الإمام محمد بن عبد الوهاب يكفر المعين ويشرح كلام ابن تيمية وقيام الحجة
د.ماجد كارم

يقول الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في الرسالة الحادية والعشرون التي أرسلها جوابًا لرجل من أهل الإحساء يقال له أحمد بن عبد الكريم كان قد عرف التوحيد وكفَّر المشركين ، ثم إنه حصلت له شبهة في ذلك ففرق بين تكفير الفعل والفاعل وتوقف في تكفير المعين ، وقال فعله فعل كفر ولكنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة ، وهذا بسبب عبارات رآها في كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، ففهم منها غير مراد الشيخ من تكفير المعين المتلبس بالشرك ، فبين له الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن ابن تيمية يكفر المعين ويسميه كافرًا وأن من مات على ذلك تجري عليه أحكام الكفر ظاهرًا وإن تمكن منه وأقيمت عليه حجة البيان والاستتابة وأصر على كفره ، أٌقيم عليه الحد وقتل كافرًا ظاهرًا وباطنًا ، دنيا وآخرة ، ونستدل بكلام الشيخ الإمام على أن المتلبس بالشرك يسمى مشركًا ومن وقع في الكفر يسمى كافرًا ، مع أن كلام الإمام في الكفر والوعيد.
" من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم : سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين أما بعد : فقد وصل مكتوبك تقرر بالمسألة التي ذكرت ، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته : وهو أنك توقفت في تكفير المعين المتلبس بشرك ظنًا منك أنه لم تقم عليه الحجة ، ثم ورد منك مراسلة تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ تقي الدين ابن تيمية أزال عنك الإشكال فنسأل الله أن يهديك للإسلام ، وعلى أي شيء يدل كلامه الذي عثرت عليه ؛ على أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى ، وسب دين الرسول بعد ما شهد به ، مثل سب أبي جهل ؛ إنه لا يكفر بعينه ؟ هذا الذي فهمته من كلام الشيخ؟ بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة ، فضلاً عن غيرهما ، هذا واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ ابن تيمية الذي أزال عنك الإشكال ، كلام ابن تيمية واضح في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله ، ودعاهم في الشدائد والرخاء وسب دين الرسل بعدما أقر به، ودان بعبادة الأوثان بعد ما أقر بها وليس في كلامي هذا مجازفة ، بل أنت تشهد به عليهم ، ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه ، وأنا أخاف عليك من قوله تعالى : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ "المنافقون3
وأيضًا أخاف عليك من قرناء السوء الذين أضلوك كما هي عادتهم في إضلال الناس وصدهم عن سبيل الله ، فأنت اتبعتهم خوفًا ومداراة ، وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه : " مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإيمَانِ " إلى قوله " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُوا الْحَيَاةَ الدُنْيَا عَلَى الآخِرَةِ"النحل106-107 فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، بشرط طمأنينة قلبه والإكراه لا يكون على العقيدة ، بل على القول والفعل ، فقد صرح بأن من قال الكفر أو فعله فقد كفر إلا المكره بالشروط المذكورة ، فتفكر في نفسك ، هل أكرهوك وعرضوك على السيف مثل عمار؟ أم لا ؟ ولكن الأمر بيد مقلب القلوب فأول ما أنصحك به أنك تفكر : هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظل نبيك ينهى عنه أهل مكة ؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه؟ أم هذا أغلظ؟ فإذا أحكمت المسألة وتدبرت وفكرت وتأملت وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات وسمع كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين وأقر به ، وقال أشهد أن هذا هو الحق ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب ، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أنه الحق ، وأنه دين الخوارج وأهل الغلو الذين يكفرون المسلمين بالذنوب والمعاصي والكبائر التي هي دون الشرك، ويصرح بحسن الشرك وأتباعه وعدم البراءة من أهله ، ويقول كيف نكفرهم وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ويفعلون الخيرات ، وتقربهم إلى قبور الصالحين محبة وإكرام لهم واعترافًا بمنزلتهم وليس هذا بشرك أكبر فالدعاء والنذر والذبح والطواف والاستغاثة كلها معاصي وهي لأهل القبور طاعة وليست شركًا .
فتفكر هل هذه المسألة أو مسألة الردة الصريحة التي ذكرها أهل العلم في باب الردة ؟ فتأمل واسأل الله الهداية ، أما استدلالك بترك النبي ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم ، فقد صرح الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمة واحدة أو فعلاً واحدًا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول أنهم يقتلون أشر قتلة ، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم من عباد القبور أظهروا اتباع الدين كما أظهره المنافقون وتبرؤا من الشرك بالقول والفعل ولم يبق إلا الأشياء الخفية التي تظهر على صفحات الوجه أو فلتة اللسان في السر ، وقد تابوا من دينهم الأول ، وقتلوا الطواغيت وهدموا البيوت المعبودة من القباب والأضرحة والمقاصير والقبور فقل لي ، وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله أكبر من هذا فقل لي ، وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام لا يكفر إذا أظهر عبادة الأوثان وأفتى بقتل من أخلص لله الدين واعتقاله وتعذيبه وحل ماله ، أتظن أنه لا يكفر بذلك لأنه ينتسب إلى أهل القبلة ؟
تكفير النبى صل الله عليه وسلم وصحابته من بعده للمعين الذى ظهر منه الكفر والشرك
-----------
فأذكر ما صح عن رسول الله أنه أرسل رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب أو سب دين الأنبياء ؟ واذكر أنه قد همَّ بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة حتى كذَّب الله من نقل ذلك .
أذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهادا في الطاعة : " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" .
، وأذكر إجماع الصحابة على قتل أهل الكوفة وكفرهم وردتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة ، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا ، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه.
واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على كفر من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلاً بقوله تعالى : " لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُو" مع كونه من أهل بدر .
وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في عليٍّ مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر والبدوي والدسوقي والحسين وردتهم وقتلهم ، فأحرقهم علي وهم أحياء مع كونهم من أهل القرن الأول أخذوا العلم عن الصحابة .
واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم وأمثاله ، ولو ذهبنا نعدد من كفَّره العلماء بعينه مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام ، ولكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد القداح ملوك مصر وطائفتهم التي تُسمى الفاطميين وهم يدعون أنهم من أهل البيت ويصلون الجمعة والجماعات ونصبوا القضاة والمفتين ، وأجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم .
هذه الأدلة من قول الله وقول رسوله وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم على كفر من ارتكب الشرك وقام به الكفر بعينه ، هل تجد قولاً أو دليلاً صحيحًا يدل على أن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم ؟ أو قالوا هذا في تكفير المطلق ولا ينزل على المعين؟ أو قالوا : الفعل فعل كفر ولكن الفاعل لا يكفر ولا يسمى كافرًا ؟
هل تجد مثل هذا الهراء في أقوال العلماء أو واحد منهم ؟
Comments
Post a Comment