شبهة قول الحواريين فيما جاء عن رب العزة في سورة المائدة



قول الحواريين فيما جاء عن رب العزة في سورة المائدة:

(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

فقد قال بعضهم: فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام: هل يستطيع ربك.. ولم يبطل ذلك إيمانهم.

فنقول وبالله التوفيق: قد ورد في هذه الآية قراءتان:
__________________________________

* أحدهما: "هل تستطيع ربك"، وهي قراءة الكسائي وعلي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس ومعاذ وجماعة من الصحابة، وسعد بن جبير، ومجاهد رضي الله عنهم أجمعين.

* الثانية: "هل يستطيع ربك"، وهي القراءة المثبتة في المصحف وكلا القرائتين صحيح.

فمن أخذ بالقراءة الأولى فلا إشكال هناك، إذ يكون المعنى: هل يعطيك ربك إن سألته؟ بمعنى استجاب إن أجاب، وهو قول السدي.
ومن أخذ بالقراءة الأخرى من الأئمة، فقد أوّل المعنى وفهمها حسب ما يقتضي تبرئة الحواريين مما نسب إليهم من الكفر، بجهل قدرة الله تعالى.
وهذا التأويل عام وشامل عند جميع أئمة التفسير وإليك المثال:

يقول القرطبي: بعد أن ذكر قول من قال إنهم شكوا في قدرة الله: (قلت: وهذا فيه نظر، لأن الحواريين خلصاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، كما قال تعالى عنهم: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)، ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه، وأن يبلغوا ذلك أهلهم، فكيف يخفى ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟) ا.هـ.

ويقول القرطبي أيضاً: (وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه، لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي؟ وقد علمت أنه يستطيع. فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى ذلك وغيره علم دلالة وخبر، فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ا.هـ.
ويقول القرطبي: (قلت: هذا تأويل حسن؛ وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين) ا.هـ.

ويقول: (قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبراً عن الحواريين لعيسى (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال وأدب مع الله عز وجل) ا.هـ.

وينقل القرطبي أيضاً عن ابن الحصار: (والحواريون كانوا هم خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟) ا.هـ.

ويقول القرطبي: (وأما قراةءة "التاء" فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ وهذا قول عائشة ومجاهد –رضي الله عنهما- قالت عائشة: كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا (هل يستطيع ربك)، قالت: ولكن (هل تستطيع ربك).
وروي عنها أيضاً أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: (هل تستطيع ربك).
وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تستطيع ربك) قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء (هل تستطيع ربك).

وقال الزجاج: (المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك وتسأله، والمعنى متقارب) ا.هـ.

وقال الطبرسي في "مجمع البيان": (قيل فيه أقوال، أحدها: أن يكون المعنى هل يفعل ربك ذلك بمسألتك إياه لتكون علماً على صدقك؟، ولا يجوز أن يكونوا شكّوا في قدرة الله تعالى على ذلك لأنهم كانوا عارفين مؤمنين.
الثاني: المراد هل يقدر ربك، وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله.
الثالث: أن يكون معناه هل يستجيب ربك لك؟ وإليه ذهب السدي في قوله: هل يطيعك ربك إن سألته؟ وهذا على أن يكون استطاع بمعنى أطاع، كما يكون استجاب بمعنى أجاب).

وقال الزجاج: (ويحتمل أن يكونوا أرادوا تثبيتاً، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ا.هـ.

وقال النيسابوري في تفسيره: (من قرأ بالتاء والنصب فظاهر، والمراد تستطيع سؤال ربك، أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله، ومن قرأ بالياء والرفع فمشكل، لأنه تعالى حكى عنهم أنهم "قالوا آمنا"، فكيف يتصور مع الإيمان شك في اقتدار الله؟ وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا توجب كمالهم وإخلاصهم!!
ومنها: أنهم طلبوا مزيد اليقين والاطمئنان، ولهذا قالوا: (وتطمئن قلوبنا).
ومنها: أنهم أرادوا معرفة هل هو جائز في الحكمة أو لا.
ومنها قول السدي: السين زائدة، بمعنى هل يطيع ربك.
ومنها: لعل المراد جبريل لأنه كان يربيه.
ومنها: المراد بالاستفهام التقرير، بمعنى أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه، كما تقول: هل يستطيع السلطان إطعام هذا الفقير؟) ا.هـ.

وقد ذكر الطوسي في تفسيره عين ما ذكره النيسابوري.
وقال الآلوسي في تفسيره: (قولهم (هل يستطيع ربك) لم يكن عن تحقيق منهم ولا عن معرفة بالله تعالى وقدرته سبحانه، لأنهم لو حققوا وعرفوا لم يقولوا ذلك، إذ لا يليق مثله بالمؤمن بالله عز وجل. وتعقب هذا القول الحلبي بأنه خارق للإجماع!

وقال ابن عطية: لا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين، وأيّد ذلك بقوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ)، وبأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل، وبأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله تعالى: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ).
وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح الزبير: إن لكل نبي حوارياً، وإن حواريي الزبير".

ومن ذلك أجيب عن الآية بأجوبة، فقيل: إن معنى (هل تستطيع) أي هل يفعل؛ كما تقول للقادر على القيام هل تستطيع أن تقوم، مبالغة في التقاضي، قال به الحسن، وقيل: المعنى هل يطيع ربك، فيستطيع بمعنى يطيع، وقيل: إن سؤالهم للاطمئنان والتثبت. وقرأ الكسائي وعلي وعائشة وابن عباس ومعاذ وجماعة من الصحابة هل تستطيع ربك ا.هـ.

مما سبق كله نعلم أن من أخذ بقراءة (هل يستطيع ربك) قد صرف المعنى إلى وجوه أخرى كثيرة، وعلى هذا إجماع المفسرين. وأن القول الذي نقلوه عن عدم علم الحواريين خارق للإجماع! فلا نعلم بل ونعجب- لماذا اختاروا هذا الوجه الخارق للإجماع لفهم الآية؟!
_______________________________________

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر