رد الشبهـــات المانعة من تكفيــر جنود الطواغيت (2)
د.ماجد كارم
شبهة أن عساكر الكفر والشرك يصلون ويصومون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالوا: كيف تكفرون عساكر القانون وأنصار الدستور وبعضهم يصلّي ويصوم ويحج, وربما ذكروا حديث مسلم الذي فيه ذكر أمراء الجور، ومنه قول الصحابة: (أفلا نقاتلهم يا رسول الله؟)، قال: (لا, ما أقاموا فيكم الصلاة).
ومثل ذلك حديث ذي الخويصرة الذي تكلّم في قسمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال خالد بن الوليد: (ألا أقتله؟)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس يصلّي؟ أما إني لم أؤمر بقتل المصلين)، وفي رواية: (يتحدث الناس محمد يقتل أصحابه).
الجواب:
-------
نقول: لقد علمت أنّ دين الله الذي بعث الله به كافّة رسله هو التوحيد، ولا بد أن تعلم أنّ هذا التوحيد هو ركن رئيس من أركان قبول العمل والعبادة، فالعمل لا يكون خالصاً متقبلاً إلا بتحقيق هذا الركن، مع الركن الآخر الذي هو المتابعة؛ "أن يكون العمل موافقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم"، والشرط هو ما يلزم من عدمه عدم العبادة وبطلانها.
ولذلك فقد ذكر الله عزّ وجلّ أعمالاً كثيرة للكفار والمشركين، لكنه بيّن سبحانه أنّه لا يتقبّلها بل يجعلها هباءً منثوراً، لأنّها فقدت شرط الإخلاص والتوحيد.
قال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد اللهَ عنده فوفّاه حسابه}.
وفي الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك به معي غيري تركته وشركه)، وهذا يستدلّ به العلماء على الشرك الأصغر، فيدخل فيه الأكبر من باب أولى.
فالشاهد من هذا كله أن التوحيد ركن في صحة الصلاة وفي قبولها.
والدخول للإسلام إنما يكون من باب التوحيد - لا إله إلا الله - وليس من باب الصلاة أو غيرها من العبادات دون تحقيق للتوحيد، وإنما يحكم أهل العلم للمصلي بالإسلام لتضمن الصلاة للتوحيد، ولأن التوحيد ركن صحتها وقبولها.
فمن جاء بصلاة أوصيام أو زكاة من غير أن يحقق التوحيد بركنيه "الإيمان بالله" و "الكفر بالطاغوت"؛ فإن أعماله جميعها باطلة وليس صلاته فقط... فمن صلى وهو مظهر للشرك غير مجتنب لعبادة الطواغيت ونصرتهم؛ لم تقبل صلاته ولم تدخله في دائرة الإسلام ولا أخرجته من دائرة الإشراك.
ومن أوضح الأدلّة على ذلك قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وكذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
فاجتناب الشرك بالله تعالى بترك عبادة الطواغيت وخلع متابعتهم على تشريعاتهم أعظم شروط قبول العمل وهو أول فرض افترضه الله تعالى على عباده وأمرهم به وبدونه تحبط الأعمال.
وهؤلاء العساكر بدلاً من أن يستجيبوا لأمر الله تعالى بالكفر بالطاغوت؛ {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}، وبدّلوا قولاً غير الذي قيل لهم, فحرسوه وحموه ونصروه واتّبعوه ونصروا تشريعاته وقانونه الكفري... ولذلك لا تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيره من الأعمال ما داموا لم يحققوا شرط قبولها.
أرأيت لو أنّ هذا العسكري أو ذلك الضابط أو الجاسوس أو الأمن الوقائي أو المخابرات أو غيرهم صلّوا صلاة من غير وضوء، ترى صلاة أحدهم مقبولة عند الله تعالى؟ أم هي باطلة مردودة على وجهه؟
لعلك تقول؛ هذا أمر لا يختلف فيه شخصان ولا ينتطح فيه عنزان، لا شك أنّ الصلاة بغير وضوء باطلة مردودة.
فتأمّل هذا الموضع يا عبد الله؛ إذا كان ترك الطهارة مبطل للصلاة لأنه شرط في صحتها، فكيف بترك التوحيد والكفر بالطواغيت الذي هو أعظم شروط قبول الأعمال؟!
ولذلك فهو الشرط والأمر الذي أوجب الله على ابن آدم تعلمه والعمل به قبل تعلم الصلاة وشروطها والطهارة وشروطها ونواقضها.
وهو الشرط الذي فرض على الصحابة في مكة قبل فرض الصلاة وغيرها، ومعلوم أن الصحابة ما عُذِّبوا في مكّة ولا ابتُلوا وهاجروا وأوذوا إلا من أجله، إذ لم يعذبهم قومهم ولا آذوهم لأجل الصلاة أو الزكاة أو غيرها من الطاعات والشرائع، التي لم تكن قد فرضت ولا طولبوا بها بعد، وإنما طولبوا أول ما طولبوا بتحقيق ذلك الأمر العظيم، لأن تلك العبادات لا تقبل بدونه، ولذلك لم يكن من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من طريقة دعوته هو وأصحابه أن يبدأوا في دعوة المشركين بالصلاة أو بالزكاة أو نحوها من الشرائع قبل دعوتهم لتحقيق التوحيد واجتناب عبادة الطواغيت، لا والله ما كانت هذه دعوتهم أبداً.
وتأمل حديث معاذ بن جبل في الصحيحين حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وعلّمه أسلوب الدعوة وطريقتها قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه؛ شهادة "أن لا إله إلا الله" - وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله" - فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعْلِمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله قد أوجب عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ إلى فقرائهم... الحديث).
فدعوة الإنسان إلى الإسلام ابتداءً لا تكون من الصلاة بل من التوحيد، ثم يؤمر إن حقق التوحيد بالصلاة والزكاة وسائر الأركان.
فمن حقّق التوحيد واعتصم بالعروة الوثقى نجى وقُبلت منه الصلاة وسائر الأركان، ومن تمسّك بشرائع وأركان الإسلام دون أن يتمسّك بالعروة الوثقى؛ فهو من جملة الهالكين... لأن الله لم يضمن لشيء من عرى الإسلام الإيمان أن لا تنفصم إلا إذا انضمّت إليها وارتبطت بها هذه العروة الوثقى التي ضمن سبحانه أن لا تنفصم، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
لذك فإنّ كثيراً ممن نصبوا بالعبادة في الدنيا تردّ عبادتهم على وجوههم يوم القيامة ويكون مصيرهم النار، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}، أي في العبادة ثم مصيرها؛ {تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}، لأن عبادتها وصلاتها وتعبها ونصبها كان هباءً منثوراً، لأنه بغير توحيد وإخلاص.
فإذا فهمت هذا وعلمت أنه قاعدة من قواعد دين المسلمين وأصل محكم من أصولهم يُردّ إليه كل ما تشابه من النصوص؛ فافْهَم على ضوئه بعد ذلك كل حديث يشكل عليك في هذه الأبواب.
ومن ذلك "حديث مسلم" المتقدم في شأن الأمراء ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ما أقاموا فينا الصلاة، فهو إشارة إلى إقامة الدين والتوحيد مع الصلاة، وليس المقصود إقامة الصلاة وحدها بغير توحيد! بدليل أنّ الأمر بالقتال كما في الأحاديث الأخرى المبيّنة لهذا الحديث يذكر أول ما يذكر فيها قبل الصلاة والزكاة؛ "تحقيق التوحيد"، كما في الحديث المتفق عليه؛ (أُمرت أنْ أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله).
فتأمّل ذكر التوحيد وأنّ القتال ابتداءاً عليه، ومن ثم على حقوقه ولوازمه... وهذا معنى قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}، {فإن تابوا}؛ أي من الشرك والكفر وخلعوا عبادة غير الله وحقّقوا التوحيد، ومن ثم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فقد عُصمت دماؤهم وأموالهم إلا بحقّها.
أما إقامة الصلاة دون التوبة من الشرك ودون التوحيد، أو إقامة الصلاة مع نواقض "لا إله إلا الله"؛ فلا تغني من الله شيئاً، وكم من مصلٍّ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر وارتدّ بكلمة. من نواقض هذا التوحيد العظيم، ومن أمثلة ذلك ما قدّمناه لك في النّفر الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجاهدين في غزوة تبوك وهم من المصلِّين، ومع ذلك كفروا لمّا جاءوا بناقض من نواقض التوحيد والإسلام، هو استهزائهم بحفظة كتاب الله قال تعالى: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، وكانوا يصلّون.
وعلى مثل هذا مضى علماء المسلمين، ولذلك جعلوا في كتب الفقه باباً يسمى؛ "باب؛ حكم المرتدّ"، وعرّفوه بأنه المسلم الذي يرتدّ بقول أو عمل أو اعتقاد بعد إسلامه، وربما يكون مصلياً.
ولذلك أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكفر عبيد الياسق - وهو دستور أو قانون التتار في زمنه - كما أفتى بكفر أنصارهم وعساكرهم، مع أن فيهم من كان يصلّي [وراجع المجلد "28" من فتاواه].
ومثل ذلك كله يقال في حديث ذي الخويصرة فقوله: (أليس يصلي؟)، أو (لعله أن يكون يصلي)... فيه قاعدة الأخذ بالظاهر والعلانية وترك السريرة إلى الله، وأنّ ذلك الرجل كان يُظهر التوحيد، لأن القاعدة التي عرفتها فيما تقدم تقرِّر؛ أنّه لا قبول للصلاة وحدها دون التوحيد، فلو أنّ هذا الرجل كان يعبد الطاغوت أو ينصره أو يقبل غير الله مشرعاً وحكماً ويُظهر ذلك لماَ قبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام بالصلاة وحدها .
وأنصار القانون قد أظهروا تولي الشرك - القانون وأهله - وظاهروهم على الموحدين، وهذا ناقض ظاهر من نواقض الإسلام، فلم ينفعهم إظهارهم للصلاة مع تلبسهم بتلك النواقض ولم يغن ذلك عنهم شيئاً.
Comments
Post a Comment