انتساب الناس للإسلام لا يكفي مع تلبسهم بالشركيات
قال الشيخ الإمام حمد بن عتيق رحمه الله في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكة، وما يقال في البلد نفسه؟
فأجاب بقوله:
{سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم}
جرت المذاكرة في كون مكة؛ بلد كفر أم بلد إسلام؟
فنقول وبالله التوفيق؛
قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد الذي هو دين جميع الرسل، وحقيقته؛ هو مضمون شهادة "أن لا إله إلا الله"، وهو ان يكون الله معبود الخلائق، فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو الدعاء، ومنها الخوف والرجاء والتوكل والانابة والذبح والصلاة، وأنواع العبادة كثيرة، هذا الاصل العظيم الذي هو شرط في صحة كل عمل.
والاصل الثاني؛ هو طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أمره، وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها، وتعظيم شرعه ودينه، والاذعان لأحكامه في أصول الدين وفروعه.
فالأول؛ ينافي الشرك، ولا يصح وجوده مع وجوده.
والثاني؛ ينافي البدع، ولا يستقيم مع حدوثها.
فإذا تحقق وجود هذين الأصلين - علماً وعملاً ودعوة - وكان هذا دين أهل البلد - أي بلد كان - بأن عملوا به ودعوا إليه وكانوا أولياء لمن دان به، ومعادين لمن خالفه؛ فهم موحدون.
واما إذا كان الشرك فاشياً، مثل؛ دعاء الكعبة والمقام والحطيم ودعاء الأنبياء والصالحين، وافشاء توابع الشرك، مثل؛ الزنا والربا وأنواع الظلم ونبذ السنن وراء الظهر، وفشو البدع والضلالات، وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة ونواب المشركين، وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنة، وصار هذا معلوماً - في أي بلد كان - فلا يشك من له أدنى علم؛ ان هذه البلاد محكوم عليها بأنها بلاد كفر وشرك، لا سيما إذا كانوا معادين أهل التوحيد وساعين في ازالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا اردت اقامة الدليل على ذلك؛ وجدت القرآن كله فيه، وقد اجمع عليه العلماء، فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم.
واما قول القائل؛ "ما ذكرتم من الشرك انما هو في الآفاقية، لا من أهل البلد".
فيقال له؛
أولا؛ هذا اما مكابرة، واما عدم علم بالواقع، فمن المتقرر ان أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم، كما يسمعه كل سامع، ويعرفه كل موحد.
ويقال ثانياً؛ إذا تقرر وصار هذا معلوماً، فذاك كاف في المسئلة، ومن الذي فرق في ذلك.
ويا لله العجب! إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم، ولا تقدرون ان تصرحوا بدينكم وتخافتون بصلاتكم لأنكم علمتم عداوتهم لهذا الدين وبغضهم لمن دان به، فكيف يقع لعاقل اشكال؟!
أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم ويدعو الرسول والصحابة؛ "يا هذا لا تدعو غير الله"، أو "أنت مشرك"، هل تراهم يسامحونه؟ أم يكيدونه؟
فليعلم المجادل؛ انه ليس على توحيد الله، فوالله ما عرف التوحيد ولا تحقق بدين الرسول صلى الله عليه وسلم.
أرأيت رجلاً عندهم قائلاً لهؤلاء؛ "راجعوا دينكم"، أو "اهدموا البناآت على القبور، ولا يحل لكم دعاء غير الله"، هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم؟!
لا! والله... لا! والله.
وإذا كانت الدار؛ دار إسلام، لأي شيء لم تدعوهم إلى الإسلام وتأمرهم بهدم القباب واجتناب الشرك وتوابعه.
فإن يكن قد غركم أنهم يصلون ويحجون أو يصومون ويتصدقون، فتأملوا الأمر من اوله؛ وهو أن التوحيد قد تقرر في مكة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمن، ثم فشا فيهم الشرك بسبب عمرو بن لحي وصاروا مشركين، وصارت البلاد؛ بلاد شرك، مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين، وكما كانوا يحجون ويتصدقون على الحاج وغير الحاج، وقد بلغكم شعر عبد المطلب الذي اخلص فيه قصة الفيل، وغير ذلك من البقايا، ولم يمنع الزمان ذلك من تكفيرهم وعداوتهم.
بل الظاهر عندنا وعند غيرنا؛ أن شركهم اليوم أعظم من ذلك الزمان.
بل قبل هذا كله؛ أنه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، حتى حدث فيهم الغلو في الصالحين، فدعوهم مع الله؛ فكفروا، فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام يدعو إلى التوحيد، فتأمل ما قص الله عنهم.
وكذا ما ذكر عن هود عليه السلام؛ أنه دعاهم إلى اخلاص العبادة لله، لأنهم لم ينازعوه في أصل العبادة.
وكذلك؛ إبراهيم دعا وقومه إلى اخلاص التوحيد، وإلا فقد أقروا لله بالآلهية.
وجماع الأمر؛ أنه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك، واستمر أهلها عليه وقاتلوا عليه، وتقررت عندهم عداوة أهل التوحيد وأبوا عن الانقياد للدين، فكيف لا يحكم عليها بأنها بلد كفر؟! - ولو كانو لا ينتسبون لأهل الكفر، وأنهم منهم بريئون، مع مسبتهم لهم، وتخطئتهم لمن دان به، والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة -
فهذه مسئلة عامة كلية.
وأما القضايا الجزئية، فنقول؛
قد دل القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك والانقياد لهم؛ ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم واملى لهم}، مع قوله: {ومن يتولهم منكم فانه منهم}، وامعن النظر في قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذاً مثلهم}، وأدلة هذا كثيرة.
ولا تنسوا ما ذكر الله في سورة التوبة: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}، وقوله: {ولقد قالوا كلمة الكفر}، واذكر قوله تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ انتم مسلمون}.
وتأمل قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا}، في موضعين، وقد علمت حالهم إذا دعوا إلى التوحيد.
انتهى
والله اعلم
[مجموع الرسائل والمسائل النجدية | ج: 1 / ص: 742 - 746]
Comments
Post a Comment