هـل الجهل والتأويل والتقليد عذر في نقض أصل الإسلام ؟
منقول من د/ ماجد كارم صفحة شُــــــــــــبهات وردود
الجواب : لا عذر بالجهل والتأويل والتقليد في نقض أصل الإسلام ، سواء وجدت مظنة العلم -كدار الإسلام - أم لم توجد -كدار الحرب - وسواءً ثبتت الحجة أم لم تثبت . ويجب اعتبار الجاهل فيه غير مسلم .وهذا الحكم متفق عليه بين أئمة الإسلام .
فالناس قبل البعثة وإقامة الحجة معذورون في أحكام وغير معذورين في أحكام أخرى، معذورون أنهم لا يعذبون في الدنيا والآخرة ، حتى تقام عليهم الحجة الرسالية، وهذا من رحمة الله وفضله . وغير معذورين في اقترافهم الشرك وما ينبني عليه من أحكام مثل :- عدم الصلاة عليهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين ، وكعدم القيام على قبورهم والاستغفار لهم ، وحرمة أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم .
س – ما هو الدليل على عدم العذر بالجهل والتأويل والتقليد في نقض أصل الإسلام ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب : الأدلة في ذلك كثيرة جداً منها :
1- يقول الله تعالى :- وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون [الأعراف: 172-174]
قـال الـطـبـري :- أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ، يـقول تـعالى ذكـره ، شَهِدْنَآ ، عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم كي لا تقولوا يوم القيامة ، إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ ، :إنا كنا لا نعلم ذلك وكنا في غفلة منه ، أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ، اتبعنا مناهجهم على جهل منا بالحق . ) اهـ
قال القرطبي :- " قال الطرطوشي : - إن هذا العهد يلزم البشر وان كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه… وقال ابن عباس وأبي بن كعب : - قوله شهدنا هو من قول بني آدم ، والمعنى شهدنا أنك ربنا والهنا… أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ بمعنى لست تفعل هذا ، ولا عذر للمقلد بالتوحيد . " اهـ
وقال ابن تيمية :- " الحمد لله ، أما قوله : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهي فطرة الإسلام ، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال:- أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ وهي :- السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة. فان حقيقة (الإسلام) : - أن يستسلم لله لا لغيره ، وهو معنى لا اله إلا الله . وقد ضرب رسول الله مثلا لذلك فقال :- (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ) بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : - قال رسول الله فيمـا يرويه عـن الله (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ) . ولهذا ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى أن الطفل متى مات أحد أبويه الكافرين حكم بإسلامه لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة ، وقد روي عنه وعن ابن المبارك وغيرهم أنهم قالوا : - ( يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة ) وهذا القول لا ينافي الأول ، فإن الطفل يولد سليما وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع… - إلى أن قال - ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ، ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلماً . وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بـذاتها الإسلام مـا لم يـمنعها مـانع :- هـي فـطـرة الله التي فطر الناس عليها ." اهـ
فهذا الإمام ابن تيميه (رحمه الله) يثبت أن العهد والميثاق الذي أخذه الله علينا هو الفطرة التي فطر الله – جل ثناؤه – الناس عليها . وأن الله فطر كل نفس على قبول الحق والسلامة من الاعتقادات الباطلة ، وأن هذه الفطرة لو تركت بلا مغير لما كان صاحبها إلا مسلماً ، وبهذا يعلم أن المشرك الذي لم تقم عليه حجة الرسول قد نقض العهد والميثاق المأخوذ عليه .
_________________________
2- قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ رَسُولٌ مّنَ اللّهِ يَتْلُو صُحُفاً مّطَهّرَةً [البينة: 1-2]
فهذه الآية تدل بوضوح على إثبات وصف الشرك والكفر قبل البعثة المحمدية والحجة القرآنية.
منفكين : أي منتهين عن كفرهم ، مائلين عنه . ( القرطبي )
قال ابن تيمية : - وممن ذكر هذا أبو الفرج ابن الجوزي . قال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين وهم عبدة الأوثان منفكين أي منفصلين وزائلين .. والمعنى لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة . لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي ، والبينة الرسول وهو محمد ، بيّن لهم ضلالهم وجهلهم ... ولفظ البغوي نحو هذا ، قال :- لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم .. حتى تأتيهم البينة , لفظه مستقبل ومعناه الماضي ، أي حتى أتتهم البينة - الحجة الواضحة - يعني محمدا أتاهم بالقرآن فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان ، فأنقذهم الله به من الجهل والضلال .اهـ
________________________________
3- قوله تعالى:- وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْلَمُونَ [التوبة: 6]
فهذه الآية المحكمة في دلالتها تثبت بوضوح حكم الشرك مع الجهل الشديد المطبق في وقت اندرست فيه الشرائع وطمست فيه السبل . ففي هذه الآية وصفان لشخص واحد هما الشرك والجهل بالرسالة المحمدية . فالجهل بالرسالة المحمدية لم يمنع من وصف من يرتكب الشرك بأنه مشرك.
وقال البغوي : حتى يسمع كلام الله فيما له وعليه من الثواب والعقاب...
ذلك بأنهم قوم لا يعلمون أي : لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله . وقال الحسن : هذه الآية محكمة إلى قيام الساع.
____________
4- قوله تعالى :وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مّصِيبَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 47]
قال الطبري :- يقول تعالى ذكره :- ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا محمد إليهم لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي :- "ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك وآي كتابك الذي تنزله على رسولك ونكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا " لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم ، ولكنا بعثناك إليهم نذيرا على كفرهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
وقال ابن كثير : " أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ".
فهذه الآية الكريمة تبين أنه قبل البعثة والرسالة المحمدية كان وصف الشرك ثابتاً على من أشرك بالله ، ولكن قضية عذابهم على هذا الشرك تحتاج إلى إرسال الرسول وإقامة الحجة بالقرآن ليقطع عذرهم بالعذاب . ومع هذا فقد اتفق السلف على أنهم قبل إقامة الحجة مشركون كافرون غير مسلمين ، إلا أنهم لا يعذبون إلا بعد الحجة الرسالية على خلاف بينهم في هذا الأخير .
___________________________________
5- قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2]
فصح بنص الآية الجلي الواضح أن هناك من يقع في الشرك المستوجب إحباط العمل من غير أن يعلم أنٌ ما وقع منه هو الشرك لصريح قولــه تعالى: وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ .. . فهذه الآية وما قبلها برهان قطعي على إثبات صفة الكفر وحكمه على كل من تلبس بالشرك ، علم أو لم يعلم ، عاند أو لم يعاند، قلد أو لم يقلد .
قال ابن القيم رحمه الله : " فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه ، أليس هذا أولى أن يكون محبطاً لأعمالهم "اهـ
يقول ابن حزم معلقاً على هذه الآية : " فهذا نص جلي وخطاب للمؤمنين بأن إيمانهم يبطل جملة وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي دون جحد كان منهم أصلاً ، ولو كان منهم جحد لشعروا له ، والله تعالى أخبرنا بأن ذلك يكون وهم لا يشعرون ، فصح أن من أعمال الجسد ما يكون كفراً مبطلاً لإيمان فاعله جملة ومنه ما لا يكون كفراً . " اهـ
_____________
6- شرك قوم نوح ، وهو أول شرك وقع على وجه الأرض ، ومن المعلوم بيقين أن آدم قد ترك ذريته على التوحيد الخالص ، ثم بدأ الشرك يدب في ذريته بسنن شيطانية والتي تحدث عنها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما ، فأصبحوا مشركين فبعث الله نوحاً وهو أول رسول إلى أهل الأرض بنص حديث الشفاعة الصحيح . ومن المعلوم أيضا أن نوحا كان يخاطب قومه على أنهم : مشركون لا مسلمين . فأين الرسول الذي أقام الحجة عليهم قبله حتى يثبت لهم وصف الشرك وحكمه ؟
وما يقال في قوم نوح يقال في كل أمة بين رسولين ، لأن الرسل ترسل لأقوامهم- المشركين الجاهلين- بالإسلام ، فيكفر بهم أكثر أقوامهم ، ويؤمن لهم من وفقه الله للهداية ثم يفصل الله بينهم وبين أقوامهم ، ويبقى الموحدون بعد هلاك الكفار بالرسالات ثم يمكثوا ما شاء الله لهم على التوحيد، حتى إذا تنسخ العلم لديهم دبّ فيهم الشرك وأتوا من قبل جهلهم وتخرصهم على ربهم بغير سلطان لديهم من الله ، فعند هذا يبعث الله رسولا ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الشرك إلى التوحيد ، ومن الجهل إلى العلم ، ويتوعدهم بالعذاب في الدارين إن استمروا على شركهم وكفرهم بعد الحجة الرسالية .
وهذا لقوله تعالى :
رُسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ [النساء: 165]
ومن هذا يعلم :- أن اسم المشرك ثابت قبل بلوغ الرسالة على كل من تلبس بالشرك ، علم أو لم يعلم ، عاند أو لم يعاند ، قلد أو لم يقلد . أما العذاب في الدارين فلا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة .
قال ابن تيمية :- " وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه ...إن أنتم إلا مفترون . فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلها آخر . فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة ، فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أنداداً قبل الرسالة ، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية ، يقال جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول ، أما التعذيب فلا، والتولي عن الطاعة كقوله " فلا صدق ولا صلى ، ولكن كذب وتولى ، فهذا لا يكون إلا بعد الرسول ."اهـ
قال ابن تيمية نقلا عن محمد بن نصر المروزي :- " قالوا : ولما كان العلم بالله إيماناً والجهل به كفراً ، وكان العمل بالفرائض إيمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر ، لأن أصحاب رسول الله قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله إليهم ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم قبل ذلك ، فلم يكن جهلهم بذلك كفرا ، ثم أنزل الله عليهم الفرائض فكان إقرارهم والقيام بها إيمانا ، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله ، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرا ، وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لا يكون بجهله كافرا ، والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعده ." اهـ
وقال صاحب بدائع الصنائع :- " فان أبا يوسف روى عن أبي حنيفة هذه العبارة فقال :- كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول :- لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب وتوحيده – لما يرى من خلق السماوات والأرض وخلق نفسه وسائر ما خلق الله ، فأما الفرائض فمن لم يعلمها ولم تبلغه فان هذا لم تقم عليه حجة حكمية .اهـ
_____________________________
7- قال رسول الله : ( كل مولود يولد على الفطرة – وفي رواية على هذه الملة – فأبواه يهوِّدانه ، أو ينصِّرانه ، أو يمجِّسانه ).
ونحن نعلم يقيناً أن كفر جماهير اليهود والنصارى والمجوس إنما هو كفر جهل وتقليد ، ولم يعتبر الحكم الشرعي بذلك ، وإنما أثبت حكم الكفر لهم ، ولأن غير ذلك معناه إثبات حكم الإسلام والتوحيد - لا محاله - وهذا باطل جملة ومن حيث الأصل.
_____________________________
8-قال رسول الله : ( يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ).
ولفظ ( اجتالتهم عن دينهم ) أي حولتهم عن دينهم كما جاء في لسان العرب لابن منظور ، في مادة جَوَّلَ فصح أن من خرج من التوحيد وتلبس بالشرك ، قد خرج من الدين الحق إلى دين الكفر والشرك ، جهل أو علم ، عاند أو لم يعاند ، قلد أو نظر وتأمل .
_____________
9- عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي " رأى رجلاً في يده حلقة من صفر . فقال : ما هذه ؟ قال : من الواهنة . فقال : انزعها ، فإنها لا تزيدك إلا وهنا ، فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدا."
يقول محمد بن عبد الوهاب في تعليقه على هذا الحديث : " فيه شاهد لكلام الصحابة : أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر ، وأنه لم يعذر بالجهالة "
فإذا كان الرجل لم يعذر بالجهالة في أمر من أمور الشرك الأصغر ، فكيف بالشرك الأكبر ؟
_____________
10- عن طارق بن شهاب أن رسول الله قال : " دخل الجنة رجل في ذباب ، ودخل النار رجل في ذباب ، قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : مرَّ رجلان على قوم لهم صنم ، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً ، فقالوا لأحدهما: قرِّب . قال : ليس عندي شئ أقرِّب . قالوا له : قرب ولو ذباباً . فقرب ذباباً ، فخلوا سبيله فدخل النار . وقالوا للآخر قرِّب ، فقال : ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة ".
يقول صاحب فتح المجيد : " وفي هذا الحديث التحذير من الوقوع في الشرك، وأن الإنسان قد يقع وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار."
ويقول : " إن ذلك الرجل كان مسلماً قبل ذلك - أي أنه كفر بهذا الفعل فقط- وإلا فلو لم يكن مسلماً لم يقل دخل النار في ذباب . "
__________________
11 - يقول الإمام الصنعاني عن مشركي هذه الأيام مثل عبدة الأضرحة والأولياء :
" فإن قلت : أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين ،كالذين يعتقدون في الأصنام ؟
قلت : نعم ، قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك ، بل زادوا في الإعتقاد والإنقياد والإستعباد ، فلا فرق بينهم .
فإن قلت : هؤلاء القبوريون يقولون نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له نداً ، والإلتجاء إلى الأولياء والإعتقاد فيهم ليس شركاً .
قلت : نعم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك .فإن تعظيمهم الأولياء ، ونحرهم النحائر لهم شرك . والله تعالى يقول فصل لربك وانحر أي لا لغيره كما يفيده تقديم الظرف ، ويقول تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا . وقد عرفت بما قدمناه قريباً أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى الرياء شركاً فكيف بما ذكرناه ؟
فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم : هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين ، ولا ينفعهم قولهم : نحن لا نشرك بالله شيئاً ، لأن فعلهم أكذب قولهم.
فإن قلت : هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه .
قلت : قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة : أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر ، وإن لم يقصد معناها . وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ، ولا ماهية التوحيد ، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً.
فإن قلت : فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم ، والسلوك فيهم ما سلك رسول الله في المشركين .
قلت : إلى هذا ذهب أئمة العلم ، فقالوا : يجب أولاً دعاؤهم إلى التوحيد."
وقال ابن قدامة في روضة الناظر في باب الاجتهاد قال : " وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن إدراك الحق فهو معذور غير آثم وهذا باطل يقيناً وكفر بالله تعالى ورد عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فإنا نعلم قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه وذمهم على إصرارهم ونقاتل جميعهم ونقتل البالغ منهم ونعلم أن المعاند العارف مما يقل وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليداً ولم يعرفوا معجزة الرسول -ثم ذكر آيات في ذلك- " اهـ
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول في باب الاجتهاد : " ما يكون الغلط فيه مانعاً من معرفة الله ورسوله كما في إثبات العلم بالصانع والتوحيد والعدل قالوا فهذه الحق فيها واحد فمن أصابه أصاب الحق ومن أخطأه فهو كافر" اهـ
قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن في توضيح كلام ابن تيمية : " إن الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله ( أي ابن تيمية) في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة ولم يعذرهم بالجهل " .
وقال عبد الرحمن بن حسن : " والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الاستقامة وذكروا باب حكم المرتد ولم يقل أحد منهم أنه إذا قال كفرا أو فعل كفرا وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين أنه لا يكفر بجهله وقد بين الله في كتابه أن بعض المشركين جهال مقلدون فلم يرفع عنهم عقاب الله بجهلهم كما قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج : 3-4] "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
#مقتطفات_العلياء_من_درر_العلماء
Comments
Post a Comment