ضلال المشــركين أصــله الجهل


منقول من د.ماجــد كــارم صفحة شُــــــــــــبهات وردود

فالقرآن الكريم أثبت في عشرات المواضع من آياته البينات أن ضلال من ضل من المشركين والكافرين أصله الجهل. وذلك من خلال نفي العلم عنهم في هذا الأمر الذي أصبحوا به مشركين, وهو الأمر الذي لو ذهبنا نتتبع أدلته وتفسيرها من الذكر الحكيم لطال المقام ولما أمكن عده وحصره, لذا فنحن نكتفي بذكر بعض الأدلة تاركين للقارئ الكريم حرية تتبع ذلك المعني في سائر آيات الذكر الحكيم .

فمن ذلك أن الله تعالى يقول
_______________

1- " وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها, قل إن الله لا يأمر بالفحشاء , أتقولون على الله ما لا تعلمون " الأعراف 28.

قال القرطبي رحمه الله :

( الفاحشة هنا في القول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة ,وقال الحسن: هي الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم, وبأن الله أمرهم بها . وقال الحسن: " والله أمرنا بها " قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. " قال إن الله لا يأمر بالفحشاء " بين أنهم متحكمون , ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا . وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم وهذا منها ) أ.هـ


وقال ابن كثير رحمه الله :

( قال مجاهد : كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة الشيء على قبلها النسعة أو الشيء وتقول :
اليوم يبدو كله أو بعضه *** وما بدا منه فلا أحمله
فأنزل الله " وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها " الآية .
قلت : كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها, وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيلبهم ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه, ومن ثوب جديد طاف فيه, ثم يلقيه فلا يتملكه أحد , ومن لم يجد ثوباً جديداً, ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً. وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر فتقول:

اليوم يبدو كله أو بعضه *** وما بدا منه فلا أحمله

وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم, واتبعوا فيه آباءهم, ويعتقدون أن فعل آباءهم مستند إلى أمر الله , وشرع , فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال " وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها " فقال تعالى رداً عليهم " قل " أي : يا محمد لمن ادعى ذلك " إن الله لا يأمر بالفحشاء " أي: هذا الذي تصفونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك " أتقولون على الله ما لا تعلمون " أي: تسندون إلى الله من الأقوال مالا تعلمون صحته. ) أ.هـ

والأمر الذي ينبغي أن يكون موضع الانتباه والملاحظة في تفسير هذه الآية الكريمة :
1- أن المشركين كانوا يفعلون ذلك – الطواف بالبيت عراة – تديناً لله عزوجل .
2- أنهم ظنوا أن ذلك أمراً من الله تبارك وتعالى فهم قائمون على تنفيذه.
3- أنهم كانوا متأولين في سبب ذلك أن لا يطوفوا في ثياب عصوا الله فيها.
4- أن الله عزوجل لم يجعل من جهلهم عذراً , ولم يكن لتأويلهم هذا وزناً.
وإن كانوا يفعلون ذلك مع قدر عظيم من حسن النية المتمثلة في عبادة الله, والطواف ببيته معظمين له ( فالنية الحسنة لا تصحح العمل الفاسد ).


2- يقول المولى تبارك وتعالى :
__________________

" وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون " الأنعام 100

قال ابن كثير رحمه الله:
(هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره وأشركوا به في عبادته, أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة تعالى عن شركهم وكفرهم, فإن قيل فكيف عبدت الجن مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب : أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن, وأمرهم إياهم بذلك كقوله " إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً.لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاَ. ولأضلنهم ولأمتعنهم ولأمرنهم فليبتكن إذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله. ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً " وكقوله تعالى " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " الآية. وقال إبراهيم لأبيه "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً " وكقوله " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه كان لكم عدو مبين وأن أعبدوني هذا صراط مستقيم "

وتقول الملائكة يوم القيامة: " سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم به مؤمنون "

ولهذا قال تعالى: " وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم " أي: وقد خلقهم فهو الخالق وحده لا شريك له, وقوله تعالى : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ينبه به تعالى على ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولداً, كما يزعم من قال من اليهود في عزير, ومن قال من النصارى في عيسى , ومن قال من مشركي العرب في الملائكة أنها بنات الله " تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً " ومعني خرقوا أي : اختلفوا وانتفكوا وتخرصوا وكذبوا كما قاله علماء السلف قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس وخرقوا يعني تخرصوا, وقال العفي عنه " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " قال : كذبوا وكذا قال الحسن . وقال الضحاك: وصنعوا . وقال السدى : قطعوا, قال ابن جرير وتأويله إذاً وجعلوا لله شركاء في عبادتهم إياهم, وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " بحقيقة ما يقولون ولكن جهلاً بالله وبعظمته فإنه لا ينبغي لمن كان إلهاً أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ولا أن يشركه في خلقه شريك ولهذا قال " سبحانه وتعالى عما يصفون " أي: تقدس وتنزه وتعظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء.) أ.هـ




3- ويقول تعالى :
__________

" وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذباً " الكهف 4- 5 .

قال القرطبي رحمه الله :
( " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً " وهم اليهود قالوا : عزيراً ابن الله والنصارى قالوا المسيح ابن الله , وقريش قالت الملائكة بنات الله , فالإنذار في أول السورة عام , وهذا خاص فيمن قال لله ولد. " ما لهم به من علم " .. أي مالهم بذلك القول علم , لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل " ولا لأبائهم " أي أسلافهم.) أ.هـ

ضلال المشــركين أصــله الجهل (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالقرآن الكريم أثبت في عشرات المواضع من آياته البينات أن ضلال من ضل من المشركين والكافرين أصله الجهل. وذلك من خلال نفي العلم عنهم في هذا الأمر الذي أصبحوا به مشركين, وهو الأمر الذي لو ذهبنا نتتبع أدلته وتفسيرها من الذكر الحكيم لطال المقام ولما أمكن عده وحصره, لذا فنحن نكتفي بذكر بعض الأدلة تاركين للقارئ الكريم حرية تتبع ذلك المعني في سائر آيات الذكر الحكيم .



4- قوله تعالى :
_________

" وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية , كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم , تشابهت قلوبهم , قد بينا الآيات لقوم يوقنون " البقرة 118.

قال ابن كثير:
( قال محمد بن إسحاق : حدثني بن أبي محمد , عن عكرمة – أو سعيد بن جبير – عن ابن عباس قال : قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله في ذلك من قوله " وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية " وقال مجاهد " وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية " قال النصارى تقوله , وهو اختيار ابن جرير قال : لأن السياق فيهم . وفي ذلك نظر وحكي القرطبي " لولا يكلمنا الله " أي يخاطبنا بنبوتك يا محمد . قلت وهو ظاهر السياق والله أعلم.
وقال أبو العالية والربيع بن انس وقتادة والسدى في تفسير هذه الآية : هذا قول كفار العرب " كذلك قال الذين من قبلهم " قال : هم اليهود والنصارى ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى " وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله " الآية , وقوله تعالى : " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً .. – إلى قوله – قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا " وقوله تعالى : " وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا " الآية وقوله تعالى : " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفاً منشرة " إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم , وعنادهم وسؤالهم مالا حاجة لهم به , أنما هو الكفر والمعاندة كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم كما قال تعالى " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة " وقال تعالى : " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " .
وقوله تعالى : " تشابهت قلوبهم " أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو كما قال تعالى : " كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به " الآية , وقوله تعالى " قد بينا الآيات لقوم يوقنون " أي : قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر ,وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع وفهم ما جاؤا به عن الله تبارك وتعالى , وأما من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فأولئك قال الله فيهم : " إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ".) أ.هـ


وقوله تعالى :

" وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم "

قال ابن كثير رحمه الله :
( وقوله تعالى " وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم " أي تقولون ما لا تعلمون . ثم قال تعالى " وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيماً " أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ذلك يسيراً سهلاً ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هيناً فكيف وهي زوجة النبي الأمي وخاتم الأنبياء وسيد المرسلين. فعظيم عند الله أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل , فإن الله سبحانه وتعالى يغار لذا وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلا , ولما لم يكن ذلك فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد أدم على الإطلاق في الدنيا ولآخرة ولهذا قال تعالى :" وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم " وفي الصحيحين :
( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدرى ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد ما بين السواء والأرض)وفي رواية : ( لا يلقي لها بالاً ) ) .أ هـ

قاله ابن كثير عن ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى :
" فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون "
الأعراف 30.
قال ابن كثير :
( .. ولهذا قال تعالى : " فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة " ثم علل ذلك فقال " لإنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله " قال ابن جرير – يعني الطبري – وهذا من أبين الأدلة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحداً على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عناداً لربه فيها لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق, وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية .) أ.هـ

فتأمل وتدبر هدانا الله إلى صراطه المستقيم .
فإن فهمت ما أراده ابن كثير رحمه الله نقلا عن ابن جرير الطبري فاحمد الله على نعمة العقل والفهم .

وإن لم تفهم حقيقة المعني المراد في تفسير الآية فلا عجب فإن العجب كل العجب ممن نجا كيف نجا ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر