لا يشترط فيمن يتكلم في فنٍ من الفنون أن يكون ملماً بجميع الفنون,بل ولا يشترط أن يكون ملماً بجوانب الفن نفسه الذي يتكلم فيه .

د.ماجد كارم



قال ابن حزمٍ: وفي هذا الباب أيضاً بيان جلي على أن من علم شيئاً من الدين علماً صحيحاً فله أن يفتي به، وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك .. وقال أيضاً: وليس جهله بما جَهِل بمانع من أن يفتي بما علم ، ولا علمه بما عَلِم بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يُفْتِ إلا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفتي أصلا، وهذا لا يقوله مسلم، وهو إبطال للدين، وكفر من قائله. وفي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك، لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام .. أهـ [ أنظر الإحكام 5/127-128 ]

وقال أبو حامد الغزالي - بعدما ذكر علوم المجتهد - : دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون : اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصباً لا يتجزأ .. ثم ذكر بعض الأمثلة التوضيحية لما قال، ومنها قوله: ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرِّف قوله تعالى «وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين» وقس عليه ما في معناه .. أهـ [ المستصفى 2/353-354 ]

وقال الإمام ابن الصلاح - بعد ما ذكر علوم المجتهد المستقل - : إنما يُشترط اجتماع العلوم المذكورة في المفتي المطلق في جميع أبواب الشرع، أما المفتي في باب خاصٍ من العلم، نحو علم المناسك، أو علم الفرائض، أو غيرهما. فلا يشترط فيه جميع ذلك، ومن الجائز أن ينال الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض .. ثم مثل لما قال بقوله : ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز أن يفتي فيها، وإن لم يكن عالماً بأحاديث النكاح، ولا عارفاً بما يجوز له الفتوى في غير ذلك من أبواب الفقه. قطع بجواز هذا الغزالي، وابن بَرهان ، وغيرهما. ومنهم من منع من ذلك مُطلقاً. وأجازه أبو نصر بن الصَّبَّاغ ، غير أنه خصصه بباب المواريث. قال: لأن الفرائض لا تنبني على غيرها من الأحكام، فأما ما عداها من الأحكام فبعضه مرتبط ببعض.والأصحُّ أن ذلك لا يختص بباب المواريث، والله أعلم.) [ أدب المفتي ص 89 – 91]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام ، بل قد يكون الرجــل مجتــهـــداً في فن أو باب أو مسـألــة دون فن وباب ومســألة، وكل أحـــد فاجتهـــاده بحسب وسعه.أهـ [ مجموع الفتاوي 20/212 ]

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله قال : الاجتهاد حالة تقبل التجزُّؤ والانقسام ، فيكون الرجل مجتهداً في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو في باب من أبوابه. كمن استفرغ وُسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم ، أو في باب الجهاد أو الحج ، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفَتْوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مُسَوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.
فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب، فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.. أهـ [ اعلام الموقعين 4/216-217 ] .

ونقل السيوطي عن شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني قوله : المُوَلّي في واقعة معينـــة يكفيه أن يعرف الحكم فيها بطريق الاجتهاد المعلَّق بتلك الواقعة، بناء على أن الاجتهاد يتجزأ وهو الأرجح . أهـ [ الرد على من أخلد إلى الأرض ص 88 ]

بل وأعظم من هذا كله ما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "إعلام الموقعين":
الفائدة الثانية والعشرين : إذا عرف العامي حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه ، ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم .
أحدها : الجواز لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم ، وإن تميز العالم عنه بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له ، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله .
ثانيها : لا يجوز له ذلك مطلقا لعدم أهليته للاستدلال ، وعدم علمه بشرطه وما يعارضه ، ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل .
ثالثها : إن كان الدليل كتابا أو سنة جاز له الإفتاء ، وإن كان غيرهما لم يجز ، لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين ، فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدله عليه أ.هـ [ من باب : الخصال التي يجب أن يتصف بها المفتي 4/199 ]

فلا يُشترط فيمن حكم على هؤلاء الحكام أن يكون من أعلم الناس ، أو أن يكون من القضاة، بل يكفيه أن يكون صاحب علمٍ بما يتكلم فيه .. روى الحاكم في مستدركه أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاطب : دعني أضرب عنق هذا فقد كفر .
وهنا سؤال نستخرج منه حكم هذه المسألة : هل كان عمر قاضياً حين تكلم بهذا الكلام ؟!
أم أنه مفتي المسلمين الذي نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
وكيف لعمر أن يتكلم ويصدر الأحكام في مجلسٍ فيه من هو أعلم منه ؟!

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر