الجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعده


د.ماجد كارم

قال الله تعالى ؛ "وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْلَمُونَ [التوبة: 6]

فهذه الآية المحكمة في دلالتها تثبت بوضوح حكم الشرك مع الجهل الشديد المطبق في وقت اندرست فيه الشرائع وطمست فيه السبل . ففي هذه الآية وصفان لشخص واحد هما الشرك والجهل بالرسالة المحمدية . فالجهل بالرسالة المحمدية لم يمنع من وصف من يرتكب الشرك بأنه مشرك.

قال البغوي : حتى يسمع كلام الله فيما له وعليه من الثواب والعقاب...
ذلك بأنهم قوم لا يعلمون أي : لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله . وقال الحسن : هذه الآية محكمة إلى قيام الساعة.

إثبات وصف الشرك والكفر قبل البعثة المحمدية والحجة القرآنية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الله تعالى ؛: لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ رَسُولٌ مّنَ اللّهِ يَتْلُو صُحُفاً مّطَهّرَةً [البينة: 1-2]

فهذه الآية تدل بوضوح على إثبات وصف الشرك والكفر قبل البعثة المحمدية والحجة القرآنية.
منفكين : أي منتهين عن كفرهم ، مائلين عنه . ( القرطبي )

قال ابن تيمية : - وممن ذكر هذا أبو الفرج ابن الجوزي . قال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين وهم عبدة الأوثان منفكين أي منفصلين وزائلين .. والمعنى لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة . لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي ، والبينة الرسول وهو محمد ، بيّن لهم ضلالهم وجهلهم ... ولفظ البغوي نحو هذا ، قال :- لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم .. حتى تأتيهم البينة , لفظه مستقبل ومعناه الماضي ، أي حتى أتتهم البينة - الحجة الواضحة - يعني محمدا أتاهم بالقرآن فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان ، فأنقذهم الله به من الجهل والضلال .اهـ

يقول الله تعالى :- وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون [الأعراف: 172-174]

قـال الـطـبـري :-
--------------

أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ، يـقول تـعالى ذكـره ، شَهِدْنَآ ، عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم كي لا تقولوا يوم القيامة ، إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ ، :إنا كنا لا نعلم ذلك وكنا في غفلة منه ، أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ، اتبعنا مناهجهم على جهل منا بالحق . ) اهـ

قال القرطبي :-
---------------

" قال الطرطوشي : - إن هذا العهد يلزم البشر وان كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه… وقال ابن عباس وأبي بن كعب : - قوله شهدنا هو من قول بني آدم ، والمعنى شهدنا أنك ربنا والهنا… أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ بمعنى لست تفعل هذا ، ولا عذر للمقلد بالتوحيد . " اهـ

يقول الله تعالى :- وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون [الأعراف: 172-174]
_________________________

قال ابن تيمية :-
ــــــــــــــــــــــ

" الحمد لله ، أما قوله : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهي فطرة الإسلام ، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال:- أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ وهي :- السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة. فان حقيقة (الإسلام) : - أن يستسلم لله لا لغيره ، وهو معنى لا اله إلا الله . وقد ضرب رسول الله مثلا لذلك فقال :- (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ) بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : - قال رسول الله فيمـا يرويه عـن الله (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ) . ولهذا ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى أن الطفل متى مات أحد أبويه الكافرين حكم بإسلامه لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة ، وقد روي عنه وعن ابن المبارك وغيرهم أنهم قالوا : - ( يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة ) وهذا القول لا ينافي الأول ، فإن الطفل يولد سليما وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع… - إلى أن قال - ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ، ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلماً . وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بـذاتها الإسلام مـا لم يـمنعها مـانع :- هـي فـطـرة الله التي فطر الناس عليها ." اهـ

فهذا الإمام ابن تيميه (رحمه الله) يثبت أن العهد والميثاق الذي أخذه الله علينا هو الفطرة التي فطر الله – جل ثناؤه – الناس عليها . وأن الله فطر كل نفس على قبول الحق والسلامة من الاعتقادات الباطلة ، وأن هذه الفطرة لو تركت بلا مغير لما كان صاحبها إلا مسلماً ، وبهذا يعلم أن المشرك الذي لم تقم عليه حجة الرسول قد نقض العهد والميثاق المأخوذ عليه .
يقول الشيخ عبدالله أبو بطين رحمــه الله :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونحن نعلم أن من فعل ذلك الشرك ممن ينتسب إلى الإسلام أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد وأنه من الشرك الذي حرمه الله لم يقدموا عليه فكفرهم جميع العلماء ولم يعذرهم بالجهل " إ.هـ الدرر السنية جـ 10
  
نقل صاحب تيسير العزيز الحميد: عن ابن تيمية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً " إ.هـ

نقله غير واحد منهم ابن مفلح في الفروع وصاحب الإنصاف وصاحب الغاية وصاحب الإقناع وشارحه وغيرهم ونقله صاحب القواطع في كتابه عن صاحب الفروع .

قلت (سليمان بن عبدالله ) : وهو إجماع صحيح معلوم من الدين بالضرورة . وقد نص العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر أي عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة فيكون صرفه لغيرالله شركاً " إ . هـ .
يقول الشيخ إسحاق عن جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو إنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز وجاءت به السنة الصحيحة وأجمعت على تكفيره الأمة كمن بدّل دينه وفعل فعل الجاهلية الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويدعوهم . فإن الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم وذراريهم بعبادة غير الله نبياً أو لياً أو صنماً لا فرق في الكفر بينهم كما دل عليه الكتاب العزيز والسنة المستفيضة ". إ . هـ رسالة تكفير المعين عقيدة الموحدين .


يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن كلام الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله – في كل موضع فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفرات بقوليها وفعليها فيما – يخفى دليله - ولم تقم الحجة على فاعله وإن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة وإن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة ، أما دعاء الصالحين والإستغاثة بهم في الملمات والشدائد فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر" ...

..( ثم قال ): وكيف لا يحكم الشيخان على أحد بالكفر الشرك وقد حكم الله به ورسوله وكافة أهل العلم وهذان الشيخان يحكمان : أن من إرتكب ما يوجب الكفر والردة والشرك يحكم عليه بمقتضى ذلك وبموجب ما إقترف ؛ كفراً أو شركاً أوفسقاً ، إلا أن يقوم مانع شرعي يمنع من الإطلاق وهذا له صور مخصوصة لا يدخل فيها من عبد صنماً أو قبراً أو بشراً لظهور البرهان وقيام الحجة بالرسل "
اهـ. منهاج التأسيس .


يقول الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه تيسير العزيز الحميد :"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكثير منهم عطلوا المساجد وعمّروا القبور فإذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه أخذ في دعاء صاحبه باكياً خاشعاً بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات وقيام الليل وأدبار الصلوات فيسألهم مغفرة الذنوب وتفريج الكروب والنجاة من النار وأن يحطوا عنهم من الأوزار ..

فكيف يظن عاقل فضلاً عن عالم أن التلفظ بلا إله إلا الله تنفعهم وإنما هم قالوها بألسنتهم وخالفوها بإعتقادهم ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضاً بشهادة أن محمداً رسول الله ولا يعرف معنى إله ولا معنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيء من الشرك فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه . وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك . كما ذكره صاحب كتاب - الدر الثمين في شرح المرشد المعين - من المالكية . ثم قال شارحه : وهذا الذي أفتى به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه إثنان " إ . هـ وعلق صاحب تيسير العزيز الحميد :" لا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم إعتقدواالألُهية في أرباب متفرقين " إ . هـ
 



يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب :" أن الرافضي إذا إعتقد في علي أو الحسين فهو كافر إجماعاً والسني الذي يشك في كفره كافر "
_________________
إ هـ الدررالسنية جـ / 5 .
يقول صاحب تيسير العزيز الحميد تعليقاً على كلام جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ـــــــــــــــــــــــــــــ

تحت حديث من [ قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ]

"وهذا أعظم ما يبيّن معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل مجرد التلفظ بها عاصماً للدم والمال ، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله لفإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه فيا لها من مسألة ما أعظمها وما أجلها ، ويا له من بيان ماأوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع " إ . هـ كلام الشيخ محمد .

وعلق حفيده قائلاً :

وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلا بد العصمة من الإتيان بالتوحيد والتزام أحكامه وترك الشرك كما قال تعالى : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} والفتنة هنا الشرك . فدل على أنه إذا وجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله - وذكر آيات - تأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة ، فإذا فعلوها خلى سبيلهم ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعاً ولو قالوا لا إله إلا الله " إ . هـ

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر