الشرك في التشريع والحكم
بواسطة شُــــــــــــبهات وردود
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الشنقيطي :
قرأ هذا الحرف عامة السبعة ماعدا بن عامر (ولا يشرك)بالياء المثناة التحتية وضم الكاف على الخبر ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحدا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله تعالى والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والقضاء ما قضاه، وقرأه ابن عامر من السبعة (ولا تشرك) بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطَب أحدا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم.
وحكمه جل وعلا المذكور في قوله (ولا يشرك في حكمه أحدا) شامل لكل ما يقضيه جل وعلا ويدخل في ذلك التشريع دخولا أوليا.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات أخر، كقوله تعالى (إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه (وقوله تعالى (إن الحكم إلا لله عليه توكلت...)الآية، وقوله تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله...)الآية، وقوله تعالى (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يُشرَك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (وقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)، وقوله تعالى (له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون)، وقوله (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، وقوله تعالى (أفغير الله أبتغي حَكَما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) إلى غير ذلك من الآيات.
ويُفهَم من هذه الآيات كقوله (ولا يشرك في حكمه أحدا) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم.
وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم)، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا)، وقوله تعالى (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) أي ما يعبدون إلا شيطانا، أي وذلك باتباع تشريعه.
ولذا سمى الله تعالى الذين يُطاعُون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم...) الآية.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...)الآية، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا.
ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا).
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم.
ولما كان التشريع وجميع الأحكام شرعية كانت أو كونية قدرية من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة، كان كل من اتبع تشريعا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا، وأشركه مع الله...إلى آخر ما ذكره الشنقيطي رحمه الله ) أضواء البيان ، ج 7 / 136 - 137
ويبين رحمه الله بيانا لا يحتمل تأويلا أن من اتبع نظاما أو تشريعا غير الإسلام فهو كمن أشرك في العبادة مع الله: الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله وتشريعا غير تشريع الله كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد وكلاهما مشرك بالله.
وقال أيضا في تفسير قوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم...)الآية: ومن هدي القرآن للتي هي أقوم بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج من الملة الإسلامية.
ولما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم : الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم: قتلها الله، فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون إنه حرام ! فأنتم إذن أحسن من الله؟ فأنزل الله فيهم قوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)...
إلى أن قال رحمه الله:
فهو قَسَمٌ من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله(ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين)،
لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته، وقال تعالى (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) أي ما يعبدون إلا شيطانا، وذلك باتباعهم تشريعه.
وقال (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم...)الآية، فسماهم شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وقال عن خليله(يا أبت لا تعبد الشيطان...)الآية، أي بطاعته في الكفر والمعاصي.
ولما سأل عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا...)الآية، بين له أن معنى ذلك أنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم، والآيات بمثل هذا كثيرة.
والعجب ممن يحكم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام، كما قال تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِرُوا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) وقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقال (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين). اهـ
------------------------
شُــــــــــــبهات وردود
Comments
Post a Comment