أوَبعد هذا أيّها الجاهلون ,, بكفرٍ دون كفرٍ تقولون ؟!!


أوَبعد هذا أيّها الجاهلون ,, بكفرٍ دون كفرٍ تقولون ؟!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القول في قول ابن عباس - رضي الله عنه - : كفر دون كفر.

وما قيل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كفر دون كفر" لا يثبت عنه.
فقد رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/521) والحاكم في مستدركه (2/313) من طريق هشام بن حُجَير عن طاووس عن ابن عباس به.
وهشام ضعفه الإمام أحمد ويحي بن معين والعقيلي والمكي وابن حجر والذهبي وابن القطان. وجماعة، وقال علي بن المديني قرأت على يحي بن سعيد حدثنا ابن جريج عن هشام ابن حجير فقال يحي بن سعيد: خليق أن أدعه، قلت: أضربُ على حديثه؟ قال: نعم. وقال ابن عيينة: لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره.
وهذا تفرد به هشام وزيادة على ذلك فقد خالف غيره من الثقات: فذكره عبد الله بن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ" قال: "هي كفر"، وفي لفظ: "هي به كفر"، وآخر: "كفى به كُفْره"، رواه عبدالرزاق في تفسيره (1/191) وابن جرير (6/256) ووكيع في أخبار القضاة (1/ 41) وغيرهم بسند صحيح.
وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد.

وطريق هشام بن حجير منكر من وجهين:
--------------------------------------
الوجه الأول: تفرد هشام به.
الوجه الثاني: مخالفته من هو أوثق منه.

وقوله: "هي كفر" واللفظ الآخر: "هي به كفر" يريد أن الآية على إطلاقها والأصل في الكفر إذا عُرّف باللام أنه الكفر الأكبر كما قرر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في الاقتضاء [1/208] إلا إذا قيد أو جاءت قرينة تصرفه عن ذلك". اهـ.
رواية عن إبن عباس أصح من رواية كفر دون كفر.
روى ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم كافرون )قال ابن عباس (هي به كفر), (كفى به كفر ) و(هو كفر) .انتهى كلامه - حفظه الله - .
هذا وعلى فرض صحّة رواية ابن عبّاس – رضي الله عنه -،
فقد قال شيخ الإسلام – رحمه الله - : قيل : المؤمن الذي يُحبّ الله ورسوله ليس على الإطلاق بكافر ولا منافق وإنْ كانت له ذنوب كثيرة، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنعمان وقد جُلد في الخمر غير مرّة : [ إنه يحب الله ورسوله ]، لأنّ مُطلق المُجادة يقتضي مُطلق المقاطعة والمصارمة والمعاداة، والمؤمن ليس كذلك، لكن قد يقع اسم النفاق على من أتى بشعبة من شعبه ولهذا قالوا : [ كفر دون كفر ]، و[ ظلم دون ظلم ] و[ فسق دون فسق ] .
[ كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول : 2- 28 ] .
وقال أيضاً - رحمه الله - : .... والنفاق يُطلق على النفاق الأكبر، الذي هو إضمار الكفر؛ وعلى النفاق الأصغر؛ الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات .
قال له ابن المرحل : ومن أين قلت : إن الإسم يُطلق على هذا وعلى هذا ؟
قال الشيخ تقي الدين : هذا مشهور عند العلماء . وبذلك فسروا قول النبي صلى الله عليه وسلم " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " وقد ذكر ذلك الترمذي وغيره . وحكوه عن العلماء .
وقال غير واحد من السلف " كفر دون كفر، و نفاق دون نفاق، وشرك دون شرك " [مجموع الفتاوى ( البازية المُعدّلة ) : 11- 140 ] .
وقال أيضاً - رحمه الله – عندما سأله ابن المرحل : كيف تجعل النفاق اسم جنس وقد جعلته لفظا مشتركا، وإذا كان اسم جنس كان متواطئا والأسماء المتواطئة غير المشتركة فكيف تجعله مشتركا متواطئا ؟
قال الشيخ تقي الدين : أنا لم أذكر أنه مشترك وإنما قلت يطلق على هذا وعلى هذا والإطلاق أعم ثم لو قلت إنه مشترك لكان الكلام صحيحا فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ وبطريق الاشتراك فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية تارة بطريق الاشتراك وتارة بطريق التواطؤ كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن عند قوم باعتبار الاشتراك وعند قوم باعتبار التواطؤ ولهذا سمي مشككا .
قال ابن المرحل :كيف يكون هذا وأخذ في كلام لا يحسن ذكره ؟
قال له الشيخ تقي الدين : المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز واللفظ يطلق على كل منهما فقد يطلق عليهما باعتبار ما به تمتاز كل ماهية عن الأخرى فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظي وقد يكون مطلقا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين فيكون لفظا متواطئا
قلت : ثم إنه في اللغة يكون موضوعا للقدر المشترك ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله في هذا تارة وفي هذا تارة فيبقى دالا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز وقد يكون قرينة مثل لام التعريف أو الإضافة تكون هي الدالة على ما به الامتياز . انتهى من [مجموع الفتاوى ( البازية المُعدّلة ) : 11- 141 ] .
قلتُ – أي العبدُ الفقير - : وبعد هذا، إن ذهب أحدُ الجهلة، يتقوّل على شيخ الإسلام ابن تيمية بأنّه يرى قول ابن عبّاس – رضي الله عنه –: كفر دون كفر، يتحقّق في قوله تعالى :
{ ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرونْ }، فقد افترى على شيخ الإسلام – رحمه الله – بأعظم فِرية .
وإليك أقوال بعض أهل العلم من السلف في حُكمِ من لم يحكم بما أنزل الله تعالى،
ومِن ضِمنها، أقوالاً لشيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيّم - رحمهم الله تعالى – فتأملها جيّداً يا - رعاك الله - .
قال الحسن: "من حكم بغير حكم الله فحُكْم الجاهلية " .
وقال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره : (وقوله تعالى: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ يُنكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستندٍ من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدّمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحَكَّم سواه في قليل ولا كثير قال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون ﴿ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء...) [ تفسير ابن كثير : 2- 85 ] .
قال الله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:36].
جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله قوله : (فهذهِ الآية عامّةٌ في جميعِ الأمور، وذلكَ أنه إذا حكمَ اللهُ ورسولُه بشيءٍ فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا، ولا رأي ولا قول كما قال تبارك وتعالى ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النساء:65]، ولهذا شدَّدَ في خلافِ ذلك فقال ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:36]، وقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63] ) اهـ.

وذكر ابن حزم الإجماع في كُفْرِ من حكم بحكم الجاهلية بقوله : ( ...لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ أنَّ من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنصّ عليه وحيٌ في شريعة الإسلام, فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام ) .

قال الإمام إسحاق بن راهويه : (أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم ،أو دفع شيئاً مما أنزل الله عز وجل،أو قتل نبياً من أنبياء الله عز وجل، أنه كافر بذلك،وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله.

وقال ابن تيمية رحمه الله : ( والإنسان متى حَلّل الحرام المُجمع عليه، أو حرَّم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه، كان كافراً باتفاق الفقهاء)
[ مجموع الفتاوى : 3- 267 ].

وقال أيضا : (ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر( [ منهاج السنّة النبوية : 5- 131 ].

وقال أيضاً : (نُسَخُ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر )،
[ مجموع الفتاوى : 35- 200 ] .

وقال أيضا : (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين, وباتفاق جميع المسلمين, أن مَن سَوّغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, فهو كافر وهو ككُفر مَن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب كما قال تعالى ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذاباً مهينا﴾. [ مجموع الفتاوى : 28- 524 ].
وقال كذلك : الشرع المنزّل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنةالذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحدٍ من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر)
[ مجموع الفتاوى : 11- 262 ].

وقال : ( ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك؛ إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك؛ تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾؛ فيجب على المسلمين أن يحكَّموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم...) [مجموع الفتاوى ( الباز المعدّلة) 35 – 401 ].

قال ابن القيم : (وقد جاء القرآن، وصحّ الإجماع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان قبله,وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل، ولم يتبع القرآن فإنه كافر , وقد أبطل الله كل شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل،وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلام، فلا حرام إلا ما حرّمه الإسلام، ولا فرض إلا ما أوجبه الإسلام )
[ أحكام أهل الذمّة : 1- 533 ].

وذكر الإجماع كذلك من العلماء المتأخرين الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله حيث قال : (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور, أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه, مخالفةً لِما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليه وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم ) .
وقال أيضاً: (ومن هدي القرآن للتي هي أقوم بيانه أن كل من اتبع تشريعاً غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفرٌ بواحٌ مخرجٌ من الملة الإسلامية ) .
_______________
شُــــــــــــبهات وردود

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر