شبهات وردود حول تكفير ساب الدين والرســول
السلام عليكم ورحمة الله.
سمعت لبعض المشايخ المنتسبين للسلفية محاضرة ذكر فيها؛لما سُئل عن قضية سب الدين أو الرسول قال؛ هناك حوادث أعيان مثل حادثة محمد بن مسلمة حيث شتم الرسول صلى الله عليه وسلم وقصة ابراهيم عليه السلام لما قال للشمس؛ هذا ربي، فيقول بأن هذا القول ظاهره كفر وكذا إلقاء موسى للألواح، وهذا فعل ظاهره الكفر، وذكر قول الحواريين لعيسى عليه السلام في قصة المائدة.
واستدل بكل هذه الحوادث على أن كل من سب الدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن يتبين حاله ولا ينبغي المبادرة إلى تكفيره.
فما قول الشيخ في هذا أفيدونا أفادكم الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الأخ الفاضل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخي الكريم:
ما ذكره الشيخ المذكور من حوادث أعيان لا يقدح في هذا الأصل ولا يعكر عليه عند التحقيق ولا دخل له من قريب أو بعيد بشتم الرسول صراحة؛ المجمع على كفر قائله.بل وكفر من عذره اوتوقف فيه
فقصة محمد بن مسلمة لما قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود:
ليس فيها ما زعمه الشيخ المذكور من سب للرسول، ولكنه كان قد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بأن يقول في حقه شيئا يخادع به الطاغوت فأذن له بذلك؛ وعليه فلو كان ما قاله بالفعل سب صريح للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان في ذلك حجة لأحد بعد إذن النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه عن خصوص حقه، إذ يجوز له صلى الله عليه وسلم أن يأذن ويتسامح ويعفو عما كان حقا له مندرجا تحت حقوق العباد أو يترجح حقه فيه، أما أمته فلا يجوز لها أن تتنازل أو تعفو عن حقه.
فكيف والصحيح أن محمد بن مسلمة لم يتفوه بمسبة للنبي صلى الله عليه وسلم أو طعن فيه؛ بل كل ما قاله لا يعدو كونه تورية وتعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم - استأذنه به - يوهم أنه ليس على وئام معه وأنه يعاني من تكاليفه، وليس فيه قدح صريح به صلى الله عليه وسلم.
فالثابت أنه قال كما في صحيح البخاري: (إنّ هذا الرجل قد سألنا الصدقة وإنه قد عنّانا)، فهذا ليس بقدح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو رجل كما أن سائر الأنبياء رجال، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم}، وكونه صلى الله عليه وسلم أراد منهم فريضة الصدقة، فهذا حق محض، وهي مما عنانا الله به، أي كلفنا به مع سائر التكاليف، ووصف التكاليف بذلك ليس بكفر فإن من التكاليف ما فيه عناء ومشقة يكرهها الإنسان، كما قال تعالى: {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم}.
ومثل ذلك يقال أيضا في رواية ابن سعد - إن صحت - ولفظها: (كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء)، فهذا حق وقد فسره في الرواية بقوله: (حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة)، ففي الحديث القدسي: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)، فأين الشتم في هذا كله حتى ينتهض ويصلح ما استدل به الشيخ المذكور؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما قصة ابراهيم عليه السلام لما قال عن الشمس؛ هذا ربي:
فالصحيح اللائق بإمام الحنفاء أنه إنما قاله على وجه المناظرة والتنزل للخصم لاستدراجه ومن ثم بيان سفه قوله وزعمه، فمعلوم أن قومه كانوا يعبدون الكواكب، فيكون المعنى "هذا ربي"؛ فهلم ننظر هل يستحق الربوبية؟ وهل يقوم لنا دليل على ذلك؟ كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين.
أوكما قال بعضهم أنه قال: هذا ربي على قولكم فانظروا كيف يأفل، لأنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر مع الأصنام، ونظير هذا قوله تعالى: {أين شركائي}؟ وهو جل وعلا واحد لاشريك له؛ والمعنى أين شركائي على قولكم؟
أما أن يؤول ذلك ويفسر على أن إبراهيم تدرج في عبادة غير الله أو في اعتقاد الربوبية لغير الله وهو إمام الحنفاء!! فمحال؛ كيف وقد آتاه الله رشده من قبل؟ وأراه ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين، وقال جل وعلا عنه: {إذ جاء ربه بقلب سليم}، أي لم يشرك به قط، كما ذكر القرطبي وغيره، وقد ذكر الله ذلك صراحة عن إبراهيم عليه السلام فوصفه تعالى في عدة آيات بقوله:
{وما كان من المشركين}.
يقول الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان: (ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما، وأما كونه جازما موقنا بعدم ربوبية غير الله، فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي...} إلى آخره "بالفاء" على قوله: {وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}، فدل على أنه قال ذلك موقنا مناظرا ومحاجا لهم، كما دل عليه قوله تعالى: {وحاجه قومه... الآية}، وقوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه... الآية}
والعلم عند الله تعالى) أهـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما إلقاء موسى للألواح عندما رجع إلى قومه غضبا إذ رآهم يعبدون العجل:
فهذا لا يدل عل ما ذهب إليه الشيخ المذكور، لأن إلقاء الألواح قد يكون بإنزالها من يديه ووضعها جانبا للإقبال على أخيه وأخذه من رأسه ولحيته، دون أن يكون بذلك الإلقاء استخفاف أو إهانة أو تحقير؛ وهي الصورة والهيئة التي يكفر بها ملقي كتاب الله، أما من ألقاه؛ بمعنى أن خلاه ووضعه جانبا دون استخفاف به فلا يكفر قطعا، وقد قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ}، فدل على أن من الإلقاء للكتاب ما هو على سبيل الاكرام لا على سبيل الاستخفاف والتحقير.
وهذا هو الأصل في الأنبياء وأفعالهم لا ما يحاول أن يلصقه بهم من لا خلاق له من دعوى إلقائه على وجه الاستخفاف والاهانة، كي يصلح لهم بعد ذلك الاستدلال به في إعذار الطاعنين في الدين من الشانئين للكتاب والمرتدين والملحدين.
وكذا لو ألقاه وهو ذاهل عن كونه كتاب الله أو ناس من شدة الغضب؛ فهذا من باب انتفاء القصد الذي هو من موانع التكفير بالاتفاق.
فالمحتج بمثل هذه الحادثة على ما ذكره الشيخ المذكور يجب عليه أولا أن يثبت أن موسى ألقى الألواح على جهة الاستهانة بها أو الاستخفاف والتحقير، ودون ذلك خرط القتاد، فإن الله لم يذكر غير الالقاء المجرد؛ ودل السياق على أن ذلك صدر منه حال الغضب لدين الله والحمية له والغيرة على محارمه، فكيف يكون ذلك استهانة بكتابه؟!
قال الآلوسي في روح المعاني: (إن موسى عليه السلام لما رأى من قومه ما رأى؛ غضب غضبا شديدا حمية للدين وغيرة من الشرك برب العالمين فعجل في وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه، فعبر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعا لفعل قومه، حيث كانت معاينته سببا لذلك وداعيا إليه، مع ما فيه من الإشارة إلى شدة غيرته وفرط حميته، وليس في ذلك ما يتوهم منه نوع إهانة لكتاب الله تعالى بوجه من الوجوه) أهـ.
ــــــــــــــــــــــــ
أما قول الحواريين لعيسى عليه السلام في قصة المائدة {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}:
فليس هو على ما ذهب إليه الشيخ المذكور وغيره من أن الحواريين في مقالتهم هذه شكّوا في قدرة الله ومع هذا لم يكفروا؛ وأرادوا بهذه الدعوى إعذار الكفار والمرتدين بل والمحاربين في كفرهم المغلظ وردتهم الصريحة وشتمهم للدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم!!
ومع التنزل لهم في هذا القياس الفاسد ذي الفوارق العديدة والمتشعبة؛ نسأل: هل يعقل أن يجهل خاصة الأنبياء وخلصاؤهم أعظم صفات الرب جل وعلا ألا وهي القدرة على كل شيء؟! كيف وقد عاينوا من المعجزات الباهرة ما هو أعظم؟! فعاينوا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على يدي نبيه عليه السلام، فهل يعقل بعد هذا أن يشكوا في قدرة الله على انزال مائدة من الطعام عليهم؟!
يقول القرطبي في تفسيره: (إن الحواريين خلصاء الأنبياء، ودخلاؤهم وأنصارهم، كما قال تعالى: {نحن أنصار الله}، ومعلوم أن أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم؛جاؤوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليهم، وأن يبلغوا ذلك أممهم؛ فكيف يخفى ذلك على باطنهم، واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى) أهـ.
وعليه؛ فالصحيح أن قول الحواريين لم يخرج مخرج الشك في قدرة الله تعالى، وإنما هو كما ذكر أهل التفسير في حملهم معنى الآية على إحدى روايتيها؛ وكلاهما خرجتا بمعنى بعيد كل البعد عما ذهب إليه الشيخ المذكور، فقراءة الكسائي وهي قراءة علي بن أبي طالب وعائشة ومعاذ وابن عباس وجماعة من الصحابة بلفظ؛ "هل تستطيع" بالتاء، أي: هل تستطيع يا نبي الله أن تدعو ربك، والثانية القراءة المعروفة بالياء ومعناها: هل يجيبك ربك إن سألته؟ وهي لغة مستعملة عند العرب تقول: هل تستطيع أن تأتيني الليلة أو هل تقدر أن تأتيني؛ أي: هل تلبي طلبي وتجيبني فتأتيني.
ولعل من هذا القبيل قوله تعالى: {وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}، فقد كانت لهم أسماع وآذان يسمعون بها الخطاب، ولكنهم لم يكونوا يستمعون سماع قبول واستجابة، فمعنى {لا يستطيعون سمعا}؛ أي لا يريدون ذلك ولا يقبلونه ولا يطيقون سماعه.
والله تعالى أعلم.
وراجع كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، فإنه يوزن بالذهب.
واحمد إلهك أن عافاك مما ابتلي به المشركون المجادلون عن شاتمي الدين والرسول صلى الله عليه وسلم، وتأمل كيف أزرى القوم بأنفسهم حين تتبعوا مثل هذه الحوادث حيث أرادوا بها الترقيع لشاتمي الدين والرسول، فلم يجدوا وسيلة إلا اتهام أنبياء الله بالاستخفاف بكلامه وكتبه أو الاشراك بربوبيته!! أو اتهام خواص أصحاب الأنبياء بالشك في قدرة الله تعالى!! أو اتهام أصحاب خاتم الأنبياء والمرسلين بشتم الرسول صلى الله عليه وسلم!! وهم الذين بكى بعضهم وخاف على نفسه حبوط أعماله بالكفر؛ لكون صوتهم عال وجهوري يوم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ}.
واعلم أخيرا:
ـــــــــــــــــ
أن العبرة ليست فقط بالتعريفات ودعاوى الانتساب إلى السلفية؛ فإن أكثر من نخالفهم من مرجئة زماننا بل ونكفرهم يُعرفون الإيمان تعريفا صحيحا كتعريف، وإنما يحصل التخبط عندهم في التطبيق العملي المقابل واللازم لتعريف الايمان عند أهل السنة، وأعني بذلك أحكام التكفير؛ حيث يشترطون الجحد القلبي أو الاستحلال في ابواب الكفر العملي مطلقا، وما ذالك في حقيقته إلا لازم مذهب من يرى أن الإيمان هو التصديق القلبي وحسب، حيث يلزم من ذلك أن لا يكفر إلا بما يقابل التصديق من الجحد أو الاستحلال القلبي.
فتنبه لهذا رزقني الله وإياك العلم النافع والبصيرة في الدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
Comments
Post a Comment