الفرق بين الركن وشرط الصحة في الإيمان
من أصول أهل السنة أن الإيمان قول وعمل أي ركنان إذا زال أحدهما زال الأخر
قال البخاري في كتابه خلق أفعال العباد : أدركت ألفاً من العلماء كلهم يقولون : الإيمان قول وعمل .
وقال أبو حاتم وأبو زرعة :
------------------------
أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذاهبم أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته والقدر خيره وشره من الله تعالى وأن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علما ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
قال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني:
(والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان).
وقال الإمام البغوي:
------------------
(اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان.. وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة).
وقال الحافظ ابن عبد البر:
------------------------
(أجمع أهل الفقة والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية... إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيماناً
قال الإمام الشافعي في كتاب الأم:
------------------------------
.. وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أنالإيمان قول وعمل ونية لا يجزيء واحد من الثلاثة عن الآخر
وكل أقوال المتقدمين من السلف : على أن القول والعمل ركنان قام عليهما الدين
وقول السلف أحكم وأسلم ممن لا تؤمن عليهم الفتنة وفيه الهداية والخير كله وأفضل من كثرة التنظير
والعمل هو ركن مثل القول لا يجزيء واحد دون الآخر
وقول من قال : أن العمل شرط صحة هو موافقة في الأرجاء من جانب لأنه إخراج العمل من ماهية الإيمان ،فمن ترك العمل عند الفرق الضالة كان إيمانه صحيح وهو مساوي لإيمان جبريل وميكال وأبو بكر وعمر ولهذا قال الجهمية والمرجئة والأشاعرة في التصديق والناس في أصله سواء وهذا غلط قد بيّنا أن الناس في هذا أيضا يتفضلون .
قال شيخ الإسلام
----------------
فَهَلْ اسْمُ الْإِيمَانِ لِلْأَصْلِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِفُرُوعِهِ ؟ . وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ الِاسْمَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُهُمَا وَقَدْ يَخُصُّ الِاسْمُ وَحْدَهُ بِالِاسْمِ مَعَا لِاقْتِرَانِ وَقَدْ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأَصْلَ إذَا لَمْ يَخُصَّ إلَّاهُوَ ؛ كَاسْمِ الشَّجَرَةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ إذَا وُجِدَتْ وَلَوْ قُطِعَتْ الْفُرُوعُ لَكَانَ اسْمُ الشَّجَرَةِ يَتَنَاوَلُال ْأَصْلَ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْحَجِّ هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُشْرَعُ فِيهِ مِنْ رُكْنٍ وَوَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ وَهُوَ حَجٌّ أَيْضًا تَامٌّ بِدُونِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَهُوَ حَجٌّ نَاقِصٌ بِدُونِ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجْبُرُهَا دَمٌ .
وَالشَّارِعُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْفِي الْإِيمَانَ عَنْ الْعَبْدِ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ لَكِنْ لِتَرْكِ وَاجِبٍ ؛ بِحَيْثُ تَرَكَمَا يَجِبُ مِنْ كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ ؛ لَا بِانْتِفَاءِ مَا يُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ : قَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَمَالُ الْوَاجِبُ وَالْكَمَالُ الْمُسْتَحَبُّ.اهـ
فالواجبات والمستحبات من ماهية الإيمان إن كانت قولية أو عملية لكن منها ما هو مُذهب للإيمان ومنها ما هو كمال للإيمان المستحب لو زال لا يزول به أصل الإيمان وهو الإيمان المجمل .
لكن كل منهما من الماهية .
تعريف شرط الصحة :
--------------------
هو ما يلزم من وجوده الصحة ومن عدمه عدمها وهو ليس من ماهية الشيء.
وأصول أهل السنة في التعريف أن يَحُدوا الشيء بحدوده وهي أركانه
لا بشروطه وواجباته وسننه
مثلا الوضوء شرط صحة للصلاة
فهل إذا وجد الوضوء وجدت الصلاة؟ على تعريف أهل الأصول طبعا لا ،وشرط الصحة هو ما يلزم من وجوده الصحة ومن عدمه عدمها.
يعني إذا توضأت ودخلت في الصلاة يلزم من ذلك صحة الصلاة وإذا لم تدخل في الوضوء لا يلزم وجود الصلاة لأن الوضوء خارج ماهية الصلاة
والركن هو:
-----------
جزء من الماهية ووجوده وجود للشيء وعدمه عدم للشيء ، وإن شئت فقل أنه جزء من الذات كالركوع والسجود بالنسبة للصلاة.
فهو من ماهية الإيمان التي هي قول وعمل
وأما من قال أن العمل شرط صحة وقع في الإرجاء من حيث إخراج العمل من ماهية الايمان
ومن قال أنه ركن وافق أهل السنة حيث أدخل العمل في ماهية الإيمان
وهذا هو الصواب
وهو قول ابن تيميه رحمه الله وسائر أهل السنة
تعريف كل من الركن والشرط
-----------------------------
نجد أن كل منها يتفق مع الآخر من جانب ، ويختلف معه من جانب آخر:
• فقد اتفقنا أن العبادة كالصلاة أو غيرها لا تصح إلا بتوافر أركانها , وتقع باطلة إذا تخلف عنها أي ركن من أركانها , وهذا هو الشأن ذاته بالنسبة لسائر شروط صحتها ولذا فإن الركن والشرط يتفقان في وجوب توافر كل منها لتقع العبادة صحيحة مجزئه عن صاحبها.
أما في الجانب الآخر , فإن الركن جزء من حقيقه الشيء – عبادة أو غيرها وجزء من ماهيته؛ كالقيام أو الركوع أو السجود في فريضة الصلاة.
وأما شرط الصحة فهو خارج عن حقيقة الشيء – صلاة أو غيرها – وإن كان الشيء لا يصح إلا به. فهذا هو وجه الاختلاف بين الركن والشرط.
ولو قال قائل بعد هذا: لا مُشاحّة في الاصطلاح بين الركن وشرط الصحة لأن الركن وشرط الصحة اتفقا من جهة بطلان الإيمان دون العمل
قلت:
في هذا المقام لا ينفع هذا القول ( لا مشّاحة في الاصطلاح ) كون بينهما اختلاف
وتوافق
التوافق بينهما من جانب بطلان الشيء والاختلاف من جانب إخراجه من ماهية الإيمان
فإذا كان العمل خارج الماهية صار الايمان عندكم التصديق فقط وإن كان كذلك فلا يجوز تكفير من ترك العمل بالكلية كونه ليس من ماهية الإيمان
والرد على ذلك لهؤلاء نقول لهم ماذا تقولون عن عمل اللسان؟ أهو خارج الماهية؟ أم داخل الماهية؟
فإن قالوا: هو داخل الماهية، لزمهم إدخال كل الأعمال في الماهية
لأن شيخ الإسلام عدّ التلفظ بالشهادتان من العمل
قال شيخ الإسلام
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَكَلَّمَ كَانَ كَلَامُهُ بِفِعْلِ مِنْهُ وَحَرَكَةٍ هِيَ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ وَحَصَلَ عَنْ الْحَرَكَةِ صَوْتٌ يُقَطَّعُ حُرُوفًا هُوَ نَفْسُ التَّكَلُّمِ فَالْكَلَامُ وَالْقَوْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْكَلَامُ تَارَةً يُجْعَلُ نَوْعًا مِنْ الْعَمَلِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ وَتَارَةً يُجْعَلُ قَسِيمًا لَهُ إذَا أُرِيدَ مَا يُتَكَلَّمُ بِهِ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا .
والعلماء استعملوا عبارة( لا مشاحة في الاصطلاح ) عندما يوافق اللفظ المصطلح عليه في كل الجوانب و يكون المقصود صحيحا
والعمل يراد به عمل اللسان وعمل القلوب وعمل الجوارح
ومن هنا يتبين لنا تخبطهم ولو سألناهم ماذا تقولون في أعمال القلوب؟ أهي شرط صحة أم ركن ؟
فأعمال القلوب أهم من أعمال الجوارح لأنها هي الأصل وأعمال الجوارح تبع لأعمال القلوب وكل علماء أهل السنة لم يخرجوا أعمال القلوب من ماهية الإيمان
ومن هنا اضطر أهل البدع إلى التخبط
فعندما نقول شرط صحة أخرجنا العمل من ماهية الإيمان فصار أصل الإيمان قول وتصديق والعمل خارج الإيمان ،فكيف تكفرون تارك العمل؟ فهو ليس من ماهيته على قولكم؟ فخالفتم أصول أهل السنة
وعندما نقول ركن أدخلنا العمل في ماهية الإيمان فصار الثلاثة دلالة على الإيمان الصحيح, فإذا زال أحدهم زال الإيمان
ومن هنا يعرف الفرق بين الركن وشرط الصحة وهذا سبب غلط المرجئة والجهمية
فنقول لا مشاحة في الاصطلاح بين الركن وشرط الصحة من جانب واحد وهو أن صحة الإيمان متوقفة على وجود العمل .
أما من ناحية الماهية لا ينفع قول لا مشاحة في الاصطلاح
لأن هناك فرق بين إثبات صحة الإيمان بالعمل وبين الكلام عن إدخال العمل في ماهية الايمان .
ثم إنّ أصول أهل السنة في التعريف أن يَحُدُّوا الشيء بأركانه لا بشروطه وسننه
فمن عرف الأيمان وذكر شروطه فقد خالف الأصوليين في التعريف حيث حد الشيء بغير أركانه
يقول الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله
_ في بيان أهمية تصور الحقائق ومعرفة حدودها: _ اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج، وعرف ماهيته بأوصافها الخاصة عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين . ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما، لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر . وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة " أهـ من كتابه منهاج التأسيس ص 12
فحقيقة الركن غير حقيقة شرط الصحة
وأن إتفقا في جانب
لأنه عند أهل الأصول تعريف الركن غير تعريف شرط الصحة فكيف يقال لا مشاحة في الإصطلاح؟
من هنا عُرف جهل وتخبط الفرق الضالة
لأنهم عندما عرفوا الإيمان لم يعرفوه بأركانه وهي حدوده بل عرفوه بركنين وجعلوا الركن الثالث كمال في الإيمان فكان تعريفهم :
الأيمان قول وتصديق والعمل شرط كمال وهذا باطل
فهل إذا طلبت من أحد أن يذكر لك أركان الصلاة
فذكر وضع اليدين على الصدر أو جلسة الاستراحة فهل هذا مصيب؟
وإذا طلبت من أحد أن يذكر أركان الصلاة فذكر لك الوضوء هل هذا مصيب؟
طبعا لا لأن الفرق واضح جدا
وتعريف العمل أنه شرط صحه موافقة لأهل الأرجاء من جانب، لأنه أخرج العمل من ماهية الإيمان ،وموافقه لأهل السنة من جانب صحة الإيمان بالعمل.
تعريف شرط الصحه :هو ما يلزم من وجوده الصحة ومن عدمه عدمها وهو خارج ماهية الشيء.
وذكرنا أن أصول أهل السنة أن يُحَد الشيء بحدوده وهي أركانه
لا بشروطه وواجباته وسننه
مثلا الوضوء شرط صحة للصلاة
فهل إذا وجد الوضوء وجدت الصلاة على تعريف أهل الأصول؟ طبعا لا فشرط الصحة ما يلزم من وجوده الصحة ومن عدمه عدمها وهو خارج عن ماهية الشيء
يعني إذا دخلت في الصلاة على طهارة يلزم صحة الصلاة وإذا لم تدخل لم يلزم وجود الصلاة لأن الوضوء خارج ماهية الصلاة وليس من ماهية الصلاة
فلا ينفع أن نقول الوضوء جزء من ماهية الصلاة لأنها خارج الصلاة وهي ليست من حدود الصلاة
أما الركن : فهو جزء من الماهية ووجوده وجود الشيء وعدمه عدم الشيء
فالعمل من ماهية الإيمان فلا ينفع أن أقول: الإفتراش من ماهية الصلاة لأنه ليس من حدود الصلاة التي هي أركانه
ومن قال بأن العمل شرط صحة وافق أهل الإرجاء من حيث أنه أخرج العمل من ماهية الإيمان، ووافق أهل السنة من حيث صحة الإيمان
وأما من قال أنه ركن وافق أهل السنه ،حيث أدخل العمل في ماهية الإيمان وعندما نقول شرط صحه أخرجنا ماهية العمل من الإيمان فصار أصل الإيمان قول وتصديق والعمل خارج عن الإيمان .
فمن كفَّر تارك جنس العمل وافق أصول أهل السنة لإدخاله العمل في ماهية الإيمان ومن لم يكفر تارك جنس العمل وافق الجهمية والمرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان
___________________
Comments
Post a Comment