رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله

منقول من د.ماجــد كــارم صفحة شُــــــــــــبهات وردود


رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(1)

أن الحكام الحاليين ليسوا هم الذين وضعوا القوانين الوضعية المعمول بها.
ــــــــــــــــــ

والرد عليها من ثلاثة أوجه:
---------------------------

1 - أن وضع القوانين مناط مكفر (وهو مناط التشريع المخالف لشرع الله)، أما الحكم بها فهو مناط مكفر آخر (وهو مناط الحكم بغير ماأنزل الله)، فإن أفلت الحاكم من مناط التشريع وقع في مناط الحكم بها. فكيف وهو واقع فيهما؟ فمن جهة مناط التشريع: فإن معظم الحكام لهم صلاحيات تشريعية في الدستور كما أنهم وإن لم يضعوا معظم القوانين المعمول بها بأنفسهم إلا أنهم يجيزونها بل ويُلزمون الرعية بالعمل بها. والأمر بالكفر كفر، والحكم بقوانين الكفر كفر.

2 - أن هذه هي صورة سبب نزول قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة:٤٤، فالذين أنزل فيهم النص لم يكونوا هم الذين بدّلوا حكم الله في الرجم ولكن بدّله أسلافهم كما تدل عليه أحاديث سبب النزول خاصة رواية الطبري عن أبي هريرة وقد سبق أن ذكرتها، ولكن الذين نزل فيهم النص وأكفرهم الله وإن لم يبدّلوا حكم الله لكنهم حكموا بهذا الحكم المبَدّل. فحال الحكام المعاصرين كحالهم، وصورة سبب النزول قطعية الدخول في النص كما في المقدمة السابعة.

3 - أن التتار الذين نقل ابن تيمية وابن كثير الإجماع على كفرهم لحكمهم بغير شريعة الإسلام (بالياسق) مع دعواهم الإسلام، لم يكونوا هم الذين وضعوا ذاك الياسق وإنما وضعه جدهم الوثني جنكيز خان. وقد سبق تفصيل هذا عند ذِكر الإجماع، فصورة الحكام المعاصرين كصورتهم، وحكمهم كحكمهم، بل إنهم أشد إجراماً حيث ان التتار حكموا بقوانين الكفر فيما بين طائفتهم فقط، ولم يلزموا بها عموم المسلمين، أما المعاصرون فألزموا الناس بالعمل بهذه القوانين تعلّماً وحكماً وتحاكماً.


رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(3)

- القول بأن فتاوى العلماء في التتار لايجوز تطبيقها على الحكام المعاصرين.
ــــــــــــــــ

والرد من ثلاثة أوجه:

1 - أن الحجة في تكفير هؤلاء الحكام هي النصوص الشرعية والإجماع ، وليست في أقوال العلماء.

2 - أن حال الحكام المعاصرين أشد من حال التتار من جهة تحقق مناط التكفير فيهم وقد فندنا ذلك في مناطات تكفيرهم .

3 - فتاواهم ليست مجرد رأي وإنما نقلوا فيها الإجماع على ماقالوا؟ فالعمل بفتاويهم عمل بالإجماع ليس تقليداً محضاً مجرداً من الدليل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ


رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(4)

- أن دساتير هؤلاء الحكام تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والرد من ثلاثة أوجه:

1 - وهو أن الدستور نص على أن الشريعة المصدر الرئيسي لا الوحيد بما يعني أن هناك مصادر أخرى للتشريع، أي أن هناك أرباباً أخرى في التشريع مع الله، فإنه نص صراحة على اتخاذ أرباب مع الله. قال تعالى (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: ٣١، وقد كانت هذه الربوبية في التشريع المخالف فبين الله أن متابعتهم في هذا شرك بالله.

2 - أن الدستور لم ينص على أن أحكام الشريعة المصدر الرئيسي، وإنما نصّ على أن مباديء الشريعة المصدر الرئيسي، وبينهما فرق: أما الأحكام فمعروفة وهي الأحكام التفصيلية في كل مسألة، وأما المباديء فهي القواعد العامة كتحقيق العدل وأن الأصل براءة الذمة ونحو ذلك مما يدّعي سدنة القوانين الوضعية أنها تحقق هذه المباديء. وبهذا تعلم أن هذا النص الدستوري لايترتب عليه أي إلزام للحكومات بالحكم بأحكام الشريعة.

3 - أنه لو افترضنا أن هذا النص الكفري يترتب عليه التزام الحكم بالشريعة، فإن هناك نصاً دستوريا آخر يناقضه تماما، ويعبّر عن الواقع القائم، وهو النص على أن (الحكم في المحاكم بالقانون).

والحاصل: أن من ظن أن هذا النص الدستوري - (مباديء الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع) - يدرأ الكفر عن هؤلاء الحكام فقد أخطأ، بل إن هذا النص مما يدينهم ويدمغهم بالكفر لأنه نص ضمنياً على اتخاذ مصادر للتشريع غير شريعة الله.


رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(5)

- أن يوسف عليه السلام عمل لملك مصر، بما يعني أنه حكم بشريعة هذا الملك الكافر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويريد قائل الشبهة أن يوسف لم يكفر مع هذا، فلماذا يكفر الحكام بذلك؟
وقائل هذه الشبهة يكفر لأنها تنقيص للأنبياء عليهم السلام يدخل في حكم سبّهم. قال ابن تيمية رحمه الله [لاخلاف أن من سَبَّ النبي عليه الصلاة والسلام أو عَابَه بعد موته من المسلمين كان كافراً حلال الدم، وكذلك من سبّ نبياً من الأنبياء]
والإجماع قد انعقد على عصمة الأنبياء من الكفر ومن الكبائر، كما ذكره القاضي عياض في (الشفا)، والجمهور على عصمتهم من الصغائر أيضا.
والحكم بشريعة الكفار كفر، ولابد أن يكون يوسف عليه السلام معصوماً منه، فدل هذا على أنه لم يحكم بشريعة الكفار.
كما أن الحكم بشريعة الكفار هو حكم بالطاغوت وتحاكم إليه، ويوسف عليه السلام معصوم من هذا، لأن الله قد بعث سائر الرسل باجتناب الطاغوت والكفر به، كما قال (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) النحل: ٣٦، فهل أمر يوسف باجتناب الطاغوت ولم يجتنبه؟

والصحيح - أن يوسف عليه السلام كان مُمَكَّنا مفوّضاً يجري الأمور على وفق شريعته وشريعة أبيه يعقوب عليهما السلام، ولهذا استرق أخاه بنيامين وكان هذا هو حكم السارق في شريعتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(6)

- شبهة أن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بغير شريعة الإسلام - بالتوراة - فيجوز ذلك لأمته من بعده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذه أيضا من الشبهات التي يكفر قائلها، لما فيها من غمز النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال ابن حزم إن من قال إن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بين اليهوديين اللذين زنيا بحكم التوراة المنسوخة فهو مرتد .

وسبب الردة هنا: هو مخالفة هذا القول للنصوص الدالة على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بشريعة الإسلام، وأن القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع كقوله تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: ٤٨. وقال عليه الصلاة والسلام (لو كان موسى حياً ماوسعه إلا اتباعي) ، فكيف يتبع النبي عليه الصلاة والسلام كتاب موسى مع هذا؟، ومصداق هذا الحديث من كتاب الله قوله (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران: ٨١. فجميع النبيين أقروا أنه إذا بعث محمدٌ عليه الصلاة والسلام في حياتهم ليتبعونه، فكيف يتبع محمد شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام؟.
وسبب هذه الشبهة ماورد في إحدى روايات حديث رجم اليهوديين اللذين زنيا، وفيها قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرُجِماَ) ، والرد على هذا الحديث من وجهتين:

الأولى: أن هذه الرواية ليست مما يحتج بها، فقد ذكر ابن حجر أن في سندها رجل مبهم .

الثانية: أنها إذا صحت هذه الرواية فإنه ينبغي فهمها على أساس ماذكرنا من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بالإسلام، وينبغي رد المتشابه إلى هذا المحكم، فيكون معنى قوله (فإني أحكم بما في التوراة) أي بمثل ماورد فيها في حكم هذه المسألة، ولا يكون هذا متابعة منه للتوراة بل تصويباً لما ورد فيها في ذلك وأن هذا مما أنزله الله فيها ليس مما بدّلوه.

وهذا ماذكره ابن كثير في كلامه عن هذه الرواية فقال [فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله عليه الصلاة والسلام حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لامحالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عزوجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على مابأيديهم مما تواطؤا على كتمانه] .

وقال ابن تيمية رحمه الله [وهو عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: ٤٩] . وقال أيضا [إذ كان المسلمون متفقين على أنه لايجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في القرآن - إلى أن قال - وإذا كان من المعلوم بالكتاب والسنة والإجماع، أن الحاكم بين اليهود والنصارى لايجوز أن يحكم بينهم إلا بما أنزل الله على محمد عليه الصلاة والسلام، سواء وافق ما بأيديهم من التوراة والإنجيل أو لم يوافقه]

رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(7)

- أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم بما أنزل الله في إقامة حد القذف على عبدالله بن أبَيّ بن سلول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذه أيضا من الشبهات التي يكفر قائلها لأن فيها تنقيص للنبي عليه الصلاة والسلام باتهامه بأنه لم يحكم بما أنزل الله. وهو عليه الصلاة والسلام القائل لأسامة بن زيد (أتشفع في حدٍ من حدود الله تعالى، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها) .

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد في بعض الأمور برأيه ولكنه كان لايُقر على خطأ، ومن هنا عاتبه الله في بعض الأمور، كقوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) النحل: ١٢٦، وكقوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) آل عمران: ١٢٨. ونحوها من المواضع، والمسألة معروفة بكتب الأصول وبوّب عليها البخاري أيضا في كتاب الاعتصام من صحيحه على الآية الأخيرة. والمقصود أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُعاتب بشيء فيما يخص ابن سلول فدّل على أن فِعْله معه كان صواباً وحقاً، سواء كان قد أقام عليه الحد أو لم يُقِمْه، خاصة وأن الأخبار قد تعارضت في هذا تعارضا يُسقط الاحتجاج بها.
وذلك أنه في حادثة الإفك عَرَّض ابن سلول بقذف السيدة عائشة رضي الله عنها، ولم يصرح، ومن المعلوم في الفقه أن القذف له ألفاظ صريحة وله كنايات، والكناية وهي التعريض لا يؤاخذ بها إلا مع النية أو قرائن الحال، وتلقي هذا التعريض آخرون عن ابن سلول وأشاعوه تصريحاً به.

وانقل ماورد بشأن إقامة حد القذف على الذين وقعوا في قذف عائشة رضي الله عنها عن الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي فإنه لخّصه تلخيصاً جيداً في كتابه (المنافقون في القرآن) فقال [وقد اختلف العلماء في الذين صرحوا بالإفك هل أقام عليهم النبي عليه الصلاة والسلام الحد أم لا على ثلاثة أقوال:
أولا: أنه لم يقم الحد على أحد منهم لأن الحد لايثبت إلا ببينة أو إقرار، ولم يحصل شيء من ذلك وبهذا قال الماوردي كما ذكر ابن حجر .
ثانيا: أنه قد أقيم الحد عليهم جميعا إلا عبدالله بن أبيّ وبهذا قال ابن القيم .
ومما يستدل به لهذا القول ماأخرجه الترمذي قال: حدثنا بندار أخبرنا ابن أبي عدي عن محمد بن اسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما نزل عذري قام رسول الله عليه الصلاة والسلام على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حَدّهم» هذا حديث حسن غريب لانعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.
وأخرجه ابن ماجة بهذا السند كما أخرجه أبو داود من طريقين عن محمد بن إسحاق به، إحداهما مرسلة وفيها: (فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح ابن أثاثة، قال النفيلي: ويقولون إن المرأة حمنة بنت جحش).
فهذا الحديث فيه التصريح بأن الذين أقيم عليهم الحد ثلاثة، وفي الرواية المرسلة التي أخرجها أبو داود أنهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وليس فيه ذكر لابن أبيّ.
وقد قيل في التعليل لعدم إقامة الحد عليه أنه لم يصرح بالقذف بل كان يجمع الحديث ويستخرجه بالبحث عنه، وممن قال بذلك القاضي عياض كما ذكر ابن حجر .
وقيل إن النبي عليه الصلاة والسلام ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه خوفا من وقوع الفتنة بسببه لأنه مطاع في قومه.
وقيل إنما ترك حده لأن الحدود تقام على المؤمنين تكفيرا لذنوبهم وابن أبيّ قد ثبت نفاقه فليس مؤمنا حتى يقام عليه الحد. ذكر هذين القولين ابن القيم ورجح الثاني. (زاد المعاد) 2/ 115.
ثالثا: أنه قد أقيم عليه الحد كغيره ممن صرح بالإفك ومما يدل على ذلك ما أخرجه الطبراني بسنده عن سعيد بن جبير أنه قال: (جلد النبي عليه الصلاة والسلام حسان بن ثابت وعبدالله بن أبيّ ومسطحا وحمنة بنت جحش كل واحد ثمانين جلدة في قذف عائشة ثم تابوا من بعد ذلك غير عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين مات على نفاقه) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد) 7/ 80.
وذكر ابن حجر أن الحاكم أخرج في «الأكليل» من رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبدالله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلا أن ابن أبيّ ممن جلد الحد .
والظاهر أن هذا القول أرجح لأمرين:
أولا: لثبوت إقامة الحد على ابن أبيّ في الروايتين السابقتين وإن كان من طرق كلها مرسلة إلا أنه يقوى بعضها بعضا.
ثانيا: لأنه قد ثبت في الحديث السابق الذي أخرجه أصحاب السنن أن النبيص أقام الحد على الثلاثة المذكورين ولايمكن شرعا أن يقيم الحد على بعض القذفة ويترك البعض الآخر.
أما القول بأنه عليه الصلاة والسلام ترك إقامة الحد على ابن أبيّ لأنه مطاع في قومه فربما حصل بسبب ذلك فتنة فهو مردود، لأنه إما أن يكون كافرا قد أعلن كفره فيجب قتله ردة ولن يثور لقتله ثائر لأنه مرتد، وإما أن يكون مظهراً الإسلام فلابد من إقامة الحدود عليه إذا ارتكب جريمة كغيره من المسلمين ولن يثور لذلك ثائر، وقد كان ابن أبيّ ممن يظهر الإسلام نفاقا فلذلك لم يقتله النبي عليه الصلاة والسلام بالرغم من ظهور أمارات الكفر عليه واقتناع النبي من ذلك حتى لايتحدث الناس أنه يقتل أصحابه كما سبق، أما أن يترك إقامة الحد خوفا من قومه فهذا مالا يمكن وقوعه لأن كونه مظهرا الإيمان يستلزم إقامة الحد عليه إذا عصى.
ثم من هم قومه الذي سيثورن له؟ أليسوا من المؤمنين؟ وهل يثور المؤمنون إذا أقيم حد الله على واحد منهم بحق وإن كان شريفا فيهم؟ هذا مالا يمكن أن يقع أبدا من مؤمن حقا، أما تركه قتله مع ظهور نفاقه فإنه يختلف عن هذا لأنه يظهر الإيمان فحقن بذلك دمه فليس هناك سبب ظاهر يستوجب قتله، وقد قتل النبي عليه الصلاة والسلام سويد بن الصامت حداً لقتله المجذر بن زياد البلوي كما سبق فلم ينكر ذلك أحد من قومه.
والرسول عليه الصلاة والسلام هو أول من أنكر على الأمم السابقة إقامة الحد على ضعفائهم وترك إقامته على أشرافهم، كما أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها في حديث المخزومية التي سرقت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».
فكيف ينكر عليه الصلاة والسلام شيئا ثم يرتكبه؟ هذا مالا يمكن حدوثه ولايليق بمقام النبوة.] .
وحاصل الروايات المختلفة: أن ابن سلول إما أنه لم يُقم عليه الحد لأنه عَرَّض ولم يُصرّح بالقذف، وإما أنه أقيم عليه الحد كغيره. فسقطت بذلك هذه الشبهة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(9)

- أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز الحكم بغير ماأنزل الله بقوله (فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذه الشبهة تلحق بما قبلها في اشتمالها على تنقيص النبي ، وأنه أجاز الحكم بغير ماأنزل الله، أي أجاز الكفر، ومن أجاز الكفر فهو كافر، فكيف يسوغ هذا الظن وهو عليه الصلاة والسلام إنما جاء بالإيمان بالله وحده والكفر بالطاغوت؟.

وهذه الشبهة تدل على وفور جهل صاحبها، والحديث المشار إليه هو حديث بريدة بن الحصيب المشهور في الغزو، وفيه قال بريدة (كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كَفَر بالله - إلى قوله - وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لاتدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟) .

وهذا النص لايدل على إجازة الحكم بغير ماأنزل الله، وإنما يدل على أن المجتهد قد يصيب وقد يخطيء، وإصابته معناها أن يوافق حكمه في مسألة ٍ ما حكمَ الله فيها، وخطؤه أن يخالف حكمه حكمَ الله فيها. كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) .

ولهذا كان من آداب المفتي، كما قال ابن القيم: [ينبغي ألا ينسب المفتي الحكم إلى الله إلا بنصٍ... لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلّ كذا أو حرّمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو كراهته] ولهذا فإن قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المستدل به هو كما قال الشوكاني في شرحه [هذ النهي محمول على التنزيه والاحتياط، وكذلك الذي قبله، والوجه ماسلف، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «فإنك لاتدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟»].

والأمر كما قال ابن القيم، فإن الأقضية التي تعرض للحاكم (القاضي) والمسائل التي تعرض للمفتي، بعضها تكون واضحة وحكمها ورد منصوصاً عليه فهذه يجوز الجزم بأن الحكم أو الفتوى فيها هو ماقضى به الله، وبعضها تكون خفية وحكمها يعرف بالاستنباط من النصوص أو بالقياس عليها، فهذه لايجوز الجزم بأن الحكم أو الفتوى فيها هو حكم الله.

ولهذا فإن حديث بريدة لاحجة فيه على إجازة الحكم بغير ماأنزل الله، وينبغي فهمه بجمعه مع غيره من الأدلة الدالة على أن الأصل في الحاكم أن يكون مجتهداً، وأنه يجب عليه أن يحكم بما أنزل الله، وأن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، هذا هو صنيع الفقهاء: أن يجمع النص مع غيره من النصوص، ويردّ المتشابه إلى المحكم، ويعمل بالخاص في موضعه والعام في موضعه، ونحو ذلك. أما أهل الزيغ والضلال فيعمد أحدهم إلى نص يُحَمِّله مالا يحتمل من المعاني ليضل الناس بغير علم كما قال تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) آل عمران: ٧، وقد قال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً) الإسراء: ٨٢.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(10)


- أن بعض هؤلاء الحكام لهم أعمال صالحة، فكيف يكفرون؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسواء كانت هذه الأعمال الصالحة في ذوات أنفسهم كالصلاة والصيام والحج، أو كانت متعدية النفع إلى الناس كبناء المساجد وطباعة المصاحف ونحو ذلك. فهذا كله لايمنع من تكفيرهم إذا قام المقتضي لذلك. وبيان هذا من وجهين:

1 - الوجه الأول: أن العبد لايدخل في الإيمان الحقيقي إلا بمجموع خصال ولكنه يخرج منه إلى الكفر بخصلة واحدة، قال تعالى (وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) التوبة: ٧٤، فبيّن الله جل وعلا أنهم كفروا بكلمة واحدة مع أنه كان معهم إسلام بما يعني أنهم يتشهدون ويُصلّون، ولم يمنع هذا من تكفيرهم إذا وجد سبب الكفر، ولايلزم للتكفير أن يزول كل مامع العبد من خِصال الإيمان وشعبه.
والصحابة عندما أكفروا مانعي الزكاة لم يكفروهم إلا بهذه الخصلة، ولم يشترطوا زوال بقية شعب الإيمان لأجل تكفيرهم فهذا شرط فاسد مخالف للأدلة.

2 - الوجه الثاني: أنه لايوجد مايمنع من قيام الكافر ببعض أعمال البر وخصال الخير، وهي من شعب الإيمان، ولكنه لايُسمى مؤمنا ولاتنفعه هذه الشعب في الآخرة إذا لم يأت بأصل الإيمان أو إذا كان معه ماينقض أصل الإيمان.

ومن أمثلة ذلك:

(أ) قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا) التوبة: ٢٨، فدلت الآية على أن المشركين كانوا يحجون إلى البيت الحرام إذ كانوا على بقيةٍ من دين إبراهيم عليه السلام مع مادخله من تحريف، وذلك حتى العام التاسع بعد الهجرة حين بعث النبي عليه الصلاة والسلام علياً رضي الله عنه فنادى في موسم الحج (ألا يحج بعد العام مشركٌ) .

(ب) قوله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) التوبة: ٥٤، فثبت أنهم كانوا ينفقون ويصلون مع كفرهم، ولهذا فلا تنفعهم أعمال البر هذه مع الكفر.

(ج) عن العباس رضي الله عنه أنه قال: يارسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك، قال عليه الصلاة والسلام (نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) . فثبت بهذا الحديث أن أبا طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام كان ينصره ويمنعه من عدوّه، وهذا من أعظم شعب الإيمان، إلا أن هذا لم يمنع من تكفيره لما لم يأت بأصل الإيمان، فقد ثبت في الصحيحين أنه أبى أن يقر بالشهادتين حين حضرته الوفاة ومات كافراً. وإن نفعه فعله في تخفيف العذاب إلا أنه لايخرج من النار.

(د) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يارسول الله، ابن جُدعان كان في الجاهلية يَصِل الرحم ويُطعم المسكين فهل ذاك نافعه، قال عليه الصلاة والسلام (لاينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) .

فهذه الأدلة ونحوها تثبت أن الكافر قد يفعل الخيرات، فإن كان يفعلها إخلاصاً وتعبداً كوفيء بها في الدنيا كما في حديث أنس عند مسلم، وإن كان يفعل ذلك رئاء الناس كما هو حال الحكام الكافرين الذين يفعلون الخيرات تلبيسا على الناس فلا شيء لهم لافي الدنيا ولا في الآخرة.

والحاصل: أن الكافر قد يفعل الخيرات وأعمال البر، وهذا لايمنع من تكفيره إذا لم يأت بأصل الإيمان، أو إذا كان معه ماينقص أصل الإيمان كما هو حال الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية، قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: ٤٤،
هذا وبالله التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.(11)


- أنه لا يجوز تحديث العامة بهذه الأمور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعني صاحب الشبهة أن أمر تكفير هؤلاء الحكام ووجوب جهادهم لايجوز تحديث العامة به، وهذا خطأ.

فإن الشيء الذي يُفَضّل عدم تحديث العامة به هو مازاد عن فرض العين من العلم الواجب، وقد بوّب عليه البخاري في كتاب العلم من صحيحه في باب [من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه]. فوصفه البخاري (بالاختيار) أي مايستوي الإخبار به والسكوت عنه، وقد يكون السكوت عنه أولى أحيانا.

أما مسألة حكم الحاكم فمعرفتها من العلم الواجب على كل مسلم ليست من الاختيار، وذلك لسببين:

1 - السبب الأول: أن مسائل التشريع والحكم والتحاكم متعلقة بصلب التوحيد ، والإخلال بهذه المسائل من نواقض التوحيد، والتوحيد يما يتضمنه من وجوب الإيمان بالله والكفر بالطاغوت هو أول واجب على المكلف، كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) النحل: ٣٦، وقال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) البقرة: ٢٥٦، وقال عليه الصلاة والسلام - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى أهل اليمن - (ليكن أول ماتدعوهم إلى أن يوحّدوا الله) . فمعرفة التوحيد ونواقضه أول واجب على المكلف.

2 - والسبب الثاني: أن هناك واجبات شرعية على المكلف مترتبة على معرفته حكم حاكمه، فإذا كان الحاكم مسلما وجب على كل مسلم أن يسمع له ويطيع وأن ينصره، وإذا كان الحاكم كافراً فلا سمع له ولاطاعة ووجب الخروج عليه وخلعه ويجب على كل مسلم القيام في ذلك

والحاصل: أنه يجب إشاعة العلم بأمر كفر الحكام ووجوب جهادهم لأجل خلعهم ونصب حاكم مسلم في العامة لأن هذا واجب على كل مسلم. ولأن جهادهم فرض عين على كل مسلم. وإشاعة العلم بذلك مما يعجل بتغيير هذه الأنظمة الكافرة بإذن الله تعالى إذا علم كل مسلم مايجب عليه من ذلك.

أما عدم تحديث العامة بذلك فهو غاية مايطمح إليه الحكام الطواغيت ليبقى حملة هذا العلم قلّة معزولة يرميهم الحكام وأنصارهم بكل ضلالة وشناعة وسط جهل العامة بحقيقة الأمر، وروي البخاري عن عمر ابن عبدالعزيز قوله [إن العلم لايهلك حتى يكون سِرّاً].

وقال (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة: ١٥٩ - ١٦٠.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
 
 
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر