تكفيـــر المشــركين من أصــل الديــن


يقول الله تعالي" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}الممتحنة 4

قال ابن كثير
-------------
(يَقُولُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِمُصَارَمَةِ الْكَافِرِينَ وَعَدَاوَتِهِمْ وَمُجَانَبَتِهِمْ وَالتَّبَرِّي مِنْهُمْ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} أَيْ: وَأَتْبَاعُهُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ} أَيْ: تَبَرَّأْنَا مِنْكُمْ {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} أَيْ: بِدِينِكُمْ وَطَرِيقِكُمْ، {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} يَعْنِي: وَقَدْ شُرعت الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ مِنَ الْآنِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، مَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ فَنَحْنُ أَبَدًا نَتَبَرَّأُ مِنْكُمْ وَنُبْغِضُكُمْ {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} أَيْ: إِلَى أَنْ تُوحدوا اللَّهَ فَتَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ)

قال الشوكاني
---------------
(فَقَالَ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، أَيْ: خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ تَقْتَدُونَ بِهَا، يُقَالُ: لِي بِهِ أُسْوَةٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ، أَيِ: اقْتِدَاءٌ، فَأَرْشَدَهُمْ سُبْحَانَهُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ إِسْوَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، وَأَصْلُ الْأُسْوَةِ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: الْقُدْوَةُ، وَيُقَالُ:
هُوَ أُسْوَتُكَ، أَيْ: مِثْلُكَ وَأَنْتَ مِثْلُهُ، وَقَوْلُهُ: «فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ» مُتَعَلِّقٌ بِأُسْوَةٍ، أَوْ بِحَسَنَةٍ، أَوْ هُوَ نَعْتٌ لِأُسْوَةٍ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي «حَسَنَةٍ» ، أَوْ خبر كان، «ولكم» لِلْبَيَانِ، «وَالَّذِينَ مَعَهُ» هُمْ أَصْحَابُهُ الْمُؤْمِنُونَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُ أَفَلَا تَأَسَّيْتَ يَا حَاطِبُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَتَتَبَرَّأَ مِنْ أَهْلِكَ كَمَا تَبْرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ؟! وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ هُوَ خَبَرُ كَانَ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أَيْ: وَقْتَ قولهم لقومهم الكفار إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ جَمْعُ بَرِيءٍ، مِثْلُ: شُرَكَاءَ وَشَرِيكٍ، وَظُرَفَاءَ وظريف. قرأ الجمهور: بُرَآؤُا بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَأَلِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، ككرماء في كريم. وقرأ عيسى ابن عُمَرَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ أَلِفٍ، كَكِرَامٍ فِي جَمْعِ كَرِيمٍ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ أَلِفٍ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهِيَ الْأَصْنَامُ كَفَرْنا بِكُمْ أَيْ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ، أَوْ بِدِينِكُمْ، أَوْ بِأَفْعَالِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً أَيْ: هَذَا دَأْبُنَا مَعَكُمْ مَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَتَتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ صَارَتْ تِلْكَ الْعَدَاوَةُ مُوَالَاةً وَالْبَغْضَاءُ مَحَبَّةً)

قال الطبري
------------
(وقوله: (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يقول: حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله، وعبدوا الطاغوت: أيها القوم إنا برآء منكم، ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.
وقوله: (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) يقول جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة: كفرنا بكم، أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقًّا، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة، حتى تؤمنوا بالله وحده، يقول: حتى تصدّقوا بالله وحده، فتوحدوه، وتفردوه بالعبادة.)

قال الواحدي في الوجيز
-------------------------
({قد كانت لكم أسوة حسنة} ائتمامٌ واقتداءٌ وطريقةٌ حسنةٌ {في إبراهيم والذين معه} من أصحابه إذ تبرَّؤوا من قومهم الكفَّار وعادوهم وقالوا لهم: {كفرنا بكم} أَيْ: أنكرناكم وقطعنا محبتكم وقوله:
{إلاَّ قول إبراهيم لأبيه} أَيْ: كانت لكم أسوةٌ فيهم ما خلا هذا فإنَه لا يجوز الاستغفار للمشركين ثمَّ أخبرنا أنَّهم قالوا يعني قوم إبراهيم: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}

قال صاحب (الهداية إلى بلوغ النهاية) :
----------------------------------------
(قال ابن زيد هم الأنبياء إذ قالوا لقومهم يعني الكفار: {إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ} أي: متبرئون منكم ومما تعبدون من دون الله من الأصنام.
{كَفَرْنَا بِكُمْ} أي: أنكرنا ما أنتم عليه من الكفر.
{وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء أَبَداً} أي: وظهرت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء على كفركم أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده فتفرده بالعبادة.)

قال السمعني في تفسيره
----------------------------
(قَوْله تَعَالَى: {قد كَانَت لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} أَي: قدوة حَسَنَة.
وَقَوله: {فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا} الْمَعْنى فِي الْكل: أَنه أَمرهم بِأَن تأسوا بإبراهيم فِي التبرؤ من الْمُشْركين وَترك الْمُوَالَاة مَعَهم.)

قال البغوي في تفسيره
--------------------------
(قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ، قُدْوَةٌ، حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ، من المشركين، إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ، جَمْعُ بَرِيءٍ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ، جَحَدْنَا وَأَنْكَرْنَا دِينَكُمْ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، يَأْمُرُ حَاطِبًا وَالْمُؤْمِنِينَ بِالِاقْتِدَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّبَرُّؤِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

قال الرازي في تفسيره
------------------------
(اعْلَمْ أَنَّ الْأُسْوَةَ مَا يُؤْتَسَى بِهِ مِثْلُ الْقُدْوَةِ لِمَا يُقْتَدَى بِهِ، يُقَالُ: هُوَ أُسْوَتُكَ، أَيْ أَنْتَ مِثْلُهُ وَهُوَ مِثْلُكُ، وَجَمْعُ الْأُسْوَةِ أُسًى، فَالْأُسْوَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُقْتَدَى بِهِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابَهُ تَبَرَّءُوا مِنْ قَوْمِهِمْ وعادوهم، وقالوا لهم: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ، وَأَمَرَ أَصْحَابِ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يأنسوا بِهِمْ وَبِقَوْلِهِمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُ أَفَلَا تَأَسَّيْتَ يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهل فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَهُوَ مُشْرِكٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نُهُوا أَنْ يَتَأَسَّوْا بِاسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: ائْتَسُوا بِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ كُلِّهِ إِلَّا فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ، وَقِيلَ: تَبَرَّءُوا مِنْ كُفَّارِ قَوْمِكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ أُسْوَةً حَسَنَةً فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ قَوْمِهِمْ، لَا فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأَبِيهِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَادَاهُمْ وَهَجَرَهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ لِأَبِيهِ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ،)

قال القرطبي
--------------
(قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ) لَمَّا نَهَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مولاة الْكُفَّارِ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ مِنْ سِيرَتِهِ التَّبَرُّؤَ مِنَ الْكُفَّارِ، أَيْ فَاقْتَدُوا بِهِ وَأْتَمُّوا، إِلَّا فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ. وَالْإِسْوَةُ وَالْأُسْوَةُ مَا يُتَأَسَّى بِهِ، مِثْلُ الْقِدْوَةِ وَالْقُدْوَةِ. وَيُقَالُ: هُوَ إِسْوَتُكَ، أَيْ مِثْلُكَ وَأَنْتَ مِثْلُهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ أُسْوَةٌ بِضَمِ الْهَمْزَةِ لُغَتَانِ. (وَالَّذِينَ مَعَهُ) يَعْنِي أَصْحَابَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ (إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ) الكفار (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أَيِ الأصنام. وبُرَآؤُا جمع برئ، مِثْلُ شَرِيكٍ وَشُرَكَاءَ، وَظَرِيفٍ وَظُرَفَاءَ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَلَى وَزْنِ فُعَلَاءَ. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ" بِرَاءُ" بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ، مِثْلُ قَصِيرٍ وَقِصَارٍ، وَطَوِيلٍ وَطِوَالٍ، وَظَرِيفٍ وَظِرَافٍ. وَيَجُوزُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ حَتَّى تَقُولَ: برا، وتنون. وقرى" براء" على الوصف بالمصدر. وقرى" بُرَاءُ" عَلَى إِبْدَالِ الضَّمِّ مِنَ الْكَسْرِ، كَرُخَالٍ وَرُبَابٍ «1». وَالْآيَةُ نَصٌّ فِي الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فِعْلِهِ. وَذَلِكَ يُصَحِّحُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. (كَفَرْنا بِكُمْ) أَيْ بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ. وَقِيلَ: أَيْ بِأَفْعَالِكُمْ وَكَذَبْنَاهَا وَأَنْكَرْنَا أَنْ تَكُونُوا عَلَى حَقٍّ. (وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً) أَيْ هَذَا دَأْبُنَا مَعَكُمْ مَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) فَحِينَئِذٍ تَنْقَلِبُ الْمُعَادَاةُ مُوَالَاةً)

قال الزمخشري في الكشاف :
--------------------------------
(وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، فأفصحوا عن محض الإخلاص. ومعنى كَفَرْنا بِكُمْ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء.)

يقول الشيخ حمد بن عتيق
----------------------------
في كتابه "سبيل النجاة والفكاك" عن قوله تَعَالى: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...}: (وها هنا نكتة بديعة وهي أن الله تَعَالى قدم البراءة من المشركين على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن الأول أهم من الثاني، فإنه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممن عبدها؛ لا يكون آتياً بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وهذا كقوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، الآية} [مريم: 48]، فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...} [مريم: 49]، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك باباً إلى عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلماً بذلك، إذ ترك دين جميع المرسلين)

قال السعدي في تفسيره
---------------------------
(قد كان لكم يا معشر المؤمنين {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، {فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي: إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله.
ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا} أي: ظهر وبان {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك {أَبَدًا} ما دمتم مستمرين على كفركم {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية، فلكم أيها المؤمنون أسوة [حسنة] في إبراهيم ومن معه في القيام بالإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء تعبدوا به لله وحده، )اهـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم. وهو الكفر بهم والإيمان بالله. وهي العداوة والبغضاء لا تنقطع حتى يؤمن القوم بالله وحده. وهي المفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تستبقي شيئا من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان. وفي هذا فصل الخطاب في مثل هذه التجربة التي يمر بها المؤمن في أي جيل. وفي قرار إبراهيم والذين معه أسوة لخلفائهم من المسلمين إلى يوم الدين.)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
شُــــــــــــبهات وردود

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر