تسمية من فعل الشرك ولوقبل البينة

د. ماجد كارم
قال الله تعالي
ــــــــــــــــــ

"لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (البينة:1-2)

فهذه الآية تدل بوضوح على إثبات وصف الشرك والكفر قبل البعثة المحمدية والحجة القرآنية. "مُنفَكِّينَ " : أي منتهين عن كفرهم ، مائلين عنه.( القرطبي )

قال ابن كثير :

" قال مجاهد : لم يكونوا " مُنفَكِّينَ " يعني منتهين حتى يتبين لهم الحق وهكذا قال قتادة ، وحتى تأتيهم " الْبَيِّنَةُ " أي هذا القرآن. "إهـ فسماهم مشركين قبل ان يتبين لهم الحق وقبل ان ياتيهم القرآن

وقال ابن تيمية :

" وممن ذكر هذا أبو الفرج بن الجوزي . قال : " لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " اليهود والنصارى " وَالْمُشْرِكِينَ " وهم عبدة الأوثان " مُنفَكِّينَ " أي منفصلين وزائلين ... والمعنى لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة . لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي ، والبينة الرسول وهو محمد صل الله عليه وسلم ، بين لهم ضلالهم وجهلهم ... ولفظ البغوي نحو هذا ، قال :- لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم ... " حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ " لفظه مستقبل ومعناه الماضي ، أي حتى أتتهم البينة - الحجة الواضحة - يعني محمداً أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان ، فأنقذهم الله به من الجهل والضلال ." اهـ (مجموع الفتاوى ج16 ص483-486)

وقال الشوكاني :

"قال الواحدي : ومعنى الآية إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد صل الله عليه وسلم بالقرآن ، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان وهذا بيان عن النعمة والإنقاذ به من الجهل والضلالة. " اهـ
___________________________
قال الله جل وعلا
ـــــــــــــــــــــــ

" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ." [ الحجرات: 2 ] .

فصح بنص الآية الجلي الواضح أن هناك من يقع في الشرك المستوجب إحباط العمل من غير أن يعلم أنَّ ما وقع منه هو الشرك،لصريح قوله تعالى:" وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ .." . فهذه الآية برهان قطعي على إثبات صفة الشرك وحكمه على كل من تلبس بالشرك , علم أو لم يعلم ، عاند أو لم يعاند ، قلد أو لم يقلد .

قال ابن القيم:" فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه ، أليس هذا أولى أن يكون محبطاً لأعمالهم " اهـ ( أعلام الموقعين 1/51)


جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس

" صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب…. أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ." اهـ (فتح الباري ج8 ص 535)
___________________________

انظر رحمني الله وإياك قول ابن عباس رضي الله عنهما أنها أي- الأصنام -لم تعبد في بادئ الأمر،وأن العلة في عبادتها:تنسخ العلم وانتشار الجهل ،وذلك لأن المشرك أينما كان يظن أن ما هو عليه من الديانة تقربه إلى الله زلفى،فكيف يتقرب العبد إلى الله بأمر يعتقد بطلانه؟وذلك لأن منبع ومبعث الشرك هو الاعتقاد،بخلاف المعصية فان منبعها ومبعثها الشهوة المحضة،فالزاني والسارق وشارب الخمر يعلم قبح وحرمة معصيته ولكن الشهوة العارمة تحمله على اقترافها بخلاف الذبح والنذر والدعاء والاستغاثة فإن الحامل على فعل هذه هو: الاعتقاد لا الشهوة.لذلك لن تجد عبداً يعلم قبح وحرمة الشرك وأنه يسوق صاحبه إلى الخلود في النار ويحرم عليه دخول الجنة ويحبط عمله بالكلية ثم يفعله بعد هذا قربة إلى الله

، ومن المعلوم بيقين أن آدم قد ترك ذريته على التوحيد الخالص ، ثم بدأ الشرك يدب في ذريته بسنن شيطانية والتي تحدث عنها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما ، فأصبحوا مشركين فبعث الله نوحاً وهو أول رسول إلى أهل الأرض بنص حديث الشفاعة الصحيح . ومن المعلوم أيضاً أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان يخاطب قومه على أنهم : مشركون لا مسلمون .

فأين الرسول الذي أقام الحجة عليهم قبله حتى يثبت لهم وصف الشرك وحكمه ؟

قال ابن كثير :- " يخبر الله تعالى عن نوح عليه الصلاة والسلام - وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه : - " إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ" أي:- ظاهر النزارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله ..... وقوله " إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ" أي :- إن استمرريتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذاباً أليماً موجعاً شاقاً في الدار الآخرة. " اهـ

وبهذا يظهر فقه ابن عباس رضي الله عنهما عندما علل وقت اقتراف الشرك في قوم نوح بتنسخ العلم ، فقال :- " فلم تعبد ( أي الأصنام ) حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ." فهؤلاء القوم كانوا بداية على التوحيد ومن نسل موحد ثم دب فيهم الشرك بنوع من الجهل والتأويل ، وتخرصاً وحسباناً أنه يقربهم إلى الله زلفى ، بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها من سلطان، فأصبحوا مشركين ، فعند هذا بعث الله إليهم نوحاً عليه الصلاة والسلام بشيراً ونذيراً ليقيم الحجة الموجبة للعذاب في الدارين لمن خالفها.

وما يقال في قوم نوح عليه الصلاة والسلام ومن هذا يعلم :- أن اسم المشرك ثابت قبل بلوغ الرسالة.

قال ابن تيمية :- " وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه "....إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ" (هود :50 ) فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر. فإسم المشرك ثبت قبل الرسالة ، فانه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أنداداً قبل الرسالة ، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها ، وكذلك اسم الجهل والجاهلية ، يقال جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول أما التعذيب فلا ، والتولي عن الطاعة كقوله :" فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى " (القيامة:31-32) فهذا لا يكون إلا بعد الرسول." اهـ (مجموع الفتاوي ج20 ص37)

يقول الشيخ سليمان بن سحمان في "كشف الشبهتين" ص64 . قال : " إن الشرك الأكبر من عبادة غير الله وصرفها لمن أشركوا به مع الله من الأنبياء والأولياء والصالحين ، فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام ."

ونقل ابن سحمان عن شيخه الشيخ عبد الطيف في منهاج التأسيس ص102-105 قال : " ولذلك حكم على المعينين من المشركين من جاهلية العرب الأميين لوضوح الأدلة وظهور البراهين وفي حديث بني المنتفق ( إذا مررت على قبر دوسي أو قرشي فقل إن محمداً يبشرك بالنار ) هذا وهم أهل فترة فكيف بمن نشأ من هذه الأمة وهو يسمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأحكام الفقهية في إيجاب التوحيد والأمر وتحريم الشرك والنهي عنه . " اهـ

قال الله تعالي
ــــــــــــــــــــ

"وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مّصِيبَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" (القصص :47)

قال الطبري :"- يقول تعالى ذكره :- ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا محمد صل الله عليه وسلم إليهم لو حل بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي :- ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك وآي كتابك الذي تنزله على رسولك ونكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا . لعاجلناهم العقوبة على (( شركهم)) من قبل ما أرسلناك إليهم ، ولكنا بعثناك إليهم نذيراً على ((كفرهم)) لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ."

وقال ابن كثير :- " أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله ((بكفرهم)) فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ."
 
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر