الانخلاع من الشرك شرط في تحقيق الإسلام


قال الله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). في سورتي [البقرة: 193]، و[الأنفال: 39].

قال ان كثير في آية الأنفال: .... وقال: الضحاك عن ابن عباس: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). يعني: لا يكون شرك. وكذا قال: أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: حتى لا تكون فتنة حتى لا يفتتن مسلم عن دينه. وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). قال: الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله، وقال: الحسن وقتادة وابن جريج: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك، ويُخلع ما دون من الأنداد. وقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). لا يكون مع دينكم كفر: ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله...". اهـ.

وقال البغوي في آية البقرة: (وَقَاتِلُوهُمْ). يعني: المشركين (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي: شرك. يعني: قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام، فإن أبى قتل (وَيَكُونَ الدِّينُ). أي: الطاعة والعبادة (لِلّه) وحده فلا يعبد شيء دونه... (فَإِنِ انتَهَوْاْ) عن الكفر وأسلموا (فَلاَ عُدْوَانَ). فلا سبيل (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ). قاله: ابن عباس اهـ.

وقال أيضاً في (آية الأنفال): (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي: شرك، قال الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). أي: ويكون الدين خالصاً لله لا شرك فيه (فَإِنِ انتَهَوْاْ). عن الكفر. (فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). اهـ.

وقال القرطبي في آية البقرة: فيه مسألتان:

الأولى: قوله –تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ). أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة. قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ). والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله –تعالى-: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وقال عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي كفر. فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر. قال: ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم. الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين...

الثانية: (فَإِنِ انتَهَوْاْ). أي عن الكفر إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب اهـ

قلت: فهل بعد هذا البيان من بيان؟ وهل بعد هذا البرهان من برهان؟ أن القرآن ينص على أن: القتال لا يرفع عن رؤوس المشركين إلا بانتهائهم وإقلاعهم وتبرئهم من كل ما يعبد من دون الله مع إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وأن الآية والحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". بنص السلف الصالح يدلان: على هذا المعنى لا كما فهم كثير من المتأخرين أن المقصد والغاية هو مجرد التلفظ بالشهادتين وإن لم تخرجهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى: الإيمان بالله وحده فيا لها من حجة ما أقطعها للمنازع.

العلم بقبح وحرمة الشرك شرط في التوبة منه:

ومن المعلوم بيقين أن الانخلاع من الشرك الذي نصت عليه الآيات أنه شرط في تخلية السبيل يسبقه العلم به وبقبحه حتى يتم البراءة منه.

قال ابن القيم: وعلى هذا الأمر العظيم (محبة الله) أسست الملة، ونصبت القبلة، وهو قطب رحى الخلق، والأمر الذي مدارهما عليه. ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم فإن محبة الشيء فرع عن الشعور به..
ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم ولا عُبد الله وحده وأُثنى عليه ومجد إلا بالعلم، ولا عرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم اهـ.مفتاح دار السعادة جـ1 ص87

وقال أيضاً: ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية". وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف: أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منهم أو دونه. فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه. ويعود المعروف: منكراً، والمنكر: معروفاً، والبدعة: سنة، والسنة: بدعة، ويكفّر الرجل: بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع: بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع .اهـ.
مدارج السالكين جـ1 ص351: 352

قلت: هذا كلام –بفضل الله- خبير بالشريعة ومقاصدها فكيف يتوب من الشرك من لا يعرفه ولا يعلم قبحه؟! وكيف يعبد الله من لا يعرف حد العبادة والتوحيد والطاعة له وحده لا شريك له؟! وهذا كما قال الشيخ –رحمه الله تعالى-: وما عبد الله وحده وأثنى عليه ومُجد إلا بالعلم.
_____________
شُــــــــــــبهات وردود

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر