نقض إطلاق بعضهم : التكفير موكلٌ إلى العلماء !!
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد :-
فقد عمّت الأمّة البلوى بمن يتصدّر لها بأقوال باطلة لا تقوم على أصل منقول ولا مستمسك معقول , فيها من الضّلال المضّل والبعد عن دين الله ما فيها !!
ومن تلك الضّلالات المُضّلة إطلاقُ بعض الفضلاء أنّ التّكفير شأنٌ خاصٌ بالعلماء والقُضاة ولا يجوز أن يتجاسر عليه إلّا أهل العلم !!
فهذا قولٌ باطلٌ قطعاً لا يقوم على سوقٍ صحيحةٍ أبداً , بل أوّل ما افترض الله على عباده هو الإيمان بالله عز وجل وتوحيده سبحانه وتعالى والكفر بجميع ما يُعبد من دون الله من الطّواغيت وغيرهم .قال الله سبحانه وتعالى : [فمن يكفر بالطّاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى] .
ومن الكفر بالطاغوت تكفيرُ من عبدهم من دون الله أو أشركهم في عبادته مع الله .وهذا أصلٌ عظيمٌ متّفقٌ عليه عند أهل العلم بلا خلاف , وهذا الأصل مخاطبٌ به جميع النّاس بلا استثناء , ولا يخص الكفر بالطاغوت بأهل العلم إلا الغبي الجهول .والأصل في ذلك الآية الإبراهيمية العظيمة ألا وهي قول الحقّ تبارك وتعالى : [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] .
فابتدأ إبراهيم الخليل عليه السلام الكفر بالعابدين المشركين قبل الكفر بمعبوداتهم وقرّر ظهور العداوة والبغضاء الأبديين معهم .فهذا هو دينُ الله , وهذه هي ملّة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه , فتكفير المُشركين فرضٌ لازمٌ افترضه الله على عباده .
وبِه يُردّ على الإطلاق الكاذب الخاطئ الذي صدّرنا به هذه الرّسالة , فإن إطلاقهم هذا يتعارض مع الكفر بالطاغوت ابتداءً .فلو طردنا قولهم وإطلاقهم الذي قالوه , لما أمرنا النّاس بالكفر بالطاغوت أبداً , ولحصرنا ذلك في القضاة والعلماء فقط !!
فيلزم من إطلاقهم الفاسد أن يقولوا بأن الله لم يتعبّد أحداً من النّاس في الآيات التي أمر فيها بالكفر بالطاغوت إلّا أهل العلم , فهم المُكلّفون بهذا الفرض دون غيرهم !!
ولو قالوا بذلك لكفروا ومرقوا من دين الله عز وجل - والعياذ بالله - .فالمسلم العامّي الموحّد عليهم تكفير كلّ المشركين والبراءةُ منهم , ولا يُقال إنّ التكفير موكلٌ بالعلماء وهم من يتجاسرون عليه فقط دون غيرهم , فإنّ هذا إطلاٌق فاسدٌ ولا يُعتبر وأهل العلم على خلافه .
فالمُشرك الحاكم بغير ما أنزل الله قد افترض الله على عباده الكفر به وبما أشرك من دون من الله .وكذلك المشرك المُشرِّع في البرلمان من دون الله قد افترض الله على عباده الكفر به وبما أشرك من دون الله .
وكذلك كل من أتى ناقضاً معلوماً من دين الله بالضّرورة كموالاة المُشركين وغيرها فقد افترض الله على عباده تكفيره .فحينئذٍ لا يُقال : إن التّكفير حقّ العلماء والقُضاة فقط بهذا الإطلاق , كما قال ذلك بعض المتصدّرين , وأغراه بعضهم أنّ مثل هذه الأقوال من الحِكمة والسّداد !!
ولعمري ليس ذلك من الحكمة والسّداد في شيءٍ أبداً , بل هو من التّجاسر على العلم وعلى دين الله بلا دراية ولا مُكنة , والبصير يعلم حال ذلك المُتكلّم ومبلغه من العلم ولو انشغل بما يُتقنه وإصلاح ما أفسده لكان ذلك خيراً وأحسن تأويلاً .
نعم .. قد يُقال أنّ التّكفير في المسائل الخفية موكلٌ لمن أتقن ذلك , فهذا حقٌّ لا خلاف فيه , وإنّما النّزاع في الكلمة التي أطلقوها بلا ضابطٌ وقد مرَّ معنا ما ينقضها بحمد الله .وهذا آخر المقصود .
والله أعلم .
Comments
Post a Comment