نقض شــــُـبهة حديث الشفاعه !!!!
د.ماجد كارم
يُكثر (أدعياء السلفيةوأذناب الجهــم) من الاستشهاد بحديث الشفاعة الذي ورد فيه أن قوما من أهل النار (يدعون بالجهنميين) يخرجهم الله تبارك وتعالى منها ويدخلهم الجنة من غير عمل عملوه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا خلص المؤمنون من النار وأمِنوا، فـ[والذي نفسي بيده] ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار.
قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، [ويجاهدون معنا]، فأدخلتهم النار!
قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم.
فيأتونهم، فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، [لم تغش الوجه]، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، [فيخرجون منها بشرا كثيرا]، فيقولون: ربنا! قد أخرجنا من أمرتنا.
قال: ثم [يعودون فيتكلمون فـ]يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان.
[فيخرجون خلقا كثيرا] ثم [يقولون: ربنا! لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا.
ثم يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزن نصف دينار [فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا...].
حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [فيخرجون خلقا كثيرا].
قال أبو سعيد:
فمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)
قال: فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير!
قال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين.
قال: فيقبض قبضة من النار –أو قال: قبضتين- ناساً لم يعملوا لله خيرا قط، قد احترقوا حتى صاروا حمما...
قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فما تمنيتم ورأيتم من شيء فهو لكم [ومثله معه]، [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه]"
وهذا الحديث هو عمدة (أدعياء السلفية) فيا ذهبوا إليه من عدم اشتراط العمل لصحة الإيمان أو انه ركن منه، وكثيراً ما يذكرون أيضاً حديث صاحب البطاقة المكتوب فيها "لا إله إلا الله" التي رجحت بكفة حسناته أمام السجلات العظام من السيئات، وكذا حديث "من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرمه الله على النار"وأحاديث أخرى قريبة؛ فيجعلون فهمهم لهذه الأحاديث دليلا على عدم اشتراط العمل للنجاة من الخلود في النار!!
* ندفع هذه الشبهة من الوجوه التالية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا، إن ما فهمه (أدعياء السلفية) من هذه الأحاديث مخالف لما يعتقده السلف وأئمة أهل السنة، وقد كان على (أدعياء السلفية) أن يلتزموا بما يدعون الناس إليه من (وجوب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف)، فلماذا خالفوا ما يدعون إليه في هذا الباب العقدي الخطير؟! وغرروا بالأغرار؟!
ولو صح أن في الحديث دلالة على أن العمل ليس ركن في الايمان وأن تاركه بالكلية ليس بكافر لكان ينبغي حمله على ما يوافق ما أجمع عليه السلف وأن لا يُعترض به على الأصول الكلية، هذا لو سلمنا بدلالته على ما فهمه (أدعياء السلفية)؛ وفي هذا يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: "لا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتضي عملا فهو في محل التوقف، وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، فمن عكس الأمر حاول شططاً ودخل في حكم الذم"
ويقول أيضاً: "يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل....
ثانياً، لقد سبق التنبيه على أن الاستدلال ببعض العمومات دون النظر فيما يخصصها من نصوص الشرع أو غيرها من آليات التخصيص المبينة في الأصول، هو من شيم أهل البدع،
فلفظ (الخير) أو (العمل) الوارد في حديث (الجهنميين) الذين أدخلهم الله تعالى الجنة من غير أن (يعملوا خيرا قط) و(بغير عمل عملوه)، هو من صيغ العموم، لأنه نكرة في سياق النفي؛ فيلزم الخصم أمران لا ثالث لهما:
إما أن يكون هذا العموم مخصوصا، وإما لا؟
فإن ادعى أن هذا اللفظ العام غير مخصوص، فيلزمه أن من لم يعمل خيرا قط بما في ذلك التوحيد، مشمول بالشفاعة الواردة في الحديث!! وهذا أمر منكور، فيه التكذيب الصريح لما ثبت في النصوص الشرعية وما علم من الدين بالضرورة من أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة.
وأما إن زعم أن (نفي الخير) في الحديث عام مخصوص، أي أن الذين نالتهم شفاعة أرحم الراحمين لم يعملوا خيرا قط إلا الإقرار بالشهادتين والتوحيد، قلنا له:
من أين لك هذا التخصيص؟!
فإن قال من نفس الحديث، لم نسلّم له بذلك، لأن لفظ الحديث ليس فيه إلا النفي العام.
وإن قال: من نصوص أخرى، أبطل احتجاجه بنفسه، وقلنا له:
فكذلك ينبغي تخصيص هذا الحديث بالنصوص التي حكمت بكفر من تولى عن العمل كلية، والنصوص التي علقت دخول الجنة على العمل الصالح؛ فيصير معنى الحديث (أنهم لم يعملوا عملا أو خيرا يكفي لنجاتهم من النار ودخولهم الجنة) فأدخلهم الله الجنة برحمته. وهذا هو الموافق للأصول الكلية التي ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
ولا تحسبن –أيها القارىء الكريم- أن هذا التخصيص الذي ذهبنا إليه درءاً لهذه الشبهة المؤصلة لعقيدة الإرجاء، لا تحسبن أنه بدعة من القول، فقد رد به أئمة السنة هذه الشبهة نفسها لما تذرّع بها المرجئة الأوائل، إذ هي شبهة قديمة حديثة.
قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى:
"(باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي صل الله عليه وسلم في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص)"
ثم قال بعد ذلك: "هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرا قط)، من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن شيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به"
"وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فصلّ فإنك لم تصل"، فنفى صلاته مع وقوعها، والمراد نفي صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا"
قلت: فإن قال متحذلق إن لفظ حديث الجهنميين فيه التأكيد على أنهم لم يعملوا خيرا قط، قلنا له: وكذلك حديث المسيء صلاته فيه التأكيد على أنه لم يصل، ألم تر إلى قوله صل الله عليه وسلم "فإنك" ورغم ذلك، فما قصد النبي صل الله عليه وسلم أن ذلك المسيء لم يصل حقا، ولكنه قصد أنه لم يصل صلاة مجزئة، فكذلك (الجهنميون) لم يعملوا عملا مجزيا (لمخالطته لنوع رياء أو بدعة أو نقصان صورته) فلم يقبله الله منهم، فهذا من العام الذي يراد به الخاص.
قلت: وهذا الذي ذكره الإمام ابن خزيمة هو الموافق للأصول وإجماع السلف وعقيدة الفرقة الناجية، فالتمسك التمسك به! وإلا فهو الإرجاء واتباع المتشابه والهوى!!
وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن الاستدلال بالعمومات الواردة في بعض النصوص هو دأب المرجئة فقال رحمه الله:
"وأما الذين لم يُكَفّروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد، كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر على التولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة. كقوله صل الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.. أدخله الله الجنة"، ونحو ذلك من النصوص".
وما دام (أدعياء السلفية) يسلمون أنه لا نجاة من النار إلا بالتوحيد على ما يفهمونه من التوحيد، فيجمل بنا أن نذكرهم بمعنى التوحيد عند أهل السنة:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما". ولله الحمد والمنة.
ثالثاً، لقد نُصِح (أدعياء السلفية) كثيراً بعدم التهجم على فهم النصوص، لأنهم أهل حفظ وتحقيق، وليسوا أهل فقه ونظر، وقد كنا ولله الحمد من الذين بذلوا لهم هذه النصيحة، ولكن صدق من قال:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
وها هم قد برهنوا من جديد على حاجتهم إلى سماع تلك النصيحة.
ذلك أن هذا الحديث الذي أرادوا أن يجعلوه حجة لهم في باب الإيمان هو في الحقيقة حجة عليهم من جميع الوجوه!!
فإنهم إن قالوا: هذا الحديث دليل على أن (العمل) ليس شرطا في صحة الإيمان أو ركن فيه ، لأن (العمل) انتفى عند (الجهنميين) ومع ذلك بقوا مسلمين!!
قلنا لهم: ما هو هذا (العمل) الذي انتفى؟ هل هو (عمل القلب والجوارح)؟ أم هو (عمل الجوارح فقط)؟
فإن قالوا: إن العمل المنفي في الحديث هو عمل القلب والجوارح معاً.
قلنا لهم: وقعتم في مهواتين:
الأولى، أنكم الآن صرحتم بأنكم على عقيدة (غلاة المرجئة) حتى في (باب الإيمان)!! فإن أكثر فرق المرجئة يدخلون عمل القلب في الإيمان إلا (جهم ومن اتبعه كالصالحي" كما ذكر شيخ الإسلام -
الثانية، أنكم ناقضتم أنفسكم، لأنكم تشترطون عمل القلب لصحة الإيمان، وها أنتم تنقضون غزلكم بأيديكم.
وإن قالوا: إن العمل المنفي في الحديث هو عمل الجوارح فقط، لأن عمل القلب شرط صحة.
قلنا لهم: فالحديث حجة عليكم، لأنه ينفي العمل مطلقاً!! وأنتم ما انتبهتم لهذا لأن غاية الانتصار لمذهبكم أذهلتكم عنه.
ثم، بأي دليل استثنيتم عمل القلب، وجعلتم عمل الجوارح داخلا في النفي: أبدليل منفصل؟ أم بمجرد التحكم؟
فإن قالوا: بدليل منفصل.
قلنا لهم: هذا عين التخصيص؛ فعاد الأمر إلى ما قررناه ا أعلاه، إذ كما استثنيتم من العمل المنفي ما لايصح الإيمان إلا به من عمل القلب، فيلزمكم أن تستثنوا من العمل المنفي أيضاً ما لا يصح الإيمان إلا به من عمل الجوارح، فإن أردتم استثناء النوع الأول دون الثاني، لم تطاوعكم الأدلة الشرعية، وكان استثناؤكم بالتشهي والتحكم ليس إلا. ولله الحمد والمنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إذا خلص المؤمنون من النار وأمِنوا، فـ[والذي نفسي بيده] ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار.
قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، [ويجاهدون معنا]، فأدخلتهم النار!
قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم.
فيأتونهم، فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، [لم تغش الوجه]، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، [فيخرجون منها بشرا كثيرا]، فيقولون: ربنا! قد أخرجنا من أمرتنا.
قال: ثم [يعودون فيتكلمون فـ]يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان.
[فيخرجون خلقا كثيرا] ثم [يقولون: ربنا! لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا.
ثم يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزن نصف دينار [فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا...].
حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [فيخرجون خلقا كثيرا].
قال أبو سعيد:
فمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)
قال: فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير!
قال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين.
قال: فيقبض قبضة من النار –أو قال: قبضتين- ناساً لم يعملوا لله خيرا قط، قد احترقوا حتى صاروا حمما...
قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فما تمنيتم ورأيتم من شيء فهو لكم [ومثله معه]، [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه]"
وهذا الحديث هو عمدة (أدعياء السلفية) فيا ذهبوا إليه من عدم اشتراط العمل لصحة الإيمان أو انه ركن منه، وكثيراً ما يذكرون أيضاً حديث صاحب البطاقة المكتوب فيها "لا إله إلا الله" التي رجحت بكفة حسناته أمام السجلات العظام من السيئات، وكذا حديث "من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرمه الله على النار"وأحاديث أخرى قريبة؛ فيجعلون فهمهم لهذه الأحاديث دليلا على عدم اشتراط العمل للنجاة من الخلود في النار!!
* ندفع هذه الشبهة من الوجوه التالية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا، إن ما فهمه (أدعياء السلفية) من هذه الأحاديث مخالف لما يعتقده السلف وأئمة أهل السنة، وقد كان على (أدعياء السلفية) أن يلتزموا بما يدعون الناس إليه من (وجوب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف)، فلماذا خالفوا ما يدعون إليه في هذا الباب العقدي الخطير؟! وغرروا بالأغرار؟!
ولو صح أن في الحديث دلالة على أن العمل ليس ركن في الايمان وأن تاركه بالكلية ليس بكافر لكان ينبغي حمله على ما يوافق ما أجمع عليه السلف وأن لا يُعترض به على الأصول الكلية، هذا لو سلمنا بدلالته على ما فهمه (أدعياء السلفية)؛ وفي هذا يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: "لا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتضي عملا فهو في محل التوقف، وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، فمن عكس الأمر حاول شططاً ودخل في حكم الذم"
ويقول أيضاً: "يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل....
ثانياً، لقد سبق التنبيه على أن الاستدلال ببعض العمومات دون النظر فيما يخصصها من نصوص الشرع أو غيرها من آليات التخصيص المبينة في الأصول، هو من شيم أهل البدع،
فلفظ (الخير) أو (العمل) الوارد في حديث (الجهنميين) الذين أدخلهم الله تعالى الجنة من غير أن (يعملوا خيرا قط) و(بغير عمل عملوه)، هو من صيغ العموم، لأنه نكرة في سياق النفي؛ فيلزم الخصم أمران لا ثالث لهما:
إما أن يكون هذا العموم مخصوصا، وإما لا؟
فإن ادعى أن هذا اللفظ العام غير مخصوص، فيلزمه أن من لم يعمل خيرا قط بما في ذلك التوحيد، مشمول بالشفاعة الواردة في الحديث!! وهذا أمر منكور، فيه التكذيب الصريح لما ثبت في النصوص الشرعية وما علم من الدين بالضرورة من أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة.
وأما إن زعم أن (نفي الخير) في الحديث عام مخصوص، أي أن الذين نالتهم شفاعة أرحم الراحمين لم يعملوا خيرا قط إلا الإقرار بالشهادتين والتوحيد، قلنا له:
من أين لك هذا التخصيص؟!
فإن قال من نفس الحديث، لم نسلّم له بذلك، لأن لفظ الحديث ليس فيه إلا النفي العام.
وإن قال: من نصوص أخرى، أبطل احتجاجه بنفسه، وقلنا له:
فكذلك ينبغي تخصيص هذا الحديث بالنصوص التي حكمت بكفر من تولى عن العمل كلية، والنصوص التي علقت دخول الجنة على العمل الصالح؛ فيصير معنى الحديث (أنهم لم يعملوا عملا أو خيرا يكفي لنجاتهم من النار ودخولهم الجنة) فأدخلهم الله الجنة برحمته. وهذا هو الموافق للأصول الكلية التي ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
ولا تحسبن –أيها القارىء الكريم- أن هذا التخصيص الذي ذهبنا إليه درءاً لهذه الشبهة المؤصلة لعقيدة الإرجاء، لا تحسبن أنه بدعة من القول، فقد رد به أئمة السنة هذه الشبهة نفسها لما تذرّع بها المرجئة الأوائل، إذ هي شبهة قديمة حديثة.
قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى:
"(باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي صل الله عليه وسلم في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص)"
ثم قال بعد ذلك: "هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرا قط)، من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن شيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به"
"وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فصلّ فإنك لم تصل"، فنفى صلاته مع وقوعها، والمراد نفي صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا"
قلت: فإن قال متحذلق إن لفظ حديث الجهنميين فيه التأكيد على أنهم لم يعملوا خيرا قط، قلنا له: وكذلك حديث المسيء صلاته فيه التأكيد على أنه لم يصل، ألم تر إلى قوله صل الله عليه وسلم "فإنك" ورغم ذلك، فما قصد النبي صل الله عليه وسلم أن ذلك المسيء لم يصل حقا، ولكنه قصد أنه لم يصل صلاة مجزئة، فكذلك (الجهنميون) لم يعملوا عملا مجزيا (لمخالطته لنوع رياء أو بدعة أو نقصان صورته) فلم يقبله الله منهم، فهذا من العام الذي يراد به الخاص.
قلت: وهذا الذي ذكره الإمام ابن خزيمة هو الموافق للأصول وإجماع السلف وعقيدة الفرقة الناجية، فالتمسك التمسك به! وإلا فهو الإرجاء واتباع المتشابه والهوى!!
وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن الاستدلال بالعمومات الواردة في بعض النصوص هو دأب المرجئة فقال رحمه الله:
"وأما الذين لم يُكَفّروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد، كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر على التولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة. كقوله صل الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.. أدخله الله الجنة"، ونحو ذلك من النصوص".
وما دام (أدعياء السلفية) يسلمون أنه لا نجاة من النار إلا بالتوحيد على ما يفهمونه من التوحيد، فيجمل بنا أن نذكرهم بمعنى التوحيد عند أهل السنة:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما". ولله الحمد والمنة.
ثالثاً، لقد نُصِح (أدعياء السلفية) كثيراً بعدم التهجم على فهم النصوص، لأنهم أهل حفظ وتحقيق، وليسوا أهل فقه ونظر، وقد كنا ولله الحمد من الذين بذلوا لهم هذه النصيحة، ولكن صدق من قال:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
وها هم قد برهنوا من جديد على حاجتهم إلى سماع تلك النصيحة.
ذلك أن هذا الحديث الذي أرادوا أن يجعلوه حجة لهم في باب الإيمان هو في الحقيقة حجة عليهم من جميع الوجوه!!
فإنهم إن قالوا: هذا الحديث دليل على أن (العمل) ليس شرطا في صحة الإيمان أو ركن فيه ، لأن (العمل) انتفى عند (الجهنميين) ومع ذلك بقوا مسلمين!!
قلنا لهم: ما هو هذا (العمل) الذي انتفى؟ هل هو (عمل القلب والجوارح)؟ أم هو (عمل الجوارح فقط)؟
فإن قالوا: إن العمل المنفي في الحديث هو عمل القلب والجوارح معاً.
قلنا لهم: وقعتم في مهواتين:
الأولى، أنكم الآن صرحتم بأنكم على عقيدة (غلاة المرجئة) حتى في (باب الإيمان)!! فإن أكثر فرق المرجئة يدخلون عمل القلب في الإيمان إلا (جهم ومن اتبعه كالصالحي" كما ذكر شيخ الإسلام -
الثانية، أنكم ناقضتم أنفسكم، لأنكم تشترطون عمل القلب لصحة الإيمان، وها أنتم تنقضون غزلكم بأيديكم.
وإن قالوا: إن العمل المنفي في الحديث هو عمل الجوارح فقط، لأن عمل القلب شرط صحة.
قلنا لهم: فالحديث حجة عليكم، لأنه ينفي العمل مطلقاً!! وأنتم ما انتبهتم لهذا لأن غاية الانتصار لمذهبكم أذهلتكم عنه.
ثم، بأي دليل استثنيتم عمل القلب، وجعلتم عمل الجوارح داخلا في النفي: أبدليل منفصل؟ أم بمجرد التحكم؟
فإن قالوا: بدليل منفصل.
قلنا لهم: هذا عين التخصيص؛ فعاد الأمر إلى ما قررناه ا أعلاه، إذ كما استثنيتم من العمل المنفي ما لايصح الإيمان إلا به من عمل القلب، فيلزمكم أن تستثنوا من العمل المنفي أيضاً ما لا يصح الإيمان إلا به من عمل الجوارح، فإن أردتم استثناء النوع الأول دون الثاني، لم تطاوعكم الأدلة الشرعية، وكان استثناؤكم بالتشهي والتحكم ليس إلا. ولله الحمد والمنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Comments
Post a Comment