هل أصل دين الإسلام يعذر المخالف فيه بالتأويل أو الجهل ؟
د.ماجد كارم
وأعني بأصل دين الإسلام هو أقل قدر ينبغي أن يتوفر في العبد ليطلق عليه اسم "المسلم "
وقد عبر عنه ابن القيم رحمه الله بقوله : ( والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به ، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل )
وهو ما قال عنه شيخ الاسلام ابن تيمية ( والإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله عز وجل غيره، وذلك انما يكون بان يطاع في كل وقت بفعل ما امر به في ذلك الوقت فمن بلغته رسالة محمد صلي الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا بل يكون كافر وان زعم انه مسلم او مؤمن ) (مجموع الفتاوي ج 3 ص 91-93)
وهو ما عبر عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بقوله
( هو الاستسلام للّه تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشِّرْك وأهله )
واعلم أن التوحيد والشرك نقيضان لا يجتمعان في شخص واحد ولا يرتفعان عن الشخص البته فكل عبد إما أن يكون مسلما وإما أن يكون مشركا كافرا ولا يخلو من أحد الوصفين ومحال أن يكون الشخص مسلم مشرك لأن اجتماع النقيضين محال عقلا وشرعا .
وكون الشخص جاهلا بأصل الدين أو متأولا فيه ففعل ما يناقض أصل الدين بسبب جهله أو تأويله لا ينفي عنه كونه أشرك بالله والجهل والتأويل ما هما إلا سببان لحدوث الشرك فأكثر أهل الشرك جهال وكل فاعل فعل لابد له من تأويل وتفسير يبرر به فعله الذي فعله ولا ينفي هذا التبرير وصف الفعل الذي فعله وحقيقة ما أتى به وهو الشرك بالله
واعلم أن ركن صحة (لا إله إلا الله) العلم بمعناها المراد منها نفيا واثباتا المنافي للجهل بذلك قال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وقال تعالى (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) ومن تفسيرها : من شهد ألا إله إلا الله وهو يعلم بقلبه ما نطق به لسانه . فالعلم بأصل الدين وبمعنى الشهادتين الدال على توحيد الله والخلوص من الشرك هو شرط لصحة الإسلام والجهل بذلك هو ناقض من نواقضها وليس عذرا للجاهل من إلحاق الكفر والشرك به إذا وقع في ناقض من نواقض الإسلام بل الجهل هو نوع من أنواع الكفر قال تعالى : (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في تفسير قوله تعالى
(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب ، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه سحاب ،ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها . ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " النور 39 – 40 .
فذكر سبحانه مثلين :
أحدهما : مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجوداً وفي الواقع يكون خيالا معدوماً كالسراب, وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد للماء ، فإذا طلب ما ظنه ماء وجده سراباً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ، وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة .
والمثل الثاني : مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حق ، ولا يرى فيه هدى .
والكفر المركب مستلزم للبسيط وكل كفر فلابد فيه من جهل مركب .
فضرب الله سبحانه المثلين ليبين حال الاعتقاد الفاسد ويبين عدم معرفة الحق وهو شبيه حال المغضوب عليهم والضالين ، وهما حال المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب ، وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى ، فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة . ) أ.هـ
قال ابن القيم رحمه الله (والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد)
أما التأويل في أصل الدين فالأصل فيه قوله تعالى (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون)
قال الإمام الطبري رحمه الله ( يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الْفَرِيق الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة إِنَّمَا ضَلُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه وَجَارُوا عَنْ قَصْد الْمَحَجَّة , بِاِتِّخَاذِهِمْ الشَّيَاطِين نُصَرَاء مِنْ دُون اللَّه وَظُهَرَاء , جَهْلًا مِنْهُمْ بِخَطَأِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ; بَلْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَحَقّ , وَأَنَّ الصَّوَاب مَا أَتَوْهُ وَرَكِبُوا . وَهَذَا مِنْ أَبْيَن الدَّلَالَة عَلَى خَطَأ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَة رَكِبَهَا أَوْ ضَلَالَة اِعْتَقَدَهَا إِلَّا أَنْ يَأْتِيهَا بَعْد عِلْم مِنْهُ بِصَوَابِ وَجْههَا فَيَرْكَبهَا عِنَادًا مِنْهُ لِرَبِّهِ فِيهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ بَيْن فَرِيق الضَّلَالَة الَّذِي ضَلَّ وَهُوَ يَحْسَب أَنَّهُ هَادٍ وَفَرِيق الْهُدَى فَرْق , وَقَدْ فَرَّقَ اللَّه بَيْن أَسْمَائِهِمَا وَأَحْكَامهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة.)
وقال تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعا )
قال الإمام الطبري رحمه الله : ( هُمْ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَة , بَلْ كَانَ عَلَى جَوْر وَضَلَالَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ بَلْ عَلَى كُفْر مِنْهُمْ بِهِ , " وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " يَقُول : وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعُونَ , وَفِيمَا نَدَبَ عِبَاده إِلَيْهِ مُجْتَهِدُونَ , وَهَذَا مِنْ أَدِلَّة الدَّلَائِل عَلَى خَطَأ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِاَللَّهِ أَحَد إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَقْصِد إِلَى الْكُفْر بَعْد الْعِلْم بِوَحْدَانِيِّتِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , أَنَّ سَعْيهمْ الَّذِي سَعَوْا فِي الدُّنْيَا ذَهَبَ ضَلَالًا , وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ فِي صُنْعهمْ ذَلِكَ , وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ . وَلَوْ كَانَ الْقَوْل كَمَا قَالَ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِاَللَّهِ أَحَد إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَم , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي عَمَلهمْ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعه , كَانُوا مُثَابِينَ مَأْجُورِينَ عَلَيْهَا , وَلَكِنَّ الْقَوْل بِخِلَافِ مَا قَالُوا , فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِاَللَّهِ كَفَرَة , وَأَنَّ أَعْمَالهمْ حَابِطَة . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " عَمَلًا , وَالصُّنْع وَالصَّنْعَة وَالصَّنِيع وَاحِد , يُقَال : فَرَس صَنِيع بِمَعْنَى مَصْنُوع ).
• يقول القاسمى( وحاصله كما قال القاضى : أن الآيه دلت على ان الكافر المخطئ والمعاند سواء)
ج ـ يقول الامام البغوى فى تفسيره لهذه الايه ( فيه دلاله على ان الكافر الذى يظن انه فى دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء)
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كما في الدُّرر السنيّة(13/170)
( ومنها أن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذراً لصاحبه كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي ألقاها ،كما لم يعذر من خالف النصوص متأولاً مخطئاً بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره ومنها:أن مثل هذا التأويل ليس على أهل الحق أن يُناظروا صاحبه ويبيِّنوا له الحق كما يفعلون مع المخطئ المتأول بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقها بقدر ذنبه وإلا أعرض عنه وإن لم يُقدر عليه.كما كان السلف الصالح يفعلون هذا وهذا
______________________________ ________
جزء من مقال (التأويل وهل يُعد عذرآ في اصل الدين)
كتاب مقتطفات العلياء /جزء العذر بالجهــل
وأعني بأصل دين الإسلام هو أقل قدر ينبغي أن يتوفر في العبد ليطلق عليه اسم "المسلم "
وقد عبر عنه ابن القيم رحمه الله بقوله : ( والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به ، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل )
وهو ما قال عنه شيخ الاسلام ابن تيمية ( والإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله عز وجل غيره، وذلك انما يكون بان يطاع في كل وقت بفعل ما امر به في ذلك الوقت فمن بلغته رسالة محمد صلي الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا بل يكون كافر وان زعم انه مسلم او مؤمن ) (مجموع الفتاوي ج 3 ص 91-93)
وهو ما عبر عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بقوله
( هو الاستسلام للّه تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشِّرْك وأهله )
واعلم أن التوحيد والشرك نقيضان لا يجتمعان في شخص واحد ولا يرتفعان عن الشخص البته فكل عبد إما أن يكون مسلما وإما أن يكون مشركا كافرا ولا يخلو من أحد الوصفين ومحال أن يكون الشخص مسلم مشرك لأن اجتماع النقيضين محال عقلا وشرعا .
وكون الشخص جاهلا بأصل الدين أو متأولا فيه ففعل ما يناقض أصل الدين بسبب جهله أو تأويله لا ينفي عنه كونه أشرك بالله والجهل والتأويل ما هما إلا سببان لحدوث الشرك فأكثر أهل الشرك جهال وكل فاعل فعل لابد له من تأويل وتفسير يبرر به فعله الذي فعله ولا ينفي هذا التبرير وصف الفعل الذي فعله وحقيقة ما أتى به وهو الشرك بالله
واعلم أن ركن صحة (لا إله إلا الله) العلم بمعناها المراد منها نفيا واثباتا المنافي للجهل بذلك قال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وقال تعالى (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) ومن تفسيرها : من شهد ألا إله إلا الله وهو يعلم بقلبه ما نطق به لسانه . فالعلم بأصل الدين وبمعنى الشهادتين الدال على توحيد الله والخلوص من الشرك هو شرط لصحة الإسلام والجهل بذلك هو ناقض من نواقضها وليس عذرا للجاهل من إلحاق الكفر والشرك به إذا وقع في ناقض من نواقض الإسلام بل الجهل هو نوع من أنواع الكفر قال تعالى : (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في تفسير قوله تعالى
(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب ، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه سحاب ،ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها . ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " النور 39 – 40 .
فذكر سبحانه مثلين :
أحدهما : مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجوداً وفي الواقع يكون خيالا معدوماً كالسراب, وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد للماء ، فإذا طلب ما ظنه ماء وجده سراباً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ، وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة .
والمثل الثاني : مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حق ، ولا يرى فيه هدى .
والكفر المركب مستلزم للبسيط وكل كفر فلابد فيه من جهل مركب .
فضرب الله سبحانه المثلين ليبين حال الاعتقاد الفاسد ويبين عدم معرفة الحق وهو شبيه حال المغضوب عليهم والضالين ، وهما حال المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب ، وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى ، فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة . ) أ.هـ
قال ابن القيم رحمه الله (والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد)
أما التأويل في أصل الدين فالأصل فيه قوله تعالى (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون)
قال الإمام الطبري رحمه الله ( يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الْفَرِيق الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة إِنَّمَا ضَلُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه وَجَارُوا عَنْ قَصْد الْمَحَجَّة , بِاِتِّخَاذِهِمْ الشَّيَاطِين نُصَرَاء مِنْ دُون اللَّه وَظُهَرَاء , جَهْلًا مِنْهُمْ بِخَطَأِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ; بَلْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَحَقّ , وَأَنَّ الصَّوَاب مَا أَتَوْهُ وَرَكِبُوا . وَهَذَا مِنْ أَبْيَن الدَّلَالَة عَلَى خَطَأ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَة رَكِبَهَا أَوْ ضَلَالَة اِعْتَقَدَهَا إِلَّا أَنْ يَأْتِيهَا بَعْد عِلْم مِنْهُ بِصَوَابِ وَجْههَا فَيَرْكَبهَا عِنَادًا مِنْهُ لِرَبِّهِ فِيهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ بَيْن فَرِيق الضَّلَالَة الَّذِي ضَلَّ وَهُوَ يَحْسَب أَنَّهُ هَادٍ وَفَرِيق الْهُدَى فَرْق , وَقَدْ فَرَّقَ اللَّه بَيْن أَسْمَائِهِمَا وَأَحْكَامهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة.)
وقال تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعا )
قال الإمام الطبري رحمه الله : ( هُمْ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَة , بَلْ كَانَ عَلَى جَوْر وَضَلَالَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ بَلْ عَلَى كُفْر مِنْهُمْ بِهِ , " وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " يَقُول : وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعُونَ , وَفِيمَا نَدَبَ عِبَاده إِلَيْهِ مُجْتَهِدُونَ , وَهَذَا مِنْ أَدِلَّة الدَّلَائِل عَلَى خَطَأ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِاَللَّهِ أَحَد إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَقْصِد إِلَى الْكُفْر بَعْد الْعِلْم بِوَحْدَانِيِّتِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , أَنَّ سَعْيهمْ الَّذِي سَعَوْا فِي الدُّنْيَا ذَهَبَ ضَلَالًا , وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ فِي صُنْعهمْ ذَلِكَ , وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ . وَلَوْ كَانَ الْقَوْل كَمَا قَالَ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِاَللَّهِ أَحَد إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَم , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي عَمَلهمْ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعه , كَانُوا مُثَابِينَ مَأْجُورِينَ عَلَيْهَا , وَلَكِنَّ الْقَوْل بِخِلَافِ مَا قَالُوا , فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِاَللَّهِ كَفَرَة , وَأَنَّ أَعْمَالهمْ حَابِطَة . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " عَمَلًا , وَالصُّنْع وَالصَّنْعَة وَالصَّنِيع وَاحِد , يُقَال : فَرَس صَنِيع بِمَعْنَى مَصْنُوع ).
• يقول القاسمى( وحاصله كما قال القاضى : أن الآيه دلت على ان الكافر المخطئ والمعاند سواء)
ج ـ يقول الامام البغوى فى تفسيره لهذه الايه ( فيه دلاله على ان الكافر الذى يظن انه فى دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء)
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كما في الدُّرر السنيّة(13/170)
( ومنها أن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذراً لصاحبه كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي ألقاها ،كما لم يعذر من خالف النصوص متأولاً مخطئاً بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره ومنها:أن مثل هذا التأويل ليس على أهل الحق أن يُناظروا صاحبه ويبيِّنوا له الحق كما يفعلون مع المخطئ المتأول بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقها بقدر ذنبه وإلا أعرض عنه وإن لم يُقدر عليه.كما كان السلف الصالح يفعلون هذا وهذا
______________________________
جزء من مقال (التأويل وهل يُعد عذرآ في اصل الدين)
كتاب مقتطفات العلياء /جزء العذر بالجهــل
Comments
Post a Comment