العـذر بالجــهل للإمام العلامة الشيخ أبي بطين النجدي الحنبلي رحمه الله
د. ماجد كارم
يقول رحمه الله في معرض إجاباته عن سؤال في موضوع التكفير ما نصه:
"وأما ما سألت عنه من أنه: هل يجوز تعين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئا من المكفرات؟
الأمر الذي دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع العلماء عليه أنه كفر مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه، فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو حسنه، فلا شك في كفره، ولا بأس بمن تحققت منه شيئا من هذا النوع تقول: كفر فلان بهذا الفعل يبين هذا أن الفقهاء يذكرون في (باب حكم المرتد) أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدا كافرا ويستفتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر، وحكمه أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي أن القرآن مخلوق قال: كفرت بالله العظيم، وكلام العلماء في تكفير المعين كثير وأعظم أنواع الكفر الشرك بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل: فلان زان، ومن رابى قيل: فلان مراب، والله أعلم"
-ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين مقررا أنه لا عذر بالجهل في المسائل الظاهرة:
"فمن بلغته رسالة محمد وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة فلا يعذر في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، وكفر من شك في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم، وكفر من شك في كفرهم، وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول، ولا كذبه، لا بوقوع البعث، ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة، ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا، ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته؛ لأنه لا عذر له بعد بلوغها له، وإن لم يفهمها. وقد أخبر الله عن الكفار أنهم لم يفهموا، فقال: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً) [الأنعام: 25]، وقال: (اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الأعراف: 30]، فبين سبحانه أنهم لم يفهموا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار، كما في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) [الكهف: 103].."
- قال الشيخ أبو بطين أيضاً في معرض حديثه عن أفعال عباد القبور:
"كل من فعل اليوم ذلك عند المشاهد فهو مشرك كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل، فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد، وأنه من الشرك الذي حرّمه الله لم يُقدموا عليه فكفّرهم جميع العلماء ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين إن هؤلاء معذورون لأنهم جُهال" .
-يقول رحمه الله في معرض توضيحه لموقف شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة تكفير المعين: "بل آخر كلامه رحمه الله (يعني ابن تيمية) يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات، وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة، فقد صرح رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ رحمه الله كثير.." ثم ذكر الشيخ أبو بطين بعض نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن قال: "وقال أيضاً: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر" انتهى. فانظر –الكلام لأبي بطين- كيف كفر الشاك، والشاك جاهل فلم يرى أن الجهل عذر في مثل هذه الأمور" .
-وجاء أيضاً في كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية، لعلماء نجد عن أبي بطين قوله: "وقد قال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48]، وقال تعالى: (...إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [المائدة: 72]، فلم يستثن سبحانه وتعالى من ذلك الجاهل، ولم يخص المعاند فمن أخرج الجاهل والمتأول والمقلد فقد شاقّ ًالله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين" .
- ويقول أبو بطين أيضاً: "والجواب عن ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأعظم ما أُرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله، فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند، مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله، بل لا بد أن يتناقض، فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد، أو شك في البعث، أو غير ذلك من أصول الدين، والشاك جاهل" .
-قال رحمه الله تعالى:"ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج ما قال مع عبادتهم العظيمة، ومن المعلوم أنه لم يوقعهم فيه إلا الجهل وهل صار الجهل عذراً لهم؟" .
- قال رحمه الله تعالى: "وقد قدمنا كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور نقله عنه ابن القيم مستحسنا له، والقرآن يرد على من قال إن المقلد في الشرك معذور، وقد افترى وكذب على الله وقد قال الله عن المقلدين من أهل النار: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب: 67] وقال سبحانه حاكياً عن الكفار قولهم: (...إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة وأصول الدين، وأن فرضاً على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين؛ لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة" .
- يقول موضحاً موقف شيخ الإسلام ابن تيمية يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: "إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة" يدل كلامه على أن هذين الأمرين –وهما التكفير والقتل –ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقاً بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا المعاند خاصة، وهذا بيّن البطلان بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات، وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد، والإيمان والرسالة فقد صرح رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة بكفر أصحابها، وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها" .
- ويقول موضحاً موقف شيخ الإسلام في موضوع عدم اختصاص التكفير بالمعاند بل يشمل الجاهل بالأمور الظاهرة "وكلامه رحمه الله في مثل هذا كثير فلم يخص التكفير بالمعاند مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه، أو فعلوه كفر، فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء؛ لأن منه ما هو مناقض للتوحيد الذي هو أعظم الواجبات" .
- قال رحمه الله تعالى بعد أن نقل عن شيخ الإسلام قوله المعروف في تفريقه بين المسائل الظاهرة والخفية في مسألة قيام الحجة: "فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية، والأمور الظاهرة فقال في المقالات الخفية التي هي كفر قد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في المسائل الظاهرة، فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة، والخفية" .
-يقول الشيخ الإمام العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبو بطين - رحمه الله - في تقرير وتوضيح أن المشركين وعبَّاد القبور خارجين عن مسمى المسلمين وأن معرفة التوحيد والالتزام به شرط في وجود الإسلام : " إنه إذا خوطب الرسول أو غيره من الأموات والغائبين ، بلفظ من ألفاظ الاستعانة أو طلب منه حاجة نحو قول : أغثني أو أنقذني أو خذ بيدي أو اقض حاجتي أو أنت حسبي ونحو ذلك يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك فهو مشرك شرك العرب الذين بُعث إليهم النبي كما وضحه الله سبحانه في كتابه في مواضع مخبرًا عنهم أنهم يقولون : " مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى " وقولهم : " هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ " ولم يقولوا إن آلهتهم تُحْدِثُ شيئًا أو تدبر أمرًا من دون الله ".
-وقال رحمه الله نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية : " إن الذين يتخذون واسطة بينهم وبين الله فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار وقوله تعالى : " وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر ، فمن جعل الملائكة وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار ، ثم يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب ، وتفريج الكربات وسد الفاقات ، فهو كافر بإجماع المسلمين "
-وقال : " فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو مشرك ، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ... فهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا له أندادًا ، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان"
-وقال أيضًا : " وهذه الأمور التي انتشرت في أكثر الأمصار من الاستعانة بالمقبورين في تفريج الكربات وسؤالهم وقضاء الحاجات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح وغير ذلك من أنواع القربات ، ومن لم يعرف أن هذا تأله لغير الله وشرك عظيم تنفيه لا إله إلا الله فهو لم يعرف ولم يعلم لا إله إلا الله "
___________________
يقول رحمه الله في معرض إجاباته عن سؤال في موضوع التكفير ما نصه:
"وأما ما سألت عنه من أنه: هل يجوز تعين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئا من المكفرات؟
الأمر الذي دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع العلماء عليه أنه كفر مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه، فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو حسنه، فلا شك في كفره، ولا بأس بمن تحققت منه شيئا من هذا النوع تقول: كفر فلان بهذا الفعل يبين هذا أن الفقهاء يذكرون في (باب حكم المرتد) أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدا كافرا ويستفتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر، وحكمه أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي أن القرآن مخلوق قال: كفرت بالله العظيم، وكلام العلماء في تكفير المعين كثير وأعظم أنواع الكفر الشرك بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل: فلان زان، ومن رابى قيل: فلان مراب، والله أعلم"
-ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين مقررا أنه لا عذر بالجهل في المسائل الظاهرة:
"فمن بلغته رسالة محمد وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة فلا يعذر في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، وكفر من شك في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم، وكفر من شك في كفرهم، وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول، ولا كذبه، لا بوقوع البعث، ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة، ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا، ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته؛ لأنه لا عذر له بعد بلوغها له، وإن لم يفهمها. وقد أخبر الله عن الكفار أنهم لم يفهموا، فقال: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً) [الأنعام: 25]، وقال: (اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الأعراف: 30]، فبين سبحانه أنهم لم يفهموا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار، كما في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) [الكهف: 103].."
- قال الشيخ أبو بطين أيضاً في معرض حديثه عن أفعال عباد القبور:
"كل من فعل اليوم ذلك عند المشاهد فهو مشرك كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل، فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد، وأنه من الشرك الذي حرّمه الله لم يُقدموا عليه فكفّرهم جميع العلماء ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين إن هؤلاء معذورون لأنهم جُهال" .
-يقول رحمه الله في معرض توضيحه لموقف شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة تكفير المعين: "بل آخر كلامه رحمه الله (يعني ابن تيمية) يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات، وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة، فقد صرح رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ رحمه الله كثير.." ثم ذكر الشيخ أبو بطين بعض نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن قال: "وقال أيضاً: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر" انتهى. فانظر –الكلام لأبي بطين- كيف كفر الشاك، والشاك جاهل فلم يرى أن الجهل عذر في مثل هذه الأمور" .
-وجاء أيضاً في كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية، لعلماء نجد عن أبي بطين قوله: "وقد قال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48]، وقال تعالى: (...إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [المائدة: 72]، فلم يستثن سبحانه وتعالى من ذلك الجاهل، ولم يخص المعاند فمن أخرج الجاهل والمتأول والمقلد فقد شاقّ ًالله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين" .
- ويقول أبو بطين أيضاً: "والجواب عن ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأعظم ما أُرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله، فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند، مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله، بل لا بد أن يتناقض، فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد، أو شك في البعث، أو غير ذلك من أصول الدين، والشاك جاهل" .
-قال رحمه الله تعالى:"ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج ما قال مع عبادتهم العظيمة، ومن المعلوم أنه لم يوقعهم فيه إلا الجهل وهل صار الجهل عذراً لهم؟" .
- قال رحمه الله تعالى: "وقد قدمنا كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور نقله عنه ابن القيم مستحسنا له، والقرآن يرد على من قال إن المقلد في الشرك معذور، وقد افترى وكذب على الله وقد قال الله عن المقلدين من أهل النار: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب: 67] وقال سبحانه حاكياً عن الكفار قولهم: (...إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة وأصول الدين، وأن فرضاً على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين؛ لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة" .
- يقول موضحاً موقف شيخ الإسلام ابن تيمية يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: "إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة" يدل كلامه على أن هذين الأمرين –وهما التكفير والقتل –ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقاً بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا المعاند خاصة، وهذا بيّن البطلان بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات، وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد، والإيمان والرسالة فقد صرح رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة بكفر أصحابها، وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها" .
- ويقول موضحاً موقف شيخ الإسلام في موضوع عدم اختصاص التكفير بالمعاند بل يشمل الجاهل بالأمور الظاهرة "وكلامه رحمه الله في مثل هذا كثير فلم يخص التكفير بالمعاند مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه، أو فعلوه كفر، فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء؛ لأن منه ما هو مناقض للتوحيد الذي هو أعظم الواجبات" .
- قال رحمه الله تعالى بعد أن نقل عن شيخ الإسلام قوله المعروف في تفريقه بين المسائل الظاهرة والخفية في مسألة قيام الحجة: "فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية، والأمور الظاهرة فقال في المقالات الخفية التي هي كفر قد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في المسائل الظاهرة، فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة، والخفية" .
-يقول الشيخ الإمام العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبو بطين - رحمه الله - في تقرير وتوضيح أن المشركين وعبَّاد القبور خارجين عن مسمى المسلمين وأن معرفة التوحيد والالتزام به شرط في وجود الإسلام : " إنه إذا خوطب الرسول أو غيره من الأموات والغائبين ، بلفظ من ألفاظ الاستعانة أو طلب منه حاجة نحو قول : أغثني أو أنقذني أو خذ بيدي أو اقض حاجتي أو أنت حسبي ونحو ذلك يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك فهو مشرك شرك العرب الذين بُعث إليهم النبي كما وضحه الله سبحانه في كتابه في مواضع مخبرًا عنهم أنهم يقولون : " مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى " وقولهم : " هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ " ولم يقولوا إن آلهتهم تُحْدِثُ شيئًا أو تدبر أمرًا من دون الله ".
-وقال رحمه الله نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية : " إن الذين يتخذون واسطة بينهم وبين الله فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار وقوله تعالى : " وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر ، فمن جعل الملائكة وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار ، ثم يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب ، وتفريج الكربات وسد الفاقات ، فهو كافر بإجماع المسلمين "
-وقال : " فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو مشرك ، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ... فهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا له أندادًا ، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان"
-وقال أيضًا : " وهذه الأمور التي انتشرت في أكثر الأمصار من الاستعانة بالمقبورين في تفريج الكربات وسؤالهم وقضاء الحاجات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح وغير ذلك من أنواع القربات ، ومن لم يعرف أن هذا تأله لغير الله وشرك عظيم تنفيه لا إله إلا الله فهو لم يعرف ولم يعلم لا إله إلا الله "
___________________
Comments
Post a Comment