رســالة الي العاذر بالجهـــل


منقول من د.ماجــد كــارم صفحة شُــــــــــــبهات وردود
اعلم أن التوحيد والشرك نقيضان لا يجتمعان في شخص واحد ولا يرتفعان عن الشخص البته فكل عبد إما أن يكون مسلما وإما أن يكون مشركا كافرا ولا يخلو من أحد الوصفين ومحال أن يكون الشخص مسلم مشرك لأن اجتماع النقيضين محال عقلا وشرعا .

ولا يوجد في التوحيد جهل بل هو إعراض وتجاهل وأكثرهم للحق كارهون قال تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) فقرر سبحانه أنهم لا يعلمون الحق ثم وصفهم الوصف المطابق لحالهم وهو الإعراض وقال تعالى: (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا) .

-كل من أشرك بالله الشرك الأكبر فهو مفترٍٍ على الله؛ لأن المشرك هو المطالب بالدليل على شركه لا أنه معذور حتى يأتيه الدليل قال تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) ، وقال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) ، وقال تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) ، وقال تعالى: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) . وأول كلمة تقولها الأنبياء لأقوامهم مع أنهم جهال: (اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون) ، وأهل العجل عبدوه بشبهة وتأويل وقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، وأضلهم السامري ومع ذلك هم مفترون قال تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين).

-قسم الله عباده ثلاثة أقسام في مواضع كثيرة من القرآن؛ ومنها ما جاء في آخر سورة العنكبوت حيث قال تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) فهذا مشرك جاهل أشرك بلا دليل، ثم قال تعالى: (أو كذب بالحق لما جاءه) فهذا مشرك جاءه الحق فرده وعاند ،ثم بيَّن سبحانه وتعالى حكم الصنفين فقال تعالى: (أليس في جهنم مثوى للكافرين) ثم بين النوع الثالث فقال : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) ، فمن لم يُهد للتوحيد لم يجاهد في الله ويبحث عنه كما أمرناالله .
وسلمان الفارسي رضي الله عنه كان في أدغال إيران فجاهد فهدي وهذه الأصناف الثلاثة هي المذكورة في أم القرآن السبع المثاني وهم المنعم عليهم : الذين طلبوا الحق ولزموه، والمغضوب عليهم : الذين جاءهم الحق فردوه، والضالون : وهم الجهال،
ومن عذر بالجهل في التوحيد فإنه يلغي القسم الثالث ولا يعترف
إلا بالمغضوب عليهم فقط .

-لا يوجد فرق بين جهال اليهود والنصارى وبين مشركي العرب والعجم من المنتسبين للإسلام زوراً وبهتاناً فإن قيل هؤلاء تلفظوا بالشهادة ، فالجواب : الشهادة من اركانها العلم بمعناها، والعمل بمقتضاها، فإن كان قالها بلا علم لم تنفعه ، وإن قالها بعلم واستمر على شركه فهو مغضوب عليه لم يدخل الإسلام.
فإن عذرتم بالجهل فاعذروا كل جهال العالم ، وإلا فقد جعلتم علة التكفير ليست هي الكفر كما قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مفيد المستفيد قال تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر).

-لا فرق بين المشركين الذين أرسل لهم رسولنا صلى الله عليه وسلم ومنهم والداه، وبين مشركي زماننا فكل عُذر يُعتذر به لأهل زماننا فأولئك أولى به قال تعالى: (لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون) وقال تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) .

-كل من مات وهو يدعو من دون الله ندًا فهو في النار كما في حديث ابن مسعود الصحيح (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار ومن مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة)، وقال تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) ، وقال تعالى: (فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم) .

-تأمل قوله تعالى: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون) ، وقوله تعالى: (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين) ، فإن فيه دلالة على أن الميثاق حجة، ويدل على أن الرسل مكملة ومقررة للأدلة السابقة، قال تعالى : (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) .

--إعذار المشرك شركاً أكبر بهذه الأعذار خطير للغاية على صاحبه لأنه لم يكفّر المشركين بلا دليل ولم يكفر بالطاغوت، وخطير للغاية على الناس؛ لأنه يعطل أثار التوحيد ولوازمه وحقوقه كلها، فالهجرة والجهاد والولاء والبراء والسفر والإقامة والذبائح والأنكحة والمواريث كلها متوقفة على هذه المسألة ، ولذا من أسباب نشرها وانتشارها اعتقادهم أنها باطل خفيف يوافق أهواء النفوس، وأيضاً فيه اتهام للرسول صل الله عليه وسلم بأنه قتل مشركين معذورين جهال قبل التفهيم وقيام الحجة عليهم .

-بناءً على ما تقدم لا يمكن أن تكون هذه المسألة خلافية البتة، ولو قاتل أهل التوحيد أهل الشرك _ونحن نعلم أن أكثرهم جهال، وأن الدعوة قبل القتال غير واجبة بعد انتشار الإسلام فنبينا صلى الله عليه وسلم بيّت قوما وهم غارون_، فلو قاتلهم أهل التوحيد، فهؤلاء العاذرون هل سيقاتلون مع الموحدين ضد إخوانهم الذين يرونهم مسلمين ؟ أم يقفون مع إخوانهم ضد أهل التوحيد ويعدونهم الفئة الباغية ؟ أم سيعدون هذا القتال الذي غايته: حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله يعدونه قتال فتنة ويعتزلوه ؟! ماذا سيكون موقفهم، وهل يتصور أن تكون هذه المسألة من مسائل الاجتهاد. والقرآن كله على النص عليها .

-أكثر من يلبس على الناس في هذه المسألة يتقي بأقوال الرجال ويبني دينه عليها وهذه علامة الإفلاس؛ لأن أقوال الرجال ضعيفة تحتاج إلى أن يحتج لها لا أن يحتج بها . ويجب أن يُعرف الحق أولاً ثم توزن الأقوال به، فالرجال يُعرفون بالحق وليس الحق هو الذي يُعرف بالرجال _كما قال عليَّ رضي الله عنه_ والرجال إنما هم أدلاء على الطريق فإذا رأيت أنوار المدينة لم تحتج للأدلاء قال تعالى : (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، والناس في الرجال طرفان ووسط فمنهم من ترك اتباع الصحابة ومن اتبعهم بإحسان واعتمد على فهمه القاصر ، ومنهم من اتخذ العلماء أرباباً من دون الله ، والوسط أن يُستدل بهم على الطريق فإن زاغ حكيم أو زل لزمت الحق فإن على الحق نوراً _كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه_ .

وهؤلاءالعاذرون يحتجون بكلامٍٍ لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب مشتبه في العذر بالجهل، فنأتيهم بكلام لهما واضح غاية الوضوح في عدم العذر بالجهل فتقابل القولان فتساقطا حتى يعلم الناسخ من المنسوخ منهما ونرجع للأدلة،وأيضاً نأتيهم بكلام من هو أجل منهما وبالأدلة الواضحة. فلا تغني عنهم بضاعتهم شيئاً؛ وإنما هم كما قال الأول :

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا **** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

والعالم لا يأتيه الرسوخ جملة واحدة وقد يخطئ، والمنقول إلينا لا يُدرى هل هو من قديم كلامه أو من حديثه.
وقد يداري العالم ولا يداهن، فيأتي بكلام مجمل يحتمل معنيين لظرفٍ يمر به ، ولم يعلم أنه سيتخذ ديناً للجهال ؛ ولأجل هذه المعاني وغيرها كره أحمد وغيره كتابة فتاواه.

-ولابن تيمية رحمه الله كلام واضح في تسميتهم مشركين في الجزء العشرين من مجموع الفتاوى، وكذا للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .
وحفيده وتلميذه عبدالرحمن بن حسن أشار إلى أن هذه المواضع المشتبهة كانت في ابتداء دعوته وكان يداري ويقول ( الله خير من زيد) ولا يمكنه إلا ذلك ، وابنه الشيخ إسحاق قال لمن احتج بهذه المواضع:
أنت مثل الذباب لا يقع إلا على الجرح ..كما في رسالته في تكفير المعين

وأقوال الرجال أهون ما يقف في وجه الحق الواضح .

-وأماشبهاتهم فهي أوهن من بيت العنكبوت وسبقنا سلفنا في ردها وتفنيدها حتي اننا نجد كل أدلتهم خارج محل النزاع، وإنما التحدي الحقيقي الذي يرفع من مستوى قولهم،

لو أتوا بأمرين اثنين هما:
------------------------

*-أن يأتوا برجل فعل الشرك الأكبر وجعل لله ندا دون إكراه وعذر لجهله وسمي مسلماً.

*-أن يأتوا بدليل فرق الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم فيه بين المشرك المعاند والمشرك الجاهل.

وسننتظر حتى يأتوا بهذين الأمرين، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، فلا كلام لنا معهم، قال تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون).
______________
د.ماجـــد كــارم
شُــــــــــــبهات وردود

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر