شرك الشعائر وشرك الشرائع

شرك الشعائر وشرك الشرائع
كلا النوعين شرك في العبادة، الأول المراد منه التوجه بشيء من الشعائر التعبدية لغير الله من دعاء وذبح وطواف وركوع وسجود وغيرها، والثاني يشمل قبول التشريع من غير الله، واتباع شرائع المشرعين من دون الله في نواحي الحياة المختلفة، والاحتكام إليها.
-
سؤال: ما حكم من لم يكفر عبَّاد الطواغيت المحتكمين للقوانين الوضعية الذين يعتقدون أن شريعة الله أفضل وأحسن، ويعتقدون وجوب الحكم بها، ولكنهم عدلوا عنها واحتكموا إلى القوانين الوضعية بدلا من شرع الله؟ وهل هناك فرق بين تكفيرهم وتكفير عباد القبور؟
مع العلم بأن هناك من أفتى [ بأن ثمة فرقا بين النوعين، وأن تكفير عباد القبور من أصل الدين، ويكفُر من لم يكفِّرهم وإن تعلق بشبهة، أما تكفير الحاكمين بالقانون الوضعي والمتحاكمين إليه ففيه شبهة عند المتأخرين، وهي ما ورد عن السلف من الآثار في تفسير قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، وتقييدها بالجحود عند كثير من المفسرين، وإن كان كلامهم منحصرا في الحاكم المسلم الذي شرعه الوحيد هو شرع الله ويعصيه، ولهذا لا يكفُر من لم يكفِّر من حكَّم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله. وزعم أيضا أن توحيد العبادة أعظم من توحيد الحكم، وأن الشرك في الشعائر كدعاء الموتى والاستغاثة بهم ليس كالشرك باتباع شرائع الطواغيت والاحتكام إليها، وأن هذا مقرر عند أهل العلم قاطبة].
-
الجواب: بسم الله والحمد لله. من المعلوم أن إفراد الله عز وجل بالعبادة هو حقيقة دين الإسلام وأصله وأساسه الذي لا يصح بدونه، ولا يتحقق هذا إلا بنفي العبادة عن كل ما سوى الله، وبتحقيق النفي والاثبات اعتقادا وقولا وعملا يتحقق الإيمان بأنه لا إله إلا الله، والأمر بعبادة الله وحده هو دين الأنبياء جميعا، وهو أمر عام يشمل جميع أنواع العبادة، الاعتقادية، والقولية، والعملية، الباطنة والظاهرة، يدخل في ذلك فعل المأمور، وترك المحظور، وتحليل الحلال، وتحريم الحرام، والحكم بما أنزل الله، والتحاكم إليه في كل نزاع.
فالنهي عن الشرك دعوة الأنبياء جميعا، وهو نهي عام، يشمل جميع أنواع الشرك المناقض للتوحيد، سواء المتمثل في الاعتقاد في غير الله أنه ينفع ويضر أو غير ذلك، أو دعاء غير الله، أو الذبح والنذر لغيره، أو تشريع ما لم يأذن به، أو قبول التشريع والتكليف من غير الله، أو الحكم بشرع غير الله، أو الاحتكام لغير شريعة الله.
-
فمن التوحيد قبول التشريع والتكليف من الله وحده ورفض ما سواه، قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام : 153]، وقوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف : 3]، وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية : 18]، وقوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر : 11] أي مخلصا له الطاعة والانقياد والعبادة.
ومن التوحيد الاحتكام لشرع الله وحده، قال الله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام : 114]، وقال عز وجل: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى : 10]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء : 59]، وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء : 65]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 48 : 49]
-
ومن التوحيد أداء الشعائر والنسك كلها لله وحده، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام : 162]
كل هذا من توحيد العبادة.
-
ومن الشرك المناقض للتوحيد الشرك في التشريع، أي تشريع ما لم يأذن به الله، قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى : 21]
-
ومنه أيضا الشرك في الطاعة، أي قبول التشريع والتكليف من غير الله، قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام : 121]، وقال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة : 31]
-
أيضا الشرك بالاحتكام لشرائع وقوانين الطاغوت، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 60]، وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة : 50]، وقوله: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف : 26]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة : 44]
-
كذلك الشرك في الشعائر والنسك وغيرها، بصرف شيء منها لغير الله، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف : 110]
كل هذا من الشرك في العبادة.
-
ولا يصح التوحيد إلا باجتناب الشرك كله، سواء في تحكيم شرع غير الله، أو دعاء غير الله، أو في سائر أنواع العبادة الأخرى، يجب اجتنابه كله، مع اعتقاد بطلانه وبغضه، وتكفير أهله وبغضهم وعداوتهم.
فقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 64]، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء : 36]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء : 48]، وقوله: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام : 19]، وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام : 151]، وقوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر : 65]، وغيرها من الآيات التي ذكر الله فيها الشرك بالنهي والذم والتحذير والبراءة منه كلها تشمل جميع أنواع الشرك في العبادة التي ذكرناها آنفاً وغيرها. فمن دعا غير الله أو استغاث به أو ذبح له تقربا إليه فقد جعل ندا لله، ومن حكَّم القوانين والشرائع التي شرعها المشرعون بغير إذن الله فقد جعل ندا لله أيضا، فالإشراك به في الشعائر التعبدية كالإشراك به في الحكم والتحاكم.
-
هذه مقدمة مهمة الاتفاق عليها يساعد في فهم جواب السؤال، فمن أدرك حقيقة العبادة التي تنفيها كلمة الإخلاص عن غير الله وتثبتها لله وحده عرف حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، فالعبادة بجميع أنواعها داخلة هاهنا، لا يحصل التوحيد إلا بنفيها عما سوى الله وإثباتها خالصة لله وحده، والنفي هو الكفر بالطاغوت، فلا يكون العبد موحدا ولا مسلما ولا مؤمنا حتى يكفر بالطاغوت، والكفر بالطاغوت: يكون باعتقاد بطلان عبادته واجتنابها وبغضها وتكفيره (إن رضي بذلك) وتكفير عابديه، والطاغوت ليس قاصرا على من عُبد من دون الله بالصلاة أو الدعاء أو الذبح ونحوها، بل يشمل من عُبد من دون الله بقبول شرعه واتباعه وتحكيمه والتحاكم إليه، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 60]. فكل ما تحوكم إليه من الشرائع والقوانين التي شُرعت بدلا من شرع الله فهي شرائع طاغوت، من حكم بها، أو تحاكم إليها، فقد آمن بالطاغوت وكفر بالله العظيم، كذلك المشرعون لهذه الشرائع والقوانين هم طواغيت، ومن حكم بها بين الناس وألزمهم إياها بقوة القانون فهو طاغوت، فقوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة : 256]، وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]، وقوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر : 17]، الطاغوت هنا عام يشمل كل ما عُبد من دون الله، يشمل القبور المعبودة من دون الله، كما يشمل الحكام والرؤساء المشرعين من دون الله والذين يحكمون بغير كتاب الله وسنة رسوله من الشرائع الشيطانية والقوانين الكفرية الباطلة، فالكفر بشرائع الكفار وقوانينهم الوضعية، واجتنابها ورفضها، وترك التحاكم إليها، كالكفر بعبادة الأصنام، كله من الكفر بالطاغوت.
وبهذا يظهر أن كل من أشرك بالله في الحكم أو الطاعة أو سائر أنواع العبادة الأخرى، فقد انتفى عنه التوحيد، لأن الشرك نقيض التوحيد، ومن انتفى عنه التوحيد فهو كافر مشرك، فالله عز وجل لا يُعبد إلا بالتوحيد، ولا يؤمن به إلا من وحَّده، ولا يحصل التوحيد إلا باجتناب الشرك الأكبر بالكلية، فمن عبد الله وعبد غيره فليس عابدا لله وليس في دين الله وإن ادعى الإسلام، وهذا يفهمه كل مسلم.
فمن يدعو ويستغيث بالقبور اليوم ممن ينتسب للإسلام، ويذبح لها، ويطوف عليها، ويتبرك بها، ويَعتقد فيها ما يُعتقد في الله، فهو كافر مشرك، لا فرق بينه وبين من يعبد هبل واللات والعزى.
-
ومن يطيع المشرعين من دون الله ويقبل ما شرعوه بغير إذن الله فهو كافر مشرك وإن كان يتلفظ بالشهادتين، لا فرق بينه وبين اليهود والنصارى الذين اتخذوا أحبارهم وأربابهما أربابا من دون الله، وقد سمَّى الله من يشرعون القوانين والدساتير بغير إذن الله شركاء، فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )، ومن يتبع تشريعاتهم فقد جعل لله شريكا.
-
كذلك من يحكم بالقوانين الوضعية بديلا عن شرع الله فهو كافر مشرك وإن كان يتلفظ بالشهادتين، لا فرق بينه وبين اليهود والنصارى الذين بدّلوا أحكام الله، كاستبدالهم بحكم الله (الرجم) حكم أحبارهم (الجلد والتحميم). وقد روى مسلم في صحيحه أن قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة : 44]، نزلت في اليهود : عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟» ، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ» ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] إِلَى قَوْلِهِ {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] ، يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا.
-
كذلك من يتحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية متخذة منها مرجعية لحكمها كافر مشرك، لا فرق بينه وبين سائر أولياء الطاغوت، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 60]
-
وبهذا يظهر بطلان القول بأن عبادة غير الله بالذبح أو الدعاء أو الطواف أو الركوع والسجود ليس كالحكم بشرع غير الله، فكلا النوعين شرك بالله يناقض التوحيد، من اتصف بأحدهما فقد انتفى عنه وصف التوحيد، وثبت له وصف الكفر والشرك، ولا يحصل الكفر بالطاغوت إلا باجتنابهما جميعا مع تكفير من اتصف بأي منهما، ولا فرق بينهما، كلاهما شرك أكبر محبط للعمل لا يغفره الله إلا لمن تاب منه.
ومن عرف حقيقة الإسلام - كما جاء بها رسل الله - يعلم أن أول واجب عليه أن يكفر بالطاغوت، ومنه الكفر بشرائع الكفار وقوانينهم الوضعية، فلا يحكم بها ولا يتحاكم إليها، ويعلم أيضا أن أولئك الذين يحكمون الناس بالشرائع والقوانين الوضعية لم يحققوا الكفر بالطاغوت بل هم مؤمنون به، فلا يتأخر لحظة في تكفيرهم والبراءة منهم وبغضهم ومعاداتهم حتى يؤمنوا بالله وحده، فلا يتخذون حكما غيره كما لا يتخذون معبودا سواه، بل من عرف دين الإسلام وأنه استسلام خالص لله وحده دون ما سواه بقبول شرعه كله ورفض شرع غيره لا يتوقف لحظة في تكفير من لم يكفِّر من حكّم قانون الطاغوت بدلا من حكم الله، فكيف يشك مسلم في كفر من ألزم الناس بشرع غير شرع الله؟! بل كيف يشك في كفر من لم يكفره؟!
فكيف يقال: أن كفر من حكَّم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله تقع فيه الشبهة التي يُعذر بها من لم يكفرهم؟! وكيف يقال أن تكفير المحكِّمين لشرع الطاغوت ليس كتكفير عبَّاد القبور؟! وأن الشرك في الدعاء والذبح ونحوهما ليس كالشرك في الحكم بشرائع الطاغوت والتحاكم إليها؟! وأن توحيد الله في الشعائر ليس كتوحيده في الشرائع العامة؟!
لا يقول هذا من يعرف حقيقة الإسلام، ولا مجرد من يعرف معنى اللفظ (الإسلام)، فمجرد أن يفهم أحد معنى لفظ (الإسلام) يظهر له بطلان هذا الزعم الفاسد، فالإسلام يدل على معنيين لا يصح بدونهما: الأول: الاستسلام والانقياد والتسليم لأمر الله ويقابله الرفض والرد والاستكبار. والثاني: الإخلاص أي أن يكون استسلاما خالصا لله، ويقابله الشرك وهو الاستسلام والانقياد لله ولغيره. فقبول شرع الله كله والاحتكام إليه ورفض ما سواه هو حقيقة الإسلام، ولا معنى للإسلام غير هذا، فهل هذا المعنى موجود فيمن حكَّم شرع غير الله وأعرض عن شرع الله؟؟!!
هؤلاء الحكام والرؤساء والقضاة الذين يجعلون من شرائع وقوانين الطواغيت مرجعا لحكمهم يشركونها مع حكم الله، هم مشركون كفار، سواء اعتقدوا جواز الحكم بها مع شريعة الله، أو لم يعتقدوا ذلك، فحكمهم بشرع الطاغوت مع شرع الله كفر وشرك في حد ذاته بغض النظر عما يعتقدونه، بل لو اعتقدوا تحريم ذلك وفعلوه للضرورة كما يزعمون، أو خشية الدول الكبرى، أو نزولا عند رغبة الشعب، أو غير ذلك، لما تغيَّر الحكم عليهم، فالكفر لا يجوز إلا تحت الإكراه بشروط معتبرة شرعا.
وكل الشعوب اليوم بدون استثناء لا تتخذ من شريعة الله مصدرا وحيدا لأحكامها وقوانينها ونظام حياتها، بل كلها تحكم بشرع الله وشرع غيره، وإن زعموا أن دستورهم الكتاب والسنة فالواقع يشهد بكذبهم.
والقضاة في المحاكم الوضعية كلهم من غير استثناء يلتزمون بما يحدده لهم دستور البلد، فلا يرجعون إلى شريعة الله إلا فيما يسمح به الطاغوت.
فمن زعم أن مثل هؤلاء الحكام والقضاة الذين يجعلون من شرائع وقوانين الطواغيت المرجعية لحكمهم يشركونها مع حكم الله.. من زعم أن تكفير هؤلاء ليس من أصل الدين، وأن شركهم ليس كشرك عبَّاد القبور، فعليه أن يعيد فهمه للإسلام، فالإسلام الذي يدعيه ليس دين الله الذي أجمع عليه الأنبياء والمرسلون.
أما زعمه أن قوله هذا عليه أهل العلم قاطبة فدعوى تحتاج إلى برهان، وياليته يأتي بقول واحد عن السلف يوافق ما ذهب إليه، وهل يقول هذا الكلام عاقل يدري ما يقول؟!!
مع العلم بأن الشرك في الحكم والتشريع والخضوع والطاعة ليس خاصا بأرباب القصور فقط، بل هو دين العلمانية والديمقراطية الذي يدين به الناس اليوم ولا يكفر به إلا القليل، هذا النوع من الشرك هو دين المشركين كما أن عبادة القبور دين المشركين، كل منها يدخل في قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، فمن دان بالعلمانية أو الديمقراطية فهو مشرك كمن دان بدين عبّاد الأصنام واليهود والنصارى.
وقد سمى الله عز وجل شرع الملك دينا: { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [يوسف : 76]، وسمى عقوبة الزاني دينا: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله).
وقال عز وجل: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ)، وهو كقوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا)، وقوله: (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) ، وقوله: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ).
فالكلام حول التفريق بين الشرك بدعاء غير الله والشرك بالحكم بشريعة غير الله يحتاج إلى إعادة نظر من صاحبه، أسأل الله أن يلهمه رشده ويهديه سواء السبيل.
أما الاستناد إلى وجود الخلاف والشبهة عند المتأخرين في حكم من يحكم بشرع الطاغوت فهذا ليس دليلا علميًّا، فالدليل يُستنبط من الشرع فقط، ولو كان الخلاف عند المتأخرين معتبرا فهو موجود أيضا في شرك القبور اختلف فيه المتأخرون منذ زمن بعيد، وهناك الكثير ممن يسمون بالعلماء يحكمون بإسلام أهله وعندهم تأويلاتهم وشبهاتهم وتمسكاتهم الخاطئة بنصوص وكلام السلف كتمسك الآخرين الخاطئ بكلام ابن عباس وغيره، فما وقع هذا الخلاف إلا بين المشركين الجهلة بدين الله، أما المسلمون فلا خلاف بينهم ألبتة، وليس اجتماعهم على تكفير من حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه هو الدليل على صحته، فما كان لهم أن يفترقوا فيه وهم مسلمون، فالخلاف في تكفيرهم خلاف في أصل الدين ولا يقع هذا بين المسلمين، فالمخالف لأصل الدين لا يمكن أن يكون مسلما لأن الإسلام هو تحقيق هذا الأصل، والجاهل والمتأول في فعل الشرك سواء شرك الحكم أو الطاعة أو النسك أو الولاء ليس مسلما لأنه لم يعبد الله مخلصا له الدين، مثل جهل النصارى وتأويلهم، كذلك الجاهل والمتأول في تكفير فاعل الشرك أي شرك أكبر ليس مسلما لأنه لم يكفر بالطاغوت.
والله أعلم
كتبه: عبد الله الحارث.

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر