هذا واقعهـــم فهل يعـــذرون بالجهـــل ؟!!
بواسطة شُــــــــــــبهات وردود
ــــــــــــــــــــــــــــ
إن هناك حقيقة مرة يحاول أصحاب العذر بالجهل أن يستخفوا بها ، ويتجنبوا الكلام عليها , ولكنا بإذن الله كاشفون عوارهم فيها وفاضحون تخبطهم في فهمها , وذلك أن القائلين بالعذر في هذا الواقع وهذا الزمان , لا يعذرون اليوم المشركين ممن انتسب إلى الإسلام بجهلهم كما يدعون , وإنما هم في الحقيقة يعذرونهم بإعراضهم عن العلم وهجرهم كتاب ربهم , هذه حقيقة يعلمها وينظرها بعيني رأسه كل مؤمن يرعى لله حُرمة , وهذه النقطة في واقع الأمر من النقاط الفاصلة بيننا وبينهم في فهم هذه القضية ـ قضية العذر بالجهل في الشرك الأكبر ـ وامتلاك التصور الصحيح لها في واقع مجتمعات اليوم بالذات , فكل ذي بصيرة ودين يعلم أن عامة المشركين ممن ينتسب إلى الإسلام في هذا الزمان إما يحيون كالبهائم والأنعام معرضين عن معرفة الحق , هاجرين لكتاب ربهم لا يعرفونه إلا كتميمة يعلقونها في سيارتهم أو تحفة أثرية في " صالوناتهم " أو طقوس للحزن عند النواح على الميت أو عرف دارج عند افتتاح حفل داعر أو زينة من زينات نوع من الأطعمة أو المشروبات التي هم في حقيقة أمرهم لا يعيشون إلا من أجلها كالبهائم والأنعام بل أضل سبيلاً .
انظروا الى هذا الذي شب وشاب قاطعاً عمره وزمانه في تعلم الشرائع الوضعية وأسسها ومصادرها واتجاهاتها والخلافات المذهبية بين هذا وذاك ، ونصوص الدستور ثم نصوص القانون المدني و الجنائي وغيرهما مما لو بذل معشاره في تعلم دين الله لصار فيه إماماً ، ثم هو بعدُ يأتي بالشرك الصراح فتجد من يقول لك إنه معذور له حجته !! .
انظروا إلى هذا الذي أفنى عمره ودهره في تعلم فنون الموسيقى ومدارسها وآلاتها والفوارق بين أنغامها ومقاماتها والدراسات المقارنة في الموسيقى الغربية والشرقية ، ورواد الاتجاهات في كل منهما والتاريخ الدقيق لمراحل تطورها وعلم الله ميسور لديه حيثما أراده وجده ، ولكنه أعرض واتبع هواه وكان أمره فرطا ، فيقع في الشرك المبين ضرورة من غير ما وعي منه كناتج طبيعي ، فتجد من يقول لك أنه معذور له حجته عند الله .
انظروا إلى هذا الذي قطع زمانه وسني عمره في دراسة الفكر الفلسفي الغربي ومذاهبه المختلفة وتاريخ تطور هذه المذاهب ومصادرها وطبيعة نشأتها وأهدافها وأصولها العامة والتفصيلية وأئمتها وروادها ، والدراسات المقارنة بين كل منهم وبيان نقاط الاتفاق والاختلاف ثم هو بعد أجهل من الدواب والأنعام في معرفة دين الله والحق المنزل وما يصير به العبد مسلماً وما يخرج به من الإسلام كأبسط فروض العلم الشرعي ، نابذاً كتاب الله وراء ظهره كأنه لا يعلم أو لا يراه ، ثم يسقط ضرورة في شرك أو كفر ، فتجد من يقول له عذره وحجته عند الله .
انظروا إلى هذا الذي قطع عمره وأفنى نفسه في دراسة اللغة العربية وآدابها وفنونها ومراحل تطورها ودراسة ديوان شعر العرب في الجاهلية وبعد الإسلام ، والدراسات المقارنة بين الهزليين وغيرهم ، والعذريين وابن أبي ربيعة ، والخلافات المذهبية بين أنصار الشعر التقليدي والشعر الحديث وحجج كل الفريقين ، والدراسات الدقيقة بين الأصوات العربية والأصوات اللاتينية والسريانية والعبرية والهناركية وغيرها ، لاهثاً وراء وظيفة حكومية مرموقة ، أو المكانة الاجتماعية والثقافية ، ثم هو بعد لا يعلم من دين الله إلا بعض الشكليات والشعائر ، وما يدري ما الكتاب ولا الإيمان فإذا ما وقع في سقطة كفر وشرك ، تجد من يقول لك إنه معذور له حجته عند الله !!
انظروا إلى هذا الذي شب وشاب عاملاً في الحقل السياسي ، بارعاً في كل كذبة،رائعاً في كل خديعة وتزوير،هائلاً في كل نفاق ورياء،غارقاً في الانتخابات البرلمانية صغيرها وكبيرها ، هي عمره وحياته ومبدؤه وغايته ، عالماً بأسس الدعاية ، ضليعاً في جمع المال على الدوام بكل سبيل من أجلها ، لاهثاً وراء المناصب الحزبية والسياسية والمقاعد البرلمانية ثم هو بعد لا يقدم لشرع الله معشار ما يقدمه في ضلاله ، وتجده يتفوه بأفحش الشرك ، وينادي بأقبح المعتقدات وأفسدها ، ويتلبس بأوضح صور نقض التوحيد ، فتجد من يقول لك إنه معذور له حجته .
انظروا إلى تلك المثقفة ، معرضة عن كتاب الله وهديه ونوره لاهثة وراء ثقافات الغرب وكتاباتهم ، وتقطع لها أحياناً البحار والوديان ، لتقف على مكنوناتها ، وتتتلمذ على روادها ، وتنهل من منابعها الأصيلة ، وتتقن لغتهم بأسرع ما يمكن ، ناظرة من علٍ إلى شريعة الله ، واسمة شعائر الحق بالجمود والرجعية ساقطة من شعر رأسها إلى أخمص قدميها في الضلال المبين ، فتجد من يقول لك إنها معذورة لها حجتها عند الله .
انظروا إلى عامة مشركي هذا الزمان ممن تيسر لديهم كتاب الله وكتب السنة وكتب التفسير وكتب علوم اللغة والأصول وغيرها من جوامع الفقه ، يصل إليها بأقل جهد وأبسطه مما لم يشهده زمان قبلهم بهذه الصورة ،
انظروا إليهم يجهلون أبسط حدود الله في معاني التوحيد ونواقضه ، وعامتهم يعبدون غير الله صراحة كما يقر مخالفونا ولا ينكرون ، انظروا إليهم بهذا الحال وهم معرضون عن النور والحق وهم بعد أبرع الناس في معرفة أدق قوانين الكرة والألعاب الرياضية وأنديتها وبطولاتها ، وترتيب منازلها في البطولات المختلفة ، فضلاً عن الإحاطة الهائلة بالأفلام السينمائية ومخرجيها وأبطالها وممثليها وتقصي أخبارهم ومواليدهم وتاريخهم الفني وأهم أعمالهم ، فضلاً عن الإلمام الكامل والمفصل ببرامج الإذاعة والتلفزيون ، ومواعيد الأفلام والتمثيليات ، ومباريات الكرة ، ذلك مبلغهم من العلم ، انظروا إليهم ثم اعجب ألف مرة لمن يقول لك : إنهم معذورون بجهلهم ،
فليت شعري أليست هذه الأصناف كلها هم من تلقاهم وتسمعهم كل يوم وتجري أحكام الله عليهم ، انظروا إليهم ودققوا النظر في حالهم ثم تأملوا قول الحق سبحانه وتعالى مبيناً صفة الراغب في الهدى الذي لو صح لأحد عذر لكان له، يصفه بقوله : وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (عبس :8-10 ) ، وتأملوا قوله سبحانه يصف قاصدي الرضوان والهدى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الكهف :28 )
ثم قارنوا بين هؤلاء المتقين وبين هؤلاء الفسقة المجرمين الذين مردوا على الكفر ، وأشرب الشرك في قلوبهم ، وانشغلوا بالدنيا ومفاتنها وشهواتها // ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ( النجم :30 )
أقول : إن الذي يجب أن يعرفه الناس جميعاً ، وأصحاب هذا الدين على وجه الخصوص ، أنه ليس من مقتضيات دين الله أن تدخل الآيات في أسماع الناس هم وقلوبهم كي تقام الحجة ، وإنما التكليف الشرعي ، هو تيسير هذا الهدى أمام الناس ، إبلاغ الحجة لهم وهي كتاب الله ، وهو ميسر بتقدير الله ورحمته ، ثم هم بعد ذلك صفان أمام معطيات هذه الحجة ، إما مقبل عليها راغب فيها حريص عليها لا يقدم عليها غيرها ، وإما معرض عنها هاجر لمصادرها مفتون بغيرها مهموم بدونها ، سواء أضله شياطين الإنس أم الجن أو فسق نفسه واتبع هواه . وكلا الصنفين قامت عليه الحجة ، هذه هي طبيعة منهج الدين في بيانه ، قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر (القمر :32 )
فأكثر الناس اليوم معرض عن الشريعة ، هاجر كتاب الله ودراسته وتعلمه كما قدمنا ، وكما يصف الله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (النساء :61-63)
نعم هذا هو حالهم وهذا هو موقفنا حيالَهم كذلك: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ويقول تعالى مبيناً حال من قدمنا بدقة
(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف :28 ) ،
ومن أعظم وأجل ما نصنع في هذه القضية من آيات الله قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إ ِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى (النجم :29-30)
أيها الناس : إنَّ بيان الله وهديه لهو أحق بالإتباع من عواطف الرجال وأهوائهم ورأيهم المجرد : لمن أراد أن يستقيم على السبيل أو يستقيم له الطريق أو يتضح له المنهج ،
قال تعالى : قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (المائدة :15-16)
يا قوم إننا أمام قضية قوم هجروا كتاب الله ، وتولوا عن الذكر وهو بين أيديهم ، وقصدوا الدنيا حتى أصبحت هي علمهم ودينهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
شُــــــــــــبهات وردود
Comments
Post a Comment