الدلائل والبراهين علي عدم إعـــذار المشـــركين


 
قال تعالى( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.)[الأعراف 172 – 174]

وهذه الآية من أعظم دلائل القرآن المجيد وأجلها , وذلك أنها أحكمت بيان القضية ثم فصلته في ذات الوقت ، فبينت إقامة الحجة بالأشهاد وأخذ الميثاق على التوحيد , ثم فصلت انقطاع العذر بهذه الحجة , سواء بالجهل أو التقليد في قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . - أي جاهلين –

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ - أي كانوا مقلدين - وحاصل الحالتين الجهل وعدم العلم , فأثبتت الآية ثبوت الحجة وقيامها على بني آدم بهذا الأشهاد , وانقطاع العذر بها كذلك .
ومن ثم علمنا أن كل بني آدم يولدون على هذه الفطرة وهذا الميثاق وهذا الدين , فإذا ما بدلوه ونقضوه علمنا شركهم يقيناً دونما التفاتٍ إلى جهل أو تقليد أو عناد وغير ذلك , وبهذا التفصيل والبيان قال سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : " كل مولود على الفطرة ـ وفي رواية على هذه الملة ـ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كالبهيمة تنتج بهيمة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " [متفق عليه ] .

فصح شركهم وإثبات هذا الحكم عليهم مع أنهم مقلدون لا يفقهون ولا يقدرون ولا يعلمون .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : " يخبر - تعالى- أنه أستخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم ، وأنه لا اله إلا هو ، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه… ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : - إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد
( وأخذ يدلل على رجحان هذا القول ). قالوا ومما يدل على أن المراد بهذا ( أي الإشهاد ) هو فطرهم على التوحيد أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك ، فلو كان قد وقع هذا ( أي الإشهاد الحقيقي والخروج من صلب آدم حقيقة لأخذ العهد والميثاق ) كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه . فان قيل :- إخبار الرسول به كاف في وجوده ،

فالجواب:- إن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءت به الرسل من هذا وغيره ، وهذا ( أي العهد والميثاق )جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه: الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ، ولهذا قال أَنْ تَقُولُوا أي لئلا تقولوا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا أي التوحيد غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا "

قال الطبري :-" يقول تعالى ذكره شَهِدْنَا عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم كي لا تقولوا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ: ¬ إنا كنا لا نعلم ذلك وكنا في غفلة منه أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ اتبعنا مناهجهم على جهل منا بالحق ." اهـ

قال القرطبي :"- قال الطرطوشي : - إن هذا العهد يلزم البشر وان كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه… وقال ابن عباس وأبي بن كعب : - قوله شهدنا هو من قول بني آدم ، والمعنى شهدنا أنك ربنا وإلهنا…. أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ بمعنى لست تفعل هذا ، ولا عذر للمقلد بالتوحيد . اهـ

وقال الشوكاني :- " … أي :- فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم ،و أو لمنع الخلو دون الجمع ، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين مِنْ قَبْلُ أي من قبل زماننا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ لا نهتدي إلى الحق ولا نعرف الصواب ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثار سلفنا : بين الله - سبحانه- في هذه ، الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة ، ويعتلّوا بهذه العلة الباطلة ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة." اهـ

وقال البغوي :-"…. فان قيل كيف تلزم الحجة على أحد لا يذكر الميثاق ؟ قيل :- قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا ، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزمته الحجة ، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة . قوله تعالى أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ يقول :- إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم ، أي كنا أتباعاً لهم فاقتدينا بهم . فتجعلوا هذا عذراً لأنفسكم وتقولوا :- أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين ؟ فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله - تعالى- بأخذ الميثاق على التوحيد وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ أي نبين الآيات ليتدبرها العباد وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى التوحيد . " اهـ
وقال ابن القيم: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقراراً تقوم عليهم به الحجة ، وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهم على ألسنة رسله ، كقوله تعالى : قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ (إبراهيم :10) … وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ(لقمان :25) ، قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (المؤمنون :84-85). ونظائر ذلك كثيرة ، يحتج عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده وألا يشركوا به شيئاً ، هذه طريقة القرآن ، ومن ذلك هذه الآية التي في (الأعراف) وهي قوله ( وإذ أخذ ربك …) ولهذا قال في آخرها ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين …) فاحتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره ، وألا يعتذروا إما بالغفلة عن الحق وإما بالتقليد في الباطل ، فان الضلال له سببان : - إما غفلة عن الحق وإما تقليد أهل الضلال ." وقال في ( ص 562) فهو سبحانه يقول :- أذكر حين أخذوا من أصلاب الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة مقرين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم ، فهذا الإقرار حجة عليهم يوم القيامة... ( أن تقولوا ) أي : كراهية أن تقولوا أو لئلا تقولوا ( إنا كنا عن هذا غافلين ) أي : عن هذا الإقرار لله بالربوبية ، وعلى نفوسنا بالعبودية ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) فذكر سبحانه لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد :- إحداهما أن يقولوا :- إنا كنا عن هذا غافلين ، فبين أن هذا علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته ، وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري وهو حجة على نفي التعطيل .
والثاني : - أن يقولوا :- ( إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) وهم آباؤنا المشركون : أي أفتعاقبنا بذنوب غيرنا ؟ فانه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم ووجدوا آباءهم مشركين وهم ذرية من بعدهم ، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم إذ كان هو الذي رباه ، ولهذا كان أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة ، ولم يكن في فِطَرهم وعقولهم ما يناقض ذلك ، قالوا : نحن معذورون وآباؤنا الذين أشركوا ، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم ، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم . فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم ، كان معهم ما يبين به بطلان هذا الشرك ، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم . فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية الفعلية السابقة لهذه العادة الطارئة ، وكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها ، وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول ، فانه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا . وهذا لا يناقض قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) فان الرسول يدعو إلى التوحيد ، ولكن الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع ( بياض في الأصل، والسياق يقتضي وضع ( وإلا ) لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن بأن الله ربهم ، ومعرفتهم أمر لازم لكل بني آدم ، به تقوم حجة الله في تصديق رسله ، فلا يمكن لأحد أن يقول يوم القيامة : إني كنت عن هذا غافلا ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له ، فلم يكن معذوراً في التعطيل والإشراك ، بل قام به ما يستحق به العذاب . ثم إن الله لكمال رحمته وإحسانه - لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسول إليه ، وان كان فاعلا لما يستحق به الذم والعقاب ، فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما :- إحداهما :- ما فطره وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره ، وحقه عليه لازم. والثاني :- إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله ، فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة ويقر على نفسه بأنه كان كافراً .كما قال تعالى :- ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) (الأنعام :130). فلم ينفذ عليه الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين ، وهذا غاية العدل. "
(أحكام أهل الذمة ج2 ص523 – 557)

وقال ابن تيمية :" الحمد لله،أما قوله :(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها،وهي فطرة الإسلام،وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال:( ألست بربكم قالوا بلى ( وهي:- السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة. فان حقيقة (الإسلام):- أن يستسلم لله لا لغيره،وهو معنى لا اله إلا الله.وقد ضرب رسول الله مثلا لذلك فقال:(كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟) بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن ، وأن العيب حادث طارئ . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : - قال رسول الله فيما يرويه عن الله) إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ) ( إلى أن قال ) ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل ،فان الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً،ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلماً.وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع :- هي فطرة الله التي فطر الناس عليها ." اهـ (مجموع الفتاوى ج4 ص 245)

أقول :ونحن نعلم يقيناً أن شرك جماهير اليهود والنصارى والمجوس إنما هو شرك جهل وتقليد , ولم يعذروا بذلك , وإنما أثبت حكم الشرك لهم , ولأن غير ذلك معناه إثبات حكم الإسلام والتوحيد لا محالة ،وهذا باطل جملة ومن حيث الأصل.
فصح أن من خرج من التوحيد وتلبس بالشرك , قد خرج من الدين الحق إلى دين الشرك ، جهل أو علم , عاند أو لم يعاند , قلد أو نظر وتأمل .
قال صلى الله عليه وسلم : » يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أ كنت تفتدي به ؟ قال ؛ فيقول ؛ نعم , فيقول له المولى :" قد أردت منك ما هو أهون من هذا , قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي «. رواه مسلم


قال تعالى (وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مّصِيبَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين)(القصص :47)

قال الطبري :"- يقول تعالى ذكره :- ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا محمد إليهم لو حل بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي :- ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك وآي كتابك الذي تنزله على رسولك ونكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا . لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم ، ولكنا بعثناك إليهم نذيراً على كفرهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ."

وقال ابن كثير :- " أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ."

وقال البغوي : " وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مّصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية ، رَبّنَا لَوْلآ هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي:- لعاجلناهم بالعقوبة . يعني :- لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم ، وقيل :- معناه لما بعثناك إليهم رسولاً ، ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ."

قلت : فهذه الآية الكريمة تبين أنه قبل البعثة والرسالة المحمدية كان وصف الشرك ثابتاً على من أشرك بالله ، ولكن قضية عذابهم على هذا الشرك تحتاج إلى إرسال الرسول وإقامة الحجة بالقرآن ليقطع عذرهم بالعذاب . ومع هذا فقد اتفق السلف على أنهم قبل إقامة الحجة مشركون كافرون غير مسلمين ، إلا أنهم لا يعذبون إلا بعد الحجة الرسالية على خلاف بينهم في هذا الأخير .


قال تعالى ( كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) البقرة:213

قال ابن كثير في التفسير :- " قال ابن جرير ... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :- كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .

قال:- وكذلك هي قراءة عبد الله ... الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض."

وقال ابن تيمية :- " وذلك أن الناس كانوا بعد آدم وقبل نوح على التوحيد والإخلاص كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان - بدعة من تلقاء أنفسهم - لم ينزل الله بها كتاباً ولا أرسل بها رسولاً ، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة ، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين ، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين ، وقوم على مذاهب أخر . وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون وعن سبيل الهدى ناكبون ، فابتعث الله نبيه نوحاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وينهاهم عن عبادة ما سواه وان زعموا أنهم يعبدونهم ليتقربوا بهم إلى الله زلفى ويتخذونهم شفعاء ."اهـ ( مجموعة التوحيد ج 28 ص 603-604)

وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب…. أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ." اهـ (فتح الباري ج8 ص 535)

انظر رحمني الله وإياك قول ابن عباس رضي الله عنهما أنها أي- الأصنام -لم تعبد في بادئ الأمر،وأن العلة في عبادتها:تنسخ العلم وانتشار الجهل ،وذلك لأن المشرك أينما كان يظن أن ما هو عليه من الديانة تقربه إلى الله زلفى،فكيف يتقرب العبد إلى الله بأمر يعتقد بطلانه؟وذلك لأن منبع ومبعث الشرك هو الاعتقاد،بخلاف المعصية فان منبعها ومبعثها الشهوة المحضة،فالزاني والسارق وشارب الخمر يعلم قبح وحرمة معصيته ولكن الشهوة العارمة تحمله على اقترافها بخلاف الذبح والنذر والدعاء والاستغاثة فإن الحامل على فعل هذه هو: الاعتقاد لا الشهوة.لذلك لن تجد عبداً يعلم قبح وحرمة الشرك وأنه يسوق صاحبه إلى الخلود في النار ويحرم عليه دخول الجنة ويحبط عمله بالكلية ثم يفعله بعد هذا قربة إلى الله.

قال تعالى ( وَلقدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ . أَن لاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ اللّهَ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (هود :25-26)

قال ابن كثير :- " يخبر الله تعالى عن نوح - وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه : - إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ أي:- ظاهر النزارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله ..... وقوله إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ أي :- إن استمرريتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذاباً أليماً موجعاً شاقاً في الدار الآخرة. " اهـ

وبهذا يظهر فقه ابن عباس رضي الله عنهما عندما علل وقت اقتراف الشرك في قوم نوح بتنسخ العلم ، فقال :- " فلم تعبد ( أي الأصنام ) حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ." فهؤلاء القوم كانوا بداية على التوحيد ومن نسل موحد ثم دب فيهم الشرك بنوع من الجهل والتأويل ، وتخرصاً وحسباناً أنه يقربهم إلى الله زلفى ، بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها من سلطان، فأصبحوا مشركين ، فعند هذا بعث الله إليهم نوحاً بشيراً ونذيراً ليقيم الحجة الموجبة للعذاب في الدارين لمن خالفها.

وما يقال في قوم نوح يقال في كل أمة بين رسولين ، لأن الرسل ترسل لأقوامهم- المشركين الجاهلين- بالإسلام،فيكفر بهم أكثر أقوامهم،ويؤمن لهم من وفقه الله للهداية ثم يفصل الله بينهم وبين أقوامهم،ويبقى الموحدون بعد هلاك الكفار بالرسالات ثم يمكثوا ما شاء الله لهم على التوحيد،حتى إذا تنسخ العلم لديهم دب فيهم الشرك وأتوا من قبل جهلهم وتخرصهم على ربهم بغير سلطان لديهم من الله،فعند هذا يبعث الله رسولاً ليخرجهم من الظلمات إلى النور،ومن الشرك إلى التوحيد،ومن الجهل إلى العلم ،ويتوعدهم بالعذاب في الدارين إن استمروا على شركهم وكفرهم بعد الحجة الرسالية .وهذا لقوله تعالى: رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُل ِ النساء :165.
ومن هذا يعلم :- أن اسم المشرك ثابت قبل بلوغ الرسالة ، أما العذاب في الدارين فلا يكون إلا بعدها.

قال ابن تيمية :- " وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه ....إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (هود :50 ) فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر. فإسم المشرك ثبت قبل الرسالة ، فانه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أنداداً قبل الرسالة ، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها ، وكذلك اسم الجهل والجاهلية ، يقال جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول أما التعذيب فلا ، والتولي عن الطاعة كقوله : فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى . وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (القيامة:31-32) فهذا لا يكون إلا بعد الرسول." اهـ (مجموع الفتاوي ج20 ص37)
 

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر