داء تقديس الأشخاص والعلماء
ابتليت هذه الأمة في عصورها المتأخرة بالجهل , الذي ضرب جذوره فيها ثم أنبت وأفرع وأورق , حتى صار أشجارا باسقة , وأعظم جهل حل بالأمة في عصورها المتاخرة جهل التوحيد الذي خلق لأجله الثقلان , قال الله تعالى (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب : إلا ليعبدون أي إلا ليوحدون . وهذا نتج عنه جهل كثير من علماء الأمة بعقيدة السلف , لأنهم أخذوا الأصول من علماء متأخرين مثلهم فيهم تجهم وإرجاء , ولم يأخذوها من المنهل الصافي كتاب الله وسنة رسوله ومن فهم القرون الثلاثة الأول الخيرة , الذين قال فيهم رسول الله صلى الله (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وهو في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقلما تجد عالما في عصرنا الحديث سلم من لوثة التجهم والإرجاء , فهذا يعذر بالجهل في الشرك الأكبر , وذاك يعذر بالتأويل , وهذا الإيمان عنده قول فقط كإيمان المرجئة , والآخر الإيمان عنده اعتقاد بالجنان كإيمان الجهمية , وهذا الإيمان عنده قول وعمل لكن العمل شرط كمال كإيمان مرجئة الفقهاء . وماهذا إلا لقلة العلم واندثاره , وهذا ما أخبر عنه رسولنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم حيث قالك (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) رواه مسلم . وهذا زماننا بلاريب زمن الرؤوس الجهال , وأتباع أشد جهلا , ولكن الأتباع ابتلوا بما هو أعظم ألا وهو تقديس الأشخاص والعلماء , وتقديمهم على كلام الله ورسوله ,قال الله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب عن هذه الآية :( مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم) فهم عندهم لايخطؤون ولايأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم تقول لأحدهم :قال الله قال رسوله فيقول لك :قال فلان ويحك ثكلتك أمك هل فلان أم الله ورسوله؟ فيقولون لك هل أنت أعلم من فلان ؟. نعم أنا أعلم من فلان إذا كان معي دليلي , وهو تكلم بلا دليل فليأت بالدليل أو ليذعن لمن معه الدليل , وهكذا كان حال السلف مع بعضهم يرجعون إلى من معه الدليل وأعظم ماأخطأ فيه العلماء في عصرنا هو مسائل الاعتقاد والأصول , فشرقوا وغربوا وخالفوا إجماعات واضحة صريحة , مع أنه لاعبرة بالخلاف الحاصل بعد الإجماع على مسألة . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وَإِذَا ذَكَرُوا نِزَاعَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يَكُونُ كُلُّ قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ سَائِغًا لَمْ يُخَالِفْ إجْمَاعًا ) ومن الإجماعات التي خالفها علماء عصرنا : 1_الإجماع على أن الحق في أصول الدين واحد: فمنهم جعل الإجتهاد في أصول الدين مستساغا ولايثرب على فاعله , وهذا خطأ فاحش فالسلف لم يختلفوا في الأصول , ولكن اختلفوا في الفروع وماكان محلا للاجتهاد, أما الأصول فلم يختلفوا فيها مطلقا ,وهذا اجماع كما نقله القاضي عياض قال القاضي عياض – رحمه الله : ( و ذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضه للتأويل ، و فارق في ذلك فرق الأمة ، إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين واحد ). 2_الإجماع على تكفير الطائفة الممتنعة والحاكم بغير ما أنزل الله: فالحاكم بغير ما أنزل الله هو ممتنع عن الشريعة بشوكة , وقد كفر السلف هؤلاء بلاتردد , وهذا إجماع الصحابة على تكفير مانعي الزكاة لأنهم منعوها فقط ولم يجحدوها , وكل من ادعى أن المسألة خلافية بعد هذا فكلامه باطل ومردود عليه , بل هو ضال ضلال مبين وقد نقل الإجماع كل من :أبو بكر الجصاص وشيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وابن قدامة المقدسي والآلوسي والقاضي أبي يعلى والعلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ .هذا الإجماع نقلوه على قتال وتكفير هذه الطوائف قال ابن تيمية رحمه الله: ( وَقَدْ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْخَمْسَ وَيَصُومُون شَهْرَ رَمَضَانَ ،وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ سَائِغَةٌ فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ ). وقال رحمه الله منكرًا مذهب من جعلهم بغاة ومضللًا لذلك القول ومشنعًا عليه: ( لَكِنْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُونَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً قَبِيحًا وضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ) انظر كيف يصف من سمى الممتنعين عن الشريعة بغاة أنه مخطىء خطأ قبيح وضال ضلال مبين. 3_ الإجماع على عدم العذر بالجهل في الشرك الأكبر نقل ذلك ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين حيث يقول: (الطبقه السابعة عشر:طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم، الذين هم معهم تبعا لهم، يقولون؛ إنا وجدنا آباءنا على ذلك، ولنا بهم أسوة، ومع هذا فهم متاركون لأهل الإسلام، غير محاربين لهم، كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم، الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصبت له أولئك، من السعي في إطفاء نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته، بلهم بمنزلة الدواب . إلى أن يقول : (وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع؛ أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنمايعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام) ومن تتبع أقوال العلماء في عصرنا في هذه المسائل يجد العجب العجاب فمنهم من جعلها مسائل خلافية لايجوز التثريب على قول أحد فيها وهذا بين البطلان بعد ورود الإجماع فلا عبرة بخلاف الخلف إذا أجمع السلف . ومنهم من قال بعكس إجماعات السلف هذه ثم إذا قلنا عنه أنه مبتدع ضال ثارت علينا الدنيا ولم تقعد وهذا هو ابن تيمية يضلل من قال أن الممتنعين عن الشريعة بغاة . وكل هذا سببه جهل الخلف بعقيدة السلف ولا ابالغ إن قلت ان من يعرف عقيدة السلف من العلماء المشهورين قلة قليلة قال ابن تيمية : (وَإِذَا ذَكَرُوا نِزَاعَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يَكُونُ كُلُّ قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ سَائِغًا لَمْ يُخَالِفْ إجْمَاعًا ؛لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ فِي الْإِسْلَامِ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ ,النِّزَاعُ الْحَادِثُ بَعْدَ إجْمَاعِ السَّلَفِ خَطَأٌ قَطْعًا ). اهـ ـمجموع الفتاوى/1326 انظروا لهذا الإمام العلم النحرير كيف يقرر أن أصول المتاخرين محدثة مبتدعة في الإسلام , هذا الكلام في زمان ابن تيمية رحمه الله في القرن السابع الهجري و حيث كان العلماء يعدون بالالوف أو ربما مئات الالوف ,فماذا سيقول لو رأى عصرنا المظلم ؟. فإذا أردنا الفلاح فلنكف عن تقديس العلماء والأشخاص , رأيت طلاب علم لايأتون على ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على ذكر حديثه ,وكل علمهم قال الشيخ الفلاني والشيخ الفلاني أفتى بكذا , وتجد شيخه الفلاني هدم الإسلام من أساسه ثم يتابعه طالبنا النحرير ,وهو غير معذور في متابعته وخاصة في اصل الدين . نقل ابا بطين الإجماع من العلماء أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة. رسالة الانتصار. الدرر 10/399. وفي فتاوى الأئمة النجدية 2/218. و3/186 وزاد (أصول الدين وأركان الإسلام )اهـ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
Comments
Post a Comment