الحث علي البدء بتعلـــم التوحيــد


د.ماجد كارم

قال الله تعالى
ــــــــــــــــــــ

( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون )
[ آل عمران : 79 ]

قال البخاري رحمه الله : ويقال: الربّاني الذي يُرَبِّي الناس بصِغار العلم قبل كباره. أهـ

قال ابن حجر : والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دقّ منها.أهـ [فتح الباري 1/160 – 162 ]

ومسائل العقيدة من أوضح المسائل لذلك لم يختلف الصحابة في شيءٍ منها ومن أوضح مسائل العقيدة مسائل الكفر والإيمان بخلاف مسائل القضاء والقدر مثلاً أو الأسماء والصفات . وقد قال الله تعالى : ( فأعلم أنهُ لا إله إلا اللهُ واستغفر لذنبكَ وللمؤمنين والمؤمنات ) [ محمد : 19 ] فبدأ أمره تعالى بتعلم التوحيد وبدأ بالنفي ( لا إله ) وهو الكفر بالطاغوت، ثم الإثبات ( إلا الله ) وهو الإيمان بالله . وقال الله تعالى : ( فبشِّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولوا الألباب) [ الزمر : 17-18 ]

وأحسن العلوم وأفضلها علم التوحيد والعقيدة ،

قال ابن عبد البر رحمه الله: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : العلم أكثر من أن يُحاط به، فخذوا منه أحسنه . وعن الشَعبي مثله. وأنشد محمد بن مصعب لابن عباس :
ما أكثر العلم وما أوسعــه من ذا الذي يقدر أن يجمعه
إن كنت لابد له طالبــا محــــــاولاً فالتمس أنفعـــه

وقال الشاطبي رحمه الله : من العلم ما هو من صُلْب العلم، ومنه ما هو من مُلَح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا مُلَحه، فهذه ثلاثة أقسام. القسم الأول هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين.... إلى آخر كلامه رحمه الله، راجعه في [ الموافقات 1/77-78 ]

وقال ابن الجوزي : في الإعلام بما ينبغي تقديمه من المحفوظات: أول ما ينبغي تقديمه مقدمة في الاعتقاد تشتمل على الدليل على معرفة الله سبحانه، ويذكر فيها ما لابد منه، ثم يعرف الواجبات، ثم حفظ القرآن، ثم سماع الحديث... إلى أخر ما قال في تقسيمه راجعه إن شئت في (الحث على حفظ العلم) لابن الجوزي، ط دار الكتب العلمية 1405 هـ، صـ 23 ــ 24.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : ( إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلّوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيِّهم فتُرد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخُذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس) [ متفق عليه، واللفظ للبخاري، حديث 7372 ] فدل هذا الحديث كما دلت الآيات على أن المرء يبدأ بتعلم مسائل التوحيد بما فيها تكفير الكافرين –ثم يتعلم بقية أركان الإسلام وشرائعه 
الأهم فالمهم . قال النووي : المطالعة بالأهم فالأهم .. [ المجموع 1/38 ]

قال أبو عمر ابن عبد البر :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم . أهـ [ جامع بيان العلم وفضله ص 208 ]

وقال الزيلعي : ما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف.أهـ
[ نصب الراية 1/355 ]

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله : حدثني ابن الخضيري عن والده الخضيري, إمام الحنفية في زمنه، قال : كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا ، كان كافراً ذكياً . أهـ [ الدرر السنية 9/423 ] فبالرغم من تكفيرهم إياه إلا أنهم شهدوا له بالذكاء

فشتان : بين إنصاف السلف، وإجحاف الخلف ؟!
 
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "إعلام الموقعين":
__________________________________________

الفائدة الثانية والعشرين : إذا عرف العامي حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه ، ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم .

أحدها : الجواز لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم ، وإن تميز العالم عنه بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له ، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله .

ثانيها : لا يجوز له ذلك مطلقا لعدم أهليته للاستدلال ، وعدم علمه بشرطه وما يعارضه ، ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل .

ثالثها : إن كان الدليل كتابا أو سنة جاز له الإفتاء ، وإن كان غيرهما لم يجز ، لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين ، فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدله عليه أ.هـ [ من باب : الخصال التي يجب أن يتصف بها المفتي 4/199 ]

فلا يُشترط فيمن حكم على هؤلاء الحكام أن يكون من أعلم الناس ، أو أن يكون من القضاة، بل يكفيه أن يكون صاحب علمٍ بما يتكلم فيه .. روى الحاكم في مستدركه أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاطب : دعني أضرب عنق هذا فقد كفر .
وهنا سؤال نستخرج منه حكم هذه المسألة : هل كان عمر قاضياً حين تكلم بهذا الكلام ؟!
أم أنه مفتي المسلمين الذي نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
وكيف لعمر أن يتكلم ويصدر الأحكام في مجلسٍ فيه من هو أعلم منه ؟!

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر