الرد على أبي بصير ( في شرحه للقسم الأول من قاعدة في التكفير )
الرد على أبي بصير
( في شرحه للقسم الأول من قاعدة في التكفير )
أعد ه : أبو عبد الله
محمد محمد القـــــلا ل
* * * * * * *
* بسم الله الرحمن الرحيم *
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهديه الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لاشريك له الملك وله الحمد وله الشكر، يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير وإليه المصير، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين وإمام المتقين نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مباركاً طيباً إلى يوم الدين...
اللّهم لا سهل إلاّ ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا
وبعـــــد :
فهذه بعض الردود على أقوال وشروح أبي بصير في تناوله بفهمه وشرحه لقاعدة في التكفير ـ القسم الأول منها ـ والتي قد حاد فيها عن الصواب وجانبه الإنصاف ، سواءً في استدلاله بالقسم الأول من القاعدة أو عند سرده للأدلة دون بصيرة بمواطن الإستدلال التي وضعت لها ، ومناط تطبيقها مكتفياً بما يراه هو بنظره ، وبالتالي فرضه زاوية معينة على القضية بما وصل إليه من تصوره ، في الوقت الذي يتهم فيه الطرف الآخر بالجفاء والتقصير في فهم الأدلة الشرعية ومقاصدها ومظان تطبيقها في الواقع المعاصر !.
فهو بذلك يريد أن يمُلي إعتقاده وتوجهه فيما وصل إليه على الآخرين على أنه هو المحق وكل من خالفه فهو من قبيل أهل البدع والغلو ..!!
وسنبين بعون الله وتوفيقه خطأ هذه النظرة ومجانبتها للصواب ، وبيان ما ذهب إليه من الإستدلال الذي في غير محله ، والخلط في تناوله للمسائل والتلبيس على القضية بما لا تتناوله أصلاً ، وعدم الجمع بين أطراف الأدلة ـ كما هو شأن علماء الأصول ـ للوصول إلى فهم مقاصد الشريعة التي يفهم بها عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ...
وسنبدأ بعون الله وتوفيقه في شرح القسم الأول من القاعدة التي استدل بها وما وضعت له أصلاً ...
القاعدة :
" كلُّ مانعٍ من موانِعِ التَّكفيرِ مانِعٌ من موانِعِ لُحوقِ الوعيدِ بالمعيَّنِ، وليس كلُّ مانعٍ من موانعِ لحوقِ الوعيدِ بالمعيَّن مانعاً من موانعِ التَّكفِيرِ "
فالقسم الأول من القاعدة ـ كما سيأتي ـ أنما يتناول المسائل الشرعية والتي هي دون أصول التوحيد مثل مسائل سنن الإعتقاد والتي كان فيها بعض الخلاف بين العلماء فيما قد ذهب إليه كل منهم بإجتهاده على بعض الطوائف المتأولين فى سنن العقيدة مثل بعض الصفات أو رؤية الله في الآخرة ، والحوض والشفاعة ، وصفة الإستواء والكرسي والقلم وإثبات اليد والرجل لله ، والقول بخلق القرآن .. وما إلى ذلك ، وأيضاً الخلاف فى لحوق الوعيد أوعدمه على المكلف المتأول فى مثل هذه المسائل ، والتفريق بين الداعية إليها وبين المقلد على غير بصيرة ..
وكذلك خلاف العلماء فى مسائل فروع الشريعة ، مثل تارك الصلاة أو الصوم أو مرتكب الكبائر من المحرمات ، كما سنبينه بإذن الله ، أي أنها قيلت فى حق أهل الأهواء والبدع والمعاصي من المسلمين ، وليست فى حق من إقترف الشرك الأكبر...
أولاً : القسم الأول من القاعدة : (كلُّ مانعٍ من موانِعِ التَّكفيرِ مانِعٌ من موانِعِ لُحوقِ الوعيدِ بالمعيَّنِ )
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : ".... لكن هذه المسألة متعلقة بتكفير أهلالأهواء : الناس مضطربون فيها ، فقد حُكي عن مالك فيها روايتان ، وعن الشافعي فيها قولان ، وعن الإمام أحمد أيضاً فيها روايتان ، وكذلك أهل الكلام ، فذكروا للأشعري فيها قولين ، وغالب مذاهب الأئمة فيها تفصيل .
وحقيقة الأمر في ذلك : أن القول قد يكون كفراً ، فيطلق القول بتكفير صاحبه ، فيقال : من قال كذا فهو كافر . لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره ، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وهذا كما في نصوص الوعيد ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ]إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [ (النساء:10)
فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد ، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار ، لجواز أن لا يلحقه الوعيد ، لفوات شرط أو ثبوت مانع ، فقد لا يكون التحريم بلغه ، وقد يتوب من فعل المحرم ، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم ، وقد يبتلي بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع
وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها ، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها .
فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ ، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له خطأه كائناً من كان ، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية ، هذا الذي عليه أصحاب النبي r وجماهير أئمة الإسلام ."
(مجموع الفتاوىج23ص345)
و قال ابن تيميه رحمه الله في شرح سنن العقائد فى موضع آخر( وهو المتعلق بأسماء الله وصفاته وذاته : فمذهب السلف رضوان الله عليهم : إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ، ونفي الكيفية عنها ، لأن الكلام في الصفات فرع من الكلام في الذات وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية وكذلك إثبات الصفات وعلى هذا مضى السلف والمخالفون لسنن الإعتقاد هذه هم أهل البدع والأهواء . إ . هـ @
ويقول شارح العقيدة الإسلامية " للطحاوى " العلامة أبى العز الحنفى رحمه الله : قوله ـ أى قول الطحاوى ـ : ( ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب , مالم يستحله ، ولانقول لايضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ) أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم فى قوله : ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ،( ماداموا بما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم معترفين ، و له بكل ماقال وأخبر مصدقين ) يشير الشيخ رحمه الله ( بهذا الكلام ) إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب.
وأعلم ـ رحمك الله وإيانا ـ أن باب التكفير وعدم التكفير ، باب عظمت الفتنة والمحنة فيه ، وكثر فيه الإفتراق ، وتشتت فيه الأهواء والآراء ، وتعارضت فيه دلائلهم . فالناس فيه ، فى جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة ، المخالفة للحق الذى بعث به الله رسوله فى نفس الأمر، أو المخالفة لذلك فى إعتقادهم ، على طرفين ووسط ، من جنس الإختلاف فى تكفير أهل الكبائر العملية .
فطائفة تقول : لانكفر من أهل القبلة أحداً ، فتنفى التكفير نفياً عاماً ، مع العلم بأن فى أهل القبلة المنافقين ، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع ، وفيهم من يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم ، وهم يتظاهرون بالشهادتين. وأيضاً : لاخلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة ، والمحرمات الظاهرة المتواترة ، ونحو ذلك ، فإنه يستتاب ، فإن تاب ، وإلاّ قتل كافراً مرتداً .
إلى أن يقول رحمه الله : ( ولهذا إ متنع كثير من الأئمة عن إ طلا ق القول بأنا لانكفر أحداً بذنب ، بل يقا ل : لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج . وفرق بين النفى العام ونفى العموم . والواجب إنما هو نفى العموم ، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب .
ويقوا أيضاً فى نفس الفصل : وقوله : ولا نقول لايضر مع الإيمان ذنب لمن عمله... إلى آخر كلا مه ، رد على المرجئة ، فإنهم يقولون : لايضر مع الإيمان ذنب، كما لاينفع مع الكفر طاعة . فهؤلاء فى طرف ، والخوارج فى طرف ، فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب ، أو بكل ذنب كبير ، وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة ، فلا يبقى معه شىء من الإيمان . لكن الخوارج يقولون : يخرج من الإيمان ويدخل فى الكفر ! والمعتزلة يقولون : يخرج من الإيمان ولايدخل فى الكفر ، وهذه المنزلة بين المنزلتين !! وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود فى النار ! وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك فى الأعمال ، ولكن فى الإعتقادات البدعية وإن صاحبها متأ ولاً ، فيقولون : يكفر كل من قال هذا القول ، لايفرقون بين المجتهد المخطىء وغيره ، أويقولون : يكفر كل مبتدع . وهؤلاء يدخل عليهم فى هذا الإثبات العام أموراً عظيمة ، فإن النصوص ا لمتوا ترة قد دلت على أنه يخرج من النار من فى قلبه ( مثقا ل ) ذرة من إيمان ، ونصوص الوعد التى يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التى يحتج بها أولئك. والكلام فى الوعيد فى الوعيد مبسوط فى موضعه .
وأهل الكبائر فى النار لايخلدون إذا ماتوا وهم موحدون . والمقصود هنا : أن البدع هى من هذا الجنس ، فإن الرجل يكون مؤمنا ًباطناً وظاهراً ، لكن تأول تأويلاً أخطأ فيه، إما مجتهداً وإما مفرطاً مذنباً ، فلا يقا ل : إن إيمانه حبط لمجرد ذلك ، إلاَّ أن يدل على ذلك دليل شرعى ، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة ، ولا نقول : لايكفر ، بل العدل هو الوسط ، وهو : أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفى ماأثبته الرسول ، أو إ ثبات مانفاه ، أوالأمر بما نهى عنه ، أوا لنهى عما أ مر به ـ : يقال فيها الحق ، ويثبت لها الوعيد الذى دلت عليه النصوص ، ويبين أنها كفر، ويقال أن : من قالها فهو كافر، ونحو ذلك ، كما يذكر من الوعيد فى النفس والأموال ، وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن ( وأن الله لا يرى فى الآخرة ولايعلم الأشياء قبل وقوعها . وعن أبى يوسف رحمه الله، أنه قال : ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدةً ،. حتى اتفق رأ يى ورأ يه : أن من قال بخلق القرآن فهو كافر ) . وأما الشخص المعين ، إذا قيل : هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر ؟ فهذا لانشهد عليه إلاَ بأمر تجوز معه الشهادة ، فإن من أعظم البغى أن يشهد على معين أن الله لايغفر له ولايرحمه بل يخلده فى النار ، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت .أهـ (العقيدة الإسلاميه للطحاوى ص 316ـ 317 ـ 318 ط المكتب الإسلامى)
وبعد : فهذه بعض النقولات لأهل العلم من السلف الصالح ـ ولانريد ذكرها كلها خشية الإطالة ـ ولعلها بإذن الله شافية كافية فى بيان وشرح نصوص الوعد والوعيد فى أهل الأهواء والبدع ، والكفر الأصغر ، والتأويل فى مسائل سنن العقيدة، ومرتكب الكبائر، فيما دون الشرك الأكبر ..
وأما أقوالهم فى مرتكب الكفر الأكبر وكذلك الشرك الأكبر فسنذكرها للقاريء الكريم حتى توضح عنده الرؤية ، ولايطرأ له التلبيس أو الخلط ، ولايحدث لديه الإلتباس فى إطلاق الحكم بعمومه ، حتى يشمل فيمن وقع فى الشرك الأكبر ..
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : " وأيضاً فإن التوحيد أصل الإيمان ، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار ، وهو ثمن الجنة ، ولا يصح إسلام أحد إلاّ به" . أ هـ ( مجموع الفتاوى ج24ص 23 )
وقال أيضاً رحمه الله : " ومنها : أن الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى مسجده وهذا مشروع بالإجماع ... بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر إلا أن يكون متوغلاً في الجهل والضلال فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على غيره ، أو يظن أن المسجد بني أو جعل تبعاً للقبر ... فمن ظنَّ هذا في مسجد نبينا r فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين الإسلام وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه وسيرته وأقواله وأفعاله ، وهذا محتاج إلى أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى يدخل في الإسلام ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه ....
نعم هذا اعتقاد النصارى ، يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل الكنيسة التي يقال : أنها بنيت على قبر المصلوب ويفضلونها على بيت المقدس وهؤلاء من أضل الناس وأجهلهم ، وهذا أيضاً يضاهي ما كان المشركون عليه في المسجد الحرام لما كانت فيه الأوثان وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التي فيه ... والذين يحجون إلى القبور يدعون أهلها ويتضرعون لهم ويعبدونهم ويخشون غير الله ويرجون غير الله كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ويرجونها . أهـ
(مجموع الفتاوى ج27ص 256:254 )
وقال رحمه الله : " ودين الإسلام مبني على أصلين وهما : تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . وأول ذلك ألا تجعل مع الله إلهاً آخر فلا تحب مخلوقاً كما تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله ، ومن سوَّى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله ، وهو من الذين بربهم يعدلون وقد جعل مع الله إلهاً آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السموات والأرض ...
والأصل الثاني : أن نعبده بما شرع على ألسنة رسله ، لا نعبده إلا بواجب أو مستحب ، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك ، والدعاء من جملة العبادات ، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم - مع أن هذا لم يأمر الله به ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب - كان مبتدعاً في الدين مشركاً برب العالمين متبعاً غير سبيل المؤمنين ." أ هـ (مجموع الفتاوى ج1ص310)
وقال رحمه الله : " فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده ، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته ، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر . والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده ،فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره ،وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت ... فمن بلغته رسالة محمد r فلم يقرّ بما جاء به لم يكن مسلماً ولا مؤمناً بل يكون كافراً وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن ." أ هـ
(مجموع الفتاوى ج3ص 93:91 )
وقال رحمه الله : فكل من غلا بنبى أو رجل صالح وجعل فيه نوع من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله ، نحو أن يقول : يافلان أغثنى أو أغفر لى أو ارحمنى أوانصرنى أواجبرنى أو توكلت عليك وأنا فى حسبك وأنت حسبى ، ونحو هذه الأقوال التى هى من خصائص الربوبية التى لاتصلح إلاّ لله فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قتل . أ هـ
( معنى إقامة الحجة لعبد الله أبابطين ص4 )
أما ابن القيم رحمه الله فيقول : " .. ومن تأمَّل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له r بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام ، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك . وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط ، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً . " ( زاد المعاد ج3 ص 42 )
وقال ابن القيم فيمن لم يعبد الله : " والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به ، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم ،وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل ، فغاية هذه الطبقة أنهم كُفَّار جهال غير معاندين وعدم عنادهم ،لا يخرجهم عن كونهم كفاراً ، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاًوتقليداً لأهل العناد فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد ، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة ، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب ، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم " اهـ
( مختصراً من طريق الهجرتين ، الطبقة ( 17 )
وقال الإمام أبى العز الحنفى شارح العقيدة الإسلامية للطحاوى : ( وأيضاً : فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة ، والمحرمات الظاهرة المتواترة ، ونحو ذلك ، فإنه يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل كافراً مرتداً .أ هـ ) العقيدة الإسلامية للطحاوى ص316 ط المكتب الإسلامى .
ويقول أيضاً : ( وقوله ـ أى الطحاوى ـ وهم فى مشيئة الله وحكمه ـ أى أهل الكبائر ـ إ ن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله ، إلى آخر كلامه ـ فصل الله تعالى بين الشرك وغيره لأن الشرك أكبر الكبائر ، كما قال صلى الله عليه وسلم ،وأخبرأن الشرك غير مغفور، وعلَق غفران مادونه بالمشيئة ، والجائز يعلَق بالمشيئة دون الممتنع ، ولو كان الكل سواء لما كان للتفضيل معنى . ولأنه علَق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به ، غير معلَق بالمشيئة ، كما قال تعالى : ( قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ، أن الله يغفر الذنوب جميعاً ، أنه هو الغفور الرحيم ) الزمر :53 .
فوجب أن يكون الغفران المعلَق بالمشيئة هو غفران الذنوب سوى الشرك بالله (قبل التوبة ) أ هـ . السابق ص 372ـ 373
ويقول أيضاً : ( فدين الإسلا م هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله ، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل ، وهو ظاهر غاية الظهور ، يمكن كل مميز من صغير وكبير ، وفصيح وأعجم ، وذكى وبليد ـ : أن يدخل فيه بأقصر زمان ، وأنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك ، من إنكار كلمة ، أو تكذيب ، أو معارضة ، أو كذب على الله ، أوارتياب فى قول الله تعالى ، أورَد لما أنزل ، أو شك فيما نفى الله عنه الشك ، أو غير ذلك مما فى معناه . أهـ . السابق ص518 .
ويقول الإمام تقى الدين الحصنى الشافعى عن نواقض الإسلام بالقول أوالفعل أوالإعتقاد والتى يكفر بها المكلف : ( وأما الكفر بالفعل فكالسجود للصنم والشمس والقمر وإلقاء المصحف فى القاذورات والسحر الذى فيه عبادة الشمس ، وكذا الذبح للأصنام والسخرية بأسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده أو قرأة القرآن على ضرب الدف ، وكذا لو يتعاطى الخمر والزنا ويقدم أسم الله تعالى إستخفافاً به فإنه يكفر .
إلى أن يقول : وأما الكفر بالإعتقاد فكثير جداً فمن إعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو إعتقد نفى ماهو ثابت لله تعالى بالإجماع أو نفى ماهو منفى عنه بالإجماع كالألوان والإتصال والإنفصال كان كافراً ، أواستحل ماهو حرام بالإجماع ، أوحرم حلا لاً بالإجماع أوإعتقد وجوب ماليس بواجب كفر ، أو نفى وجوب شىء مجمع عليه من الدين بالضرورة كفر ، كذا ذكره الرافعى والنووى .
ومن إستحل الخمر أو لحم الخنزير أوالزنا أو اللواط أو أن السلطان يحلل أويحرم ككثير من الظلمة يعتقد أن السلطان إذا غضب على أحد وأنعم على آخر من دونه من ماله أنه يحل له ذلك ويدخل على الأموال والأبضاع مستحلاً له بإذن السلطان ، وكذا من استحل المكوس ، ونحو ذلك مما هو حرام بالإجماع ، والرضا بالكفر كفر والعزم على الكفر كفر فى الحال ، وكذا لو تردّد هل يكفر كفر فى الحال أ.هـ ( كفاية الأخيار فى حل غاية الإختصار ج2 ص201 ومابعدها )
ونقل الشيخ سراج الدين بن المقلد على المنهاج و الزركشي في التكملة عن إمام الحرمين في أنه قال في أوائل الإيمان :"قال الأصوليون : لو نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر توريته كفر ظاهراً وباطناً[1]".
وقال الشيخ تقي الدين في الإقناع :"إن من دعا ميتاً وإن كان من الخلفاء الراشدين فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر".[2]أهـ
وقال إبن حجر في شرح الأربعين له:"من دعا غير الله فهو كافر"[3].أهـ
"وفى الخلاصة من وضع قلنسوة المجوس على رأسه فقيل له : أي أنكر عليه ـ فقال : ينبغي أن يكون القلب سوياً أو مستقيماً كفر ، أي لأنه أبطل حكم ظواهر الشريعة "[4],
ويقول الغزالي : "نقله عنه إبن القيم في كتابه أعلام الموقعين :"وكل مالم يؤثر عن السلف ذكره وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع "[5].
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :"فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما ظن المشركون "[6].
وقال القاضي عياض رحمه الله : "إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلة اللسان . أهـ ( كتاب الشفا ج2 ص231 )
وقال العلامة الشيخ أحمد بن محمد الدردير فى مصنفه " أ قرب المسالك لمذهب الإمام مالك " فى نواقض الإسلام من قبل المكلف :( باب : الردة : كفر مسلم بصريح ـ أى تصريح ـ أوقول يقتضيه أو فعل يتضمنه : كإلقاء مصحف بقذر ، أوشد زنار مع دخول كنيسة ، وسحر ، وقول بقدم العالم أوبقائه أوشك فيه ، أوبتناسخ الأرواح ،أو أنكر مجمعاً عليه مما عُلم بكتاب أوسنة ، أوجواز اكتساب النبوة ، أوسب نبياً ، أوعرَض أو ألحق به نقصاَ وإن ببدنه ، أو وفور علمه أو زهده وفصلت الشهادة فيه يستتاب ثلاثة أيام من يوم الحكم بلا جوع وعطش ومعاقبة ، فإن تاب وإلاَ قتل وماله فىء إلاَّ الرقيق فلسيده ، وأخرت المرضع لوجود مُرضع وذات زوج أوسيد لحيضة ، وقتل الزنديق بلا توبة إلاَ أن يجىء تائباً وماله أن تاب لوراثه كالساب ، ولايعذر بجهل أوسكر أو تهور أوغيض أوبقوله أردت كذا . ) أهـ مختصراً ص138 ـ 139
وبعد : فهذه بعض النقولات ـ وليست كلها ـ من فقهاء المذاهب الأربعة والتى تبين بجلاء نواقض الإسلام من شرك وكفر ، إعتقادى أوعملى أو بنطق اللسان ، والتى يعتبرمن وقع فيها من المكلفين ـ عفانا الله من ذلك ـ كافراً كفراً أكبر وتوجب له أيضاً الخلود فى النار إذا مات على ذلك ولم يتوب لله تعالى .
وهى تختلف عن مسائل الكفر دون كفر والمتمثلة فى عمل المعاصى والسيئات والبدع والتى تصدر من قبل الموحدين ، ولا توجب لهم الخلود فى النار ، وتلحقهم شفاعة الشافعين ، والدعوات ، وأعمال البر والخير ، والمصائب المكفرات .. إلى غير ذلك ، وهم الذين يتناولهم القسم الأول من القاعدة التى ذكرها " أبا بصير " والتى لم يذكر عليها أى شرح أو تعليق من الفقهاء وأهل العلم .. مكتفيًا بذكر القاعدة مجردة ، ثم دعمها بذكر بعض الأدلة بشرحه وفهمه ، والتى سنرد عليها بإذن الله .. ولكن قبل الرد نود أن نذكر قول المصنف والذى يوافقنا فى ماذكرناه آنفاً ، بل ويوافق ما استقر عليه أمر الدين والشريعة ، وقد ساقه فى مقدمة بحثه : ( شروط لا إله إلاَ الله )
قال : (ـ مقدمات هامة وضرورية :
المقدمة الأولى: أن صاحب التسع والتسعين سجلٍّ المليئة بالخطايا والذنوب والآثام، وكذلك النصوص التي تفيد دخول الجنة من لم يعمل خيراً قط، وغيرها من النصوص .. يجب أن تُحمل على أن هذه السجلات، أو هذه الخطايا مهما عظمت أو كبرت فإنها خالية من الشرك أو الكفر الأكبر؛ لأن الشرك بمفرده يحبط العمل كلياً حتى لو كان صاحبه عنده من الأعمال الحسنة ملء السماوات والأرض .. فكيف لو كان عنده السيئات الكثيرة كصـاحب السجلات الوارد ذكره في الحديث، ولم يعمل خيراً قط .. فمن باب أولى أن يحبط عمله، ويكون مصيره إلى الخلود في النار .
قال تعالى:] إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء:48.
وقال تعالى:] إنه من يُشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة [ المائدة:72.
وقال تعالى:] لئن أشركت ليحبطن عملُك ولتكوننَّ من الخاسرين [ الزمر:65.
وقال تعالى:] ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [ الأنعام:88.
وقال تعالى:] وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثوراً [ الفرقان:23. وغيرها كثيرة هي النصوص التي تفيد انتفاء الفائدة أو الانتفاع من الحسنات المقرونة مع الشرك ..
فكما أن التوحيد الخالص ينفع صاحبه مهما كان منه من عمل طالح عدا الشرك، كذلك الشرك فإنه ينفي النفع عن صاحبه مهما كان منه من عمل صالح، وهذه قاعدة سنية مطردة ـ دلت عليها نصوص الكتاب والسنة ـ لا تتخلف . أ هـ
قال رسول الله r :" قال الله تعالى: يا ابن آدم ! مهما عبدتني ورجوتني ولم تُشرك بي شيئاً غفرتُ لك على ما كان منك ـ أي من عمل ـ وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوباً استقبلتك بملئهنَّ من المغفرة، وأغفر لك ولا أبالي " . أهـ
ثم يقول أيضاً فى بحثه ( قواعد فى التكفير ) : ـ الكفر الأكبر: هو الكفر الذي يمنع عن صاحبه صفة ومسمى الإسلام .. أو الكفر الذي يخرج صاحبه من ملة الإسلام .. ويرفع عنه حصانة الإسلام وحرمته .. فتجرى عليه في الدنيا أحكام الكفر إن كان كفره أصلياً، أو أحكام الردة إن كان كفره طارئاً بعد إسلام .. وفي الآخرة يكون جزاؤه نار جهنم خالداً فيها أبداً وبئس المصير .. لا تجوز بحقه شفاعة الشافعين.
والكفر الأكبر له نفس مدلولات ومعاني الكفر الاعتقادي، أو الكفر البواح، فحيثما يُطلق القول بواحد من هذين التعبيرين فإنه يُراد به الكفر الأكبر ودلالاته .. والعكس كذلك.
ـ مثال هذا النوع من الكفر في القرآن الكريم:
الأمثلة في القرآن الكريم الدالة على هذا النوع من الكفر كثيرة منها، قوله تعالى:) وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبئس المصير )
إلى أن يقول فى نفس البحث ص17 ومابعدها : ( فالكفر هنا ، يراد به الكفر الأكبر المخرج عن الملة ، وهذا النوع من الكفر يندرج تحته أنواع وأصناف منها : كفر العناد ، وكفر الإنكار ، وكفر الكبر ، وكفر الجحود ، وكفر النفاق ، وكفر التكذيب والإستحلال ، وكفر الكره والبغض ، وكفر الطعن والإستهزاء ، وكفر الإباء والإعراض ، فمن أتى كفره من جهة أى نوع أوسبب من هذه الأسباب المكفرة فهو كافراً كفراً بواحاً مخرجاً عن الملة ، وإن إجتمع فيه أكثر من نوع أو سبب من هذه الأسباب ، يكون كافراً كفراً مغلظاً ومركباً ..
فالكفرمنه المجرد ومنه المغلظ والمركب يعلو بعضها البعض ]! أ.هـ
...ثم يناقض أقواله هذه كلها ويعذر المكلف الذى يقترف أى نوع من أنواع الكفر الأكبر فى بحثه ( العذر بالجهل وقيام الحجة ) ص10
إذ يقول :[ وثمة أمر ينبغي التنويه إليه في هذه المقدمة ـ قبل الشروع في تناول مسائل البحث ـ وهو أن المراد من حديثنا عن العذر بالجهل هو الجهل الذي يكون سبباً لوقوع صاحبه في الكفر أياً كان نوع هذا الكفر .. !!
@والمصنف كان قد إستثنى فى أنواع الكفر أعلاه ( كفر الجهل والتكذيب) حتى يتسنى له أن يخرج من بين هذه الأنواع مقترف الكفر الأكبر وهو جاهلاً، بحجة العذر بالجهل أو الجهل المعجز كما يسميه ..!!
وقد ذكر أهل العلم هذا النوع من أنواع الكفر الأكبر وهو كفر الجهل والتكذيب فى مصنفاتهم نذكر منهم الشيخ حافظ حكمى فى مصنفه القيم (معارج القبول ) حيث يقول : ( إن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة : كفر جهل وتكذيب ، وكفر حجود ، وكفر عناد وإستكبار ، وكفر نفاق . فأحدها يخرج من الملة بالكلية ، ، وإلى أن يقول : وإن إنتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق ، فكفر الجهل والتكذيب .
قال تعالى : ] بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [ . وقال تعالى : ] حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ إ . هـ
قال الإمام القرطبى فى تفسيره لهذه الآية الكريمة التى فى سورة يونس : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله )
قوله تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه" أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره، وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال، فهذا يدل على أنه يجب أن ينظر في التأويل. وقوله: "ولما يأتهم تأويله" أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم. أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار، ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا فى الكتاب، قاله الضحاك. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه) قال نعم، في موضعين: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه" وقوله: "وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم" [الأحقاف: 11].
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله فى تفسيره لهذه الآية أيضاً :
وقوله "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله" يقول بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه "ولما يأتهم تأويله" أي ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلاً وسفهاً "كذلك كذب الذين من قبلهم" أي من الأمم السالفة "فانظر كيف كان عاقبة الظالمين" أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم .أهـ
فالذى ساقهم إلى التكذيب هو الجهل ، والجهل دائماً وراء كل كفر أومعصية
قال الإمام البغوى : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل . أ هـ ( تفسير البغوى ج2 ص19 سورة النساء )
وقد يأتى الكفربمجرد الجهل بأن ماوقع فيه كفراً وصاحبه يحسب أنه من المهتدين ، كما قال تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ) الكهف 104 وقوله تعالى أيضاً : ( فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) الأعراف 30، قال الحافظ إبن كثير فى تفسيره لهذه الآية : ( قال تعالى "فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" ثم علل ذلك فقال "إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله" قال ابن جرير وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عناداً منه لربه فيها لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية. إ هـ
وذكر أبا بطين لتفسيره لهذه الاية في رسالته بيان الشرك وعدم إعذار جاهله وثبوت الحجة عليه ما يلي : - [وقال تعالى "فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" ثم علل ذلك فقال " إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله" قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الاية " وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور .
ثم نأتى إلى ماأستدل به المصنف من الأدلة وبالله التوفيق :
أولاً : قول المصنف فى ص 1 :
1- الجهل: فقد تضافرت الأدلة على أن من يقع في الكفر عن جهل معجز لا يمكن له دفعه فإنه يمنع عنه لحوق الوعيد والعذاب في الدنيا والآخرة، إلى أن تقوم عليه الحجة الشرعية التي تدفع عنه الجهل المعجز فيما قد خالف فيه؛ أي تدفع عنه العجز عن إدراك مراد الشارع فيما قد خالف فيه.
كما قال تعالى:) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً (الإسراء:15.
ولقوله تعالى:) لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها (البقرة:286.
وقوله تعالى:) فاتقوا الله ما استطعتم ( التغابن:16.
وفي الحديث عن الأسود بن سريع، عن النبي r قال:" أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول ربّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول )
قلت: وهؤلاء الأصناف الأربعة كلهم يجمعهم الجهل المعجز عن إدراك مراد الشارع فيما قد خالفوا فيه، وإن كان لكل صنف منهم سببه المختلف عن الآخر الذي أوقعه بالجهل المعجز عن إدراك مراد الشارع. أ هـ
أولاً : قول المصنف عن الجهل المعجز سنبينه من ثلاث جوانب بعون الله تعالى
أ ـ لفظ الجهل المعجز ـ ب ـ من هو العاجزعن التعلم ؟
ج ـ فيما يكون هذا العجز ؟ .
فنقول وبالله التوفيق : أ ـ ( لفظ الجهل المعجز ) إن الجهل فى الشريعة لم يرد إلاَ مفرداً مثل لفظ : يجهلون ، أو الجاهلية ، أو الجاهل ، أوتجهلون ، أوجاهلون ، أوجهالة... إلى آخر ماورد فى القرآن الكريم والسنة أو حسب ماجاء فى أقوال أهل العلم والفقهاء ، ولم يأتى مركّباً الاَّ فى بلفظ : الجهل البسيط و : الجهل المركب ، هذا ماجاء فى الشريعة وعلى أقوال الأئمة والفقهاء ، أو كما جاء فى كلام العرب كما فى القاموس : ج هـ ل _ ( الجهل ) ضد العلم وقد ( جهل ) من باب فهم وسلم و( تجاهل ) أرى من نفسه ذلك وليس به. و( استجهله ) عدَه جاهلاً واستخفه أيضاً . و ( التجهيل ) النسبة إلى الجهل . و( المجهلة ) بوزن المرحلة الأمر الذى يحمل على الجهل ومنه قولهم : الولد مجهلة . و ( المجهل ) المفازة لاأعلام فيها . أ هـ (مختار الصحاح باب الجيم فصل الهاء ص115 ) ، أما أن يُأصل أى أنسان لفظ قد ورد عند عالم أوفقيه فى نقلاً لهما عن حادثة معينة ، ويجعله كلفظ ثابت مستقر من وجدان الشريعة فهذا هو الإبتداع بعينه وكما جاء عن إبن مسعود ـ رضى الله عنه ـ : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم .
بل إن المصنف يورده فى أكثر من موضع ، وكأنه يلتمس عطف القارىء ويصور له أن من وقع فى الشرك أو الكفر مع الجهل ، فهو إنسان جاهل ومسكين وعاجز ومغلوب على أمره ولا حول له ولا قوة ..!! ( باعتباره جاهل جهلاً معجزاً )
فهو يحاول دائماً ـ كم سيأتى ـ أن يلصق لفظ المعجز مع لفظ الجهل حتى تبدو كأنها كلمة واحدة لاتنفك ..!
ب ـ من هو العاجزعن التعلم ؟
وعلى اعتبار وجود العاجز عن التعلم فمن هو الذى يدخل ضمن هذا العجزعن التعلم ، وهى حالات إستثنائية معينة ، وفى إطار ظروف وملابسات خاصة ، مثل الذى كان يعيش فى زمن الفترة ، أو من كان فى بادية بعيدة ، أو فى أى مكان منقطع عن العالم ولايصل إليه علماً ولاخبر... إلخ مثل هذه الحالات .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : - فهذا من العجب كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مراراً فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف ، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة .أهـ (الدرر السنية في الأجوبة النجدية جـ 8/ 90، وجـ 9/ 28)
وأما ماذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله : " إن هذا العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصَّر فيها لم يكن معذوراً
(مجموع الفتاوى 20/ 280)
وقوله أيضاً : ( إذا تبين ذلك فمن ترك بعض الإيمان الواجب في الجملة لعجزه عنه ، إما لعدم تمكنه من العلم ، أو لعدم تمكنه من العمل ، لم يكن مأموراً بما يعجز عنه ، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين والواجب في حقه ، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل ) إ . هـ .
" ولنترك العلامة إبن القيم وهو تلميذ الشيخ ـ رحمهم الله ـ يوضح لنا من هو الذى يدخل ضمن العجز المراد من كلام ابن تيمية أوغيره من العلماء وهو من كان ملازماً لابن تيمية ، ومتعلماً على يديه ويعرف مقصده ومراده بإذن الله ، قال إبن القيم رحمه الله : وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضاً: أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له ، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده ، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ، ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني معرض لا إرا دة له ، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه. ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره ، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي . والثاني : راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته ، وكلاهما عاجز ، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول : كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزاً وجهلاً ، والثاني : كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه ، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض. فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلاّ من قامت عليه حجته بالرسل ، فهذا مقطوع به في جملة الخلق . وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا ، فذاك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه ، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلاّ بعد قيام الحجة عليه بالرسول . هذا في الجملة ، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب ، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر: فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة. " اهـ (طريق الهجرتين ص412 و 413 )
ويزيد هذه المسألة وضوحاً الإمام الشاطبى رحمه الله فيقول :
: ( .. ونظيره مسألة أهل الفترات العاملين تبعاً لأبائهم ، واستنامة لما عليه أهل عصرهم من عبادة غير الله وما أشبه ذلك ، لأن العلماء يقولون في
حكمهم على قسمين :
* قسم غابت عليه الشريعة ، ولم يدر ما يتقرب به إلى الله تعالى ، فوقف على العمل بكل مايتوهمه العقل أن يقرب إلى الله ، ورأى ما أهل عصره عاملون به مما ليس لهم فيه مستند إلا إستحسانهم ، ، فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه ، وهؤلاء هم الداخلون الجنة حقيقة تحت عموم الآية الكريمة ]: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[.
* وقسم لابس ماعليه أهل عصره من عبادة غير الله ، والتحريم والتحليل بالرأي ، فوافقهم في إعتقاد ما إعتقدوه من الباطل ، فهؤلاء نص العلماء على أنهم غير معذورين ، مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة ، لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشريعة ، فصاروا من أهلها .. ) إ . هـ .
وأمثال هؤلاء من أهل الفترة قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم كزيد بن عمرو بن نفيل ومن كان على نفس حاله من نبذ عبادة الأصنام والكفر بها والبرأة منها ومن أهلها ، ولكن ليس بين يديه شريعة يتقرب بها إلى الله تعالى ، كفعل الصلوات وجملة الطاعات ، واجتناب المنهيات ..إلخ
جاء فى سيرة إبن هشام رحمه الله : ( قال إبن إسحاق : وحدثنى هشام بن عروة عن أبيه ، عن أمه أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما ، قال : لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخاً كبيراً مسنداً ظهره إلى الكعبة ، وهو يقول : يامعشر قريش ، والذى نفس زيد بن عمرو بيده : ماأصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيرى ، ثم يقول : اللَهم لو أنىأعلم أى الوجوه أحب إليك عبدتك به . ولكنى لا أعلمه ، ثم يسجد على راحلته .
قال إبن إسحاق : وحدثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب ، وهو ابن عمته ، قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنستغفر لزيد بن عمرو بن نفيل ؟ قال : ( نعم فإنه يبعث أمةً وحده ) .
* شعر زيد فى فراق الوثنية :
أرباً واحداً، أو ألف رب أدين أذا تقسّمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الجلد الصبُور
فلا العزى أدين ولاابنتيها ولا صنمى بن عمرو أزور
ولاغنماً أدين وكان رباً ولنا فى الدهر إذحلمى يسير
إلى أن يقول :
ولكن أعبد الرحمن ربى ليغفر ذنبى الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها متى ما تحفظوها لاتبوروا
ترى الأبرار دارهم جنان وللكفار حامية سعير
وخزى فى الحياة وإن يموتوا يلا قوا ماتضيق به الصدور
(سيرة إبن هشام ج1 ص 230ـ 231 ط دار المنار )
ج ـ فيما يكون هذا العجز ؟
يكون هذا العجز عن التعلم فى مادون التوحيد ـ مع استفراغ الوسع كما تقدم ـ أى فى فروع الشريعة باأنواعها من فعل الصلاة وأتيان الزكاة والحج والصوم ، أوفعل المحرمات ، وكذلك جهل سنن العقائد والتى لا تعلم إلاَّ بالشرع ..إلخ ولاتشمل فى من وقع فى الشرك الأكبر
قال السيوطى رحمه الله : (كل من جَهِلَ تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس ، لم يُقبل ، إلاّ أن يكون قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك : كتحريم الزنا، والقتل والسرقة والخمر ، والكلام في الصلاة والأكل في الصوم )أهـ (الأشباه والنظائر ص 357 - 358 ط دار الكتاب العربي 1407هـ)
ويقول الإمام أبو حنيفة : ( لاعذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه ، لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب سبحانه وتعالى ، وتوحيده ، لما يرى من خلق السموات والأرض ، وخلق نفسه ، وسائر ما خلق الله تعالى فأما الفرائض فمن لم يعلمها ولم تبلغه ، فإن هذا لم تقم عليه حجة حكمية ) إ .هـ (الجواب المفيد ص 20)
وقد أورد القرافي الكلام أكثر تفصيلاً في ( الفروق ) فقال : ( أعلم أن الجهل نوعان : النوع الأول : جهل تسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فعفا عن مرتكبه ، وضابطه أن كل مايتعذر الإحتراز عنه عادةً فهو معفو عنه ، وله صور : أحدها من وطىء إمرأة أجنبية بالليل يظنها إمرأته أو جاريته عفى عنه لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس .
ثم أورد صوراً أخرى ، إلى أن قال : ... النوع الثاني : جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فلم يعف عن مرتكبه ، وضابطه أن كل ما لا يتعذر الإحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه , وهذا النوع يطرد في أصول الدين ، وأصول الفقه ، وفي بعض أنواع من الفروع .
أما أصول الدين فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الإعتقادات تشديداً عظيماً ، بحيث أن الإنسان لو بذل جهده وإستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله ، أو في شيء يجب إعتقاده من أصول الديانات ولم يرتفع ذلك الجهل ، لكان يترك ذلك الإعتقاد آثماً كافراً ، يخلد في النيران على المشهور في المذاهب ) إ . هـ . (الجواب المفيد ص 16 )
ويقول وهبة الزحيلي : ( النوع الثاني من الجهل : جهل لم يتسامح به صاحب الشرع في الشريعة ، فلم يعف عن مرتكبه .. وهذا النوع يجري في أصول الدين أو الإعتقاديات ، وأصول الفقه وبعض الأحكام الشرعية .
أما أصول الدين فلا يعتبر الجهل فيها ، وإنما يجب معرفة العقيدة الصحيحة بالتعليم والسؤال ، ومن إعتنق عقيدة مع الجهل فقد أثم إثماً مهيناً ، لأن الشرع قد شدد في عقائد أصول الدين تشديداً عظيماً ، حتى أن الإنسان لو بذل جهده وإجتهد في تعرف العقيدة الحقة ولم يؤده إجتهاده إلى ذلك ، فهو آثم كافر على المشهور في المذاهب ، ولايعذر بخطئه في الإجتهاد ) إ . هـ .( الجواب المفيد ص 17 )
و يقول القاضي عياض رحمه الله : ( قال القاضي أبوبكر : " وأما مسائل الوعد والوعيد ، والرؤية ، والمخلوق ، وخلق الأفعال ، وبقاء الأعراض ، والتولد ، وشَبهها من الدقائق– فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح – إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل الله تعالى ، ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيء منها ) إ . هـ . ( الجواب المفيد ص 47 )
وعلى هذا يحمل قول ابن تيمية أيضاً ـ الذى ذكرناه آنفاً ـ : ( إذا تبين ذلك فمن ترك بعض الإيمان الواجب في الجملة لعجزه عنه ، إما لعدم تمكنه من العلم ، أو لعدم تمكنه من العمل ، لم يكن مأموراً بما يعجز عنه ، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين والواجب في حقه ، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل ) إ . هـ .
فهذا نص في أنه يتكلم عن " الإيمان الواجب " والذي يعني به الإمام ابن تيمية في كتاباته جملة أحكام الفروع ، دون " الإيمان المجمل – أي التوحيد حسب تعبير الإمام نفسه . وكما ورد فى كتابه (الإيمان ) من تقسيم الإيمان إلى ثلاثة أنواع أ ـ الإيمان المجمل : وهو توحيد الله تعالى ب ـ الإيمان الواجب : أى الواجبات ، وهو جملة أحكام الفرائض وفروع الشريعة .
ج ـ الإيمان الكامل : وهو فعل النوافل والمستحبات والمندوبات .
وقد ذكر هذا التقسيم كثير من أهل العلم فى مصنفاتهم ، وكلام ابن تيمية ورد فى القسم الثانى وهو : جملة أحكام فروع الشريعة ، والتى قد يقع فيها العذر فيمن لم تبلغه أو يجهل بعض أحكامها .
ولم يرد فى هذه الجمله ذكر الإيمان المجمل وهو : توحيد الله تعالى
ثم من هو الآن فى زماننا الجاهل الجهل المعجز ..؟؟
أتراه ذلك المشرك المعرض ، أو حتى الجاهل حقيقةًًًًَََ ، ولكنه يعلم الكثير والكثير من علوم هذه الدنيا من طب وهندسة و"جيلوجيا" وعلم الفلك والفضاء والإرصاد ، وعلوم الحاسب الآلى والهواتف المحمولة ، أو"السينما " والنجوم ، ، أو الكرة والملاعب وكل مايتعلق بها من معرفة أسماء وألقاب اللاعبين وحركاتهم وسكناتهم ، أو خبيراً فى الزراعة أو النفط أوالصناعة أوأستاذاً فى الهندسة أوالطب أو الإدارة ..و..و ..إلخ ولكنه جاهلاً بالتوحيد ، غارقاً فى الشرك إلى أم رأسه ..!!
( فالقضية اليوم قضية إعراض لا جهل ، والله المستعان على أمره )
قال الشيخ الشنقيطي : " أما القادر على التعلم المفرِّط فيه ، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي ، فهذا الذي ليس بمعذور ."
(أضواء البيان 7/ 554 – 555)
ونُذكّر المصنف بقول الإمام إبن تيمية أيضاً فيمن تقاعس عن طلب الحق والهدى ، فقال رحمه الله : " فأما من تعمد تحريف الكتاب لفظه أو معناه ، أو عرف ما جاء به الرسول فعانده فهذا مستحق للعقاب ، وكذلك من فرّط في طلب الحق واتباعه متبعاً لهواه مشتغلاً عن ذلك بدنياه. " الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح1/ 310) ( فألحق الأول بالثانى . فتأمل )
والغريب أنه ذكر قريباً من كلام إبن تيمية هذا هو بنفسه فيقول :
وعليه نقول: حيثما توجد الاستطاعة والمقدرة على التعلم وطلب العلم ودفع الجهل، يُرفع العذر بالجهل. أ هـ بحث المصنف ( العذر بالجهل وقيام الحجة ) ص10 ( وسبحان الله العظيم ، فهل لاتوجد اليوم فى زماننا الإستطاعة والمقدرة على التعلم ..؟!! )
ثم نأتى لما استدل به المصنف :
أولاً : قوله تعالى : ( وماكنّا معذبين حتى نبعث رسولاً ) الإسرا ء 15
فنقول وبالله التوفيق : استدلال المصنف بهذه الآية الكريمة ليس فى محله وذلك من ثلاث وجوه :
أولاً : إن الآية تتعلق بمسألة العذاب فى الآخرة ، ولاتعارض مسألة الحكم فى الدنيا على من تلبس بالشرك والكفر بأنه مشرك أوكافر .
قال الإمام ابن القيم : الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول . هذا في الجملة ، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب ، وأما في أحكام الدنيا فهيجارية على ظاهر الأمر " اهـ (طريق الهجرتين ص412 ـ 413 )
ثانياً : أن الشرط فى الآية هو بعثة الرسول ، ونحن ـ والحمد لله رب العالمين ـ قد بعث الله تعالى لنا رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، بل ولجميع الخلق من أنس وجآن وإلى قيام الساعة . قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ عن الذين يشترطون فهم الحجة لاقيامها : ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح وهو أن الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول والقرآن ، نعوذ بالله من سوءِ الفهم الذى أوجب لهم نسيان الكتاب . أهـ ( رسالة حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة )
وقد رد الله علىطلب المشركين مبوخاً ومنكراً عندما أرادوا أن ينزل على كل إنسان منهم كتاب من الله تعالى ، قال القرطبى رحمه الله فى تفسير قوله تعالى : (بل يُريدكُل امرىٍء منهم أن يُؤتى صحفاً منشّرة )
قال مجاهد : أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل : إلى فلان بن فلان . أ هـ ( تفسير القرطبى سورة المدثر آية 52 )
ثالثاً : أن هذه الآية الكريمة هى من جملة مايستدل به أهل السنة والجماعة على طائفة المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقلى ، وهم الذين يوجبون على العقل التواب والعقاب قبل ورود الشرع . قال الإمام القرطبى رحمه الله :( و ما كنّا مُعذبين حتّى نبعث رسُولا) أي لم نترك الخلق سدى ، بل أرسلنا الرسل . و في هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلاّ بالشرع خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبّح و يحسّن و يبيح و يحظر. أهـ
( أحكام القرآن للقرطبى سورة الإسراء آية 15 )
ثانياً : استدلال المصنف بقوله تعالى : :) لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها (البقرة:286.
فاستدلال المصنف ليس فى محله بهذه الآية مرة أخرى ، فإن الآية ليست حجة لمن يفعل الشرك بأن ماوقع فيه فوق وسعه ولايستطيع دفعه !! وإنما قيلت عن حديث النفس والوسوسة ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : وقوله "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" أي لا يكلَّف أحد فوق طاقته وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" أي هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا
يكلف به الإنسان وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان . أ هـ
ثا لثاً : استدلاله بقول الله تعالى : ( فاتقوا الله ماستطعتم ) التغابن:16
واستدلاله بهذه الآية الكريمة ليس فى محله أيضاً ، لأنه لمّا أنزل الله قوله تعالى :( اتقوا الله حق تقاته ) اشتد على المسلمين العمل والقيام بالصلاة وكثرة العبادة ، فأنزل الله تخفيفاً لهم : ( فاتقوا الله ماستطعتم ) كما جاء فى أسباب النزول عند السيوطى رحمه الله والقرطبى وفى تفسير ابن كثير ، قال السيوطىرحمه الله :
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال لما نزلت اتقوا الله حق تقاته اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين فاتقوا الله ما استطعتم . الآية . أ هـ
فهى لاتتناول مسألة العذر بالجهل فى من وقع فى الشرك لامن قريب ولامن بعيد
ثم نأتى لحديث الأربعة الذين يمتحنون فى العرصات ، فنقول وبالله التوفيق : لانريد أن نخوض فى صحة الحديث وضعفه ـ فقد ضعفه بعض أهل العلم كالقرطبى وابن عبد البر وإبن عطية والمهدوى ـ ولكن لنأخذ بصحة الحديث على رأى من قال بصحته من العلماء ، وإنصافاً للمصنف ، فهو ومع هذا الإعتبار لايدخل فى محل النزاع ، أى فى أحكام الدنيا وفى من ارتكب الشرك وهو جاهل على وجه التحديد، وذلك من جهتين :
أولاً : أن الحديث محمول على أحكام الثواب والعقاب فى الآخرة ، وليس فى أحكام الدنياوالتى تجرى على الظواهر .
ثانياً : هذا لايعارض الحكم على من تلبس بالشرك الأكبر بأنه مشرك كحكم شرعى ثابت فى الشريعة .
أما عن الأول فيقول الإمام إبن القيم رحمه الله فى طريق الهجرتين : بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول . هذا في الجملة ، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب ، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر " اهـ (طريق الهجرتين ص412 ـ 413 )
وأما عن الثانى فيقول الإمام الشاطبى رحمه الله : ( الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي : هل يعذر المشركون بالفترة أو لا ؟ هو أنهم معذرون بالفترة . فوجه الجمع بين الأدلة هو عذرهم بالفترة ، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم بإقتحامها ، فمن إقتحمها دخل الجنة ، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ، ومن إمتنع دخل النار وعُذّب فيها ، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا ، لأن الله يعلم ماكانوا عاملين لو جاءتهم الرسل . وبهذا الجمع تتفق الأدلة ، فيكون أهل الفترة معذورين ، وقوم منهم من أهل النار بعد الإمتحان ، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضاً ] إ. هـ ( الجواب المفيد ص 29 )
فأنظر كيف سماهم مشركين فى أحكام الدنيا ولم يقول : هل يعذر الجاهلون بالفترة أو لا ؟ وهذا ليس كلام الشاطبى فحسب بل هو قول أهل العلم وهو أيضاً مااستقر وثبت عليه أمر الشريعة وجاء به الإجماع ، ولله الحمد والمنة .
ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن : وأهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن وماتوا على الجاهلية لايسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم وإنما إختلف أهل العلم فى تعذيبهم في الآخرة" إ . هـ . ( غرس اليقين فى قلوب الموحدين ص 7 )
ثم نأتى للنظر من الجانب الأصولى لفقه هذا الحديث ، فلا وجه لتطبيق مقتضى هذا القول على من هم في أيامنا هذه ، أي عند " تحقيق مناط " هذا الحكم ، بالمصطلح الأصولي .
فزمان الفترة هو زمان إندرست فيه الشرائع كلية ، إنطمست كل أعلام النبوة وأثارها ، ولم يعرف قول نبي ولا شريعته ، ولم يجد الناس من يهديهم إلى الدين الحق إذا جهدوا في البحث عنه ، فلم يتمكنوا منه لعدم إمكانية العلم .
فأين هذا من زماننا الذي يُتلى فيه القرآن في كل مكان ليل نهار ، وتقام فيه المساجد في كل منطقة وحيّ ، وتنتشر فيه الكتب التي تُعلَّم الناس دينهم بالملايين مطروحة بين أيديهم ، غير الأئمة الأعلام الذين أقاموا الحجة كاملة على أبناء عصرهم قديماً وحديثاً ، فمنهم من أُستشهد ودفع حيانه رخيصة في سبيل دينه ، ومنهم من تحمَّل في سبيل الحق كل بلاء وإساءة ، فظل صامداً منادياً بالحق مجاهراً به في كل وقت وفي كل مكان ؟؟؟!!!!!!.
وصدق الله العظيم ] قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّين َ* رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) (المؤمنون *
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون َ[ المؤمنون .
فقياس أهل زماننا على أهل الفترة لا يصح مطلقاً بأي وجه من الوجوه وإنما أهل الفترة – على هذا القول – قد إنقطع وجودهم في الأرض منذ أن رُبطت أجزاؤها بعضها ببعض بشتى وسائل الإتصالات الحديثة التي تكفل إنتقال الأفكار والأخبار في مثل لمح البصر .
فمناط وجود " أهل الفترة " غير متحقق في عالمنا اليوم – إن صح وجودهم مطلقاً – فلا يجوز الإحتجاج بهم ، وهذا من قبيل ما ذكرناه سابقاً وكثيراً من أنه يجب أن تحمل أقوال العلماء والأئمة من السلف والخلف ، كل قول على مناطه الحقيقى المقصود ،حتى لاتضيع الحقائق ، فنطبق أحكاماً على من ليس مكلفاً بها أصلاً ، ونخرج من مقتضاها من هو مكلف بها فى حقيقة أمره ..! ( نقلاً عن الجواب المفيد بتصرف بسيط )
ثانياً : إستدلا ل المصنف بحديث ذات أنواط ، كما جاء فى بحثه :
وكذلك الذين سألوا النبي r ـ وهم حديثو عهد بكفر ـ بأن يجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط فقال لهم النبي r:" الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:) اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ( لتركبن سنن من كان قبلكم.
قال الشيخ سليمان آل الشيخ في كتابه القيم " تيسير العزيز الحميد ": فيها ـ أي هذه الحادثة من الدلالات ـ أن معنى الإله هو المعبود، وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنُهي عن ذلك فانتهى لا يكفر ..ا- هـ.
قلت: فجهلهم الناتج عن حداثة عهدهم بالكفر ـ وهو جهل معجز ـ منع من لحوق وعيد الكفر بهم رغم وقوعهم به ..!
فنقول وبالله التوفيق : هو يرد على هذه الحادثة بنفسه من كلام الشيخ أعلاه :( وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنهى عن ذلك فانتهى لايكفر ..أ هـ ( أى قال من أراد ، ولم يقل من فعل الشرك ، فتأمل )
ثم يناقض كلام الشيخ مباشرة فيقول : قلت : فجهلهم الناتج عن حداثةعهدهم بالكفرـ وهو جهل معجز ـ منع لحوق وعيد الكفر بهم رغم وقوعهم به ..!
ثم لندع القارىء المنصف يقارن بين القولين :
قال الشيخ سليمان آل الشيخ :( وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنهى عن ذلك فانتهى لايكفر ) أى لم يفعل ولم يتلبس بالشرك
وقال المصنف : ( منع لحوق وعيد الكفر بهم رغم وقوعهم به )
ومعنى كلامه : أنهم وقعوا فى الكفر وفعلوه !!
ولكن المصنف لما وجد لفظ الجهل قد ورد فى كلام الشيخ فى قوله : ( يفعل الشرك جهلاً ) تعلق بهذا المقطع من النص ووضع تحته خطاً ولم يفهم جملة كلام الشيخ ، ولم يتدبر معنى الحديث ، وكأنه وجد ضآلته فى هذا المقطع والسلام ..!
ولعل المصنف أوغيره قد يقول إنما المراد بالوقوع بمعنى : أى على وشك ، فتكون قد وافقتنا ووافقت كلام الشيخ أعلاه : أى أنهم على وشك أن فعلوا ، ولكنهم لم يفعلوا ، وإن أردت الوقوع بالفعل فتكون خالفت ظاهر الحديث ، وكلام الشيخ ، بل وشروح باقى الأئمة على الحديث كما سيأتى :
قال الشاطبى رحمه الله :
"..إلا أنه لا يتعين في الإتباع لهم في أعيان بدعهم ، بل قد تتبعها في أعيانها ، وتتبعها في أشباهها ، فالذي يدل على الأول " أي الإتباع في الأعيان " قوله:" لتتبعن سنن من كان قبلكم " الحديث فإنه قال فيه :" حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لا تبعتموهم ".
والذي يدل على الثاني " في أشباهها " قوله : [ فقلنا يا رسول الله إجعل لنا ذات ؟ أنواط فقال صلى الله عليه وسلم : ] هذا كما قالت بنو إسرائيل : " أجعل لنا إلهاً " الحديث .
فإن إتخاذ ذات أنواط يُشبه إتخاذ الآلهة من دون الله لا إنه هو نفسه فلذلك لا يلزم الإعتبار بالمنصوص عليه مالم ينص عليه مثلهُ من كل وجه "أهـ (الإعتصام للشاطبى ج 2ص 346 ) .
أى هو شبيه من الفعل لاهو بعينه لأنهم لم يفعلوه حقيقة .
ويقول إبن تيمية رحمه الله : " فأنكر النبي r ، مجرد مشابهتهم الكفار في إتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم ، فكيف بما هو أطمُ من ذلك من مشابهتهم المشركين ، أو هو الشرك بعينه ؟.( إقتضاء الصراط المستقيم ص314 ) .
وقال الإمام ابن العربى رحمه الله : فأنكر ذلك صلى الله عليه وسلم ، لوجهين
أحدهما : أن الصواب أن يجعل كل أحد سلاحهُ مع نفسه لايفارقه فى حالة الجهاد .
الثانى : الإقتداء بهم وذلك داعية إلى اتباعهم فيما لايحل فعله . أ هـ (عارضة الأحوذى شرح صحيح الترمذى لابن العربى ج9 ص27 )
ويقول الإمام السيوطى رحمه الله : فانكر صلى الله عليه وسلم مجرد المشابهة. أهـ ( الأمر بالإتباع والنهى عن الإبتداع ص 53 )
ويقول صاحب كتاب الجواب المفيد ـ عن كلام ابن تيمية المتقدم ـ : ( فجعل الإمام إبن تيمية فعلهم بدعة غير مكفرة ، لا أنها شرك جهلوه ، فعذرهم فيه رسول الله r .
هكذا فهمها أكابر الأئمة، فمالنا ومن فهمها فهماً خادماً لغرضه وهواه ؟!. أ هـ
* ثم أين جاء فى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عذرهم بالجهل بل على العكس فقد غلّظ عليهم بمجرد المشابهة ، وهذا ماستنبطه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الحديث فقال فى كتاب التوحيد : ( السابعة : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم ، بل ردعليهم بقوله :( الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم ) فغلظ الأمر بهذه الثلاث . أ هـ ( كتاب التوحيد ص 17 )
وكلام الشيخ سليمان آل الشيخ رحمه الله هو نفسه كلام جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ وكأنه يشرحه ـ قال الشيخ فى رسالة كشف الشبهات ص 16 تعليقاً على حديث ذات أنواط : (وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لايدرى ، فنبه على ذلك وتاب من ساعته ، أنه لايكفر . أ هـ) ضف إلى ذلك حداثة العهد بالكفر، فهم لازالوا فىطور التعليم والبيان ، وأيضًا قصدوا المشابهة لا الإعتقاد، أى لم يقصدوا جلب نفع أو دفع ضر .
فهم لم يفعلوا الشرك ولم يتلبسوا به حقيقةً كما تقدم من أقوال الأئمة .
فيكون فقه الحديث كما يلى :
أ ـ أن الذين طلبوا لم يفعلوا .
ب ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم يعذرهم بل غلظ عليهم مجرد المشابهة .
أما الفقه الذى توصل إليه المصنف فهو كما يلى :
أ ـ أن الذين طلبوا فعلوا .
ب ـ أن النبى صلى الله عليه وسلم ، عذرهم بجلهم .. !!
وأخيرأً نسأل المصنف : هل يقاس شرعاً وعقلاً من أراد أن يفعل الشرك فانتهى من وقته ، بمن يفعل الشرك ليل نهار ؟ !!
فإن قال المصنف : مادفعهم إلى ماطلبوا إلا َالإعتقاد .
فنرد عليه بما تقدم : بانهم أرادو مجرد المشابهة تبركاً ، لاعين اعتقاد المشركين بجلب نفع أو دفع ضر ، وهكذا فهمها أئمة الإسلام ( راجع قول الشاطبى وابن تيمية وابن العربى والسيوطى آنفاً ) .
والأمر الأخر أنهم لم يفعلوا ، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى كشف الشبهات ص15 : ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة . وهى أنهم يقولون :إن بنى إسرائيل لم يكفروا بذلك ، وكذلك الذين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم اجعل لنا ذات أنواط ، لم يكفروا .
فالجواب :أن نقول : إن بنى إسرائيل لم يفعلوا ، وكذلك الذين سألوا النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا . ولاخلاف أن بنى إسرائيل لو فعلوا لكفروا ، وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبى صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا ، وهذا هو المطلوب .أهـ
فإن قال المصنف : لماذا إذن يقول لهم رسول الله : قلتم كما قالت بنو إسرائيل ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) . فنرد بإذن الله تعالى : بأن هذا من باب التغليظ كما تقدم ، وكقوله صلى الله عليه وسلم لمن قال له شاء الله وشئت : ( اجعلتنى لله نداً ) وكقوله صلى الله عليه وسلم : ( مدمن الخمر كعابد وثن ) وأيضاً ماجاء فى التشديد فى الربا : ( درهم ربا يعادل من زنى فى الحرم ) وقوله صلى الله عليه وسلم : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل " ثم تلا هذه الآية:" فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور". وكقوله تعالى : ( أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ) . وكلها لاريب بأنها ليست نفس الفعل بعينه ولكن من باب التغليظ والمشابهة . (وهذا يرد كثيراً فى الشريعة لمن تأمله ) .
فإن قال المصنف : كيف ستجمعون إذن بين قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم ، وقوله : وكذلك لاخلاف أن الذين نهاهم النبى صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا .؟
فنقول وبالله التوفيق : أن قوله : أن النبى لم يعذرهم ، أى بمجرد المشابهة التى قد تفضى إلى الفعل وتؤول إلى الإعتقاد، أما قوله :وكذلك لاخلاف أن الذين نهاهم النبى صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا . فنقول : أى معنى ذلك لو أنهم فعلوا بعد النهى وقعوا فى معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً ، ثم إن الأمر سينتقل من مجرد المشابهة إلى الإعتقاد بدليل العمل و المتابعة بعد النهى والتغليظ .
ثم نرد على المصنف السؤال من جديد : هل يقاس شرعاً وعقلاً من أراد أن يفعل الشرك فانتهى من وقته ، بمن يفعل الشرك ليل نهار ؟ !!
ثالثاً : إستدل المصنف بقوله : ونحو ذلك قول معاوية بن الحكم السلمي للنبي r: إنا قومٌ حديث عهد بجاهلية، وقد جاءنا الله بالإسلام، ومنا رجال يأتون الكهان ؟ قال النبي r:" لا تأتهم ) .
علماً أنه قد صح عن النبي r قوله فيمن يأتي الكهان فقال:" من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه يما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد " وفي رواية:" فقد برئ مما أنزل على محمد ".
والشاهد أن هذا الوعيد الشديد الوارد في الحديث لم يُحمل عليهم لكونهم يأتون الكهان بسبب جهلهم المعجزالناتج عن حداثة عهدهم بالجاهلية .. ولم يقل له النبي r:أنت وقومك كفار .. قد برئت منكم الذمة .. وإنما اكتفى بتعليمه وقيام الحجة عليه فقال له:" لا تأتهم . أ هـ
أولا : سنسرد أحاديث الباب كلها حتى نلم بالمسألة من جميع جوانبها ، ثم نذكر أقوال أهل العلم فيها .
جاء فى كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( باب ماجاء فى الكهان ونحوهم ) ثم سرد أحاديث الباب ، وهى :
روى مسلم فى صحيحه عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً )
وعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) رواه أبوداود .وللأربعة والحاكم ، وقال صحيح على شرطهما ، عن ( أبى هريرة ) : من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل علىمحمد صلى الله عليه وسلم )
ولأبى يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً .
وعن عمران بن حصين مرفوعاً :( ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أوتكهن ، أوسحر أو سحر له . ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) .
رواه البزار بإسناد جيد . ورواه الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس ، دون قوله ( من أتى ) إلى آخره .
ثم نقول وبالله التوفيق :
هذه من المنهيات التى تدخل فى جملة المحرمات ، أو الكفر دون كفر ، أو الكفر الأصغر
كما جاء فى العقيدة الإسلامية ( للطحاوى ) : ولكن بقى هنا إشكال يرد على كلام الشيخ ـ الكلام للشارح أبى العز الحنفى ـ وهو : أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفراً ، قال الله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) متفق عليه من حديث ابن مسعود رضى الله عنه . وقال صلى الله عليه وسلم ( لاترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) و:( إذا قال الرجل لأخيه : ياكافر ـ فقد باء بها أحدهما ) متفق عليهما من حديث ابن عمر رضى الله عنه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كنَ فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه { خصلة منهن كان فيه } خصلة من النفاق حتى يدعها : إذاحدَث كذب ،وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لايزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ، ولايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ،ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، والتوبة معروضة بعد ) وقال صلى الله عليه وسلم :( بين المسلم والكافر ترك الصلاة ) رواه مسلم عن جابر رضى الله عنه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من أتى كاهناً فصدقه ، أو أتى امراة فى دبرها ، فقد كفر بما أنزل على محمد ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من حلف بغير الله فقد كفر ) رواه الحاكم بهذا اللفظ . وقال صلى الله عليه وسلم : ( ثنتان فى أمتى { بهم } كفر : الطعن فى الأنساب ، والنياحة على الميت ) ونظائر ذلك كثير .
والجواب ـ الكلام لأبى العز الحنفى ـ : أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لايكفر كفراً أكبر ينقل عن الملة بالكلية ، كما تقول الخوارج ...إلخ كلامه رحمه الله . ( العقيدة الإسلامية للطحاوى ص320 ومابعدها )
والشاهد من هذا النقل أن الذهاب إلى العرّاف والكاهن هو من الكبائر دون الكفر الأكبر ولدا قُرن مع إتيان المرأة فى دبرها ، وكذلك سيق الحديث فى جملة أحاديث المعاصى التى ترد بلفظ الكفر ، وكما هو مجمعاً عليه عند أهل السنة والجماعة أن هذه الأحاديث ورد فيها لفظ الكفر من باب التغليظ، أما هى فى حقيقتها من المعاصى والتى لايكفر المسلم بها إلاَ إذا استحلها .
وكذلك من الناحية الأصولية فقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لاتأتهم ) ولا هنا تفيد نهى التحريم ، إلاَّ إذاجاء مايخصصها على نهى الكراهة ، وإلاّ فتبقى على أصلها .
كقوله صلى الله عليه وسلم :( لاترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) وقوله :(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولايخذله ) وقوله :( لاتناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ) إلى غير ذلك من الأحاديث التى تأتى فيها لا الناهية بمعنى الحرام والمعصية .
ثانياً : أن هذه الأحاديث تدخل فى ضمن القاعدة التى استدل بها أبابصير ، أى على أهل المعاصى والبدع ، ولكن لايستدل بها على من وقع فى الكفر الأكبر ـ إلاَّ إذا إعتقد الذاهب إلى الكهان والعرّافين بأنهم يعلمون الغيب ، كما سيأتى بالجمع بين الأحاديث ـ قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ فى فتح المجيد : ( قوله ( من أتى كاهناً ) قال بعضهم : لاتعارض بين هذا الحديث وبين حديث ( من أتى عرافاً فسأله عن شىء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) هذا على قول من يقول هو كفر دون كفر ، أمَا على قول من يقول بظاهر الحديث فيسأل عن وجه الجمع بين الحديثين وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأى وجه كان. وكان غالب الكهان قبل النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين .
إلى أن يقول رحمه الله : وهذا الأثر رواه البزار أيضاً ولفظه ( من أتى كاهنا ً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) وفيه دليل على كفر الكاهن والساحر لأنهما يدعيان علن الغيب وذلك كفر والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضاً . أ هـ ( فتح المجيد ص293و 294 ) وكذلك ماقاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى كتاب التوحيد : ( فيه مسائل : الأولى : لايجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن . الثانية : التصريح بأنها كفر .
ونظير هذه المسألة ـ أو قريباً منها ـ مسألة الكفر دون كفر فى الحاكم بغير ماأنزل الله ، فإن الحاكم إن عطل حكم الله فى القضية بهوى أورشوة أونحوها ، فهذا معصية وحرام وكفر دون كفر ، وأمَا إن غيّر حكم الله وحكم بغيره ،فهذا كفر أكبر يخرج من الملة .
قال الأمام أبى العز الحنفى فى شرحه للعقيدة الإسلامية ( للطحاوى ) عقب سرده للأحاديث السابقة : وهنا أمر يجب أن يُتفطَن له ، وهو :أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة ، وقديكون معصية : كبيرة أو صغيرة ، ويكون كفراً :إمَا مجازيَاً، وإمَا كفراً أصغر ، على القولين المذكورين . وذلك بحسب حال الحاكم : فإنه إن اعتقد أنَ الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أواستهان به مع تيقنه أنه حكم الله ـ : فهذا كفر أكبر . وأن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل ، وعلمه فى هذه الواقعة ، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا عاص ، ويسمى كافراً كفراً مجازياً ، أوكفراً أصغر . (العقيدة الإسلامية للطحاوى ص332و 324 )
ونخلص بذلك إلى مايلى :
أ ـ أن النهى فى الأحاديث السابقة هو نهى التحريم ، وحديث معاوية بن الحكم السلمى ـ الذى استشهد به المصنف ـ يؤيد ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم :
(لاتأتهم ) بلا الناهية التى تفيد التحريم .وكذلك غالباً مايذكر العلماء هذه الأحاديث فى مصنفاتهم فى باب الكفر دون كفر،كما تقدم من نقل الطحاوى وشرح أبى العز الحنفى .
ب ـ أن الخلاف قد وقع بين العلماء فى نوع الكفر الوارد فى جملة الأحاديث ، هل هو من الكفر الأصغر أم من الكفر الأكبر ، كما قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ : هذا على قول من يقول هو كفر دون كفر ، أمَّا على من يقول بظاهر الحديث .. إلخ ، وكذلك ماقاله القرطبىعن الإمام أحمد : المراد بالمنزل الكتاب والسنة أ.هـ وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة أم يتوقف فيه فلا يقال يخرج عن الملة ولا يخرج ؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى ( فتح المجيد ص294 )
ج ـ أن ماوقع فيه الخلاف بين العلماء وذلك مبناه على الإجتهاد فى نوع الكفر الوارد فى جملة أحاديث الذهاب إلى الكهان ، فلا يستدل به على الأمور القطعية التى تأتى فى أنواع الكفر الأكبر ، كعبادة الأوثان ، والسب والإستهزاء ، والذبح لغير الله والنذر لغيره ، والإستغاتة بغيره ، والحكم والتحاكم لغير شريعته .. إلى غير ذلك من أنواع الكفر الأكبر .
د ـ إن النهى فى أحاديث الذهاب إلى الكهان ، يدخل فى حكم القاعدة التى استدل بها المصنف ، ولكن لايستدل بها على أفعال الكفر الأكبر، إلاَّ إن اعتقد المكلف بأن الكاهن والعراف يعلمان الغيب فحينئذ يكون كفراً أكبر .
( فيكون مجرد الذهاب والحضور والسؤال من الحرام والمعصية التى لايكفر بها المكلف ، أمَّا الإعتقاد بأن الكاهن والعراف يعلمان الغيب فهو من الكفر الأكبر ، بماتقدم من الجمع بين الأحاديث الذى ذكرها الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ ) .
وجاء فى كتاب (حقيقة الإيمان ) : * وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) فإنه يجب الجمع بينه وبين حديث آخر رواه مسلم وهو : (من أتى عرّافا ًفسأله عن شىء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ) .
فهذا يعنى عدم قبول ثواب الصلاة لمدة معينة ، وهو لايجوز قوله لغير المسلم، فصح أنه لم يكفر بذلك ، أما إن اعتقد أن هذا الكاهن يعلم الغيب حقيقة ، ويشارك فى علم الله تعالى فيكون كفره كفراً أكبر . أ هـ
( حقيقة الإيمان ، لعبد الله بن محمد القنائى ص210 ـ 211 )
فتكون المسألة قد تبيّنت بذلك ، ولله الحمد والمنة .
رابعاً : استدلال المصنف بحديث عدى بن حاتم ، فقال : وكذلك لما جاء عدي بن حاتم النبي r مسلماً وفي عنقه صليب من ذهب ـ وكان حديث عهد بالكفر ـ فاكتفى النبي r بقوله له :" يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك "، ولم يلحق به حكم الكفر به لتعليق الصليب في عنقه .. أو يلزمه بالتوبة ودخول الإسلام من جديد .. وذلك لجهله الناتج عن حداثة عهده بالكفر. أ هـ
فنقول وبالله التوفيق :
أولاً : قول المصنف : وكذلك لما جاء عدى بن حاتم النبى مسلماً وفى عنقه صليب من ذ هب . إلخ ( وتأمل ماوضعنا تحته الخط )
هذا من كلام المصنف نـفسه وليس كما جاء فى السيرة أو نقلاً عن أحد من أهل العلم ، وكيف يريد المصنف أن يوهم القارىء بأن عدى بن حاتم كان قد دخل فى الإسلام قبل أن يلقى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه وفى عنقه الصليب !!
وفى هذا :
*تغيير للحقائق التاريخية كما جاءت فى السيرة النبوية .
*رمى هذا الصحابى بالجهل بعد إسلامه .
*محاولة شططاً عكس دليل عدم العذر بالجهل ليستدل به المصنف على العذر بالجهل ، وهذا من قبيل لى أعناق النصوص ، وقلب المعانى .
ثم نأتى لذكر هذه الحادثة كما جاءت عن العلماء فى التفاسير والسير :
جاء فى تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله : وقوله " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه ثم مَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعتقها فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم عدي إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " قال: فقلت إنهم لم يعبدوهم فقال " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرك أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلها غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال " إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون "وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبدالله بن عباس وغيرهما في تفسير " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا وقال السدي استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا " أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ " لا إله إلا هو ولا رب سواه.أ هـ )
فانظر كيف أن عدى بن حاتم لم يكن مسلماً عند مقدمه على رسول الله وكان فى عنقه صليب من فضة ، ثم دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق. كما نقل الحافظ ابن كثير ، وقارن بكلام المصنف السابق .
وجاء فى تفسير الألوسى نقله عنه الشيخ الصابونى فى صفوة التفاسير
: ( قال عدى بن حا تم : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عنقى صليب من ذهب فقال : ياعدى إ طرح عنك هذا الوثن ، قال وسمعته يقرأ سورة براءة ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) فقلت يارسول الله : لم يكونوا يعبدونهم ، فقال عليه السلام : أليس يحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فيستحلون ؟ ! فقلت : بلى ، قال : فذلك عبادتهم . أ هـ ( صفوة التفاسير ج1 ص531 )
وقال سيد قطب رحمه الله فى ظلال القرآن : وقبلأن نقول:كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً , نحب أن نعرض الروايات الصحيحةالتي تضمنت تفسير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - للآية . وهو فصل الخطاب .
الأحبار :جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها , وهو العالم من أهل الكتاب وكثر إطلاقه على علماء اليهود . . والرهبان : جمع راهب , وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة; وهو عادة لا يتزوج , ولا يزاول الكسب , ولا يتكلف للمعاش .
وفي "الدر المنثور" . . روى الترمذي [ وحسنه ] وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - قال:أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباًمن دون اللّه)فقال:" أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهمشيئاً استحلوه . وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه " .
وفي تفسير ابن كثير:وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بنحاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - [ صلى الله عليه وسلم ] - فر إلى الشام ,وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم منّ رسول اللّه - [ صلى الله عليه وسلم ] -على أخته وأعطاها , فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام , وفي القدوم على رسول اللّه- صلى الله عليه وسلم ] - فقدم عدي المدينة - وكان رئيساً في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهوربالكرم - فتحدث الناس بقدومه , فدخل على رسول اللّه - [ صلى الله عليه وسلم ] - وفي عنق عدي صليب منفضة , وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دوناللّه)قال:فقلت:إنهم لم يعبدوهم . فقال:" بلى ! إنهم حرموا عليهم الحلال , وأحلوالهم الحرام , فاتبعوهم:فذلك عبادتهم إياهم . . . " .أ هـ ( فى ظلال القران ج7 ص 56)
فهذه الروايات كما جاءت فى تفاسير العلماء لم يرد فيها أن عدى بن حاتم كان قد دخل فى الإسلام قبل مقدمه على رسول الله فى المدينة وإنما دعاه الرسول إلى الإسلام وأعلن إسلامه إمام النبى صلى الله عليه وسلم وشهد شهادة الحق ـ فى أول لقاء له بالنبى صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن كان عدى نصرانياً معلقًا للصليب فى عنقه وواقع فىعبادة الأحبار والرهبان فى التحليل والتحريم .
وأمّا السـير : جاء فى البداية والنهاية لابن كثير ( القصة بطولها )
قال البخاري : في الصحيح وفد طيء وحديث عدي بن حاتم حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن عدي بن حاتم قال أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم فقلت أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال بلى أسلمت اذ كفروا واقبلت اذ أدبروا ووفيت إذ غدروا وعرفت إذ أنكروا فقال عدي لا أبالي إذا وقال ابن اسحاق وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني أما أنا فكنت امرءا شريف ا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع
وكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لابلي لا أبالك أعدد لي من إبلي أجمال ا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني فاذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل ثم أنه اتاني ذات غداة فقال يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن فاني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد قال قلت فقرب الى اجمال ي فقربها فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت الحق بأهل ديني من النصارى بالشام فسلكت الحوشية وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيبت ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي الى الشام قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت اليه وكانت امرأة جزلة فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك قال ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال الفار من الله ورسوله قالت ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مربي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالامس قالت حتى اذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فاشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلميه قالت فقمت اليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك فقال صلى الله عليه وسلم قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني فسألت عن الرجل الذي اشار إلي أن كلميه فقيل لي علي بن ابي طالب قالت فقمت حتى قدم من بلي أو قضاعة قالت وإنما أريد أن آتي أخي بالشام فجئت فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ قالت فكساني وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي فوالله إني لقاعد في أهلي فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا قال فقلت ابنة حاتم قال فاذا هي هي فلما وقفت علي استحلت تقول القاطع الظالم احتملت باهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك قال قلت أي أخية لا تقولي إلا خيرا فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت قال ثم نزلت فاقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل قالت أرى والله أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فللسابق اليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت قال قلت والله إن هذا الرأي قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال من الرجل فقلت عدي بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي اليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي والله ما هذا بملك قال ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال اجلس على هذه
قال قلت بل أنت فاجلس عليها قال بل أنت فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض قال قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا قالت قلت بلى قال أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع قال قلت بلى قال فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك قال قلت أجل والله قال وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من ارض بابل قد فتحت عليهم قال فاسلمت قال فكان عدي يقول مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من ارض بابل قد فتحت ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه هكذا أورد ابن اسحاق رحمه الله هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر . أ هـ ( البداية والنهاية لابن كثير ج 5 ص 144 ومابعدها )
وجاء فىكتاب (الدرر فى اختصار المغازى والسير، ص 72 ) لابن عبد البر النمرى :
( وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدى بن حاتم الطائى فى قومه من طىء وكان نصرانياً ، فمضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخله بيته وتناول وسادة من أدم حشوها ليف فطرحها وقال : أجلس عليها ، فقال : بل أنت فاجلس عليها يارسول الله ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأرض وأجلسه على الوسادة ، ثم لم يزل يكلمه ويعرض عليه مافى دينه النصرانية مما أحدثوه من الشرك ويعرض عليه الأسلام ويخبره أنه سيبلغ مابلغ الليل والنهار وأنه لايبقى عربى إلاَ دخل فيه طوعاً أو كرهاً ، فقبل عدى الإسلام وأسلم وحسن إسلامه وتبعه قومه فأسلموا وحسن إسلامهم . أ هـ )
هذا ماجاء فى التفاسير والسير واختصرنا منها ماتقدم ، وكل الروايات تتفق مع بعضها البعض وتبين مالم يذكر هنا فذكر هنالك ، وكان مقدم عدى بن حاتم هذا هو المقدم الأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسلم فيه هو وقومه ، ولم يعلق الصليب أو يرجع إلى عبادة الأحبار والرهبان ،وإنما كان ذلك قبل مقدمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وتأمل قول ابن عبد البر فى الدرر ـ السابق ـ : فقبل عدى الإسلام وأسلم وحسن إسلامه وتبعه قومه فأسلموا وحسن إسلامهم . أ هـ )
ومعنى حسن إسلامه ـ كما هو معلوم ـ فى الشريعة وفى كلام العرب أى أنه لم يرتد ، أو يأتى بأى شبهة فى دينه وعقيدته .
ثم نأتى لنعرف فى أى سنةً كان مقدم عدى بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
جاء فى فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن آل الشيخ : قوله ( عدى بن حاتم ) أى الطائى المشهور . وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج ـ بفتح الحاء ـ المشهور بالسخاء والكرم . وقدوم عدى على النبى صلى الله عليه وسلم فى شعبان سنة تسع من الهجرة. فأسلم وعاش مائة وعشرين سنة . أ هـ ( فتح المجيد ص 390 )
أى كان مقدمه قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم توفى فى السنة العاشرة من الهجرة وهذا يعنى أن عدى لم يدرك الرسول إلاَّ فى آخر أيام حياته ، وسأل فى هذه السنة عدى بن حاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد وحكمه ، وقد روى عدة أحاديث عن ذلك يذكرها له الفقهاء فى باب الصيد ، وسأل أيضاً رسول الله عن معنى قوله تعالى : (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) وذلك فى رمضان من نفس السنة ، لأن وفاته صلى الله عليه وسلم كانت فى العام الذى يليه فى يوم الإثنين صدر ربيع الأول من العام العاشر للهجرة ، ولم يدرك شهر رمضان فى العام العاشر صلى الله عليه وسلم ( فمن مقدمه فى شعبان إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يوم إثنا عشر ربيع الأول ثمانية أشهر إلاّ أياماً ، هذه هى كل المدة التى ادركها عدى رضى الله عنه من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قدم عدى فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ،كما جاء عن البخارى : قال البخاري في الصحيح وفد طيء وحديث عدي بن حاتم حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن عدي بن حاتم قال أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلاً رجلاً يسميهم فقلت أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال بلى أسلمت اذ كفروا واقبلت اذ أدبروا ووفيت إذ غدروا وعرفت إذ أنكروا فقال عدي لا أبالي إذا . أ هـ ( البداية والنهاية ج5 ص 144ـ 145 )
أما إذا تعلق المصنف بقول أحد أهل العلم عن عدى ـ كما جاء فى مجموعة التوحيد ـ : جئته مسلماً ـ وإن كان لم يذكر فى الروايات المتواترة ـ وهذا لايعارض ماتقدم ، فإن معنى قوله : جئته مسلماً أى جئته أريد الإسلام ، كما هو متعارف عليه فى كلام العرب ، كما تقوله فى كلامها : جئته غازياً ، أى أريد الغزو ، وهو لم يغزو بعد ، أو قولهم : جئته خاطباً، وهو لم يخطب بعد أو يتزوج إنما يريد أن يفعل ..إلى غير ذلك وليس المراد أنه جاء موحداً ويعرف أحكام الإسلام ، كما يريد المصنف أن يوهم بذلك .( والمراد هو حين رغبته أخته فى الإسلام جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم ناوياً الدخول فى الإسلام )
ولم يقف المصنف عند هذا الحد بل قال فى بحثه ( العذر بالجهل وقيام الحجة ص 31 و23 و33 )
تعليقاًعلى حديث عدى بن حاتم تحت عنوان
ُيستفاد من الحديث الفوائد التالية :
1- أن عدي بن حاتم t جاء النبي r مسلماً مقراً بالشهادتين .. لأنه كان قبل ذلك مهدور الدم، وما عصم دمه إلا إسلامه.
2- أن عدياً كان قد تنصر، وكان حديث عهد بالكفر؛ أي أنه كان عاجزاً عن معرفة كل ما يدخل في التوحيد ومتطلباته من أيامه الأولى من إسلامه؛ أي أنه كان معذوراً بالجهل ..
3- بسبب ما تقدم فقد وقع عدي t بنوعين من الشرك الأكبر، كل واحد منهما يُخرج صاحبه من الملة لو اقتُرف من غير جهل بالنص الشرعي الذي يفيد التحريم، لكن عدياً لم يكفر بعينه لمانع الجهل المعتبر بالخطاب الشرعي:
أولهما: ارتداؤه الصليب .. وهذا شرك أكبر، لذا سماه النبي r بالوثن الذي يُعبد من دون الله U .. ومع ذلك فقد اكتفى النبي r بأن قال لعدي:" اطرح هذا الوثن من عنقك "، من دون أن يحكم عليه بعينه أنه كافر أو قد كفر وارتد، وعليه أن يدخل الإسلام من جديد بتلفظ الشهادتين ..
ثانياً: أن عدياً كان يجهل أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم من دون سلطان من الله .. يدخل في معنى العبادة التي لا يجوز أن يُصرف منها شيء لغير الله تعالى، وأنه من الشرك الأكبر .. إلى أن بين له النبي r ذلك، وعلمه أن طاعة الأحبار والرهبان، والتحاكم إليهم من دون الله تعالى في التحليل والتحريم هو عبادة لهم وشرك بالله تعالى .. ومن دون أن يحكم عليه بالكفر والارتداد، أو يُلزمه بضرورة تجديد إسلامه وإيمانه .. أ هـ
ومعنى كلام المصنف كما هو واضح ـ علاوة على كلامه السابق ـ أن ذلك يقتضى ( وتأمل ماتحته خط من كلام المصنف ) :
1 ـ أن عدى بن حاتم لم يزل معلقاً للصليب فى عنقه بعد إسلامه ..!!
2 ـ أنه لم يزل بعد إسلامه على عبادة الآحبار والرهبان ،حتى نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين له أن هذا شرك وكفر ..!!
3 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عذره بجهله برغم كل ماوقع فيه بعد إسلامه ، ولم يحكم بردته ..!!
ثم قال أيضاً فى بحثه السابق ص 43 :
- أن من الأدلة الآنفة الذكر جاءت كدليل صريح على العذر في مسائل الأصول كما في حديث عدي بن حاتم، وغيره ..! أ هـ
وعلى العكس تماماًمن كلام المصنف ، فإن حديث عدى بن حاتم من أقوى الحجج على أن المشرك لايعذر بجهله ، أى أنه حجة على من يقول بالعذر لا له .
أولاً : بنص كلام الله المحكم : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) ومعنى أن فلاناً اتخذ فلاناً رباً أى عبده من دون الله .
ثانياً : بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للآية بنفسه : ( أليس يحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فيستحلون ؟ ! فقلت : بلى ، قال : فذلك عبادتهم ) الحديث .
قال الشيخ أبا بطين رحمه الله في رسالته ( الشرك وعدم إعذار جاهله وثبوت قيام الحجة عليه ) - بعد أن ذكر الأية وحديث عدي بن حاتم - قال : [ فذمهم الله سبحانه وسماهم مشركين مع كونهم لم يعلمواأن فعلهم معهم هذا عبادة لهم فلم يعذروا بالجهل ..] إنتهى .
ونخلص من كل ماتقدم إلى مايلى :
أ ـ أن عدى بن حاتم عند مقدمه على رسول الله فى المدينة ، كان لم يزل مشركاً على دين قومه ، بدليل تعليقه للصليب وطاعته للأحبار والرهبان .
ب ـ أن الرسول لم يعذره بجهله بنص كلام الله المحكم وتفسيره للآية بنفسه صلى الله عليه وسلم .
ج ـ أن مقدمه كان قبل آخر سنة من حياته صلى الله عليه وسلم ، أى أنه أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم زمناً يسيراً .
د ـ أن عدى بن حاتم حسن إسلامه لم يأتى بأى ناقض يقدح فى دينه وعقيدته ، بعد أن دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مرة . (وللقارىء الكريم أن يتأمل ويراجع التفاسير والسير )
خامساً : كلام المصنف عن التأويل ، وذكر ثلاثة أمثلة وقعت فى عهد الصحابة ، فقال :
التأويل : ومن موانع التكفير التي تمنع من لحوق الوعيد بالمعين التأويل المعتبر والمستساغ شرعاً؛ فمن وقع في المخالفة الشرعية لتأويل معتبر منع عنه لحوق الوعيد .
مثال ذلك ما حصل للصحابي البدري قدامة بن مظعون t عندما تأول قوله تعالى:) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات (المائدة:93. فأحل لنفسه شرب الخمر .. على اعتبار أنه من الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. وبالتالي لا جناح عليه لو شرب الخمر .. فأحل بذلك شرب الخمر، وهذا كفر .. ولكن لما كان الحامل على وقوعه في هذا الكفر التأويل والفهم الخاطئ للآية مُنع عنه لحوق الكفر به .. وأجمع الصحابة على استتابته وإلزامه الحجة أولاً فإن أصر على الاستحلال بعد ذلك قتل كفراً وردة على أنه قد غير وبدل، واستحل ما حرم الله.
وكان من شأنه أنه ندم على ذنبه وخطأه ندماً شديداً، فأرسل إليه عمر t فقال له: ما أدري أيُّ ذنبك أعظم، استحلالك المحرم أولاً أم يأسك من رحمة الله ثانياً ؟!
ونحو ذلك خطأ حاطب بن أبي بلتعة البدري عندما راسل قريشاً يخبرهم بتوجه النبي r لفتح مكة .. وهذا الفعل يُعد من الموالاة التي فيها مظاهرة المشركين على المسلمين .. ولكن لما فعل حاطب ذلك متأولاً ظاناً أن ذلك لا يضره في إيمانه وإسلامه .. وكان صادقاً في تأويله وأنه لم يفعلها ردة ولا كفراً .. أقال النبي r عثرته، ومنع أن يُحمل عليه حكم الكفر أو النفاق الذي أطلقه عليه عمر t .. واستأذن النبي r ـ لأجل ذلك ـ بقتله!
قال ابن حجر في الفتح 8/503: وعذر حاطب ما ذكره؛ فإنه صنع ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه ا- هـ.
وكذلك لما تأول الصحابي عدي بن حاتم t قوله تعالى:) وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (. ففتل في رجله خيطين أسود وأبيض، وهو لا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له، إلى أن بين له رسول الله r فقال له:" إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل (، ولم يعنفه على تأويله الخاطئ، ولم يؤثمه، وما طلب منه أن يعيد صومه، علماً أن سحوره كان يمتد به إلى ما بعد ظهور الفجر الصادق ..!
فشاهدنا مما تقدم أن نقول: أن التأويل المعتبر شرعاً المستساغ لغة كما هو مانع من موانع التكفير، فهو كذلك مانع من موانع لحوق الوعيد والإثم والحرج بالمعين . أ هـ
فنقول وبالله التوفيق :
يجب التفريق فى مايكون فيه التأويل مستساغ شرعاً وفى مالايكون فيه مستساغاً ،ولايفتح باب التأويل على مصراعيه ليلج فيه من يلج ، فأحكام التوحيد كلها من قبيل المحكمات القاطعة ، فلا يجوز فيها التأويل ، ولو لم يكن هذا الضابط لما أصبح للتوحيد حرمته ، ولم يكفر أى مكلف مهما أتى بأى بناقض تحت باب التأويل ..!!
جاء في فيض الباري للكشميهنى ج1/ص5 : حيث أحكام التوحيد جميعها محكمة قاطعة ، فالتأويل فيها بمثابة الجحود ، مناقضاً للحقائق الشرعية ، والنصوص القطعية . اهـ .
يقول الإمام البقاعي فيمن جادل عن المارقين بحجة التأويل :
" لو فتحنا باب التأويل على مصراعيه ما كفر أحد على وجه الأرض "
( تنبيه الغبي في تكفير ابن عربي )
ونقل الشيخ سراج الدين بن المقلد على المنهاج و الزركشي في التكملة عن إمام الحرمين في أنه قال في أوائل الإيمان :"قال الأصوليون :لو نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر توريته كفر ظاهراً وباطناً[7]".
ويقول الغزالي:"نقله عنه ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين :"وكل مالم يؤثر عن السلف ذكره وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع "[8].
*قال الطبري في تهذيبه بعد أن سرد أحاديث الباب ـ الأحاديث المروية في صفة الخوارج ـ :"فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد إستحقاقه حكمه إلاّ بقصد الخروج منه عالماً فإنه مبطل لقوله في الحديث :"يقولون الحق ويقرؤن القرآن ويمرقون من الإسلام ولايتعلقون منه بشئ " ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا إستحلال دماء المسلمين وأموالهم إلاَّ بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه "[9].
* وقد أفتى الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه (أصول الإيمان) بما معناه :
" أن من اجتهد في مسألة من أصول الدين وأخطأ في اجتهاده فهو كافر ومخلد في النيران على القول الراجح من المذاهب " . أ هـ
وهذا القدر ذكره المصنف نفسه حيث يقول : .. كما أنه ليس كل تأويل يلزم بالضرورة أن يقيل عثرات صاحبه ، أو يمنع عنه لحوق الوعيد .. وذلك بحسب نوعية التأويل وقوته، واستساغته شرعاً وعقلاً ولغةً .. فتنبه لذلك . ( نفس البحث ، قاعدة فى التكفير، الهامش ص3 )
لكنه لم يفصّل فيما يكون هذا التأويل كما فصّله العلماء آنفاً ( وسنفرد رداً مستقلاً على هذه المسألة بعون الله تعالى )
ثم نقول وبالله التوفيق :
ماجاء فى حادثة قدامة إبن مظغون رضى الله عنه ، واستحلاله للخمر
قال الإمام أبى العز الحنفى فى شرح العقيدة الإسلامية للطحاوى :
وأرد الشيخ رحمه الله ـ أى الطحاوى ـ بقوله : لايضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ـ مخالفة للمرجئة . وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين ، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك . فإن قُدامةبن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة ، وتأولوا قوله تعالى: ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا مااتقوا وآمنواوعملوا الصالحات ) المائدة 93 الآية. فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه ،اتفق هو وعلىَ بن أبى طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا ، وإن أصروا على استحلالها قتلوا .وقال عمر لقدامة : أخطأت استُك الحفرة ، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر . وذلك أن هذه الآية نزلتْ بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر ، وكان تحريمها بعد وقعة أحُد ، قال بعض الصحابة : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ فأنزل الله هذه الآية . بينَّ فيها أن من طعم الشىء فى الحال التى لم يحرَّم فيها فلاجناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين ، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس . ثم إن أولئك الذين فعلوا {ذلك يذُّمون } على أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة . فكتب عمر إلى قدامة يقول له : ( حم~ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ) غافر: 1ـ 3 . ما أدرى أىّ ذنبيك أعظم ؟ استحلالك المحرّم أولاً ؟ أم يأسك من رحمة الله ثانياً ؟ وهذا الذى اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام . أ هـ ( شرح العقيدة الأسلامية للطحاوى ص324 و 325 )
يجدر بنا هنا أن نوضح أمراً مهماً فى هذه المسألة أولاً وقبل أن نرد على ماتقدم
وهو : أن الأصل فيما فعله قدامة ومن معه ، أى فى مجرد الفعل المحسوس هو الحرام والمعصية ، أى فى شربهم للخمر ، وذلك بخلاف أفعال الكفر الأكبر فبمجرد الفعل يكفر المكلف سواءً استحله أم لم يستحله ، متأولاً أم غير متأول ، كالسجود للصنم ، والسب ، والإستهزاء ، والسحر ، والإسثغاثة بغير الله ، والذبح أو النذر لغيره ، ودعاء الأموات والغائبين ، وولاء الكافرين ، والحكم والتحاكم إلى غير شريعته سبحانه ..إلخ
فلا يكفر إبتداءً إلاّ بقرينة أخرى زيادة على مجرد شرب الخمركأن يصرح بأنها مباحة ، وهو الإستحلال ، عندها إذا كان كان متأولاً يكون البيان بحسبه ، أى زمن يسير حتى تنجلى عنده الشبهة ، ولايكون ذلك فى زمن طويل يشرب فيه الخمر ليل نهار على أنها مباحة ، وتكون معه الجلسات والمحاورات والمناظرات .
وهذا ماحصل للصحابة مع قدامة رضى الله عنهم جميعاً ، بينوا له فيه الحكم الشرعى فيما ذهب إليه من وقته ، ولأنه لايجوز تأخير البيان حينئذ ، فإن لم يرجع لوقته واستحل كفر ، وإن اعترف بالشرب وتاب من الإستحلال جلد الحد . وتأمل مانقله أبى العزالحنفى عن الصحابة ـ أعلاه ـ اتفق هو وعلىَ بن أبى طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا ، وإن أصروا على استحلالها قتلوا .
قال الشيخ عبدالله أبابطين رحمه الله ( فى كلام له عن ابن تيمية ) : وقال الشيخ أيضاً ـ أى ابن تيمية ـ : لمّا استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه وظنوا أنها تباح لمن آمن وعمل صالحاً على ما فهموه من آية المائدة قال تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا مااتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ... ) اتفق علماء الصحابة كعمر وعلى وغيرهما على أنهم يستتابون ، فإن اصروا على الإستحلال كفروا ، وإن أقروا به جلدوا ، فلم يكفروهم بالإستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق فإن اصروا كفروا . أهـ ( رسالة معنى قيام الحجة ص 5 )
ثم مايعنينا نحن اليوم فى زماننا الحاضر هو تطبيق مناط الحكم على الواقع الذى نعيشه ، بمعنى أنه لو استحل مسلم الآن الخمر هل نسميه متأولا ًولانكفره ؟!
وقد علم تحريمها القاصى والدانى ، بل حتى أغلب أهل الكتاب يعلموا أن الخمر محرمةٌ علينا فى ديننا .. !!
يجيب على هذا السؤال الإمام ابن القيم رحمه الله فيقول : حكى عن عثمان بن منصور وعمرو بن معدىكرب إنهما كان يقولان الخمر مباحة ويحتجان بقوله تعالى ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ماأتقوا وأمنوا وعملوا الصالحات ) قالا قد آمنا وعملنا الصالحات فلاجناح علينا فيما طعمنا فلم تكفرهما الصحابة بهذا القول وسؤالهما الحكم فى ذلك لأنه ؛ لم يكن قد ظهرت أحكام الشريعة فى ذلك الوقت ظهوراً عاماً ولوقال بعض المسلمين فى وقتنا هذا لكفرناه لأنه قد ظهر تحريم ذلك وسبب نزول الآية ماقاله الحسن لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى فى بطونهم وقد أخبر الله إنها رجس فأنزل الله تعالى :( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا ) أهـ ( بدائع الفوائد لابن القيم ج3 ص 618 )
·
وأمّا عن حادثة حاطب ابن أبى بلتعة رضى الله عنه :
فنقول وبالله التوفيق :
أولاً : أن حاطب كان ممن شهدوا بدر، وكما قال صلى الله عليه وسلم :( لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم ) وهذه خاصة لأهل بدر دون غيرهم سواءً فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فى أى عصر بعده .
ثانيا : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر رضى الله عنه قوله : ( دعنى أضرب عنقه يارسول الله ) لكونه أخذ بظاهره ، أمّا النبى صلى الله عليه وسلم فهو يسير بالوحى لذلك علم صدقه ودرء عنه القتل كونه ممن شهدوا بدراً .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلى رحمه الله :
واستدل من أباح قتله بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم فاستأذن عمر في قتله فقال إنه شهد بدرا فلم يقل إنه لم يأت بما يبيح دمه وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدراً ومغفرة الله لأهل بدر وهذا المانع منتف في حق من بعده . أ هـ
( جامع العلوم والحكم ، شرح الحديث الرابع عشر ، لايحل دم أمرىء مسلم إلاّ باحدى ثلاث )
ثالثاً : كان هذا الفعل من حاطب من أجل أمر من أمور الدنيا ، ولم يريد الدل على عورات المسلمين ، أو أن يوقع المكيدة بهم . قال الإمام القرطبى رحمه الله فى المسألة الرابعة فى آية الممتحنة التى نزلت فى شأن حاطب رضى الله عنه : الرابعة : من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم ، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين .
( أحكام القرآن للقرطبى سورة الممتحنة آية 1 )
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله فى تفسيره لسورة الممتحنة عن فعل حاطب رضى الله عنه :
ولهذا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد. أهـ
رابعاً : وهى مسألة الجاسوس المسلم هل يقتل أم لا ؟
قال الإمام القرطبى رحمه الله فى المسألة الخامسة : الخامسة : إذا قلنا لا يكون بذلك كافراً فهل يقتل بذلك حداً أم لا ؟ اختلف الناس فيه ، فقال مالك و ابن القاسم و أشهب : يجتهد في ذلك الإمام ، وقال عبد الملك : إذا كانت عادته قتل ، لأنه جاسوس ، وقد قال : مالك بقتل الجاسوس وهو الصحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض ، ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطباً أخذ في أول فعله ، والله أعلم . أ هـ
( السابق نفس الصفحة )
وقال فى المسألة السادسة : السادسة : فإن كان الجاسوس كافراً فقال الأوزاعي : يكون نقضاً لعهده ، وقال أصبغ الجاسوس الحربي يقتل ، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن تظاهرا على الإسلام فيقتلان . أ هـ
( السابق )
وقال القرطبى فى المسألة السابعة : المسألة السابعة : هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة ، فيكون استئنافاً ، وهذا كله معاتبة لحاطب ، وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه ، فإن المعاتبة لا تكون إلاّ من محب لحبيبه . أ هـ
ونخلص بكل ذلك إلى مايلى :
*أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم صدّق حاطب رضى الله عنه فعذره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤيداً بالوحى . ( وتأمل ماقاله عمر فى حقه )
*أن فعله كان من أجل أمرمن أمور الدنيا .
*أنه كان ممن شهدوا بدراً وهذا يدرأعنه حد القتل .
*أن الجاسوس المسلم اختلف العلماء فى حكمه ، فيقتل إن أراد خيانة المسلمين وأمّا إذا أراد شىء من الدنيا فيعاقب دون القتل .
*أنه لو فعل أى مسلم نفس هذا الفعل من بعده أخذنا بظاهره .
وأمّا تأويل عدى بن حاتم لقوله تعالى :( فكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) البقرة 187
فهذا فى فروع الشريعة ولايستدل به على المتأول فى أصول الدين .( وهو يدخل فى جملة القسم الأول من القاعدة )
وعلى اعتبار أنه أخطأ رضى الله عنه وفطر فى رمضان ، فهل يعد فعله هذا حراماً أوكفراًبالله .. !!
وقد كان عدى بن حاتم حديث عهد بالإسلام ،وذلك فى أول رمضان يصومه ( راجع مانقلناه سابقاً عن زمن دخول عدى فى الإسلام وأنه كان فى شعبان ، أى أن هذه الحادثة بعد إسلامه بشهر تقريباً )
قال السيوطى رحمه الله : (كل من جَهِلَ تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس ، لم يُقبل ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك : كتحريم الزنا، والقتل والسرقة والخمر، والكلام في الصلاة والأكل في الصوم )أهـ (الأشباه والنظائر ص 357 - 358 ط دار الكتاب العربي 1407هـ)
سادساً : مانع الإكراه الذى ذكره المصنف فقال :
3 ـ الإكراه : كذلك الإكراه فإنه مانع من موانع لوحق الكفر بالمعين، وهو كذلك مانع من موانع لحوق الوعيد والحرج والإثم لقوله تعالى:) إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ( النحل 106 .
فهذا المانع هو المانع الصحيح و المعتبر فى الكفر الأكبر ـ وليس ماساقه عن الجهل المعجزـ وهو إستثناء بنص الآية المحكم ويشمل كل من وقع فى الكفر بالقول أوالعمل بشرط اطمئنان القلب بالإيمان وهذا ، مااستقرعليه أمر الدين والشريعة .
ولكن يجب توضيح جانب مهم فى مسألة الإكراه وهو : ماهو نوع الإكراه المعتبر فى الكفر الأكبر، وماهى شروطه ؟
فالمعتبرفى قول أوفعل الكفر الأكبر هو الإكراه الملجىء ، وهو مايلجيئك من إنسان أو جماعة علىقول أوفعل الكفر بالقوة .
جاء فى مختار الصحاح ( جزء 1 - صفحة 612 )
[ لجأ ] ل ج أ : لَجَأ إليه يلجأ مثل قطع يقطع لَجَأً بفتحتين و مَلْجَأ و الْتَجَأَ مثله و التَّلْجِئَة الإكراه و ألْجَأَه إلى كذا اضطره إليه و أَلْجَأ أمره إلى الله أسنده . أهـ
وما هو المعنى الشرعي للإكراه الملجيء ؟؟
أو ما هو الإكراه الملجيء عند العلماء ..؟
تعريف الإكراه الملجيء عند العلماء
وضحه ابن عبد البر بعبارة مختصره نذكرها ونذكر غيرها من بعدها
قال بن عبد البر فى التمهيد ( جزء 1 - صفحة 120 )
الإكراه إن كان ملجئاً وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار . أ هـ
وجاء فى أصول البزدوي وأما الفصل الآخر فهو فصل الإكراه وهو ثلاثة أنواع :
1 ï نوع يعدم الرضاء ويفسد الإختيار وهو الملجيء
2 ï ونوع يعدم الرضاء ولا يفسد الإختيار وهو الذي لا يلجيء
3 ï ونوع آخر لا يعدم الرضاء وهو أن يهتم (بمعنى يلحقه الهم والغم) بحبس أبيه أو ولده وما يجري مجراه . أهـ
( جزء 1 - صفحة 357 )
قال بن عبد البر فى التمهيدمسألة 5 الإكراه :
إن كان ملجئاً وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كالإلقاء من شاهق فلا يصح معه تكليف لا بالفعل المكره عليه لضرورة وقوعه ولا بضده لإمتناعه والتكليف بالواجب وقوعه والممتنع وقوعه محاللأن التكليف شرطه القدرة والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وإن كان غير ملجيء كما لو قال : إن لم تكفر أو تقتل زيداً وإلا قتلتك وعلم أو غلب على ظنه أنه إن لم يفعل وإلا قتله فلا يمتنع معه التكليف بل يصح أن يكلف ويدل عليه بقاء تحريم القتل والزنا مع الإكراه . أ هـ (جزء 1 - صفحة 120)
جاء فى بدائع الصنائع ، فصل : بيان أنواع الإكراه
وأما بيان أنواع الإكراه فنقول : إنه نوعان :
نوع يوجب الإلجاء والإضطرار طبعاً كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو قل الضرب أو كثر ومنهم من قدره بعدد ضربات الحد وأنه غير سديد لأن المعول عليه تحقق الضرورة فإذا تحققت فلا معنى لصورة العدد وهذا النوع يسمى إكراهاً تاماً .
ونوع لا يوجب الإلجاء والإضطرار وهو الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه التلف وليس فيه تقدير لازم سوى أن يلحقه منه الإغتمام البين من هذه الأشياء أعني الحبس والقيد والضرب وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراهاً ناقصاً .أهـ
(بدائع الصنائع جزء 6 - ص184)
وأمّا شروط الإكراه الملجىء فهى أربعة شروط ذكرها ابن حجر رحمه الله فى فتح البارىء وهى :
وشروط الإكراه أربعة
الأول : أن يكون فاعله قادراً على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار .
الثاني : أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك .
الثالث : أن يكون ما هدده به فورياً فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك غداً لا يعد مكرهاً ويستثنى ما إذا ذكر زمناً قريباً جداً أو جرت العادة بأنه لا يخلف .الرابع : أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره . أ هـ (فتح الباري – جزء 12 - صفحة 311 )
فبغير هذا الإكراه الملجىء ـ وهو التام ـ وشروطه لايعتبر الإكراه فى فعل أو قول الكفر الأكبر مقبولاً ويؤخذ به صاحبه فى الدنيا والآخرة ، كالإكراه الغير ملجىء وهو الناقص ، أو الإستضعاف (الإكراه العام ) .
والإستضعاف أصلاً ليس عذراً فى قول أو فعل الكفر وإنّما هو فى ترك الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مع عدم القدرة ، لأن هناك من يخلّط بين الأحكام الشرعية فيجعل الإستضعاف فى حكم الإكراه الملجىء .
(وسنبّين حكم الإستضعاف بشرح المفسرين للآيات التى وردت بذلك ، ببعض الإختصار )
قال الله تعالى فى آياتى الإستضعاف من سورة النساء ، الأولى : ( ومالكُم لاتُقاتلون فِى سبيل الله والمُستضعفِين من الرِجالِ والنسآءِ والولدانِ الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلُها واجعل لنا من لدُنك ولياًواجعل لنا من لدُنك نصيراً ) النساء 75
ويقول ابن كثير رحمه الله : يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بهاولهذا قال تعالى "الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية" يعني مكة كقوله تعالى "وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك" ثم وصفها بقوله "الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا أي سخر لنا من عندك ولياً ناصراً. قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا سفيان عن عبيد الله قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل. أ هـ
وقال السيوطى رحمه الله : (وما لكم لا تقاتلون) استفهام توبيخ ، أي لا مانع لكم من القتال (في سبيل الله و) في تخليص (المستضعفين من الرجال والنساء والولدان) الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم ، قال ابن عباس رضي الله عنه: كنت أنا وأمي منهم. (الذين يقولون) داعين يا (ربنا أخرجنا من هذه القرية) مكة (الظالم أهلها) بالكفر (واجعل لنا من لدنك) من عندك (وليا) يتولى أمورنا (واجعل لنا من لدنك نصيرا) يمنعنا منهم ، وقد استجاب الله دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة وولَّى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم .أهـ
والآية الثانية ، قوله تعالى : ( إن الذين توفّاهمُ الملآئكة ظالمىأنفسهم قالوا فيم كُنتمُ قالوا كنّامستضعفِين فىِ الأرض قالوآ ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنمُ وسآءت مصيراً إلاّ المستضعفين من الرِجالِ والنِسآءِ والولدانِ لايستطيعُون حِيلةً ولايهتدُون سبيلاً ) النساء 98
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :
وقوله إلاّ المستضعفين إلى آخر الآية هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريقولهذا قال لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً قال مجاهد وعكرمة والسدي يعني طريقاً. أ هـ
وقال السيوطى رحمه الله : - (إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان) الذين (لا يستطيعون حيلة) لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة (ولا يهتدون سبيلاً) طريقا إلى أرض الهجرة . أ هـ
( هذا ماجاء فى حكم الإستضعاف وهوعذر من لم يتمكن من الهجرةمن دارالكفر إلى دار الإسلام مع عدم القدرة عليها ، أمّا قول أو عمل الكفر فهذا لايدخل فى هذا الحكم وهو ماتكفلت به آية الإكراه فى سورة النحل ، فلينتبه لذلك جيداً )
وأمّا ماجاءعن الخطأ بزلة اللسان فصاحبه معذور مثل ماجاء فى الحديث عن الأعرابى الذى أيس من راحلته، ولما وجدها قائمة عند رأسه فقال من شدة الفرح:" اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ". أو مثل الذى أخطأ فى قرأة سورة الكافرون فقرأ : قل ياأيها الكافرون أعبد ماتعبدون ، أو نحوها من الأخطاء الظاهرة التى تأتى بفلتة اللسان دون قصد أوانتباه. كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما .
ولكن هذا الحكم ليس فى كل مايتلفظ به المكلف ، فهناك ألفاظ لايعذر قائلها بالخطأ وزلة اللسان ، كسب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أوشتم الأنبياء والملائكة وكل مافى معناه من نطق الكفر الصريح .
وفى هذا القسم قال العلماء بأن المتلفظ بكلام الكفر غير معذور .
نقل الشيخ سراج الدين بن المقلد على المنهاج و الزركشي في التكملة عن إمام الحرمين في أنه قال في أوائل الإيمان :"قال الأصوليون : لو نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر توريته كفر ظاهراً وباطناً[10]".
وقال القاضى عياض رحمه الله :: "إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلة اللسان . أهـ ( كتاب الشفا ج2 ص231 )
ثانياً : القسم الثانى من القاعدة الذى ذكرها المصنف ، وهو :
وليس كلُّ مانعٍ من موانعِ لحوقِ الوعيدِ بالمعيَّن مانعاً من موانعِ التَّكفِيرِ "
واستدلاله بهذا القسم صحيح وهو فى محله ، فإن موانع الوعيد ليست مانع من موانع لحوق الكفر فى المعين الذى يرتكب أى نوع من أنواع الكفر الأكبر لأنها لاتقوى على دفع إثم الكفر الأكبر ، وأنّما هى تشفع لما دون ذلك من أنواع الكفر الأصغر والبدع والمعاصى . وهى كالمصائب وشفاعة الشافعين والحسنات والكفارات والدعاء ..الخ
وحسبنا هو الرد على القسم الأول من القاعدة والله هو الموفق والمعين على كل خير .
ثالثاً : مما يؤخذ على المصنف فى شرحه للقسم الأول من القاعدة :
أولاً : استدلاله بالقسم الأول من القاعدة ليس فى محله ، لأنه مقرراً فى حق أهل الأهواء والبدع والمعاصى من المسلمين ، لا على من أشرك فى توحيد الله.
ثانياً : عدم الجمع بين أطراف الأدلة فيما يستدل به (كما فى مسألة من ذهب إلى كاهن أو عرّاف فلم يذكر أحاديث الباب كلها وشروح العلماء عليها ) .
ثالثاً : عدم التوفيق بين كلامه وشروح العلماء فىأكثرمن موضع ( كما فى حديث ذات أنواط وشرح الشاطبى وابن العربى وغيرهم ، مكتفياً بفهمه وشرحه هو للحديث ،وكذلك عند ذكره لحديث معاوية بن الحكم السلمى رضى الله عنه فى الذهاب إلى الكهان )
رابعاً : افتراضه حالة الجهل المعجز ـ وهى لووجدت فهى حالة معينة شاذّة ـ علىغالب الناس اليوم فى هذه المجتمعات الذين يفعلون الشرك جهلاً بحجة الجهل المعجز ..!! ( وقد بيّن العلماء كابن القيم والشاطبى فيمن يدخل فى حكم العجز عن التعلم ، كما تقدم )
خامساً : أخذ الجزء الذى يؤيد مذهبه فى العذر بالجهل . ( كما فى قول الشيخ سليمان آل الشيخ فى حادثة ذات أنواط ) على الرغم من مخالفته له فى الأصل .
سادساً : الفقه الذى خرج به من تعليقه على حديث ذات أنواط (فجعل من أراد أن يفعل فانتهى ، كمن فعل حقيقة !! ) .
سابعاًً : تغيير المعانى و الحقائق التاريخية من أجل إثبات ماذهب إليه فى الجهل المعجز (كما فى شرحه وتعليقه على حديث إسلام عدى بن حاتم رضى الله عنه
ثامناً : التخليط فى فهم الأحكام الشرعية ، فيما بين من يفعل الشرك الأكبر فى أحكام الدنيا وبين أحكام الآخرة من تواب وعقاب ( كاستدلاله بقوله تعالى : وماكنا معذبين حتى نبعث رسولاً ، وحديث الأربعة الذين يمتحنون فى العرصات يوم القيامة ) .
الخاتــــمة : وبعد .. فإن من أعظم الذنوب عند الله تعالى هو الإشراك معه فى عبادته سبحانه ، كما جاء عن ابن مسعود رضى الله : ( قيل ماأعظم الذنوب يارسول الله ؟ قال : أن تجعل لله نداً وهو خلقك ) أخرجه الشيخان .
ولايقل خطورة عن ذلك من ينافح ويجادل عن من تلبس بالشرك الأكبر وهو بذلك قد وقع فى ثلاثة أنواع من المحظور .
الأول : أنه رد النص الصحيح الصريح بتكفير المشرك الذى تلبس بأى نوع من أنواع الشرك الأكبر، وإن لم يصرح بذلك . قال الشيخ عبد الله أبابطين رحمه الله فى قوله تعالى :( أنه من يشرك بالله فقد حرم عليه الجنة ومأواه النار) " فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط وأخرج الجاهل والمتأول والمقلدفقد شآق الله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين . أ هـ (الإنتصارلحزب الله الموحدين ص31 : 32 )
الثانى : أنه تولى هذا المشرك ولابد وذلك باعتبار نفى صفة الشرك عنه بحجة العذر بالجهل ، أو الجهل المعجز !! . وبالتالى إعطائه صفة المسلم الجاهل . (ولأنه من بديهيات هذا الدين أن الشهادة بالإسلام ولاء ، كما أن الشهادة بالكفر براء ) [11]
الثالث : إن عذر المشرك فى الشرك الأكبر بجهله فيه التغطية على الحق وخداع هذا المشرك ووهمه بإنه من عداد المسلمين وفى جملتهم ماقام ببعض الشعائر الظاهرة .. !!
قال سيد قطب رحمه الله :
"أن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم ، أنه ليس دين الله قطعاً، فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة ، فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في "دين الله "، ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في "دين الملك "، ولاجدال في هذا ....إلى أن يقول : خيرلنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول "دين الله "ليدخلوا فيه أو يرفضوه ..هذا خير لنا وللناس أيضاً..خيرلنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ،الذي ينشأ عن جهلم به عدم أعتناقه في الحقيقة ..وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ماهم عليه ـ وأنهم في دين الملك لا في دين الله ـ قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ومن دين الملك إلى دين الله ...كذلك فعل الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان "[12].
ويقول أيضاً رحمه الله : إن المعنى الأول للدين هو الدينونة - أي الخضوع والاستسلام والإتباع - وهذا يتجلي في اتباع الشرائع كما يتجلي في تقديم الشعائر . والأمر جد لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير اللّه - دون إنكار منهم يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان اللّه - مؤمنين باللّه , مسلمين , لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية اللّه سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر . . وهذا التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ ; وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه ; الذين يحرصون على تثبيت لافتة "الإسلام" على أوضاع , وعلى أشخاص , يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق , وأنهم يتخذون أرباباً من دون الله . . وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاء الأشخاص; فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة ; وأن يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون اللّه . . (وما أمروا إلاّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانه عمّا يشركون). . (الظلال ج7 ص58 )
وإنى ومنذ سنين خلت كلّما تأملت فى واقع هذه الساحة وواقع هذه الجماعات المختلفة ، وتخبطهم فى فهم التوحيد ، وفهمهم فى تناول النصوص وتخليطهم للمسائل الشرعية ، ووجود روؤس الظلال الذين يتصدرون للدعوة والإفتاء هنا وهناك ، فأقول فى نفسى بأنه لاعجب أن لاتقوم للمسلمين دولة ـ ناهيك عن حرب الطواغيت واتباعهم للإسلام وأهله ـ فإن العلة والخلل هى أولاً فيمن ينتسبون إلى الإسلام ويدّعون العلم والدعوة وهم أصلاً لم يفهموا حقيقة هذا الدين وماهيته وماهو المطلوب منهم وماهو دورهم ؟؟
( ومن السنن الجارية أن فاقد الشىء لايعطيه إلاّ إذا أوتيه )
وهو فهم توحيد الله تعالى والدعوة إليه قبل كل شىءكما كان عليه سلف هذه الأمة المباركة ، وهـــــو :
* لا يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها ( وهذا القول هوللإمام مالك بن أنس رضى الله عنه )
والذي صلح به أول هذه الأمة هو عبادة الله وحده لا شريك وهي تحقيق شهادة [أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله ]بشطريها وهي أول ما دعي إليها الرسل أقوامهم وكذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه والناس أجمعين .
فقال رسول الله لقومه في مكة : " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " . والمراد ليس باللسان فقط[13]، ولكن المراد منهم وهو تحقيق النفي والإثبات .
* وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا إلى هذه الشهادة العظيمة ثلاثة عشرة سنة وهي الفترة المكية كلها ، علّم خلالها صحابته معاني هذه الشهادة حتى ترسخت في قلوبهم مثل الجبال ، وتكونت تلك القاعدة الصلبة من الصحابة رضوان الله عليهم الذين حملوا لواء الإسلام والدعوة والجهاد وفتح الله على أيديهم مشارق الأرض ومغاربها .
فإذا أردنا النجاة في الدنيا والآخرة ، والتمكين في الأرض ، وصلاح أمورنا كلها ظواهرها وبواطنها فعلينا بالعمل بهذه الشهادة العظيمة وما دلت عليه ، ، فوالله لا يصلح أمر الناس اليوم أو في أي وقت إلاّ بالتمسك بهذه الشهادة حقيقةً وعملاً بمقتضاها ، وما أصاب الناس اليوم سواءً العرب أم من غيرهم ، من الوهن ، والضعف والإنتكاس ، والتفكك وطمع فيهم القاصي والداني إلاّ حينما أعرضوا عن معاني هذه الشهادة العظيمة والعمل بها ، وإلاّ فهم يقولونها ليل نهار بألسنتهم فقط ولن تقوم لهم قائمة حتى يرجعوا إلى ما كان عليه أولهم من السلف الصالح والأُسوة الحسنة بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليه ومن جاء بعدهم باحسان فقد وعد الله بذلك ووعده الحق ، فقال تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي[14] لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}النور55 .
جاء في تفسير الصابوني نقلاً عن جماعة من المفسرين عن هذه الآية الكريمة في سورة النور : قوله تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي وعد الله المؤمنين المخلصين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح - { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي وعدهم بميراث الأرض وأن يجعلهم فيها خلفاء متصرفين تصرف الملوك في ممالكهم .
{وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}أي وليجعلن دينهم – الإسلام – الذي ارتضاه عزيزاً مكيناً عالياً علىكل الأديان – {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ[15]أَمْناً} أي ولغُيّرن حالهم التي كانوا من الخوف والفزع إلى الأمن والإستقرار – {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} استئناف بطريق الثناءعليهم كالتعليل للإستخلاف في الأرض أي يوحدونني ويخلصون لي العبادة ، لا يعبدون إلهاً غيري . إ.هـ[16]
والخلاصـــة : أن فى هذه الآيات ثلاثة حقائق هي مقومات وجود أي مجتمع أو دولة أو أي أمة ، إذا آمنت بالله ولم تشرك به شيئاً وهي :
1 ï الإستخلاف ــــــــــــــــïالحكم والإمتلاك والتصرف .
2 ï التمكــين ــــــــــــــــï القوة وعلو الدين والغلبة .
* ونسأل الله أن يتوفانا غير مشركين به شيئاً ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
ش
وصلى اللّهم على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً طيب فيه إلى يوم الدين .
سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلامُ على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
?أبو عبد الله
محمد محمد القلال
ربيع الثانى 11/04/1427هـ
[11] ولايفهم من هذا ترك دعوة من تلبس بالشرك إلى الإسلام ، ولكن المراد بيان أن الحكم أمروالدعوة أمرآخر ،ولاداعى لخلط الأحكام ومزجها مخالفة لبديهيات الشريعة . فلينتبه لهذا جيداً .
[13]- وقد قال عدو الله أبى جهل لو طلب منا محمد مئة كلمة لقلناها.- قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : إن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال للرجل : " قل لا إله إلا الله فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام ، كتناب التوحيد ص30 .
[15]- سُئل أحد الفقهاء عن السعادة فقال : هي الأمن فلا سعادة لخائف نقلاً عن كتاب الشرطة في الإسلام .( للرحمونى )
[17]- ولا يفهم من ذلك أن المراد بالإطمئنان والسعادة هي الترف والخمول والدعة وحب الدنيا بل المراد السعادة بالحق بحلاوة العبادة والقرب من الله والإطمئنان إلى جواره كما قال تعالى : {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}يونس58
Comments
Post a Comment