رد الشبهـــات المانعة من تكفيــر جنود الطواغيت

د.ماجد كارم

Photo: ‎رد الشبهـــات المانعة من تكفيــر جنود الطواغيت         __________________________________  الإكراه والاستضعاف والرزق والمصلحة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  قالوا: إنّ كثيراً من هؤلاء العساكر لا يحبّون الطاغوت، بل منهم من يكفر به ويبرأ من قانونه الوضعي، وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب، وأنّه لم يبق لبعضهم إلا سنوات قليلة على التقاعد... وربما ذكروا الاستضعاف والإكراه وبعضهم يرى أنّ في عمله هذا مصلحة للإسلام وخدمة للمسلمين.   والجواب: أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلال؛ أنّ الإيمان عند أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللِّسان وعمل بالجوارح والأركان، وليس هو فقط اعتقاد بالقلب باطنا.  فالكفر بالطاغوت لا بد أن يكون ظاهراً وباطناً، ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالأخذ بالظاهر وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي لا يعلمه إلاّ الله. فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا الإيمان بالله والكفر بالطاغوت والتزام شعائر الإسلام الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفاً من سلطان الإسلام، فإنّنا مطالَبون بمعاملته بالظاهر ولا دخل لنا بباطنه... ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه وماله، وحسابه في الآخرة على الله حيث، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}، والعكس بالعكس.  فكذلك من زعم أنّه مؤمن بالله في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفاً مناقضاً لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثِّر سوادهم وينصر ويحرس قانونهم - الطاغوت الذي أمره الله أن يكفر به - ويتولاهم ويظاهرهم على المسلمين؛ فإنّنا نأخذه ونحكم عليه بظاهره هذا... لأنّنا كما في الحديث؛ لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ولا عن صدورهم. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: (إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدِّقه، وإنْ قال؛ أنّ سريرته حسنة).  وفي حديث البخاري أيضاً في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة؛ فيخسف الله بأوله وآخره مع أنّ فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم... ففي ذلك دلالة واضحة على هذا الأمر، لأنّ أمّ المؤمنين حينما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن حكم هؤلاء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين؟ قال: (يهلكون مهلكاً واحداً، ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة).  وفي هذا يقول شيخ الإسلام في الفتاوى  وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق - الدستور التّتري - وفيهم من كان يصلِّي ويزعم الإكراه ونحوه، قال: (فالله تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته - المكره فيهم وغير المكره - مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك؟!) أهـ أقول: وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلاّ أحكام الظاهر.  فهذا صفٌّ خرج محارباً لأهل الإسلام مكثرا لسواد أهل الشرك والأوثان فحكم من كان فيه وأظهر تولِّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الآخرة الآن.  ويدل على ذلك معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر، فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرهاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (أمّا سريرتك فإلى الله وأمّا ظاهرك فلنا)، رواه الإمام أحمد، و أصل القصة في صحيح البخاري، وفيها؛ أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين، فعامله معاملة الصف الذي خرج مكثِّراً لسواده وهذا هو ما نفعله تماماً مع عساكر الشرك وأنصار القانون.  أفلا يسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا لله وأورعنا في التكفير والحكم على الناس وفي غير ذلك؟   أما دعوى الإكراه فمردودة في مقامنا هذا: لأن الإكراه على إظهار الكفر حدَّ له العلماء حدوداً لا تنطبق على هؤلاء بحال ويمكن لطالب الحق مراجعتها مفصّلة في غير هذا الموضع  وفرّقوا تفريقاً واضحاً بين الإكراه على المعاصي وبين الإكراه على الكفر أو الشرك أو نصرة المشركين ونحوه.  ومن تأمّل حال هؤلاء القوم لم يجدهم مكرهين بحال، بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها ويتقاضون عليها الرُّتب والرواتب والأجور... وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجراً وينال عليه الامتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين سنة نصيراً للشرك بزعمهم مكرها؟!  فإن تعذّروا بالاستضعاف؛ فقد تعذّر به قوم من قبلهم، فما قُبل منهم، وهم قوم أسلموا بمكة ولم يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة الصفوف... وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوِّعين ولا دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب والرواتب - كحال هؤلاء - ومع ذلك أنزل الله تعالى فيهم قرآناً يبّين أنّهم ليسوا بمعذورين في ذلك ولا هم بمستضعفين، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟}، أي؛ في أي صف كنتم؟ أفي صف التوحيد ؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور الوضعي والقانون الكفري؟!  والجواب الواضح الصحيح أن يقولوا: كنا في صف المشركين، ولكنهم لما عاينوا هلاك أهل هذا الصف، حادوا عن هذا الجواب، إلى التعذر بالاستضعاف، ظانين أن هذا ينفعهم في البراءة من الشرك والمشركين.  فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الأولى من لحظات الدار الآخرة، لأن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه، وهو الأمر الذي أوردهم المهالك... ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف يجيبون على سؤال الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}.  تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر؛ {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}، وهكذا يجيبوننا دوماً عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد.  وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين الله وموقفهم من التوحيد يقولون: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}؛ الراتب... والبيت... والرزق... فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!  تأمل جواب الملائكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه: {قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}، ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار، هل تراه يعجز عن أن يرزق المتقين والأبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد وأهله؟ تعالى الله علواًّ كبيراً عما يصفون.   وتأمل تهديد الله ووعيده لهم بقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}، مع أنّهم لم يخرجوا في ذلك الجيش متطوعين ولا مختارين، لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ الأمر، فلمّا عزم الأمر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين.   ثم قال تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}، فلم يعذر الله سبحانه وتعالى بعذر الاستضعاف إلا من لا يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى الله من صف الكفار، كأن يكون جريحاً أو عاجزاً أو مقيداً أو مأسوراً أو لا يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى الصف المسلم، كأن يكون امرأة أو صبياً أو شيخاً .  ثم رغّب الله تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير الواسع فمن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه, وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية، فقال: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغماً كثيراً وسعة}، كما قال في مقام آخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله: {و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم}.   - وآخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه المنتنة، وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلاّ.  ورحم الله سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلاطين والدخول عليهم، مع أنّ سلاطينهم كانوا يحكِّمون شرع الله إلاّ أنّهم أظهروا بعض المعاصي، فكيف بسلاطين الكفر والشرك اليوم؟ قال رحمه الله: (إياك والأمراء أن تدنوا منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك؛ لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّماً...).  أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة، يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة في الوجود ويلبسون الحق بالباطل... وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنماً يعبدونه من دون الله.  ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش والمنكرات، وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه، إلا بأن عمل لهم سماعاً بدف بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق، وصار الذين كانوا لا يتورّعون عن الكبائر يتورّعون عن الصغائر والشبهات، فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!  فبيّن رحمه الله تعالى ما ملخصه؛ " أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية غنىً عن الطرق الشيطانية". فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل الإسلام لا تبرر الوسيلة، فالنجاسة لا تزال بالنجاسة، ولا يتطهّر من البول بالبول.  وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك.  ومعلوم أن أعظم مصلحة في الوجود؛ هي التوحيد، وأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك، فكل مصلحة تعارض تلك المصلحة فإنها مردودة، وأي مفسدة أمام مفسدة الشرك فمغمورة.  فلا يحل لأحد يفهم عِظم التوحيد وخطر الشرك أن يصير مِعولاً من معاول هدم التوحيد وحارساً من حراس الشرك والتنديد، بحجة جلب مصلحة أخرى مزعومة أو درأ مفاسد أخرى مرجوحة أياًّ كانت، ولا أن يجعل دينه كبش فداء ينحره على عتبات مصالح ودنيا الآخرين, والكلام في هذا الباب يطول ولكن اللّبيب تكفيه منه هنا الإشارة. ـــــــــــــــــــــــــ‎

الإكراه والاستضعاف والرزق والمصلحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالوا: إنّ كثيراً من هؤلاء العساكر لا يحبّون الطاغوت، بل منهم من يكفر به ويبرأ من قانونه الوضعي، وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب، وأنّه لم يبق لبعضهم إلا سنوات قليلة على التقاعد... وربما ذكروا الاستضعاف والإكراه وبعضهم يرى أنّ في عمله هذا مصلحة للإسلام وخدمة للمسلمين.

والجواب:
أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلال؛ أنّ الإيمان عند أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللِّسان وعمل بالجوارح والأركان، وليس هو فقط اعتقاد بالقلب باطنا.
فالكفر بالطاغوت لا بد أن يكون ظاهراً وباطناً، ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالأخذ بالظاهر وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي لا يعلمه إلاّ الله.
فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا الإيمان بالله والكفر بالطاغوت والتزام شعائر الإسلام الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفاً من سلطان الإسلام، فإنّنا مطالَبون بمعاملته بالظاهر ولا دخل لنا بباطنه... ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه وماله، وحسابه في الآخرة على الله حيث، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}، والعكس بالعكس.
فكذلك من زعم أنّه مؤمن بالله في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفاً مناقضاً لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثِّر سوادهم وينصر ويحرس قانونهم - الطاغوت الذي أمره الله أن يكفر به - ويتولاهم ويظاهرهم على المسلمين؛ فإنّنا نأخذه ونحكم عليه بظاهره هذا... لأنّنا كما في الحديث؛ لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ولا عن صدورهم.
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: (إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدِّقه، وإنْ قال؛ أنّ سريرته حسنة).
وفي حديث البخاري أيضاً في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة؛ فيخسف الله بأوله وآخره مع أنّ فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم... ففي ذلك دلالة واضحة على هذا الأمر، لأنّ أمّ المؤمنين حينما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن حكم هؤلاء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين؟ قال: (يهلكون مهلكاً واحداً، ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة).
وفي هذا يقول شيخ الإسلام في الفتاوى وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق - الدستور التّتري - وفيهم من كان يصلِّي ويزعم الإكراه ونحوه، قال: (فالله تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته - المكره فيهم وغير المكره - مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك؟!) أهـ
أقول: وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلاّ أحكام الظاهر.
فهذا صفٌّ خرج محارباً لأهل الإسلام مكثرا لسواد أهل الشرك والأوثان فحكم من كان فيه وأظهر تولِّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الآخرة الآن.
ويدل على ذلك معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر، فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرهاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (أمّا سريرتك فإلى الله وأمّا ظاهرك فلنا)، رواه الإمام أحمد، و أصل القصة في صحيح البخاري، وفيها؛ أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين، فعامله معاملة الصف الذي خرج مكثِّراً لسواده وهذا هو ما نفعله تماماً مع عساكر الشرك وأنصار القانون.
أفلا يسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا لله وأورعنا في التكفير والحكم على الناس وفي غير ذلك؟

أما دعوى الإكراه فمردودة في مقامنا هذا:
لأن الإكراه على إظهار الكفر حدَّ له العلماء حدوداً لا تنطبق على هؤلاء بحال ويمكن لطالب الحق مراجعتها مفصّلة في غير هذا الموضع وفرّقوا تفريقاً واضحاً بين الإكراه على المعاصي وبين الإكراه على الكفر أو الشرك أو نصرة المشركين ونحوه.
ومن تأمّل حال هؤلاء القوم لم يجدهم مكرهين بحال، بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها ويتقاضون عليها الرُّتب والرواتب والأجور... وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجراً وينال عليه الامتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين سنة نصيراً للشرك بزعمهم مكرها؟!
فإن تعذّروا بالاستضعاف؛ فقد تعذّر به قوم من قبلهم، فما قُبل منهم، وهم قوم أسلموا بمكة ولم يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة الصفوف... وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوِّعين ولا دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب والرواتب - كحال هؤلاء - ومع ذلك أنزل الله تعالى فيهم قرآناً يبّين أنّهم ليسوا بمعذورين في ذلك ولا هم بمستضعفين، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟}، أي؛ في أي صف كنتم؟ أفي صف التوحيد ؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور الوضعي والقانون الكفري؟!
والجواب الواضح الصحيح أن يقولوا: كنا في صف المشركين، ولكنهم لما عاينوا هلاك أهل هذا الصف، حادوا عن هذا الجواب، إلى التعذر بالاستضعاف، ظانين أن هذا ينفعهم في البراءة من الشرك والمشركين.
فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الأولى من لحظات الدار الآخرة، لأن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه، وهو الأمر الذي أوردهم المهالك... ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف يجيبون على سؤال الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}.
تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر؛ {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}، وهكذا يجيبوننا دوماً عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد.
وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين الله وموقفهم من التوحيد يقولون: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}؛ الراتب... والبيت... والرزق... فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!
تأمل جواب الملائكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه: {قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}، ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار، هل تراه يعجز عن أن يرزق المتقين والأبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد وأهله؟ تعالى الله علواًّ كبيراً عما يصفون.

وتأمل تهديد الله ووعيده لهم بقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}، مع أنّهم لم يخرجوا في ذلك الجيش متطوعين ولا مختارين، لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ الأمر، فلمّا عزم الأمر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين.

ثم قال تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}، فلم يعذر الله سبحانه وتعالى بعذر الاستضعاف إلا من لا يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى الله من صف الكفار، كأن يكون جريحاً أو عاجزاً أو مقيداً أو مأسوراً أو لا يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى الصف المسلم، كأن يكون امرأة أو صبياً أو شيخاً .

ثم رغّب الله تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير الواسع فمن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه, وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية، فقال: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغماً كثيراً وسعة}، كما قال في مقام آخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله: {و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم}.

- وآخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه المنتنة، وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلاّ.
ورحم الله سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلاطين والدخول عليهم، مع أنّ سلاطينهم كانوا يحكِّمون شرع الله إلاّ أنّهم أظهروا بعض المعاصي، فكيف بسلاطين الكفر والشرك اليوم؟
قال رحمه الله: (إياك والأمراء أن تدنوا منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك؛ لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّماً...).
أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة، يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة في الوجود ويلبسون الحق بالباطل... وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنماً يعبدونه من دون الله.
ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش والمنكرات، وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه، إلا بأن عمل لهم سماعاً بدف بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق، وصار الذين كانوا لا يتورّعون عن الكبائر يتورّعون عن الصغائر والشبهات، فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!
فبيّن رحمه الله تعالى ما ملخصه؛ " أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية غنىً عن الطرق الشيطانية".
فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل الإسلام لا تبرر الوسيلة، فالنجاسة لا تزال بالنجاسة، ولا يتطهّر من البول بالبول.
وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك.
ومعلوم أن أعظم مصلحة في الوجود؛ هي التوحيد، وأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك، فكل مصلحة تعارض تلك المصلحة فإنها مردودة، وأي مفسدة أمام مفسدة الشرك فمغمورة.
فلا يحل لأحد يفهم عِظم التوحيد وخطر الشرك أن يصير مِعولاً من معاول هدم التوحيد وحارساً من حراس الشرك والتنديد، بحجة جلب مصلحة أخرى مزعومة أو درأ مفاسد أخرى مرجوحة أياًّ كانت، ولا أن يجعل دينه كبش فداء ينحره على عتبات مصالح ودنيا الآخرين, والكلام في هذا الباب يطول ولكن اللّبيب تكفيه منه هنا الإشارة.

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر