حجج الله البالغة

﴿ قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ الأنعام:149.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول القرطبي في تفسير الآية العظيمة :

( قوله تعالى : " قل فالله الحجة البالغة " أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها . فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد وإرساله الرسل والأنبياء فبيًّن التوحيد بالنظر في المخلوقات وأيد الرسل بالمعجزات وألزم أمره كل مكلف . فأما علمه / وإرادته / وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد إلا من ارتضى من رسول .
ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمره به لأمكنه ) أ . هـ

قال ابن كثير في تفسير الآية : ( قال الضـحًّاك : لا حجة لأحد عصى الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده ) أ. هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

﴿ رُسُلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾النساء : 165.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول ابن كثير – رحمه الله

في تفسير هذه الآية الكريمة :

( رُسُلاً مبشرين ومنذرين ) أي يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب .

وقوله ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً )

أي أنه تعالى أنزل كتبه و رسل رسله بالبشارة والنذارة وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه لئلا يبقى لمعتذر عذر

لئلا يبقى لمعتذر عذر
لئلا يبقى لمعتذر عذر

كما قال تعالى

﴿ " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ﴾وكذا قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ الآية. اهـ
_____________________
﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾الشورى : 15 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال مجاهد : ومعنى ( لا حجة بيننا وبينكم ) لا خصومة بيننا وبينكم . وقيل ليس بمنـسوخ لأن البراهـين قد ظهرت والحجج قد قامت فلم يبق إلا العناد ، وبعد العناد لا حجة ولا جدال) أ هـ .
 ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ﴾
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال القرطبي :
-------------

(سنريهم آياتنا في الآفاق ) أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا ( في الآفاق )يعنى خراب منازل الأمم الخالية (وفى أنفسهم )بالبلايا والأمراض وقال ابن زيد: (في الآفاق) آيات السماء(وفى أنفسهم ) حوادث الأرض وقال عطاء وابن زيد أيضا(في الآفاق )يعنى أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرهما.
(في أنفسهم) من لطيف صنعه وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام .وفى أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه .
(حتى يتبين لهم انه الحق ) فيه أربعة أوجه :

أحدهما : أنه القرآن

والثاني :الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه

والثالث :أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق

والرابع : أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق .

(أو لم يكف بربك .....)

والمعنى أولم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده لأنه (على كل شئ شهيد )وإذا شهده جاز عليه) أ.هـ .

يقول الله تعالى :
----------------
﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلَهم يتذكرون , قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون . ضرب الله مثلاً رجـلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلـماً لرجل هل يستويان مثلاً ,الحمد لله بل أكثرهم لا يعـلمون ﴾

قال ابن كثير :
------------
( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال ( لعلهم يتذكرون ) فأن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تبارك وتعالى :
( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم ) أي تعلمونه من أنفسكم وقال عز وجل : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) وقوله جل وعلا ( قرآناً عربياً غير ذي عوج ) أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس بل هو بيان واضح وبرهان وإنما جعله الله تعالى بما فيه من الوعد . ثم قال ( ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ) أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ( ورجلاً سلماً) أي سالماً (لرجل) أي خالصاً لا يملكه أحد غيره ( هل يستويان مثلاً؟ ) أي لا يستوي هذا وهذا . كذلك لا يستوى المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له , فأين هذا من هذا ؟

قال ابن عباس رضى الله عنهما ومجاهد وغير واحد : هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص . ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال (الحمد لله) أي على إقامة الحجة عليهم
( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي فلهذا يشركون بالله ) أ.هـ

يقول الله تعالى :
ـــــــــــــــــــــــ

﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون , سيقولون لله قل أفلا تذكرون . قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ,قل أفلا تتقون .قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون , سيقولون لله قل فأنى تسحرون بل آتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ﴾ المؤمنون

يقول القرطبي :
----------------
(فأنى تسحرون ) أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده .أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به مالا يضر ولا ينفع ! والسحر هو التخيل .وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع ) أ.هـ .

يقول ابن كثير ،
--------------
(وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ) كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدا لا يخفر في جواره وليس لمن دونه أن يجير عليه أي وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه ,الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه ,الذي لا يمانع ولا يخالف ,وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . وقال الله (لا يسأل عم يفعل وهم يسألون ) أي لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وعزته وحكمته وعدله , فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم كما قال تعالى
(فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) وقوله (سيقولون لله ) أي سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له (قل فأنى تسحرون ) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك ثم قال تعالى : (بل آتيناهم بالحق ) وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله وأقمنا الأدلة الصحيحة ,الواضحة القاطعة على ذلك (وإنهم لكاذبون ) أي في عبادتهم مع الله غيره ولا دليل لهم على ذلك كما قال في آخر السورة ( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال , وإنما يفعلون ذلك اتباعا ً لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال كما قال الله عنهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون )أ.هـ
_______________________

قلت انظر الي قول ابن كثير رحمه الله ؛

فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال , وإنما يفعلون ذلك اتباعا ً لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال كما قال الله عنهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون )أ.هـ
 

يقول الله تعالى :
---------------

﴿ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكَر أولوا الألباب ﴾

فقال ابن كثير في تفسيرها :

( يقول تعالى هذا القرآن بلاغ للناس كقوله ( لأنذركم به ومن بلغ ) أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال في أول السورة ( الر . كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) ا لآية ( ولينذروا به ) أي ليتعظوا به ( وليعلموا إنما هو إله واحد ) أي ليستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ( وليذكر أولوا الألباب ) أي ذوى العقول ) أ. هـ

قال القرطبي :

( وليعلموا أنما هو إله واحد ) أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين . ( وليذكر أولوا الألباب ) أي وليتعظ أصحاب العقول وهذه اللامات في ( ولينذروا ) , ( وليعلموا ) , ( وليذكر) متعلقة بمحذوف التقدير : وليذلك أنزلناه .وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله عنه وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان ؟ فقال : نعم , قيل : أين هو ؟ قال قوله تعالى : ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به ) إلى آخرها )أهـ

قال البغوى :
( وقال جل ذكره : " هذا بلاغ للناس " يعنى هذا القرآن ذو بلاغ , أي ذو بيان كاف, والبلاغة هي البيان الكافي)

من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول الله تعالى :
----------------
﴿وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴾

يقول القرطبي في تفسير هذه الآية العظيمة :

( قوله تعالى ( وأوحى إلى هذا القرآن )أي والقرآن شاهد بنبوتي
( لأنذركم به ) يا أهل مكة ( ومن بلغ ) أي ومن بلغه القرآن فحذف الهاء لطول الكلام . وقيل ومن بلغ الحلم ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد . وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما فقال : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك )

وفى صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي : ( بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عنى بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ).

وفى الخبر أيضاً من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه آمر الله أخذ به أو تركه .
وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له .

وقال القرظى : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وسمع منه ) أ.هـ

قال ابن كثير وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) أي هو نذير لكل من بلغه كقوله تعالى ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) قال ابن أبى حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب في قوله
( ومن بلغ ) من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم زاد أبو خالد وكلمه .

ورواه ابن جرير من طريق أبى معشر عن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى : (لأنذركم به ومن بلغ ) أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال : ( بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله ) أ.هـ
 
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر