((( فتح المنان في الرد على من أكفر المتوقف في مجهول الحال )))

بواسطة شمس الدين المصري
بسم الله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد : 

بالنسبة لمسألة حكم مجهول الحال ، وهي من المسائل التي ثار حولها الكثير من الجدال .. هل هي من أصل الدين والإيمان أم خارجة عنه ببرهان ؟ 

◄ وللجواب عن هذا يجب أن نتصور أولاً من هو المجهول، ولماذا سُمي مجهولاً، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وما حصل التخبط في الأحكام إلا بسبب فسادٍ في التصورات .. 

◄ ثم يكون الحكم بعد التصور بالرد إلى قاعدة جامعة مانعة نستطيع من خلالها التمييز بين ما هو من أصل دين وما هو من دونه ، والقاعدة الجامعة في هذا بالاتفاق هي ( شهادة أن لا إله إلا الله ) ، فهذه هي الفيصل في نزاع كل من تنازعوا في شئٍ هل هو من الأصل ( =أي منها )، أم من الفرع ( = أي خارج عن تلك القاعدة الجامعة)..

◄ وأنطلق الآن للجواب والبيان من جوهر وحقيقة هذه القاعدة ( شهادة أن لا إله إلا الله ) ببيان سريع لمعنى ( الشهادة ) ومتعلقاتها وما تفيده، كونها الأصل المتفق عليه بين الجميع، وكذا واضعها هو الله، وليس العقل، فالعقول تتباين، وليس الفهم فالأفهام تختلف ..

◄ فـ ( شهادة ) أن لا إله إلا الله هي شهادة الحق وهي قاعدة الإيمان، وهي أصل الدين ، ولا أصل غيره، فإن دخلت مسألتنا فيه ( = أي مسألة مجهول الحال) فهي من الأصل، وإن خرجت منه فإما برهان قطعي ممن أدخلها على أنها داخلة فيه، وإما أن يستقر على أنها خارجة عن الأصل أياً كانت درجتها ..

◄و (شهادة) أن لا إله إلا الله لابد فيها من العلم الجازم ، واليقين القاطع، بأنه لا إله إلا هو ،
← فالشهادة قد تكون عن شك، وقد تكون عن غالب ظن ، وقد تكون عن يقين قاطع،
◄والقدر الذي يحقق به المرء شهادة التوحيد هو الأخير أي العلم واليقين ،
فالشهادة هي الإقرار، وأشهد أي أقر وأقطع بعلمٍ ويقين وصدق أنه لا إله إلا الله ،
فشرط تحقيق الشهادة وقبولها هو العلم واليقين والصدق، والثلاثة من شروط لا إله إلا الله المجمع عليهم،

← قال تعالى :" إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "

← وقال أيضاً :" وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا "

← وقال :" شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "

فمن شهد هنا بوحدانيته هم أولو العلم، الذين أقروا باليقين والصدق بأنه لا إله إلا الله ،
وهذه الشهادة اليقينية مطلوب من العبد تحقيقها ليس في الإثبات وحسب ، بل وفي النفي كذلك ،
فتشهد بعلم ويقين في النفي أنه ( لا إله ) ، وهذا يقتضي منك الشهادة على متعلقات النفي الثلاثة ..

←1- تشهد بعلم ويقين بنفي وكفر الآلهة الباطلة،
←2- تشهد بعلم ويقين بنفي وكفر من عبدها ،
←3- تشهد بعلم ويقين بنفي الشرك والبراءة منه،

وبمثله في الإثبات ( = إلا الله ) تشهد بعلم ويقين ،
وبهذا تكون محققا للتوحيد وصح دينك الذي بُني على الشهادة،،،

◄فقد شهدت بكفر الطاغوت يقينا عالما ( أنه وقع في الطغيان)، وهذا لا يكون إلا في حق المعلوم ،

← فلا يعقل أن تشهد على مجهول حال أو شخص لا تعرفه بأنه طاغوت قطعاً!..

◄وبنفس اليقين والعلم تشهد على من تلبس بعبادة الطاغوت بالكفر والشرك، وهذا لا يكون أيضاً إلا في حق المعلوم،

← فلا يُعقل ثانيةً أن تشهد على شخص لا تعرفه أنه من جملة عبيد الطاغوت يقينا قطعاً بعلمٍ جازمٍ وصدق قاطع..

◄وبنفس اليقين تشهد بالبراءة من العبادة التي يصرفها العابد للمعبود( = الطاغوت )، وهذا لا يكون للمرة الثالثة إلا في حق عبادة معلومة ومعلوم لمن صُرفت،

←إذ لا يُعقل ثالثة أن تشهد بعلم جازم ويقين قاطع أنك برئ من عبادة شخص مجهول!، لا تعرف أصلاً أي عبادة يصرفها ولا نوعها ولا لمن صرفها، بل ولا تعرف أي طاغوتٍ يعبد،

◄ وإلا فنحن نسأل هذا الشخص الذي أكفر المجهول شاهداً عليه بيقين أنه عابد للطاغوت ..
← 1- ما هي العبادة التى صرفها هذا المجهول لغير الله والتي تبرأت أنت منها .. هل هي الدعاء أم الذبح أم التحاكم ؟

← 2- وما هو الطاغوت الذي يعبده هذا المجهول ..هل طاغوت القبور أم طاغوت القصور أم ماذا ؟

← 3- ومتى صرف هذه العبادة لغير الله هل اليوم أم أمس أم متى؟

فإن لم يجيب بيقين قاطع وعلم جازم فهو كاذب في شهادته ، ولا تصح شهادته هذه ، ولا هي داخلة في معنى لا إله إلا الله..

← 4- بل نسأله هل هناك احتمال أن هذا المجهول مسلم ولا نعرفه؟ ، فبالتأكيد سيقول نعم ، وهذا مما لم تختلف عليه الفرق المعاصرة جميعاً، فالجميع ( يقر) أنه يُحتمل أن يكون مسلم ولا نعرفه ..

← 5- وهنا نسأل كيف تقر ( = أي تشهد ) باحتمالية تحقيقه للإسلام ، ثم تقر ( وتشهد ) باليقين والقطع بأنه كافر غير محقق للإسلام بل هو عابد للطاغوت ؟!

◄ فما أفسدها من شهادة ، وما يجب إلا بطلانها وردها على صاحبها،

◄ فهذا كمن شهد أمام القاضي أن فلانا هذا قتل يقينا قطعا جزماً ، ثم يقول وهناك احتمال أنه لم يقتل !..
أرأيت شهادة أفسد من هذه ؟!..
◄ فكيف تشهد يقينا قطعا أنه قتل وكيف يحتمل عندك أنه لم يقتل؟..والاحتمال واليقين متضادان، فهل تجتمع الأضداد؟!

◄ ◄ ولا مفر أمام كل عاقل منصف إلا أن يعترف أن الشهادة على مجهول الحال هي من ضرب الشهادات الظنية لا اليقينية القطعية ،
وهذا الاعتراف في حد ذاته ما هو إلا اعتراف منه أن المسألة برمتها خارجة عن أصل الدين !
لأنه لما ثبت لدينا بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة أن الشهادة التي هي من أصل الدين هي شهادة ( العلم واليقين والصدق = شروط لا إله إلا الله المجمع عليهم ) ، فقد ثبت أيضا أن أي شهادة دون ذلك ستكون حتما ولابد خارجة عن أصل الدين .
◄فقد أخرج الشارع الشهادات الظنية أو القائمة على الشك أو حتى على غلبة الظن من أصل الدين عندما اعتبر أن الشهادة الوحيدة التي يتحقق بها أصل الدين (لا إله إلا الله) هي شهادة العلم واليقين الجازم،
فشهادتك اليقينية على فلان أنه طاغوت المبنية على العلم واليقين هي الداخلة في الأصل، أما شهادتك على فلان المجهول انه طاغوت ويحتمل أن لا يكون ( طاغوت ) ، أو أنه مشرك ويحتمل ألا يكون مشركاً ... فهذا ضرب من الشهادات الظنية التي تخرج عن الأصل ، إذ الشهادة المتعلقة بالأصل كما قدمنا شهادة الـ ( علم + واليقين + والصدق ) .

◄ ◄ فالعلم مراتب أربع :
1- علم مبني على (اليقين).
2- وعلم مبني على (غلبة الظن).
3- وعلم مبني على ( الظن أو الشك).
4-وعلم مبني على ( الوهم) وهو أفسد العلوم .

◄ يقول الشنقيطي :" مراتب العلم أربع وهي: الظن الفاسد، وغلبة الظن، واليقين، والشك". شرح زاد المستنقع .

← فالعلم المتعلق بلا إله إلا الله هو النوع الأول من العلوم هو العلم اليقيني قال تعالى :" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "،
أما بقية العلوم فهي خارجة عن الأصل وإن حصَّلها الإنسان بالظن أو حتى بغلبة الظن ..

← فإن كانت الشهادة بغلبة الظن من أصل الدين ، فهل من شهد على المشركين عابدي الأصنام بالكفر لكن بغلبة الظن تصح شهادته؟..أو هل تفيده حتى في شئ ؟ وهل يفيده علمه هذا ؟..أم أننا نقول له إن شهادتك وعلمك هذا لا يتحقق لك به أصل الدين حتى وإن اتفقت معنا في الحكم بتكفير فاعلي الشرك ..
◄ فكل شهادة ثبتت بغلبة الظن تخرج عن أصلنا ولا نعتبرها إلا فيما دون الأصل ..

◄ ◄وقد استدللنا على هذا بأقوى دليل وهو ( شهادة أن لا إله إلا الله ) وهي دليلنا على ما قدمتُ عاليه، بل وهو أكبر دليلٍ على من خالفنا .

◄ ◄ يقول الزركشي رحمه الله :" الِاسْتِقْرَاءُ وَهُوَ تَصَفُّحُ أُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِحُكْمِهَا عَلَى أَمْرٍ يَشْمَلُ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ . وَيَنْقَسِمُ إلَى : تَامٍّ ، وَنَاقِصٍ .
فَالتَّامُّ : إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي جُزْئِيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي الْكُلِّيِّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ .وَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ .
وَمِثَالُهُ : كُلُّ صَلَاةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَفْرُوضَةً أَوْ نَافِلَةً ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعَ الطَّهَارَةِ . فَكُلُّ صَلَاةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعَ طَهَارَةٍ . وَهُوَ يُفِيدُ الْقَطْعَ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ شَيْءٍ عَلَى التَّفْصِيلِ فَهُوَ لَا مَحَالَةَ ثَابِتٌ لِكُلِّ أَفْرَادِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ .
وَالاستقراء النَّاقِصُ : إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي كُلِّيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي أَكْثَرِ جُزْئِيَّاتِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى جَامِعٍ .
وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِ ( الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ ).
وَهَذَا النَّوْعُ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ الْغَالِبَ ، وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ .
لِاحْتِمَالِ تَخَلُّفِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ الْحُكْمِ ، كَمَا يُقَالُ : التِّمْسَاحُ يُحَرِّكُ الْفَكَّ الْأَعْلَى عِنْدَ الْمَضْغِ .
فَإِنَّهُ يُخَالِفُ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ فِي تَحْرِيكِهَا الْأَسْفَلَ .
وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمْنَا اتِّصَافَ أَغْلَبِ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ وَصْفَهُمْ بِالْكُفْرِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ جَمِيعَ مَنْ نُشَاهِدُهُ مِنْهُمْ كَذَلك ".اهـ البحر المحيط .

◄ ◄ فتأمل يا طالب الهدى قول الزركشي رحمه الله في أخر كلامه :" وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمْنَا اتِّصَافَ أَغْلَبِ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ وَصْفَهُمْ بِالْكُفْرِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ جَمِيعَ مَنْ نُشَاهِدُهُ مِنْهُمْ كَذَلك ".اهـ

← فقد أعتبر رحمه الله الشهادة والحكم على مجهول الحال من الشهادات بغالب الظن، ولم يجعلها من باب العلوم القطعية اليقينية كعلمك وشهادتك أن الله واحد باليقين لا بغلبة الظن ..وكشهادتك على كفر الطاغوت باليقين لا بغالب الظن ..
←فغالب الظن لا يفيدك هنا ولا يتحقق لك به أصل الديانة كما قدمنا أن الشهادات اليقينية هي المعتبرة في الأصل وما دونها فهو دون الأصل ..

◄ ◄ وهاهنا لافتة مهمة جدا لمن تأملها وهي أن الزركشي رحمه الله عندما حكم على المجهول بغالب الظن، وأدرج هذه الحكم تحت باب الاستقراء الناقص لا الاستقراء التام ..وهنا اللافتة ..هل عندما أدرج الزركشي رحمه الله الحكم على المجهول بغالب الظن تحت باب الاستقراء الناقص غير التام هل كان ذلك منه حكماً فقهياً أم حكماً عقائدياً ؟

← واترك الجواب للزركشي ذاته على هذا السؤال ..!!

◄ ◄ حيث يقول رحمه الله :" وَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى : " (الاستقراء) التَّامُّ يَصْلُحُ لِلْقَطْعِيَّاتِ، وَ (الاستقراء) غَيْرُ التَّامِّ لَا يُصْلَحُ إلَّا لِلْفِقْهِيَّاتِ ، لِأَنَّهُ مَهْمَا وُجِدَ الْأَكْثَرُ عَلَى نَمَطٍ ، غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ ." اهـ البحر المحيط .

← والحاصل أن الحكم على مجهول الحال في دار الكفر يندرج تحت الاستقراء الناقص الذي لا يصلح إلا في الفقهيات لا العقائديات كما نقل الزركشي! ...

◄ فهل الفقهيات صارت من أصل الدين في أخر الزمان يا طالب الحق المؤثر للنجا ؟

◄وهل الفقهيات التى لا يفقهها إلا الفقهاء! صارت عند مخالفونا مما لا يصح إيمان المرء إلا به ؟!

يا رب نستعيذ بك من الغلو والتشريع في دينك بالهوى ..

◄ ◄ ومن هنا كان حكم التبعية ضعيف جدا، بل في غاية الضعف، كونه خارج عن الأصل متعلق بالشهادات الظنية ،
وقد قرر جمعٌ غفير من العلماء ضعف هذا الحكم و ظنيته !

◄ 1- قال الإمام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي : «تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ» ا.هـ. كتاب فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب.

◄ 2- وقال أيضاً في كتاب الغرر البهية شرح البهجة الوردية.: « فَإِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ حَكَمَ بِكُفْرِهِ وَارْتَفَعَ مَا كُنَّا ظَنَنَّاهُ إذْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى»ا.هـ

◄  3- وجاء في فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب:« فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ تَبَيَّنَّا خِلَافَ مَا ظَنَنَّاهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ»ا.هـ.


◄ 4- جاء في الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع: «تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ»ا.هـ.

◄ 5- وجاء في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج : «(وَ) تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ وَحِينَئِذٍ (مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ) أَوْ مُعَاهَدٌ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ لَحِقَهُ)؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسْلِمِ النَّسَبُ (وَتَبِعَهُ فِي الْكُفْرِ) وَارْتَفَعَ مَا ظَنَنَّاهُ مِنْ إسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ حُكْمٌ بِالْيَدِ، وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ الْمُجَرَّدَةِ»ا.هـ.

◄ 6- وقال البجيرمي في كتاب تحفة الحبيب على شرح الخطيب:« تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ»ا.هـ

◄◄ قلتُ : وأنت كما ترى يا من تطلب الهدى تقديم العلماء للحكم بالسيما على الحكم بالتبعية، وتعليلهم لهذا أن تبعية الدار ضعيفة ، بل وصفها الغزالي رحمه الله بأنها في غاية الضعف..
◄والتوصيف هنا عائد على نفس ذات الأحكام ..فليتنبه القارئ!

← فهل يقال عن أحكام أصل الدين أنها في غاية الضعف ؟!!!

← وما حكم من يصف أحكام أصل الدين أنها في غاية الضعف؟!

فيا للعقول أين ذهبت، ويا للأفهام كيف جهلت :" شهادة الحق واليقين لا إله إلا رب العالمين ".

◄ ◄ وقد يسأل سائل ما سر تضعيف العلماء لحكم التبعية ؟؟؟

← وللجواب أقول: لأن هذا الحكم ( أعني حكم التبعية ) أتى بطريق الاستصحاب ، فمثلا الماء الذي علمنا طهارته يجوز استخدامه لدليل الطهارة ، والماء الذي علمنا فيه النجاسة أنزلنا عليه دليل المنع ، لكن الماء الذي لا نعلم طهارته من نجاسته وجهلنا حاله فما حكمه ؟ هنا يُعمل بدليل الاستصحاب للأصل ..وهذه هي عين مسألتنا .. استصحاب الأصل في الدار أو في الناس ( إما بكفر أو إسلام) لمجهول الحال .....إلا أن العمل بدليل الاستصحاب من أضعف ما يكون ..!!!...لذا قالوا بضعف حكم التبعية كونه مبني على دليل الاستصحاب ..ودليل الاستصحاب أصلاً ضعيف واهي ..

◄ 1- يقول بن القيم : "ومعلوم أن شهادة العدل رجلا كان أو امرأة أقوى من استصحاب الحال فإن استصحاب الحال من أضعف البينات". اهـ إعلام الموقعين.

◄ 2-يقول الإمام الأنباري : " اعلم أن استصحاب الحال من الأدلة المعتبرة …… واستصحاب الحال من أضعف الأدلة".اهـ كتاب الاعتراضات النحوية في منار الوقف و الابتداء.

◄ 3- يقول ابن تيمية: " التمسك بمجرد استصحاب حال العدم اضعف الادلة مطلقا" . اهـ مجموع الفتاوى .

◄ 4- يقول الشوكاني : " إن المفتي إذا سُئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة في الإجماع ثم في القياس فان لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال" . اهـ كتاب إرشاد الفحول .

← وعليه أقول إن استصحاب حكم الدار لمجهول الدين أو استصحاب حكم الأبوين للطفل من أضعف ما يكون ..ولعل هذا التوافق بين ضعف دليل الاستصحاب وبين وصف العلماء تبعية الدار بالضعف يوضح لنا سر توصيفهم لأحكام التبعية بالضعف.

← فكما قال الشوكاني أنه لا يصار إلى الاستصحاب إلا بعد ألا نجد دليلا من الكتاب، ثم لا نجد دليلا من السنة ، ثم لا نجد دليلا بالقياس ، حينها فقط نعمل بالاستصحاب ! ، وهذا سر ضعف حكم التبعية للدار كونه عمل بالاستصحاب ..!!

◄ والحاصل أن جعل أحكام التبعية مناطاً للكفر القطعي والإيمان القطعي لهو أكبر برهان على جهل القوم بحقيقة الإيمان والشرك ، بل والجهل بأصل الدين أصلاً! ، فإن كان مجهول الحال في دار الكفر كافر قطعًا لتبعيته لدار الكفر ، فما حكم هذا المجهول لو دخل دار الإسلام ؟
← إن قالوا هو مسلم قطعاً بالتبعية ..فكيف صار كافراً قطعاً ثم مسلماً قطعاً؟!
← فهل دخول دار الإسلام إسلام ؟
← وهل دخول دار الإسلام توبة من الكفر المخرج من الملة؟!
← وهب أن مجهول حال في دار الإسلام دخل دار الكفر هل يصير كافراً قطعاً لتبعيته للدار؟!
← فهل الخروج من دار الإسلام إلى دار الكفر هو كفر قطعي ؟!!

نسأل الله حسن الفهم وسلامة العقل .

(((((  شبهات وردود ))))) : ..

◄◄ ◄الشبهة الأولى :-

← وهي بخصوص كلام بعضهم أن حكم التبعية معلوم من الدين بالضرورة ..

←فأقول رداً على هذه الشبهة  أن الدين ينقسم إلى أربعة مراتب ..

◄ المرتبة الأولى :- أصل الدين، وهذه لا عذر فيها بالجهل ويكفر ناقضها قبل وبعد الحجة.

◄ المرتبة الثانية :- أصول الشرائع، ويندرج تحتها المعلوم من الدين بالضرورة والمتواتر ومواضع الإجماع ،وهذه لا يكفر المخالف لها إلا بعد قيام الحجة إن كان في عدم مظنة علم.

◄ المرتبة الثالثة :- أصول الاعتقاد ، ويندرج تحتها بعض مسائل الاعتقاد التى ثبتت بطريق الظن كمسألة رؤية الله في الآخرة وهذه لا يُكفر مخالفها ولكن يأثم ويُفسق.

◄ المرتبة الرابعة :- فروع الشريعة ومسائل الفقه ، والمخالف هنا لا يكفر ، بل وإن اجتهد وأخطأ فله أجر إن كان من أرباب الاجتهاد .

← فإن لم تكن أحكام التبعية من أصل الدين كما قررنا ماهية أصل الدين ووجوب خروج الشهادات الظنية منه،،، فتحت أي قسم يندرج حكم التبعية ؟

هل تحت المرتبة الثانية أم الثالثة أم الرابعة ؟

◄ والجواب كما قدمنا من كلام الزركشي أن الاستقراء الناقص الذي أدرج فيه العلماء مسألتنا هو من الفقهيات ، وهذا إن دل على شئ فيدل على أن أحكام التبعية من المسائل التى لا يكفر مخالفها بعد الحجة ، بل هي من جملة مسائل الفقه ..
وتأمل كلام العلماء في توصيفهم حكم التبعية بالضعف ،،،

◄فهل المعلوم من الدين ضرورة يتصف بالضعف ؟

ثم تأمل كلام العلماء في دليل الاستصحاب في أنه في غاية الضعف، لأننا لا نعمل به إلا عندما لا نجد دليلاً قاطعا لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع ..

◄فهل يقال في المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا دليل عليه إلا الاستصحاب ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا حتى إجماع ؟!

◄ ◄ وعلى أية حالة إن سلمنا جدلاً معهم أن حكم التبعية من المعلوم من الدين بالضرورة، فهذا يفيد أيضاً عدم كفر المتوقف في مجهول الحال!؛ لأن ما علمته بعد دخولك الدين بالضرورة لا يثبت إلا بالخبر المحض القاطع، ومثل هذا لا يكفر منكره إن كان في مظنة جهل .. ولا يختلف اثنان الآن أننا في زمن مظنة الجهل الطافح ، رُفع فيه العلم ، وانقرضت فيه العلماء، وانطمست فيه معالم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

◄ ◄ ◄ الشبهة الثانية :-

وهي حجة بعضهم في الاستدلال بهدى الرسول صلى الله عليه وسلم في الحكم على مجهول الحال بالكفر ! ..

◄ وللجواب عن هذه أقول:-

أن أفعال الرسول تنقسم إلى :

• أ- أفعال بحكم الطبيعة والجبلة : وهذه لا يشرع التأسي بها .

• ب- أفعال بحكم الشرع والوحي : وأقسامها :

☼ 1-  أفعال واجبة : ومخالفها كافر (إذا كانت من أصل الدين أو من إنكار المعلوم من الدين بالضرورة بعد الخبر في مظنة علم) ، وفاسق ( إذا كانت من غيره كسنن الاعتقاد).

☼ 2-  أفعال مستحبة : ومخالفها مكروه فعله غير آثم.

◄ وبناء على هذا التفصيل فلا يجوز حمل فعل الرسول على أحد هذه الأقسام إلا بدليلٍ خاص أو بقرينة ، وعليه : نقول مخالفة فعل الرسول هي خطأ بوجه عام ، ودرجة الخطأ وحكم المخطئ تكون بقدر هذا الخطأ ، وبحسب قوة الدليل المخالف له، هل هو ..
1_قطعي الثبوت قطعي الدلالة .
أم ..
2_قطعي الثبوت ظني الدلالة .
أم ..
2_ظني الثبوت قطعي الدلالة.
أم ..
4_ظني الثبوت ظني الدلالة .

◄ فنصوص التبعية (بالجملة) ليست قطعية الثبوت والدلالة، بل هي في غاية الضعف كما قدّمنا، وليست أحكامها من المعلوم من الدين بالضرورة أو متواترة ومنتشرة , وليست مجمعاً على تفاصيلها بين علماء المسلمين , كما أنها أقل قوة ودرجة من الحكم بالنص أو الدلالة، ويلغى حكمها عند وجود أحدهما مما يجعل اتجاه المتوقفين إلى حكم النص والدلالة له وجاهته. فهم يريدون الحكم الظاهري اليقيني وليس الظاهري الظني، وإن كان هذا مخالف للصواب في المسألة ، إلا أنه من الخطأ أيضاً أن يُقال بتكفيرهم حتى ولو بعد الحجة، فهذا يقال في شأن قواطع الشريعة وأصولها، وليس في مسائل الاستقراء الناقص التي هي من جملة الفقهيات كما قدّمنا من كلام الزركشي، فلكل مقامٍ مقال ..

◄ ◄ ◄وأختم : بأسئلة وإيرادات عملية ..

◄ 1 - كيف علم المخالف أن مجهول الحال لم يكفر بالطاغوت قطعاً ؟! هل لمجرد إقامته في دار الكفر؟ وهل مجرد الإقامة في دار الكفر كفر؟

◄ 2- كيف علم المخالف أن أطفال المشركين لم يكفروا بالطاغوت قطعاً؟ هل لمجرد ولادتهم لأبوين مشركين أم ماذا ؟!

← وإن كان لمجرد الولادة! ..فماذا يقولون في خلاف أهل العلم فيمن ولد لأبوين مشركين وجده مسلم ؟ ..فأين دليل التخصيص على أن هذه الحالة استثناء من أصل الدين عندهم وهو (الولادة لأبوين مشركين!) ، بالرغم من اشتراك هذه الحالة في نفس مناط الحكم عندهم وهو الولادة لأبوين مشركين ؟!

◄ 4- هل يستوي من عبد غير الله مع من لم نعرف عنه شئ ؟! وإن كان ذلك كذلك فما فائدة دعوة الناس إلى العبادة وترك الشرك ..فلتكن دعوتكم إلى تكفير كل من لا تعرفونه إذ لا فرق ساعتئذ بعابدٍ لغير الله وبين من لا نعرف حاله !!..وساعتها لا فائدة من شرح العبادة ومعنى الشرك وصنوفه وأنواع العبادة..فالجميع كافر من عبد ومن لم يعبد !!

◄ ◄ 5- هب أن مسلماً زوجته منتقبة ، دخل هو وزوجته (سنتر) كبير ، واختلطت زوجته بمجموعة من النساء المنتقبات بحيث لم يعد له قدرة على تمييزها من وسطهم ! ، فكيف سيكون حكمه على هذه المجموعة من النساء ؟! ، هل سيحكم عليهم بالكفر القطعي بحكم التبعية فرداً فرداً بما فيهم زوجته ؟! ، وهل إن شك في واحدةٍ منهم أنها زوجته لكبير الشبه القائم بينها وبين زوجته هل يكفر بذلك كونه شك في كفر الكافر المقطوع بكفره ؟! وهل بذلك صارت زوجته مرتدة؟! ، وما هو الكفر الذي فعلته ؟! ، وما هو مناط هذا الكفر ؟!، وهل انفسخ عقد النكاح الذي بينهم ؟! ، وكيف تدخل الإسلام ؟ ! ، وهل سيعقد عليها من جديدٍ إذا أسلمت؟!!


◄ هذا ما عندي من جوابٍ ، وهو موجز مختصر عمّا سألني عنه إخوة لي في الإيمان،

علماً بأني ما كتبته إلا لبيان الحق الذي أدين الله به،

 ◄ ◄ ◄وليس للرد عليه، أو أن أدخل به في نظار وجدال،

فالوقت ضيق، والجدال حباله لا تنتهي ..

و جزاكم الله خيراً،

وصلِّ اللهمّ على محمد الآمين، وصحبه والآل ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

وارضَ اللهم عنهم، وألحقنا بهم في الصابرين المتقين.

آمين آمين آمين .

كتبه: شمس الدين المصري .

1/11/2013م
27/12/1434هـ


إضافة للموضوع الأصلي :-




ليس كل الأدلة قطعية الدلالة فهناك قطعي الثبوت ظني الدلالة 

وظني الثبوت ظني الدلالة وأصلد الدين والتوحيد لا يأخذ الا من الأدلة قطعية الدلالة فغلبة الظن لا يستدل بها في العقائد فسواء كانت الأدلة التي تستدل بها بالتبعية او الاستقراء او السيرة فهي ليست قطعية الدلالة اما قاعدة تكفير من لم يكفر المشركين فهي في من فعل كفرآ فكيف حكمت علي مجهول الحال او الكافر بالتبعية انه فعل كفرآ كي تطبق عليه قاعدة من لم يكفر الكافر المقطوع بكفره ؟؟؟ 
- قال الإمام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي : «تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ» ا.هـ. كتاب فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب.


وقال أيضاً في كتاب الغرر البهية شرح البهجة الوردية.: « فَإِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ حَكَمَ بِكُفْرِهِ وَارْتَفَعَ مَا كُنَّا ظَنَنَّاهُ إذْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى»ا.هـ



وجاء في فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب:« فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ تَبَيَّنَّا خِلَافَ مَا ظَنَنَّاهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ»ا.هـ.

قال أبو إسحاق ألشاطبي: ( والظن المراد في الآية وفي الحديث أيضا غير ما زعموا وقد وجدنا له محال ثلاثة أحدها الظن في أصول الدين فإنه لا يغنى عند العلماء لاحتماله النقيض عند الظان بخلاف الظن في الفروع فإنه معمول به عند أهل الشريعة للدليل الدال على إعماله فكان الظن مذموما إلا ما تعلق منه بالفروع وهذا صحيح ذكره العلماء في الموضع والثاني أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح ولاشك أنه مذموم هنا لأنه من التحكم ولذلك اتبع في الآية بهوى النفس في قوله ) إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ( فكأنهم مالوا إلى امر بمجرد الغرض والهوى ولذلك أثبت ذمه بخلاف الظن الذي أثاره دليل فإنه غير مذموم في الجملة لأنه خارج عن اتباع الهوى ولذلك أثبت وعمل بمقتضاه حيث يليق 
العمل بمثله كالفروع.)الاعتصام ج 1 ص 235 .


قال ابن تيمية عليه رحمة الله مبينا أنواع النصوص من حيث الدلالة : هي منقسمة الى ما دلالته قطعية بان يكون قطعي السند والمتن وهو ما تيقنا أن رسول الله قاله وتيقنا انه أراد به تلك الصورة والى مادلالته ظاهرة غير قطعية فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علما وعملا وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة وانما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق أو الذي اتفقت على العمل به فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم وذهب طوائف من المتكلمين الى انه لا يفيده...اهـ مجموع الفتاوى 20-257




و قال محمد حبش : ومن أسباب اختلافهم تفاوت فهمهم للنصوص ودلالتها وذلك أن النصوص الشرعية لها دلالات قطعية ودلالات ظنية وهم لا يختلفون في قطعي الدلالة ولكنهم يختلفون في ظني الدلالة...اهـ شرح المعتمد 1- 30



قال السرخسي عليه رحمة الله : ولا خلاف أن أصل الدين كالتوحيد وصفات الله وإثبات النبوة لا يكون إلا بطريق يوجب العلم قطعا ولا يكون فيه شك ولا شبهة فكذلك فيما يكون من أمر الدين...اهـ أصول السرخسي 1-322



قال عبد الرحمن الجزيري : فإن العقائد لا تبنى إلا على الأدلة اليقينية...اهـ الفقه على المذاهب الأربعة 5-225 



قال القرطبي عليه رحمة الله :{ إن الظن لا يغني من الحق شيئا }أي من عذاب الله فالحق هو الله وقيل الحق هنا اليقين أي ليس الظن كاليقين وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد...اهـ تفسير القرطبي 8-309 



قال محمد عبد العظيم الزر قاني: أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية...اهـ مناهل العرفان 2-210



قال أبو إسحاق ألشاطبي: ( والظن المراد في الآية وفي الحديث أيضا غير ما زعموا وقد وجدنا له محال ثلاثةأحدها الظن في أصول الدين فإنه لا يغنى عند العلماء لاحتماله النقيض عند الظان بخلاف الظن في الفروع فإنه معمول به عند أهل الشريعة للدليل الدال على إعماله فكان الظن مذموما إلا ما تعلق منه بالفروع وهذا صحيح ذكره العلماء في الموضع والثاني أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح ولاشك أنه مذموم هنا لأنه من التحكم ولذلك اتبع في الآية بهوى النفس في قوله ) إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ( فكأنهم مالوا إلى امر بمجرد الغرض والهوى ولذلك أثبت ذمه بخلاف الظن الذي أثاره دليل فإنه غير مذموم في الجملة لأنه خارج عن أتباع الهوى ولذلك أثبت وعمل بمقتضاه حيث يليق 

العمل بمثله كالفروع.)الاعتصام ج 1 ص 235 .


قال ابن تيمية عليه رحمة الله مبينا أنواع النصوص من حيث الدلالة :هي منقسمة الى ما دلالته قطعية بان يكون قطعي السند والمتن وهو ما تيقنا أن رسول الله قاله وتيقنا انه أراد به تلك الصورة والى مادلالته ظاهرة غير قطعية فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علما وعملا وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة وانما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق أو الذي اتفقت على العمل به فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم وذهب طوائف من المتكلمين الى انه لا 

يفيده...اهـ مجموع الفتاوى 20-257


وقال صاحب أحمد إبراهيم ((محمد السلامي )) في جوابا على سؤال (اليماني ):

ما وصف أدلة أصل الدين عندك بشكل واضح.
أجاب : أدلة أصل الدين قطعية الدلالة والثبوت.


ويقول أبو الفضيل : أين قلت أن أدلة أصل الدين ظنية هذا تقوُّل علي؟

ويقول : وقد ظن البعض أني أقول أن الأدلة على أصل الدين ليست قطعية الثبوت قطعية الدلالة وأنا لم أقل هذا،وكل ما قلته أنه ليس كل ما هو من أصل الدين لابد أن يوجد عليه دليل منطوق 


من القرآن أو السنة قطعي الثبوت قطعي الدلالة. وأقصد بالدليل المنطوق أي الذي ينص على الشيء بلفظه .


وليس هذا مانعآ من العمل بغلبة الظن قال الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات في بداية ج3 ؛ في تقسيم الأدلة الظنية :
[ 1- الظني الذي يشهد له أصل قطعي ولا يعارضه أصل قطعي آخر، أو بعبارة أخرى ما كان حكماً جزئياً داخلاً تحت معنى كلي ، فهذا لا إشكال في اعتباره وعليه عامة أخبار الآحاد وعامة الأحكام الجزئية.
2- الظني الذي يشهد له أصل قطعي ويعارضه أصل قطعي آخر، فهو معتبر أيضا بناء على صحة تخصيص القواعد بعضها بعضا ..
3- الظني الذي لا يشهد له أصل قطعي ولا يعارضه أصلا قطعياً فمعمول به أيضا بناء على أن العملبالظني على الجملة ثابت في تفاصيل الشريعة ، وهذا فرد من أفرادها ، وهو وإن لم يكن موافقا لأصل فلا مخالفة فيه أيضا ...
4- الظني المعارض لأصل قطعي ، ولا يشهد له أصل قطعي آخر .. فمردود بلا إشكال . ] انتهى . أرجوا أن يكون الأمر قد أتضح وزالت عقدت عدم العمل بالظن مطلقاً .



يقول الإمام الكاسائي الحنفي رحمه الله في بدائع الصنائع :[..أما الأول فنقول الطرق التي يحكم بها الشخص مؤمناً ثلاثة : نص ودلالة وتبعية....]
ويقول أيضا في بدائع الصنائع ج1 : [ ولو وجد ميت أو قتيل في دار الإسلام فإن كان عليه سيما ( أي دلالة ) المسلمين يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وهذا ظاهر ، وإن لم يكن معه سيما المسلمين ففيه روايتان والصحيح أنه يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين لحصول غلبة الظن بكونه مسلماً بدلالة وهيدار الإسلام ، ولو وجد في دار الحرب ، فإن وجد معه سيما المسلمين يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بالإجماع وإن لم يكن مع سيماء المسلمين ففيه روايتان ، والصحيح أنه لايغسل ولايصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ، والحاصل أنه لا يشترط الجمع بين السيما ودليل المكان ، بل يعمل بالسيما وحده بالإجماع ، وهل يعمل بدليل المكان وحده فيه روايتان ، والصحيح أنه يعمل به لحصول غلبة الظن عنده ] إنتهى .



سؤال وجواب

إذا كانت هذه المسالة ليست من اصل الدين اذا التكفير بها سببه الرد والتكذيب فلايكفر الذي حكم بالاسلام ولا المتوقف قبل قيام الحجة وكلاهما يكفر بعدها هذا موطن اشكالي ارجوا الرد هدانا الله واياكم الي الحق وكذا ارجو النصح بقراءة كتاب يضبط هذه المسالة ان كان موجود .

الجواب : 

مسألة الحكم على الناس من اساسها لها تعلق بفهم ما هو اصل الدين وليست هي ركن في أصل الدين .
فأصل الدين _ الايمان بالله والكفر بالطاغوت _ قد تحققه وأنت في صحراء او غابة لا يوجد حولك أحد ولا تعرف غيرك احد ، ولكن أن خالطك أحد وعرفت أحواله من كفر و اسلام وجب عليك إثبات ما تحقق فيه بكسبه واختياره هذا الذي له علاقة بفهم اصل الدين ، فمن كان في صحراء وحيدا فمرّ عليه نفرٌ فلا يخلو حاله معهم من امور ثلاث
1_ إما نه يجهل دينهم ومعتقدهم ويجهل دارهم أيضاً .
2_ أو يعلم دينهم ومعتقدهم
3_ او يجهل دينهم ومعتقدهم ويعلم دارهم

فإن كان يجهل دينهم ودارهم كذلك فتوقف فيهم فهذا لا شيء عليه وغير مآخذ ولا إثم عليه .
وإن كان يعلم أنهم على كفر وشرك وانهم ما زالوا عليه فتوقف فيهم فهو إما جاهل في اصل الدين ابتداء أو هو مكذب جاحد لما كان علمه واقر به وفي كلا الحالين ليس بمسلم ولا موحد . وفي الحالة الأولى هو كافر جاهل وفي الثانية كافر مكذب جاحد .
وإن كان عرف أنهم من جهة دار كفر وشرك _ ولم يكن ظهر منهم هم على الخصوص أي نص أو دلالة أو قرينة تشير الى معتقدهم ودينهم الشركي _ فتوقف فيهم فأقصى ما يقال فيه أنه مخطيء ، وقيل بخطأه لأنه مخالف للقواعد الفقهية التي تقضي بإلحاقهم بحكم دارهم على غالب الظن فيهم . وقريب من خطأ هذا خطا من عطلوا العمل بغالب الظن في كثير من الأحكام الشرعية لتوهمهم أن العمل بغالب الظن في الأحكام الشرعية من قبيل الظن المنهي عنه في الشريعة ويستدلون بقوله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) .



وإذا كان يعني بالاستقراء التام؛ النتيجة التي لا تتخلف .. فهو لا شك أنه يُلزم بالتكفير، كأن تقول: كل من تطوع في الجيش الأمريكي فهو كافر .. للنتيجة المحتمة من هذا التطوع؛ وهي القتال مع الكافرين ضد المسلمين ..!


ومثاله كذلك قول نوح عليه السلام كما في قوله تعالى:) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ( فهذه نتيجة عرفها نوح عليه السلام من خلال عملية الاستقراء .. وهو أن الكافرين يتوارثون الكفر والعناد .. جيلاً عن جيل .. وكلما جاء جيل ربوه على الكفر والعناد .. وبعد أن خبرهم نوح عليه السلام من خلال أكثر من تسعمائة عام .. وخبر كفرهم وعنادهم .. بحيث يستحيل أن يسلم من شرهم وكفرهم مولود .. دعا بدعائه الوارد أعلاه ..!
أما إن كان الاستقراء ناقصاً؛ بحيث تكون النتائج ظنية ومحتملة .. فحينئذٍ لا يجوز أن يكون الاستقراء دليلاً مستقلاً على التكفير القطعي، ومثاله أن تقول: من جلس في هذا المجلس يُمكن أن يقع في الكفر لاحتمال حصول الاستهزاء والطعن بالدين .. ويمكن أن لا يكفر لاحتمال انتفاء الاستهزاء والطعن من الدين .. ولاحتمال الإنكار وتغيير المنكر ..

فحكم التبعية خبري، لا يعلم بالعقل ولا بالفطرة ، ولا هو من اصل الدين ولا يُفهم بفهم أصل الدين،
غاية الأمر طاعة الله المحضة وامتثال أمره في الوصف ..
ولولا الخبر ما علمناه وما فهمناه ..

وهذا بخلاف من قامت فيه موجبات الوصف، فاتصف بالوصف لتحقق علته فيه ..

*فالأول حكمه منشؤه الخبر المحض الذى لا يُعلم إلا بالشرع والذي قد يتصور فيه الجهل أو عدم بلوغ الخبر ..
والثاني صدر حكمه بمقضى حقيقة ما اتصف به من أقوال وأفعال معلوم حكمها بمقتضى العقل والفطرة ..

* الأول اتصف بالوصف ليس لأنه قام به موجبه ، بل لأنه غلب على ظننا انطباق هذا الوصف عليه ..
* الثاني اتصف بالوصف لتلبسه بموجبات وعلة الوصف ..وشتان الفرق ..

* الأول وصفه غير حقيقي بل هو تقديري .. راجع كلام العز بن عبد السلام .
* الثاني وصفه حقيقي .

* الأول يحتمل أن يكون مسلما لأن كفره أتى من جهة الخبر لا من جهة ما قام في ذاته من موجبات الوصف.
* الثاني لا يحتمل أن يكون مسلما ، لأن من قام به الوصف اشتق له اسم من جنس ما فعله .







والله أعلى وأعلم .

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر