شبهة الإكتفاء بالشهادتين دون العلم بمعناها
منقول من د.ماجــد كــارم صفحة شُــــــــــــبهات وردود
شبهـــات وردود
ـــــــــــــــــــــــ
بعض أدعياء التوحيد ممن يدعى عدم العذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي نفس الوقت تجده يجادل عمن أشرك بالله بدعوى أنه من العوام أو يجادل عمن سوغ لهم الشرك من العلماء أو من لم يكفرهم طرح شبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدعو الناس إلا للتلفظ بالشهادتين وما كان يشرح لهم معناهما ولا يفهمهم أن الكفر بالطاغوت من أصل الدين ولو كان هذا من أصل الدين لبينه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو المشركين للإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب :
إن لدخول الإسلام وقبول شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله شروطا واركانآ منها العلم بمعناها المراد منها نفيا واثباتا المنافي للجهل بذلك .
فالعلم بمعنى الشهادتين شرط في عصمة المال والدم ، لأن اعتقاد الشهادتين يجب أن يسبقه العلم بمدلولهما - لأن الاعتقاد والتصور فرع العلم - إذ كيف يعتقد العبد اعتقادا صحيحا لشيء وهو جاهل بحقيقته ؟
عن أبي هريرة قال :- قال رسول الله : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فمن قال لا اله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ).
وعن أبي هريرة عن رسول الله قال :- ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ).
وعن عبد الله بن عمر قال :- قال رسول الله :- (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ).
وعن أبي مالك عن أبيه قال :- سمعت رسول الله يقول :- (من قال لا اله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) .وفي رواية أنه سمع النبي يقول (من وحد الله .. ثم ذكر مثله ).
هذه الروايات تنص على أن القتال مشروع إلى أن يقولوا) وفي رواية (يشهدوا)وفي رواية (من وحد الله)وفي رواية (وكفر بما يعبد من دون الله ) وفي رواية أضاف (ويؤمنوا بما جئت به ) فهذه الروايات كلها تدل على أن العلم بمعنى الشهادتين شرط وركن في عصمة المال والدم .
" فالقول " دليل على الاعتقاد :
قال صاحب لسان العرب في معنى كلمة " قول " :- فأما تجوزهم في تسمية الاعتقادات والآراء قولا فلأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول ، أو بما يقوم مقام القول من شاهد الحال، فلما كانت لا تظهر إلا بالقول سميت قولا ، إذ كانت سببا له، وكان القول دليلا عليها ، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان ملابسا له وكان القول دليلا عليه ….
قال شمر :- تقول قوَّلني فلان حتى قلت ، أي : علَّمني وأمرني أن أقول ، قال:- قوَّلتني وأقوَلتني أي :- علَّمتني ما أقول وأنطقتني ، وحملتني على القول . وفي حديث سعيد بن المسيب حين قيل له : ما تقول في عثمان وعلي ؟ فقال :- أقول فيهما :- ما قوَّلني الله –تعالى- ثم قرأ :- وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [سورة الحشر: 10].
ومن هنا يعلم أن المقصود بقول النبي : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) أي : حتى يعلموا وينطقوا لا إله إلا الله ، فالقول هنا لا بد فيه من العلم .
وأما " الشهادة " فإنها أيضا تقتضي العلم :
قال صاحب لسان العرب :-" قال ابن سيدة : الشاهد : العالم الذي يبين ما علمه... وقال أبو بكر بن الأنباري في قول المؤذن أشهد أن لا اله إلا الله :- أعلم أن لا اله إلا الله ، وأبين أن لا اله إلا الله ، قال :- وقوله أشهد أن محمدا رسول الله أعلم وأبين أن محمدا رسول الله . وقوله ( شهد الله أنه لا اله إلا هو ) قال أبو عبيدة : معنى شهد الله : قضى الله أنه لا اله إلا هو وحقيقته :- عَلِم الله وبَين الله ، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه.... وشهد الشاهد عند الحاكم : أي بين ما علمه وأظهره... وسأل المنذري أحمد بن يحيى عن قول الله - ( شهد الله أنه لا اله إلا هو) فقال :- كل ما كان (شهد الله ) فانه بمعنى :- علم الله ، قال وقال ابن الأعرابي:- معناه قال الله ويكون معناه علم الله ويكون معناه كتب الله . وقال ابن الأنباري :- معناه بين الله أنه لا اله إلا هو ." اهـ
وقال القرطبي في قوله تعالى :- وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة الزخرف: 86] … والمعنى :- ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة . قاله :- سعيد بن جبير وغيره ، قال وشهادة الحق لا اله إلا الله … وَهُمْ يَعْلَمُونَ حقيقة ما شهدوا به .
الثانية :- قوله تعالى :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يدل على معنيين :
أحدهما :- أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم ، وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة .
والثاني :- أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها، ونحوه ما روي عن النبي :- ( إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع).
وقال ابن كثير :- ... هذا استثناء منقطع أي :- لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فانه تنفع شفاعته عنده بإذنه له .
وقال الإمام الطبري :- فقال بعضهم معنى ذلك :- ولا يملك عيسى وعزير والملائكة الذين يعبدهم هؤلاء المشركون الشفاعة عند الله لأحد إلا من شهد بالحق فوحد الله وأطاعه بتوحيد عن علم منه وصحة بما جاءت به رسله . قوله :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ قال : -كلمة الإخلاص . وَهُمْ يَعْلَمُونَ وهم يعلمون أن الله حق ، وعيسى وعزير والملائكة. يقول : - لا يشفع عيسى وعزير والملائكة إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم أنه الحق .
وقال القرطبي :- قوله :- ( أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ) أي :- أنطق بما أعلمه وأتحققه : وأصل الشهادة للإخبار عما شاهده المخبر بحسه ، ثم قد يقال:- على ما يحققه الإنسان ويتيقنه وان لم يكن شاهدا للحس لأن المحقق علما كالمدرك حسا ومشاهدة ..
وقال ابن تيمية : -" والشهادة :- لا بد فيها من علم الشاهد وصدقه وبيانه ، لا يحصل مقصود الشهادة إلا بهذه الأمور ."
وقال أيضا- رحمه الله - قال أبو الفرج في معنى الآية قولان :- أحدهما :- أنه أراد بِـ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيرا والملائكة . فقال:- إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وهو شهادة أن لا اله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم . قال :- وهذا مذهب الأكثرين ، منهم قتادة . والثاني :- أن المراد بِـالَّذِينَ يَدْعُونَ عيسى وعزيرا والملائكة الذين عبدهم المشركون. لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد ( إلا من شهد بالحق ) وهي كلمة الإخلاص وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله خلق عيسى وعزيرا والملائكة . وهذا مذهب قوم ، منهم :- مجاهد ، إلى أن قـال في ص (409 –411 ) وهذا يتناول : الشافع والمشفوع له ، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون . فالملائكة والأنبياء والصالحون _ وان كانوا لا يملكون الشفاعة- لكن إذا أذن لهم الرب شفعوا . وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون أن لا اله إلا الله. فيشهدون بالحق وهم يعلمون ، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء والشيوخ كما جاء في الحديث الصحيح :- ( إن الرجل يسأل في قبره ما تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول :- (هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى ، وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) فلهذا قال :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وقد تقدم قول ابن عباس :- يعني من قال لا اله إلا الله يعني : خالصا من قلبه. والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين :- أن الشفاعة إنما تكون في أهل ( لا اله إلا لله ). اهـ
وقال صاحب فتح المجيد شارحا معنى الشهادة :-" قوله :- (من شهد أن لا اله إلا الله ) أي :- من تكلم بها عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا . فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال تعالى :- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19] وقوله :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة الزخرف: 86] . أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل:- قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح ، فغير نافع بالإجماع.
قال القرطبي في المفهم على صحيح مسلم :- ( باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين ) بل لا بد من استيقان القلب - هذه الترجمة تدل على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين :- بأن التلفظ بالشهادتين في الإيمان كاف لمن وقف عليها . وأحاديث هذا الباب تدل على فساده ، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة ، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح ، وهو باطل قطعا .
وفي هذا الحديث ما يدل على هذا وهو قول :- (من شهد ) فان الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصدق ... وقال الوزير أبو المظفر في الإفصاح :- قوله :- ( شهادة أن لا اله إلا الله ) يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأنـه:-( لا اله إلا الله ) كما قال تعالى :- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19] قال :- واسم الله مرتفع بعد ( إلا ) من حيث أنه الواجب له الإلهية ، فلا يستحقها غيره سبحانه.قال: وجملة الفائدة في ذلك :- أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، فانك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله .
وقال البقاعي :- ( لا اله إلا الله ) أي :- انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم ، فان هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ، وإنما يكون علما إذا كان نافعا ، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف...فَـ (لا اله إلا الله ) لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا واعتقد ذلك بقلبه وعمل به . وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم من كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب ." اهـ
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد :-" قوله (من شهد أن لا اله إلا لله ) أي:- من تكلم بهذه الكلمة عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا ، كما دل عليه قوله:- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19]. وقوله : إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة الزخرف: 86] . أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها ، فان ذلك غير نافع بالإجماع . وفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله :- مَنْ شَهِدَ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به ."
وقال في ص60 :-" ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدا رسول الله ، ولم يعرف معنى الإله ومعنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه ، فتابعهم ، ولم يفعل شيئا من الشرك فانه لا يشك أحد من عدم إسلامه ، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر ، أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب (الدر الثمين في شرح المرشد المعين ) من المالكية، ثم قال شارحه :- وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه اثنان . انتهى
ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الالهية في أرباب متفرقين."اهـ
قال البخاري في صحيحه تحت كتاب العلم " باب العلم قبل القول والعمل" لقوله تعالى :- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19] فبدأ بالعلم . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله :- (العلم قبل القول والعمل) قال ابن المنير :- أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل…."
إن ادعاء أن مجرد النطق بلا اله إلا الله محمد رسول الله يدخل الإسلام ادعاء باطل وتشريع جديد ، لا يقول به عاقل فضلاً عن مسلم . فكلمة " لا اله إلا الله محمد رسول الله "ليست عبارة عن كلمة ( سر ) يدخل بها الإنسان الإسلام بمجرد نطقها فقط مهما كان حاله وعمله . إن " لا اله إلا الله محمد رسول الله " منهج حياة وكلمة لها معنى محدد ، وتتطلب أشياء لا بد منها لقبولها واعتبارها . فالإسلام لا يدعو إلى تلفظ ألفاظ وإنما يدعو إلى معاني هذه الألفاظ . ولقد أثبتنا ذلك بما لا يدع مجالا للشك لمن أراد الحق .
قال ابن حزم-: " فمن عجز لجهله أو عتمته عن معرفة كل هذا فلا بد له من أن يعتقد بقلبه ويقول بلسانه حسب طاقته بعد أن يفسر له : لا اله إلا الله محمد رسول الله ، كل ما جاء به حق وكل دين سواه باطل " المحلى بالآثار – كتاب التوحيد
انظر - هداك الله - إلى قول ابن حزم "بعد أن يفسر له لا اله إلا الله محمد رسول الله ، كل ما جاء به حق وكل دين سواه باطل " . فالإمام ابن حزم يشترط أن يفسر لقائل لا اله إلا الله محمد رسول الله معنى هذه الكلمة حتى يشهد بها عن معرفة واعتقاد ، ولم يقل تقبل بمجرد تلفظها عرف معناها أم لم يعرف
إن رسول الله وصحابته -رضوان الله عليهم - عندما كانوا يعرضون الإسلام على غير العرب كانوا يشرحون لهم معنى لا اله إلا الله محمد رسول الله حتى يدخلوا الإسلام على بصيرة ، وإن من يدعي أن رسول الله وأصحابه _رضوان الله عليهم - كانوا يقبلون إسلام من يقول " لا اله إلا الله محمد رسول الله " ممن أيقنوا أنه لا يعرف معناها دون أن يبينوا له معناها وما تتطلبه فقد افترى على رسول الله وعلى الصحابة والمسلمين واتهمهم بخداع الناس وكتم ما ينفعهم عند الله وينقذهم من الخلود في النار .
إن السيرة الشريفة مليئة بالآثار التي تبين أن الرسول والصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا عندما يدعون الناس إلى " لا اله إلا الله محمد رسول الله " يبينون لهم معناها حال شعورهم أنهم لا يفهمونها ، سواء كانوا عربا أم عجما ، وكانوا لا يقبلون شهادة من يقول هذه الشهادة وهو متلبس بما ينقضها لأنه يدل على أنه لم يفهم معناها ومقتضياتها .
وسنذكر دليلا واضحا يبين كيف كان رسول الله يدعو غير العرب أو من لم يعرف معنى " لا اله إلا الله " .
روى البخاري ومسلم أن رسول الله بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم ، فدفع دحية بكتاب رسول الله إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقرأه ، وكان فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد : فاني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وان توليت فان عليك إثم الأريسيين . و "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ".متفق عليه
انظر - هداك الله - إلى هذه الرسالة التبليغية التي أرسلها المبلغ الأول القدوة رسول الله إلى هرقل ملك الروم الذي كان يدين بالنصرانية كيف بين له معنى لا اله إلا الله وركز على الشرك الذي كان واقعا في زمانه ، وهو عبادة بعضهم البعض في مسألة التحريم والتحليل (مسألة التشريع ). إن النصارى واليهود كانوا يقولون " لا اله إلا الله" ولكن كانوا لا يعرفون معناها ، أو يعرفون ولا يتبعون ، ولهذا كانوا مع نطقهم بها ينقضونها بعبادة علمائهم ورهبانهم وحكامهم في قضية التشريع . لهذا كان رسول الله يكتب ( آية 64) من سورة آل عمران ( قل يا أهل الكتاب……) عندما يرسل رسالة تبليغ إلى ملوك أهل الكتاب .
فهذه الآية الكريمة تبين شرك أهل الكتاب وأنهم يقولون " لا اله إلا الله " ويدعون أنهم من أهلها مع أنهم لا يعرفون ما تقتضيه هذه الكلمة من إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة أو يعرفون ذلك ولا يتبعون .
فهذه الآية أوضح دليل على معنى " لا اله إلا الله " وعلى أن الرسول كان يشرح معنى لا اله إلا الله لأهل الكتاب الذين كانوا ينطقون بها دون معرفة معناها ودون العمل بمقتضاها، فكان رسول الله يدعوهم إلى تطبيق هذا المعنى ويبين لهم أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة لا يفيد شيئا فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ أي إن لم يستجيبوا لِـ "لا اله إلا الله" بهذا المعنى ويقروا به ويلتزموا به في حياتهم فهم ليسوا من أهل لا اله إلا الله وليسوا بمسلمين مهما ادعوا ذلك . أما نحن فاننا نشهد أن لا اله إلا الله بهذا المعنى ، لهذا نحن المسلمون وأهل لا اله إلا الله .
ومن الأدلة أيضا :
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله لما بعث معاذ إلى اليمن قال:- ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم ).
وفي رواية أخرى :- (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك).
وفي رواية أخرى في البخاري :- (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله ) .
انظر هداك الله إلى قول رسول الله لمعاذ : "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " وفي رواية أخرى :- (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى ) وفي رواية أخرى :- (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) "فإن هم أجابوك " أي أجابوك لمعنى هذه الكلمة وليست لمجرد النطق بها فانهم يتلفظون بها ويدعون أنهم من أهلها .
هكذا كانت دعوة الرسول ورسله لتبليغ الإسلام وهذه يجب أن تكون دعوة كل مسلم ، أن يدعو إلى مفهوم " لا اله إلا الله " وليس لمجرد النطق بها ، فالأولى بنا أن نفهم الناس " لا اله إلا الله " وندعوهم لتطبيق هذا المعنى في حياتهم كلها ، ونفهمهم أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة دون فهم معناها والعمل بمقتضاها لا يفيد شيئاً عند الله ، هذا إذا أردنا أن نكون دعاة للإسلام وليس دعاة لتضليل الناس وخداعهم باسم الإسلام بإفهامهم أن مجرد التلفظ بِـ " لا اله إلا الله " كاف لدخول الإسلام ودخول الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
شُــــــــــــبهات وردود
ـــــــــــــــــــــــ
بعض أدعياء التوحيد ممن يدعى عدم العذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي نفس الوقت تجده يجادل عمن أشرك بالله بدعوى أنه من العوام أو يجادل عمن سوغ لهم الشرك من العلماء أو من لم يكفرهم طرح شبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدعو الناس إلا للتلفظ بالشهادتين وما كان يشرح لهم معناهما ولا يفهمهم أن الكفر بالطاغوت من أصل الدين ولو كان هذا من أصل الدين لبينه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو المشركين للإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب :
إن لدخول الإسلام وقبول شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله شروطا واركانآ منها العلم بمعناها المراد منها نفيا واثباتا المنافي للجهل بذلك .
فالعلم بمعنى الشهادتين شرط في عصمة المال والدم ، لأن اعتقاد الشهادتين يجب أن يسبقه العلم بمدلولهما - لأن الاعتقاد والتصور فرع العلم - إذ كيف يعتقد العبد اعتقادا صحيحا لشيء وهو جاهل بحقيقته ؟
عن أبي هريرة قال :- قال رسول الله : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فمن قال لا اله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ).
وعن أبي هريرة عن رسول الله قال :- ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ).
وعن عبد الله بن عمر قال :- قال رسول الله :- (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ).
وعن أبي مالك عن أبيه قال :- سمعت رسول الله يقول :- (من قال لا اله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) .وفي رواية أنه سمع النبي يقول (من وحد الله .. ثم ذكر مثله ).
هذه الروايات تنص على أن القتال مشروع إلى أن يقولوا) وفي رواية (يشهدوا)وفي رواية (من وحد الله)وفي رواية (وكفر بما يعبد من دون الله ) وفي رواية أضاف (ويؤمنوا بما جئت به ) فهذه الروايات كلها تدل على أن العلم بمعنى الشهادتين شرط وركن في عصمة المال والدم .
" فالقول " دليل على الاعتقاد :
قال صاحب لسان العرب في معنى كلمة " قول " :- فأما تجوزهم في تسمية الاعتقادات والآراء قولا فلأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول ، أو بما يقوم مقام القول من شاهد الحال، فلما كانت لا تظهر إلا بالقول سميت قولا ، إذ كانت سببا له، وكان القول دليلا عليها ، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان ملابسا له وكان القول دليلا عليه ….
قال شمر :- تقول قوَّلني فلان حتى قلت ، أي : علَّمني وأمرني أن أقول ، قال:- قوَّلتني وأقوَلتني أي :- علَّمتني ما أقول وأنطقتني ، وحملتني على القول . وفي حديث سعيد بن المسيب حين قيل له : ما تقول في عثمان وعلي ؟ فقال :- أقول فيهما :- ما قوَّلني الله –تعالى- ثم قرأ :- وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [سورة الحشر: 10].
ومن هنا يعلم أن المقصود بقول النبي : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) أي : حتى يعلموا وينطقوا لا إله إلا الله ، فالقول هنا لا بد فيه من العلم .
وأما " الشهادة " فإنها أيضا تقتضي العلم :
قال صاحب لسان العرب :-" قال ابن سيدة : الشاهد : العالم الذي يبين ما علمه... وقال أبو بكر بن الأنباري في قول المؤذن أشهد أن لا اله إلا الله :- أعلم أن لا اله إلا الله ، وأبين أن لا اله إلا الله ، قال :- وقوله أشهد أن محمدا رسول الله أعلم وأبين أن محمدا رسول الله . وقوله ( شهد الله أنه لا اله إلا هو ) قال أبو عبيدة : معنى شهد الله : قضى الله أنه لا اله إلا هو وحقيقته :- عَلِم الله وبَين الله ، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه.... وشهد الشاهد عند الحاكم : أي بين ما علمه وأظهره... وسأل المنذري أحمد بن يحيى عن قول الله - ( شهد الله أنه لا اله إلا هو) فقال :- كل ما كان (شهد الله ) فانه بمعنى :- علم الله ، قال وقال ابن الأعرابي:- معناه قال الله ويكون معناه علم الله ويكون معناه كتب الله . وقال ابن الأنباري :- معناه بين الله أنه لا اله إلا هو ." اهـ
وقال القرطبي في قوله تعالى :- وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة الزخرف: 86] … والمعنى :- ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة . قاله :- سعيد بن جبير وغيره ، قال وشهادة الحق لا اله إلا الله … وَهُمْ يَعْلَمُونَ حقيقة ما شهدوا به .
الثانية :- قوله تعالى :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يدل على معنيين :
أحدهما :- أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم ، وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة .
والثاني :- أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها، ونحوه ما روي عن النبي :- ( إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع).
وقال ابن كثير :- ... هذا استثناء منقطع أي :- لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فانه تنفع شفاعته عنده بإذنه له .
وقال الإمام الطبري :- فقال بعضهم معنى ذلك :- ولا يملك عيسى وعزير والملائكة الذين يعبدهم هؤلاء المشركون الشفاعة عند الله لأحد إلا من شهد بالحق فوحد الله وأطاعه بتوحيد عن علم منه وصحة بما جاءت به رسله . قوله :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ قال : -كلمة الإخلاص . وَهُمْ يَعْلَمُونَ وهم يعلمون أن الله حق ، وعيسى وعزير والملائكة. يقول : - لا يشفع عيسى وعزير والملائكة إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم أنه الحق .
وقال القرطبي :- قوله :- ( أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ) أي :- أنطق بما أعلمه وأتحققه : وأصل الشهادة للإخبار عما شاهده المخبر بحسه ، ثم قد يقال:- على ما يحققه الإنسان ويتيقنه وان لم يكن شاهدا للحس لأن المحقق علما كالمدرك حسا ومشاهدة ..
وقال ابن تيمية : -" والشهادة :- لا بد فيها من علم الشاهد وصدقه وبيانه ، لا يحصل مقصود الشهادة إلا بهذه الأمور ."
وقال أيضا- رحمه الله - قال أبو الفرج في معنى الآية قولان :- أحدهما :- أنه أراد بِـ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيرا والملائكة . فقال:- إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وهو شهادة أن لا اله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم . قال :- وهذا مذهب الأكثرين ، منهم قتادة . والثاني :- أن المراد بِـالَّذِينَ يَدْعُونَ عيسى وعزيرا والملائكة الذين عبدهم المشركون. لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد ( إلا من شهد بالحق ) وهي كلمة الإخلاص وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله خلق عيسى وعزيرا والملائكة . وهذا مذهب قوم ، منهم :- مجاهد ، إلى أن قـال في ص (409 –411 ) وهذا يتناول : الشافع والمشفوع له ، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون . فالملائكة والأنبياء والصالحون _ وان كانوا لا يملكون الشفاعة- لكن إذا أذن لهم الرب شفعوا . وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون أن لا اله إلا الله. فيشهدون بالحق وهم يعلمون ، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء والشيوخ كما جاء في الحديث الصحيح :- ( إن الرجل يسأل في قبره ما تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول :- (هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى ، وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) فلهذا قال :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وقد تقدم قول ابن عباس :- يعني من قال لا اله إلا الله يعني : خالصا من قلبه. والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين :- أن الشفاعة إنما تكون في أهل ( لا اله إلا لله ). اهـ
وقال صاحب فتح المجيد شارحا معنى الشهادة :-" قوله :- (من شهد أن لا اله إلا الله ) أي :- من تكلم بها عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا . فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال تعالى :- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19] وقوله :- إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة الزخرف: 86] . أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل:- قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح ، فغير نافع بالإجماع.
قال القرطبي في المفهم على صحيح مسلم :- ( باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين ) بل لا بد من استيقان القلب - هذه الترجمة تدل على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين :- بأن التلفظ بالشهادتين في الإيمان كاف لمن وقف عليها . وأحاديث هذا الباب تدل على فساده ، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة ، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح ، وهو باطل قطعا .
وفي هذا الحديث ما يدل على هذا وهو قول :- (من شهد ) فان الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصدق ... وقال الوزير أبو المظفر في الإفصاح :- قوله :- ( شهادة أن لا اله إلا الله ) يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأنـه:-( لا اله إلا الله ) كما قال تعالى :- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19] قال :- واسم الله مرتفع بعد ( إلا ) من حيث أنه الواجب له الإلهية ، فلا يستحقها غيره سبحانه.قال: وجملة الفائدة في ذلك :- أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، فانك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله .
وقال البقاعي :- ( لا اله إلا الله ) أي :- انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم ، فان هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ، وإنما يكون علما إذا كان نافعا ، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف...فَـ (لا اله إلا الله ) لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا واعتقد ذلك بقلبه وعمل به . وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم من كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب ." اهـ
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد :-" قوله (من شهد أن لا اله إلا لله ) أي:- من تكلم بهذه الكلمة عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا ، كما دل عليه قوله:- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19]. وقوله : إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة الزخرف: 86] . أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها ، فان ذلك غير نافع بالإجماع . وفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله :- مَنْ شَهِدَ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به ."
وقال في ص60 :-" ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدا رسول الله ، ولم يعرف معنى الإله ومعنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه ، فتابعهم ، ولم يفعل شيئا من الشرك فانه لا يشك أحد من عدم إسلامه ، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر ، أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب (الدر الثمين في شرح المرشد المعين ) من المالكية، ثم قال شارحه :- وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه اثنان . انتهى
ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الالهية في أرباب متفرقين."اهـ
قال البخاري في صحيحه تحت كتاب العلم " باب العلم قبل القول والعمل" لقوله تعالى :- فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [سورة محمد: 19] فبدأ بالعلم . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله :- (العلم قبل القول والعمل) قال ابن المنير :- أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل…."
إن ادعاء أن مجرد النطق بلا اله إلا الله محمد رسول الله يدخل الإسلام ادعاء باطل وتشريع جديد ، لا يقول به عاقل فضلاً عن مسلم . فكلمة " لا اله إلا الله محمد رسول الله "ليست عبارة عن كلمة ( سر ) يدخل بها الإنسان الإسلام بمجرد نطقها فقط مهما كان حاله وعمله . إن " لا اله إلا الله محمد رسول الله " منهج حياة وكلمة لها معنى محدد ، وتتطلب أشياء لا بد منها لقبولها واعتبارها . فالإسلام لا يدعو إلى تلفظ ألفاظ وإنما يدعو إلى معاني هذه الألفاظ . ولقد أثبتنا ذلك بما لا يدع مجالا للشك لمن أراد الحق .
قال ابن حزم-: " فمن عجز لجهله أو عتمته عن معرفة كل هذا فلا بد له من أن يعتقد بقلبه ويقول بلسانه حسب طاقته بعد أن يفسر له : لا اله إلا الله محمد رسول الله ، كل ما جاء به حق وكل دين سواه باطل " المحلى بالآثار – كتاب التوحيد
انظر - هداك الله - إلى قول ابن حزم "بعد أن يفسر له لا اله إلا الله محمد رسول الله ، كل ما جاء به حق وكل دين سواه باطل " . فالإمام ابن حزم يشترط أن يفسر لقائل لا اله إلا الله محمد رسول الله معنى هذه الكلمة حتى يشهد بها عن معرفة واعتقاد ، ولم يقل تقبل بمجرد تلفظها عرف معناها أم لم يعرف
إن رسول الله وصحابته -رضوان الله عليهم - عندما كانوا يعرضون الإسلام على غير العرب كانوا يشرحون لهم معنى لا اله إلا الله محمد رسول الله حتى يدخلوا الإسلام على بصيرة ، وإن من يدعي أن رسول الله وأصحابه _رضوان الله عليهم - كانوا يقبلون إسلام من يقول " لا اله إلا الله محمد رسول الله " ممن أيقنوا أنه لا يعرف معناها دون أن يبينوا له معناها وما تتطلبه فقد افترى على رسول الله وعلى الصحابة والمسلمين واتهمهم بخداع الناس وكتم ما ينفعهم عند الله وينقذهم من الخلود في النار .
إن السيرة الشريفة مليئة بالآثار التي تبين أن الرسول والصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا عندما يدعون الناس إلى " لا اله إلا الله محمد رسول الله " يبينون لهم معناها حال شعورهم أنهم لا يفهمونها ، سواء كانوا عربا أم عجما ، وكانوا لا يقبلون شهادة من يقول هذه الشهادة وهو متلبس بما ينقضها لأنه يدل على أنه لم يفهم معناها ومقتضياتها .
وسنذكر دليلا واضحا يبين كيف كان رسول الله يدعو غير العرب أو من لم يعرف معنى " لا اله إلا الله " .
روى البخاري ومسلم أن رسول الله بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم ، فدفع دحية بكتاب رسول الله إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقرأه ، وكان فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد : فاني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وان توليت فان عليك إثم الأريسيين . و "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ".متفق عليه
انظر - هداك الله - إلى هذه الرسالة التبليغية التي أرسلها المبلغ الأول القدوة رسول الله إلى هرقل ملك الروم الذي كان يدين بالنصرانية كيف بين له معنى لا اله إلا الله وركز على الشرك الذي كان واقعا في زمانه ، وهو عبادة بعضهم البعض في مسألة التحريم والتحليل (مسألة التشريع ). إن النصارى واليهود كانوا يقولون " لا اله إلا الله" ولكن كانوا لا يعرفون معناها ، أو يعرفون ولا يتبعون ، ولهذا كانوا مع نطقهم بها ينقضونها بعبادة علمائهم ورهبانهم وحكامهم في قضية التشريع . لهذا كان رسول الله يكتب ( آية 64) من سورة آل عمران ( قل يا أهل الكتاب……) عندما يرسل رسالة تبليغ إلى ملوك أهل الكتاب .
فهذه الآية الكريمة تبين شرك أهل الكتاب وأنهم يقولون " لا اله إلا الله " ويدعون أنهم من أهلها مع أنهم لا يعرفون ما تقتضيه هذه الكلمة من إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة أو يعرفون ذلك ولا يتبعون .
فهذه الآية أوضح دليل على معنى " لا اله إلا الله " وعلى أن الرسول كان يشرح معنى لا اله إلا الله لأهل الكتاب الذين كانوا ينطقون بها دون معرفة معناها ودون العمل بمقتضاها، فكان رسول الله يدعوهم إلى تطبيق هذا المعنى ويبين لهم أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة لا يفيد شيئا فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ أي إن لم يستجيبوا لِـ "لا اله إلا الله" بهذا المعنى ويقروا به ويلتزموا به في حياتهم فهم ليسوا من أهل لا اله إلا الله وليسوا بمسلمين مهما ادعوا ذلك . أما نحن فاننا نشهد أن لا اله إلا الله بهذا المعنى ، لهذا نحن المسلمون وأهل لا اله إلا الله .
ومن الأدلة أيضا :
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله لما بعث معاذ إلى اليمن قال:- ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم ).
وفي رواية أخرى :- (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك).
وفي رواية أخرى في البخاري :- (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله ) .
انظر هداك الله إلى قول رسول الله لمعاذ : "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " وفي رواية أخرى :- (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى ) وفي رواية أخرى :- (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) "فإن هم أجابوك " أي أجابوك لمعنى هذه الكلمة وليست لمجرد النطق بها فانهم يتلفظون بها ويدعون أنهم من أهلها .
هكذا كانت دعوة الرسول ورسله لتبليغ الإسلام وهذه يجب أن تكون دعوة كل مسلم ، أن يدعو إلى مفهوم " لا اله إلا الله " وليس لمجرد النطق بها ، فالأولى بنا أن نفهم الناس " لا اله إلا الله " وندعوهم لتطبيق هذا المعنى في حياتهم كلها ، ونفهمهم أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة دون فهم معناها والعمل بمقتضاها لا يفيد شيئاً عند الله ، هذا إذا أردنا أن نكون دعاة للإسلام وليس دعاة لتضليل الناس وخداعهم باسم الإسلام بإفهامهم أن مجرد التلفظ بِـ " لا اله إلا الله " كاف لدخول الإسلام ودخول الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
شُــــــــــــبهات وردود
Comments
Post a Comment