخاص الذى يذكره هؤلاء ويعتقدون أنه من أصل الدين؟!!(نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين)

وهل كفر نوح عليه السلام عندما قال:(رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ)هود. مالكم كيف تحكمون؟!

ولقد سبق أن ذكرت لك مثلاً عن الذى نشأ بشاهق جبل موحداً ثم نزل علي قرية لا يعلم عنها شيئاً ويختلف عن أهل هذه القرية فى اللغة واللباس والهيئة . وبينت لك حكم العلماء فيه.

فما حكم هذا عندهم وهو يجهل كلا الدليلين العام والخاص.؟ فهل يخالفون علماء الأمة ويحكمون بكفره أم يعودون إلى رشدهم ويحكمون بأن الحكم بالتبعية للديار وللوالدين ليست من أصل الدين؟

أسأل الله الهداية والتوفيق للصواب.

فصل:- قالوا:فى دار الإسلام يحكم بإسلام أهلها إلا من تميز بالدليل الخاص من أهل الذمة كما جاء فى العهد العمري-والوثيقه العمرية- مع نصارى الشام. وهذا من أصل الدين(التوحيد).

قلت: جاء فى العهد العمري (وأن نلزم زينا حيثما كنا, وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولانعلين، ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشدُّ الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف....إلخ الشروط).

وإذا نظرت إلى حديث الشروط العمرية من جهة الثبوت لوجدت أن روايات الحديث الأربع لا تخلو من مقال وأقصى ما يمكن أن يقال فيه أنه من الحسن لغيره.

فهل يستدلون على أن أصل الدين عندهم بمثل هذا الحديث ومافيه من المقال واين مايقولون عنه من أنه قطعى الثبوت؟

وإذا كان الشيخ ابن القيم قال فى أحكام أهل الذمة صفحة 154 :(  وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها. فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها, ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها )أ.ه

إلا أننى أذكر الحكم على سند الحديث كما ذكره العلماء ، وأعود هنا لأسأل من يستدل بحديث عمر هذا على أصل الدين.هل أصل الدين(التوحيد)لم يظهر ولم يتبين إلا فى عهد عمر بن الخطاب t؟!

وماهو الدليل الخاص فى زمن النبى (r)الذى كان يتميز به الكافر عن المسلم ؟ أم أن أصل الدين لم يبينه الرسول (r)حتى لم يجدوا غير أثر عمر بن الخطاب؟! -نعوذ بالله من الخذلان وأن نكون من الجاهلين-

أم لم توجد دار إسلام فى عهد النبى (ص)حتى يبين لنا الدليل الخاص الذى يخرج به غير المسلمين؟!

ثم ما حكم من تشبه من أهل الكتاب بالمسلمين ممن ينقضون الشروط العمرية ماحكمهم إذا تشبهوا بالمسلمين فى الزى أو فى الهيئة أو فى ركوباتهم؟ هل يحكم لهم بالإسلام لفقد دليل التمييز أم يحكم بأنهم نقضوا العهد؟وما حكم من لم يعرف انهم كفار واعتقد أنهم من المسلمين.هل نقض أصل الدين ؟روى البيهقى في الشعب عن نافع أن ابن عمرسلم على أناس من يهود فأخبر أنهم يهود فرجع إليهم فقال ردوا علىَ سلامى .وفى الباب عن أبى هريرة وعن عقبة بن عامر . فهل نقض الصحابة أصل الدين أم أنهم كانوا جاهلين لأصل الدين .؟؟؟!!     وما حكم من تشبه من المسلمين بالكفار في زيهم لمجرد التشبه ؟

قال صاحب كتاب كفايةالأخيار (فقه الشافعية) : باب الردة (وما ذكره النووى ذكره الرافعى أول الجنايات فى الطريق الرابع ما حاصله موافقة النووى أن لبس زى الكفار بمجرده لا يكون ردة .)أ.ه

إن كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن حكم الديار ليس من أصل الدين وأنه حكم شرعى فقهى كبقية الأحكام الفقهية.

فصل:-قالوا إن الأصل فى دار الكفر أن أهلها كفار وهذا هو الدليل العام من أصل الدين(التوحيد)ولا يستثنى من ذلك إلا بالدليل الخاص وهو فى دار الكفر ما يصير به المرء مسلما. قالوا: ويجب قبل إجراء الأحكام معرفة الدليل ومعرفة الواقع المخاطب به الدليل كما قال ابن القيم فى إعلام الموقعين.

قلت: وهذا يبيبن إلى أى مدى تتناقض أقوالهم. فإذا كانوا يشترطون العلم بالدليل والعلم بالواقع المخاطب به الدليل فلماذا يكفرون من لا يعلم الدليل ومن لا يعلم الواقع المخاطب به الدليل؟!ولماذا يكفرون المتوقف عن الحكم على الناس حتى يعلم حالهم مادام العلم بالواقع المخاطب به ضرورياً ؟!

إن الله تعالى قال:( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)الإسراء

وقال تعالى:(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)الأعراف.

وقال تعالى:( وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا )يوسف, وقال تعالى:(لَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.)الزخرف

ولقد سبق أن بينت كيف يتم الحكم على الناس وأن لابد من دليل يدل على ذلك, فإذا لم تكن هناك دلالة مقال أو دلالة حال انتقلنا الى الحكم بدلالة التبعية وهى من أضعف الدلالات, ومع عدم معرفتنا لأى مخالفة لدلالة الأصل كان لابد لنا من أن نحكم بالأصل وهذا هو المقصود من الحكم بالتبعية.

والسؤال هنا إذا اشتبه الظاهر أو ما يسمونه بالدليل الخاص على من يحكم بالتبعية ماذا يفعل ؟

وستكون الإجابة بالطبع أن يحكم بالأصل فماذا لو اشتبه عليه الأصل فبماذا يحكم؟ هل يحكم بالدليل الخاص؟ لو قلنا نعم لكنا كالذين استصحبوا الإسلام الحكمى للناس, ولوقلنا لا فمع اشتباه الأصل واشتباه الظاهر يستوى الطرفان ما يسمونه بالدليل العام والدليل الخاص فبماذا يحكم مع عدم العلم؟

إن هذا يؤدى بنا إلى البحث عن دليل آخر أو التوقف ومع عدم وجود الدليل الأخر للحكم لابد أن نصير الى التوقف. وهذا ما يقول به أهل التوقف وما وقعوا فيه . فمع اشتباه الأصل عندهم واشتباه الظاهر أيضاً أدى ذلك بهم الى القول بالتوقف.وهذا القول مع مخالفتى له إلا أننى أجده مانعاً من الحكم عليهم بالخروج من الإسلام. لأن أحكام الديار ليست من أصل الدين ثم لأنهم اجتهدوا فى البحث عن الأدلة حتى لا يقولوا على الله بغير علم.

((وإن كان اهل التوقف فى الحكم على الناس بالتبعية للدار يخرجون من الإسلام لأسباب أخرى منها عذرهم لطوائف العاذرية بزعم أنهم متأولون وتجويزهم التحاكم للطاغوت عند الضرورة-الا اننى اذكر حكم المتوقف في مجهول الحال في دار الكفر من باب بيا ن الحكم بغض النظر عن أهل التوقف الذين يعيشون بيننا ونعلم ما هم عليه.))

والذين يقولون بأن الدار مركبة ويستدلون على ذلك بفتوى الشيخ بن تيمية فى ماردين الذين يقولون بتركيب الدار اشتبه عندهم الاصل العام في الديار فلا هي دار اسلام حتي يقولوا أن الأصل فيها الاسلام ولا هى دار كفر حتى يقول أن الأصل فيها الكفر وعندما يشتبه الظاهر عليهم(الدليل الخاص)لايستطيعون أن يردوا الى الأصل لأن الأصل مشتبه عليهم فلذلك تجده يتوقف فى كل من لا يرى عليه سيما وصفات أهل الكفر.



ومعروف عند العلماء ما يسمى بالحكم بين الحكمين كما ذكر الشيخ ابن القيم فى زاد المعاد الجزء 4 صفحة 158 قال بعد أن ذكر هذا على حديث (الولد للفراش):(فقد حكم النبى (r)بأن الولد للفراش فنسبه لزمعة ابن الأسود ولما كان هناك شبه للولد بعتبة ابن أبى وقاص قال النبى(r) لزوجته سودة بنت زمعة:(واحتجبى عنه يا سودة)

وهذا القول بالتوقف الذى يدعيه أهل التوقف ليس بجديد فقد سبقهم به الواقفة من الخوارج ولم يكفرهم العلماء لتوقفهم ولم يجمعوا على كفرهم لتوقفهم مما يؤكد أن هذا ليس من أصل الدين(1)قال الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى مقالات الإسلاميين صفحة 111 عن فرق الخوارج الأباضية:(ومنهم من وقف.واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم فمنهم من قال: هم عندنا كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه. ومنهم من قال هم أهل دار خلط فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلاماً ونقف فيمن لم نعرف إسلامه وتولى بعض هؤلاء بعضاً على اختلافهم وقالوا: الولاية تجمعنا )أ.هـ ومما يؤكد أن الإشتباه عند التعارض بين الأصل والظاهر لا ينتقد أصل الدين ما سبق أن ذكرته لك عن القاعدة التاسعة والخمسين بعد المائة من القواعد الفقهية لابن رجب الجنبلى صفحة 345 قال:(لو وجد في دار الإسلام ميت مجهول الدين فإن لم يكن عليه علامة الإسلام ولا الكفر أو تعارض فيه علامة الإسلام والكفر صلى عليه نَصَّ عليه، فإن كان عليه الكفر خاصة فمن الأصحاب من قال يصلي عليه والمنصوص عن أحمد أنه لايصلي عليه ويدفن، وهذا يرجع إلى تعارض الأصل والظاهر إذ الأصل في دار الإسلام الإسلام والظاهر في هذا الكفر)أ.هـ

فلم يكفر أصحاب أحمد لمخالفتهم إمامهم ولم نعلم أنهم كفروا إمامهم أو كفرهم أحد من علماء الأمة حتى نقول أن خلافهم كان فى أصل الدين .لكن أهل الغلو يقولون أن هذا حكم على الميت وللضرورة ولا أجد لهم مبررا للتفريق بين الميت والحى الا الهوى والزيغ عن الحق .أليس الحكم عليهما هو بالكفر أو الاسلام؟فما لكم كيف تحكمون؟

وقال صاحب شرح  زاد المستقنع فى اختصار المقنع لابن قدامة فى باب حكم اللقيط:(فائدة : على الصحيح فى المذهب يحكم بإسلام اللقيط إن وجد فى دار الإسلام وإن كان فيها أهل ذمة تغليباً للإسلام والدار , وكذلك إذا كثر المسلمون فى دارحرب.

وإن وجد اللقيط فى دار الإسلام فى بلد كل أهلها أهل ذمة فكافر, وقال القاضى وابن عقيل هو مسلم لأن الدار للمسلمين)أ.هـ

فهل كفر القاضى وابن عقيل لحكمهم بإسلام اللقيط هذا ومخالفتهم لبقية أئمة الحنابلة؟!

وهل كفروا هم بقية أئمة الحنابلة؟!

إن هذا يؤكد أن الحكم بالتبعية ليس من أصل الدين والذين يقولون بالفرق أو التفريق بين الميت مجهول الدين واللقيط ومجهول الحال  من الاحياء يفرقون بين متماثلين فجميع هؤلاء مجهولو الدين والحكم بالتبعية للدار ليس من أصل الدين وكذلك الحكم بالتبعية للوالدين أو السابى أو الحاضن ليس من أصل الدين.

فإن قيل أن الحكم على اللقيط مجهول الدين فى دار الكفر والحكم على البالغ مجهول الدين ليس حكماً على متماثلين لأن اللقيط الأصل فيه أنه على فطرة الإسلام وزوال يد الأبوين الطارئة عليه تجعله على هذه الفطرة ومع احتمال وجود من يكتم إيمانه فى دار الكفر مع يد الآخذ الملتقط المسلم كل ذلك جعلنا نحكم له بالإسلام لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه كما جاء فى الحديث. وحكم الفطرة أقوى من حكم الدار والتبعية لها تغليباً لاحتمالية وجود المؤمن الذى يكتم إيمانه والواجد الملتقط المسلم .

أما البالغ فإنه وإن كان مجهول الدين إلا أنه ليس على الفطرة بل هو إما أن يكون مسلماً شاكراً وإما أن يكون كافراً ولسانه هو الذى يبين ويعرب عنه. فالحكم عليه بالكفر لأنه الأصل المتيقن وهو الكفر يقدم على الإسلام المتردد والمشكوك فيه، لأن الأصل فى دار الكفر أن أهلها كفار ومع وجود سيما وعلامات الكفر عليه فإنه يحكم بكفره . قلت:نحن لا  ننازعكم فى هذا  إنما ننازعكم فى البالغ الذى عليه بعض سيما الإسلام من اللحية والنقاب وغير ذلك فإن أهل التوقف لما رأوا أن الأصل هو الحكم عليه بالكفر قد تعارض مع الظاهر المشكوك فيه لإحتمال أن يكون من أهل الإسلام أو من أهل الكفر لإشتراك كلا الفريقين فى الإتيان بهذا الظاهر فمن أجل ذلك توقفوا فى الحكم عليه حتى يتبين لهم وحتى يبين عنه لسانه ومما يغلب هذا الظاهر عندهم وجود المسلمين وكثرتهم فى ديار الكفر حتى أنهم يعتبرونها دار خلط ولأنهم لم يريدوا أن يحكموا له بالإسلام حتى لا يقولوا على الله مالا يعلمون وكذلك لم يحكموا له بالإصل فى دار الكفر للإشتباه مع وجود المسلمين وكثرتهم بين ظهرانى المشركين . والذى دعاهم للتوقف هو التظاهر بمظاهر الإسلام . أما من لم يتظاهر بالإسلام من أهل دار الكفر أو الخلط والذى يكون متظاهراً بمظاهر أهل الكفر والشرك فهم لا يتوقفون فيه لعدم الشبه ولعدم الإشتباه. فظهر الفرق واتضحت المسألة وان كلا من اللقيط ومجهول الدين البالغ كلاهما مجهول الدين لكن حكموا بإسلام اللقيط تغليبا للفطرة والواجد الملتقط المسلم واحتمالية وجود من يكتم إيمانه من المسلمين وتوقفوا فى الحكم على البالغ لاحتمالية أن يكون من المسلمين لوجود مظاهر الإسلام التى يشترك فيها المسلم والكافر ولوجود كثير من المسلمين بين ظهرانى المشركين والله أعلم وأسأل الله أن يهدينا إلى سواء السبيل.

وسبق أن بينت لك فى هذا البحث عن أثر المخالفة للحكم بالدلالات على صحة الإسلام(1)واختلاف أسامة ابن زيد والانصارى فى الرجل عندما قال لا إله إلا الله فقتله أسامة وكف عنه الأنصارى وبينت لك من الأحاديث ومن أقوال الأئمة واختلافهم فى الحكم بالإسلام لاختلاف الدلالات عندهم مما يؤكد أن الحكم بالتبعية للدار وللوالدين ليس من أصل الدين(التوحيد)وإن كان من الدلالات التى بها يمكن الحكم على الناس عند الجهل باعتقادهم وجهالة حالهم.

مسألة:-يقول بعض من يرى أن الحكم بالتبعية للدار وللوالدين من أصل الدين أن من يتوقف فى الحكم على مجهول الحال لم يكفر بالطاغوت وأن من لم يكفره يعتبر كافراً لأن صفة الكفر بالطاغوت كما قال الشيخ ابن عبد الوهاب هى:(اعتقاد بطلان عبادته وتكفيره وتكفير من عبده وإظهار البغض والعداوة فى ذلك والدعوة إلى ذلك)_فهل ذكر هناوتكفير أبنائهم الذين لم يبلغوا الحلم،وتكفير من لا يعلم حاله في دار الكفر .؟!_

ويقولون أن المتوقف يكذب بآيات الله لأنه يجعل حكما وسطا بين الكفر والإيمان لأن الله تعالى يقول(هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) التغابن.

وسأحاول الإجابة على هذه المسألة ومناقشتها بإسلوب بسيط يسهل على العوام فهمه وادراكه.

وسأطرح بعض الأسئله نفهم بها حقيقة ما نقل عن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب على ضوء حقيقة دعوة النبى(r) إلى الإسلام.

وبداية أقول : هل من نشأ على شاهق جبل  فى بادية بعيدة لا يعبد إلا الله ولا يشرك به شيئاً وهو لا يدعو الى ذلك هل هذا لم يكفر بالطاغوت؟ وهل لا يعتبر مسلماً؟

وإذا عدت إلى أقوال العلماء وماذكره عبد القاهر البغدادى فى أصل الدين من أنه يعتبر مسلماً طالما وصف الإسلام ثم يجبر على قبول الشرائع . علمت أن هذا الرجل يكفر بالطاغوت على الرغم من أنه لا يدعو الى ما يعتقد . وأعود لأسأل هل كان رسول الله(r) يأمر أصحابه فى بداية الدعوة بأنه يجب عليهم الدعوة الى ما يعتقدون حتى يكفروا بالطاغوت؟!

وللإجابة على هذا راجع حديث إسلام أبى ذر عند البخارى ومسلم.

ففى لفظ البخارى قال أبو ذر : فقلت له أعرض علىّ الإسلام  فعرضه فأسلمت مكانى. فقال لى:( يا أبا ذر أكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل.....الحديث)

فهل كان النبى (r)يأمره بعدم الكفر بالطاغوت عندما قال له (أكتم هذا الأمر)؟!! نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. وهل من كان يكتم إيمانه بمكة من المسلمين غير كافر بالطاغوت ؟!! وهل لما كتم سعيد بن زيد وفاطمة بنت الخطاب إسلامهما حتى عن عمر بن الخطاب هل كانا غير كافرين بالطاغوت؟!! لأنهما لم يظهرا البغض والعداوة ولم يدعوا إلى ذلك؟!!

وهل كسر رسول الله(ص)الأوثان والأصنام التى حول الكعبة فى بداية دعوته ؟! أم كان يصلى وهى منصوبة حولها؟

ألا تعلم أن رسول الله(r) وأصحابه فى عمرة القضاء طافوا بالبيت (الكعبة) وفيه وحوله من الأصنام ما فيه ؟

ألا تعلم أن رسول الله (r)لم يكسر الأصنام إلا فى العام الثامن الهجرى فى فتح مكة ؟أى بعد حوالى واحد وعشرين سنة من البعثة النبوية.ولقد سبق أن ذكرت لك حقيقة دعوة النبى(r)وأنه لم يأمرهم بضرورة معرفة ما هى دار الإسلام وماهى دار الكفر ولا كيف تتحول دار الكفر إلى دار إلاسلام والعكس ولم يأمرهم بمعرفة أحكام الولدان(بل هم الذين سألوه)ولا مجهول الحال واللقيط كشرط للكفر بالطاغوت. بل كان بأمرهم (r)بعبادة الله وحده والكفر بكل ما يعبد من دونه .وعلى من يقول بأنه كان يأمرهم بمعرفة كل هذا الذى سبق أن يأتى بالدليل. لأن من غير المعقول أن يكون هذامن شرط الإسلام ويخفى على جميع أصحاب رسول الله(r) وجميع علماء الأمة بينما يعلمه هؤلاء الذين يقولون أن الحكم بالتبعية للدار وللوالدين من أصل الدين وشرط فى صحة الإسلام.

ثم اننى أسأل من يقول بأن الحكم بالتبعية للدار و للأبوين من أصل الدين(التوحيد) وشروط الإسلام. أسألهم هل ثبت هذا بالكتاب والسنة ثبوتاً قطعياً وبإجماع الأمة ؟ إئتونى بعلم إن كنت صادقين. أريد قول عالم من علماء الأمة يقول أن هذا من أصل الدين و(من التوحيد).

ثم من أين لكم أن المتوقف فى الحكم بالتبعية لم يكفر بالطاغوت وهل ثبت لكم هذا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؟ وهل ثبت لديكم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أن من لم يكفر المتوقف فى مجهول الحال واللقيط أو الولدان يعتبر كافراً؟ بل إننى أذهب إلى أبعد من ذلك وأسأل عن أول من قال من لم يكفر الكافر يعتبر كافراً ناقضاً للإسلام؟ وأسأل كيف ثبت هذا ؟ هل بالكتاب والسنة أم بإجماع الأمة ؟ وهل هذا الإجماع صريح أم سكوتى؟ وهل لهذا القول أو هذه القاعدة إستثناءات؟ ولو كان لها إستثناءات فما هى؟ وهل اعتبار ذلك ناقضاً للإسلام يعنى أنه كان قبل ذلك مسلماً أم كان كافراً؟ وما هى صفة الكافر الذى إذا لم يكفر يكون من لا يكفره كافراً؟

وحتى نفهم كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أذكر ما قاله حفيده فى فتح المجيد صفحة 59  قال :( ذكر تعالى عن خليله ابراهيم  أنه قال لأبيه آزر :( واعتزلكم وما تدعون من دون الله)مريم. فهذا هو تحقيق التوحيد وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم والله المستعان)أ.ه

ولعلك تجده  هنا لم يذكر إظهار العداوة والبغض بل نص على العداوة والبغض كما أنه لم يذكر الدعوة إلى ذلك. فهل لم يفهم صفة الكفر بالطاغوت؟ وبتعبير آخر هل لم يفهم أصل الدين والكفر بالطاغوت؟!

أخرج الحاكم عن ابن عباس قال : لما نزلت الآية (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) الأنبياء. فقال ابن الزبعرى : عُبد الشمس والقمر والملائكة وعزير فكل هؤلاء فى النار من آلهتنا؟ فنزلت الآية (إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ )الأنبياء.

فالشيخ محمد بن عبد الوهاب وصف الكفر بالطاغوت بصفات تنتفى بينها المماثلة أى تنتفى المماثلة والمساواة بين أفراد الوصف. فقال إن صفة الكفر بالطاغوت كذا وكذا.......وليس معنى تخلف صفة الدعوة إلى ما يعتقد تخلف الكفر بالطاغوت. وبين ذلك وصف الرسول (r) للإسلام وبيانه له فى حديث جبريل عليه السلام قال:(الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة ....)إلخ الحديث.

ولا تماثل بين جميع افراد الوصف هنا إذ أن هناك فرق بين ترك الشهادتين وترك الصوم أو الزكاة أو الصلاة. وإن كان بعض العلماء قد حكم بكفر تارك أى ركن من أركان الإسلام فلا يزول إسم الإسلام إلا بزوال الشهادتين أما ترك بقية الأركان بغير جحود فجمهور العلماء على بقاء مسمى الإسلام لقوله تعالى(‏إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)النساء وهكذا فى صفة الكفر بالطاغوت فلا تماثل بين جميع أفراد الوصف ولا مساواة فلا يستوى إعتقاد بطلان عبادته مع إظهار البغض والعداوة فى ذلك أو الدعوة إلى ذلك .

ويقصد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هنا أن صفة الكفر بالطاغوت-والطاغوت هو كل من تعدى الحد وعبد من دون الله- فيجب إعتقاد بطلان عبادته وتكفيره إن كان من جنس المكلفين من الجن والإنس ممن يرضى بالعبادة أو تكفير من دعا إلى عبادته لأن بعض الناس يعبدون الأنبياء والصالحين وهم ما دعوا إلى ذلك بل الشياطين هى التى دعت الناس إلى عبادتهم, وكذلك عبدت الأحجار والأشجار وقد دعت الشياطين إلى عبادتها فينبغى تكفير من طغى ورضى بالعبادة من دون الله وكذلك تكفير من عبدهم.

ثم إظهار العداوة والبغض فى ذلك وهذا عند القدرة ومن أجل هذا شرعت الهجرة . وإذا كانت قدرات الناس تختلف من شخص إلى شخص اختلف حكم الهجرة من شخص إلى آخر فهى واجبة فى حق أشخاص ومستحبة فى حق آخرين ولا توصف بإيجاب ولا استحباب فى حق آخرين. ثم إن الدعوة إلى الكفر بالطاغوت أيضاً يختلف الناس فيها فيشترط فيها العلم والقدرة على الدعوة وهذا مما يختلف الناس فيه فليس كل الناس يقدر على الدعوة , وليس حكم من تقاعس عن الدعوة كحكم من لم يعتقد بطلان عبادة الطاغوت وإلا لاستوى من يكتم إيمانه بمن لم يعتقد بطلان عبادة الطاغوت.فتدبر هذه الكلمات وافهمها عسى الله ان ينفعك بها.

وإذا كان الحكم على الناس شهادة ينبغى فيها العلم وإلا كانت شهادة كذب وزور فهل من يتوقف فى الحكم بالتبعيه للدار أو الوالدين لم يكفر بالطاغوت؟! بالطبع لا إذا كان يعتقد بطلان عبادته وتكفيره ويعتقد تكفير من عبده ويعتقد كفر من شك أو توقف فى كفر أو تكفير عابد الطاغوت . -غير أن هذا المتوقف فى الحكم على مجهول الحال أو الولدان أو اللقيط قد يخرج من الإسلام بأى سبب آخر غير توقفه كبعض المتوقفة الذين يعتقدون إسلام طوائف العاذرية الذين يعذرون عباد القبور وكذلك من يعتقد إسلام طوائف العاذرية. وهؤلاء يكفرون ونكفرهم ليس لتوقفهم فى مجهول الحال المشتبه عليهم حاله ولكن لتكذيبهم نصوص الكتاب والسنة التى حكمت بكفر هؤلاء وكذلك لتكذيبهم لإجماع الأمة التى أجمعت أن ذلك لا يصدر إلا من كافر-

ولقد سبق أن بينت لك ما أدى لأهل التوقف للتوقف فى الحكم على مجهول الحال وهو اشتباه الأصل عندهم فى دار الكفر مع اشتباه الظاهر مما جعلهم يتوقفون فى الحكم على مجهول الحال حتى يعلموا هل هو من عبدة الطاغوت أم من المسلمين الموحدين .

فأين الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن من توقف فى الحكم بالتبعية للدار أو للوالدين يعتبر كافراً خارجاً من الملة اذا كان توقفه لعدم العلم أو الشبهة؟!! نبؤنى بعلم إن كنتم صادقين.

ولقد سبق أن بينت لك أن الخوارج الأباضية الواقفة منهم تقول بالتوقف ولم يكفرهم العلماء بهذا ولم يجمعوا على كفرهم . أما ما يدعيه البعض من أن المتوقف يكذب بآيات الله تعالى لأنه يجعل هناك حكماً وسطاً بين الإيمان والكفر لأن الله تعالى قال(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)التغابن.

فإن هذا لم يقل به إلا الخوارج البيهسية كما نقل أبو الحسن الأشعرى ذلك عنهم من المقالات صفحة 113

(قالوا: : 'إن الوقف لا يسع على الأبدان، ولكن يسع على الحكم بعينه ما لم يواقعه أحد من المسلمين، فإذا واقعه أحد من المسلمين، لم يسع من حضر ذلك أن لا يعرف من أظهر الحق ودان به، ومن أظهر الباطل ودان به)أ.ه

وإننى أقول لهذا المدعى أن المتوقف مؤمن بهذه الآيات ولا يكذب بها ولا يدعى بوجود صنف ثالث من الناس .

بل هو توقف فى الحكم على الناس لعدم العلم أو عدم الدليل.أو لاشتباه الدليل عنده.

قال الشيخ ابن القيم فى أحكام أهل الذمة صفحة394 (أما قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)الآية.....

فغايته أنه يدل على أنه خلق الكافر كافراً والمؤمن مؤمناً . وهذا متفق عليه بين الصحابة وجميع أهل السنة)أ.هـ

وأعود لأقول لهذا المدعى هل كل من يتوقف فى الحكم على الناس يكذب بالآية ويجعل حكماً وسطاً بين الكفر والإيمان؟!! فإليك ما ذكره ابن القيم فى أحكم أهل الذمة فى سياق رده على ابن عمر بن عبد البر قال صفحة 450(الوجه الثامن عشر:قوله(ابن عبد البر):  ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافرا أو غير كافر فإن كان كافرا فإن الله حرم الجنة على الكافرين وإن كان معذورا بأنه لم يأته رسول فكيف يؤمر بإقتحام النار؟.

قال ابن القيم: جوابه من وجوه:

أحدها أن يقال :هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان. فإن الكفر هو جحود ما جاء به الرسول , فشرط تحققه بلوغ الرسالة, والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر, وهذا أيضا مشروط ببلوغ الرسالة ولا يلزم من انتفاءأحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه،فلما لم يكن هؤلاء فى الدنيا كفار ولا مؤمنين كان لهم فى الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين.

فإن قيل :فأنتم تحكمون لهم بأحكام الكفار فى الدنيا من التوارث والولاية والمناكحة .قيل: إنما نحكم لهم بذلك فى أحكام الدنيا لا فى الثواب ولا العقاب كما تقدم بيانه.

الوجه الثانى:سلمنا أنهم كفار .لكن إنتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه وهو قيام الحجة عليهم.

فإن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته).أ.ه

و قد سبق أن ذكرت لك جميع ما ذكره ابن القيم فى القسم الثانى من البحث وذكرت لك ما ذكره فى زاد المعاد على حديث وفد بنى المنتفق حيث قال :(فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد فى الأرض معلومة لأهلها . فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله أعلم)أ.هـ .الشاهد هنا قول ابن القيم فى رده على ابن عبد البر (هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان)أ.هـ .فهل كفر ابن القيم هنا ؟! وهل جعل هنا صنفا آخر بين المسلمين والكافرين؟ وهل هو يكذب بالآية؟!.وهل كفر الشيخ ابن تيمية عندما توقف فى تكفير المعين من أهل القبلة ممن معه أصل الدين(التوحيد)؟!.وهل كفر الأئمة الذين توقفوا فى الحكم على أهل الأهواء؟وسبق أن بينت لك ما ذكره عنهم القاضى عياض فى الشفا.

وهل كفر الإمام أحمد لتوقفه فى الأطفال. وتوقفه فى الحكم على أطفال الكافرين تحت السابى المسلم؟!!

إن التوقف هنا ليس شكاً فى أصل الدين(التوحيد)أو فى كفر عابد الطاغوت_بينت لك من قبل معنى الشك فراجعه_ بل هو توقف لعدم ثبوت الأدلة أو تعارضها أو لعدم العلم بالحكم . وأنا هنا لا أدافع عن فرقة التوقف وطوائفهم فهم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وأنا هنا أبين حكم من توقف فى أحكام التبعية للدار وللوالدين للاشتباه وعدم العلم من باب بيان أن هذا التوقف ليس فى أصل الدين حتى لا يغتر مغتر فيجعل حكمهم كمن يتوقف فى عباد الطاغوت ممن اعتقد الشرك وقال به وفعله .أو كحكم الذين يجعلون التوقف منهجا لهم وطريقا ممن يتوقفون في عموم الناس من غير اشتباه وهم يعلمون أن أغلب الناس اليوم على الكفر والباطل ويهملون بذلك ما علم بالضرورة من دين الرسول من الحكم على مجهول الحال في دار الكفر بالكفر.

وإذا كان التاريخ الإسلامى قد عرف الكثير من فرق التوقف فإن هذه الفرق على الرغم من اشتراكها فى المسمى فهى تختلف فى الذى تعتقده وفيما أداها إلى التوقف وليست كلها تتفق فى التوقف على شىء واحد فلقد عرف التاريخ الإسلامى القديم الواقفة من الإمامية الشيعة والواقفة من الخوارج الأباضية والواقفة من المرجئة والواقفة فى القرآن وقد يتفق الواقفة اليوم فى زماننا مع الواقفة السابقين فى بعض أصولهم وقد يختلفون ولايعنى هذا أن حكم هؤلاء مثل اولئك.



.حكم من يزعم ويدعى أن احكام التبعية للدار والوالدين من أصل الدين:ـ

بعد أن بينت لك أن أحكام التبعية للدار وللوالدين ليست من أصل الدين وبينت لك أنها من الأحكام الشرعية الفقهية لابد هنا أن أبين لك حكم من يدعى أنها من أصل الدين(التوحيد)وأن جاهلها المتوقف فى الحكم بها يعتبر كافراً. فحكم هذه الطائفة التى يلزم مما تدعيه وتزعمه تكفير الصحابة والتابعين وسائر الأئمة الذين يخالفونهم فيما يدعونه ويزعمونه بل يلزم من قولهم هذا أن الرسول (r)لم يبين أصلالدين(التوحيد)للناس وقبل منهم الإسلام بما ليس هو الإسلام عند هذه الطائفة. وقائل هذا كله من هذه الطائفة ومن نحى نحوها واعتقد عقيدتها كافر كذاب مفتر على الله وعلى رسوله مجترئ فى القول على الله وعلى رسوله بما لايعلم. فلقد أصبح أصل الدين عند هذه الطائفة..نفى الشرك والبراءة منه وممن فعله ومن أبنائهم الذين لم يبلغوا الحلم وممن لا يعلم حاله في دار الكفر ومعرفة كيف تصير البلاد ديار كفر وعبادة الله وحده لاشريك له ومعرفة كيف تصيرالبلاد ديار إسلام، والإيمان بالرسول وطاعته.(كما أننا نكفرهم لتجويزهم التحاكم إلى الطاغوت بالاستئناف وغيره.)



قال القاضى عياض فى الشفا الجزء 2 \216 :(وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة)أ.هـ

فإن قالوا : نحن لا نكفر الصحابة ولا نضلل جميع الأمة بل نحن لهم متبعون ونتفق معهم على كفر من كفر الصحابة وضلل جميع الأمة ولا يلزمنا ما ألزمتمونا به من تكفيرهم وتضليلهم.

قلت:وإن كان بعض العلماء يرى أن لازم القول ليس بقول فأنتم جاهلون لأصل الدين(التوحيد)وأنتم لله ولرسوله مكذبون وعلى الله وعلى رسوله تفترون فجعلتم ممن حكم الله ورسوله له بالإسلام كافراً(كزيد بن عمرو بن نفيل الذى حكم له الرسول (r)بالإسلام وكان من الحنفاء قبل البعثة.وكغيره من أصحاب النبى(r) الذين جهلوا حكم الولدان.
) وجعلتم من الإسلام الذى رضى الله به كفراً.


قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ)العنكبوت

وقال تعالى:(مَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ )الزمر

إضافة للرسالة الأصلية


السلام عليكم ورحمة الله
فضلآ : هل مسالة تكفير من اسلم مجهول الحال صحيحة ؛ وان كانت هل هي من اصل التوحيد الذي يكفر تاركه ؟!
رجاءا الرد بالتفصييييل لتوضيح الامر
وجزاكم الله خيرآ
عليكم السلام بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله
وبعد فان احكام التبعية وعلاقتها باصل الدين مما كثر فيه الجدل والخلاف وكثرت عنده الاحزاب والفرق فمن قائل بدخول تبعية الدار في اصل الدين دون تبعية الاطفال لوالديهم ومن قائل بدخول كليهما في الاصل ومن قائل بتكفير المتوقف في مجهول الحال لانه انكر معلوما من الدين بالضرورة ومن قائل بالتوقف ومن قائل باسلام مجهول الحال عامة ابقائا علي انه الاصل في الفطرة ومن قائل باسلام مجهول الحال في البلاد التي فتحت قبل هذا حيث انها لا تتغير من دار اسلام لكفر ومن قائل باسلام مجهول الحال في ديار المنتسبين الي الاسلام اليوم لغلبة المسلمين !! ومن قائل باسلام مجهول الحال اذا اظهر علامة اسلام ولو كانت مشتركة بينه وبين مشركي قومه ... وكل هذا باطل ومنهم من يكفر بمحض قوله (كالقائل بان اغلب اهل ديار اليوم مسلمين) اذا لم يكن يعيش في كوكب اخر طبعا ولا يعلم عن حالهم شئ
... ومنهم من يكفر بلازم قوله .. ومنهم من لا يكفر بل يخطئ
كالمتوقف حيث انه يعاملهم علي انهم مشركين ولكن لم يدرك فقط حقيقة تسميتنا لمجهول الحال بالكافر الظني (لغلبة الظن انه علي دين اغلب قومه ) وليس تجرئا وقطعا انه علي الكفر وانه لم يكفر بالطاغوت حيث لم نر منه ما يدل علي هذا وانما فقط من باب العمل باغلب الظن وهي قاعدة معمول بها عند جمهور الفقهاء فحكمنا عليه بهذا يعني اننا سنعامله علي هذا في الدنيا ولكن لن نقول عليه انه كافر باطنا وكذلك لن نجرؤ ان نقول ( ان مات عل ماهو عليه فهو في النار) اذ نحن لا نعلم ماهو عليه
_- بينما من رايناه يفعل الكفر (ما يدل علي عدم الكفر بالطاغوت) فاننا نكفره ظاهرا وباطنا قطعا ونقول ان مات عل ماهو عليه فهو في النار خالدا مخلدا فيها ابدا الا ان كان مكرها
ونقول ان من سماه مسلما مع علمه بفعله فهو كافر مثله اما لجهله باصل الدين وحقيقة الكفر بالطاغوت حيث جهل ان هذا الرجل مع عدم كفره بالطاغوت كافرا بل ظنه مسلما لعدم فهمه كيفية الكفر بالطاغوت فصار مثله سواء (جاهل باصل الدين= الكفر بالطاغوت والايمان بالله) واما انه يعلم انه لم يكفر بالطاغوت ومع ذلك تولاه فيكفر من باب الموالاة واما انه يعلم انه يكفر بالطاغوت ثم يظن ان الكفر بالطاغوت ليس شرطا لصحة الاسلام وبذلك تستوي عنده الاديان ويكون جهله بمعن الاسلام اصلا وكل هذا كفر بينما لا ينطبق ايا من هذا علي من توقف ف مجهول الحال
بل ان من جعل المسالة من اصل الدين يلزمه من اللوازم الكفرية مالا يلزم المتوقف بحال
فانه يسوي بين مجهول الحل وبين من رايته يدعوا غير الله
فاذا سالته هل هما سواء
قال نعم
تقول لمذا ؟ يقول لانهما لم يكفرا بالطاغوت
تقول اوليس الاول من الممكن ان يكون مؤمنا في الباطن كمؤمن ال فرعون
يقول نعم
او لا
فان قال لا فهو تكذيب لهذا النص وهو كفر
وان قال نعم
فليزمه
ان من لم يكفر بالطاغوت يجوز ان يكون مؤمنا في الباطن
وهذا عين قول الجهمية
وهم كفار باجماع المسلمين
وخلاصة القول ان مجهول الحال يتبع داره
وان الدار حكم عليها بما يعلوها من احكام وبغالبية اهلها
وان الولدان يتبعون ابائهم
وان هذا حكم عملي في الدنيا

وان احكام التبعية ليست من اصل الدين
وانها مبنية علي قاعدة العمل بغلبة الظن
وان هذه القاعدة ليست من المعلوم من الدين بالضرورة

نعم جزيتم خيرآ على التوضيح
حسنا هل من (يؤسلم) مجهول الحال بالشعائر مسلم ام كافر
اي يقطع باسلامه بمجرد رؤيته يصلي مثلآ . .
وجزاكم الله مثله الذي يري ان مجهول الحال في الاصل يتبع داره وان الديار اليوم ديار كفر ثم يري الصلاة كافية في تميزيه عن سائر مشركي قومه يلزمه الجهل بحقيقة الاسلام او التناقض الذي لا يجعله يجرء علي القول بهذا والله اعلم والجهل بحقيقة الاسلام واصله كفر محض
واما الرد علي الفرق السالفة الذكر فيحتاج لبسط طويل في بيان حقيقة مذهبهم ثم الرد عليهم ثم هل هم كفار او لا ثم هل كفرهم بحقيقة القول او بلازمه واما من قال باسلام مجهول الحال فايضا ينظر لقوله ولوازمه فهم فرق كثيره منهم من يقول باسلامه لان اغلب اهل الدار الان مسلمين وهذا كافر بحقيقة قوله لجهله بالاسلام ومنهم من قول باسلامه في اي دار لان الاصل في المولود انه يولد عل الفطره وهذا لاشك باطل ولكن هل حقيقة قوله ومجردها كفر ؟ ام جهل بحكم شرعي هو حكم العمل بقاعدة اغلب الظن وجهل بفهم هذا الحديث ؟ لا ارى ان حقيقة قوله هنا كفر والله اعلم ولكن قد يلزمه لوازم كفرية نسال الله ان ييسر تفصيل هذا ونسال الله ان يهدينا للحق ويثبتنا عليه باذنه انه يهدي من يشاء الي صراط مستقيم 
 


السلام عليكم أفهم من هذا الكلام أن من يقول الأصل بالناس الاسلام يجهل التوحيد و بذلك يكون كافرا صحيح؟
وعليكم السلام من يقول الاصل في الناس الاسلام يقصد بالاصل الفطرة التي خلقوا عليها وجبلوا فهذا لا يكفر اما ان كان يقصد بالاصل الاغلب اي اغلبهم مسلمين فهو كافر مع علمه بحالهم وان كان يقصد ان الاصل فيهم في بلاد المنتسبين الي الاسلام انهم مازلوا عليه اي اليقين انهم مازالوا علي الاسلام فيعاملهم علي ذلك حتي يري منهم الكفر ويقول الشك لا يزيل اليقين فهو يري ان اليقين انهم مازالوا عل الاسلام فهذا نفس السابق كافر مع علمه بحالهم لجهله بالاسلام ان كان جاهلا او لعناده , فيجب ان ننظر ماذا يقصد بهذه الكلمة والله اعلم
لى سؤال فى هذا الباب حفظكم الله . نعلم ان مجهول الحال تابع لدياره ولكن ما حكم من لم يكفره او يتوقف فيه ؟
امين واياكم , نعم مجهول الحال يتبع داره ولكن هذا الحكم ليس من اصل الدين فهو لا يرجع للكفر بالطاغوت اذ نحن لا نعلم هل مجهول الحال هذا كفر بالطاغوت في نفسه او لا فهو مجهول الحال والدين فلا يقال عن من لم يكفره انه لم يكفر من لم يحقق اصل الدين او من لم يكفر بالطاغوت وبالتالي هو اما جاهل باصل الدين او معاند فيكفر بناء علي هذا !!! بالطبع هذا باطل فمجهول الدين انا لا اعلم اصلا هل هو كافر بالطاغوت مسلم او لا فقد يكون مسلما في الباطن مخف ايمانه كمؤمن ال فرعون بل قد يكون مسلما مظهرا لدينه في بلدته وانت لا تعلميه وهذا بخلاف من رايت عليه علامة تبين دينه كمن رايته يدعوا غير الله فهذا مؤكدا ويقينا لم يكفر بالطاغوت ويستحيل ان يكون مؤمنا في الباطن الا ان كان مؤمنا مكرها علي قوله فلذلك من يظنه مسلما مع علمه بفعله ياخذ نفس حكمه ولكن مجهول الحال لن نقول عليه هو كافر الا ان كان مكره اذ نحن لم نره يرتكب الكفر اصلا فلو رايناه لصار معلوم الحال
((نعم ليس مجهول حال حكم من لم يكفر طاغوت )) اذا كذلك من لم يكفر مجهول الحال قد يكون حكمه ليس كحكم من لم يكفر من لم يكفر بالطاغوت اما تكفير من لم يكفر بالطاغوت ومن لم يكفر فواضح اذ ان من لم يكفر من لم كفر بالطاغوت بن احتمالين 1- انه يجهل الكفر بالطاغوت 2- انه يعلمه ويعاند ومن يجهل كيفية الكفر بالطاغوت يكفر بمجرد جهله ذاك اذ الكفر بالطاغوت هو اصل الدين اما من لم يكفر مجهول الحال فبين احتمالين ايضا 1- انه يجهل حكم التبعية والعمل باغلب الظن 2- انه يعلمه ويعاند فنحتاج الان منك ان تثبت ان حكم العمل باغلب الظن (التبعية) من اصل الدين بالادلة او ان ترجع الي القول انه ليس من اصل الدين وانه كاي حكم شرعي فالتكفير فيه يكون برد النصوص وليس بالجهل يتبع ......
قولك : (( وقد يكون مسلم في باطن )) نعم اما من لم يكفر بالطاغوت قلا يمكن ان يكون مسلما في الباطن ومن قال بذلك فهو جهمي
3- قولك ((ولكن نصوص التدل على كفره وهنا من لم يكفره يكدب النصوص القرانية)) اري بذلك انك رجعت هن مذهبك وجعلت تكفيره العلة منه هي الرد والتكذيب وليس فقدان اصل الدين
وهذه ليست العله في كفر من لم يكفر عابد الوثن
اذ بانتفاء العلة ينتفي الحكم
ومن لم يكفر عابد الوثن يكفر ولو لم يرد الادله بل لو كان جاهلا جهل بلاغ لكان كافرا
اذ كفره هو لفقدان وعدم تحقيق اصل الدين
واما من رد حكم التبعية والعمل باغلب الظن فكما قلت انت يكفر ان كان رادا للادلة وهذا كاي حكم شرعي
واما ان لم يكن ردا للادلة بان كان عنده شبهات او لم يثبت عنده اشياء او ثبتت عنده ولكن لم يثبت عنده مناطها الصحيح فهذا ليس رادا ولا مكذبا ولا يكفر بذلك

مقتبس  
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر