التـــوحــــيد والشـــــــــرك

لتوحيد وترك الشرك لا يتحقق إلا بالإتيان والترك قولاً وعملاً ظاهرًا وباطنًا ،
وليس غريبًا أن يلجأ البعض إلى ألفاظ لا حقيقة لها يُلبس بها على الناس دينهم.
ومما هو معلوم ومقرر في دين الله أن العبادة حق الله الخالص والتوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بحقه الخالص ، ولا يتحقق توحيد العبادة بأن تكون الصلاة والسجود لله ويكون الدعاء لغير الله أو من دونه ، أو يكون الذبح أو النذر أو تقريب القرابين لغير الله ؛ بل لابد أن ينصرف إلى الله سبحانه وتعالى كل ما هو حق خالص له جل في علاه فإذا انصرف لغيره حق خالص له في شيء واحد فقد أشرك من فعل ذلك ، ومن فعل ذلك ومات عليه فقد أوجب له ذلك الخلود في النار : " من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"
هذا أمر قطعي لا شك ولا جدال فيه ووقوع حقيقة العبادة لغير الله شرك شاء المشرك أم أبى ، وتغيير الأسماء لا يغير حقائق الأشياء ، وهو بالشرك كافر لمنافاة الشرك لحقيقة الإسلام ، وترك الشرك الأكبر هنا جملة وتفصيلاً ، فمن مات على شيء من الشرك الأكبر مات كافرًا غير مسلم وغير مؤمن :
" ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ومن مات على شيء من الشرك الأكبر فقد لقي الله بدين لا يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ، فلابد في النفي من إثبات وفي الإثبات من نفي ، فالتوحيد نفي وإثبات والنفي مقدم على الإثبات ، فكيف يكون مسلمًا من يقع في الشرك الأكبر ؟ وبأي طريقة يدخل الجنة ؟ هذا الذي وقع فيه العاذرين بالجهل في الشرك الاكبر بسبب جهلهم بأصل الدين ومعرفة التوحيد وجهلهم بحقيقة ما جاء به رسول الله وما كان عليه كفار قريش الذين قاتلهم رسول الله واستحل دماءهم وأموالهم .

ومن هنا نعرف من أين جاء هذا القول اللعين ، وأن الإنسان لا يكفر بمفردات الشرك الأكبر لذاتها وإنما لدلالتها على نقض هذا!!

فلا فرق عندهم بين من يعبد الله ومن يعبد البدوي والدسوقي والحسين فلا ندري ما هو الإسلام عند هؤلاء ، أيتكلمون بكلام لا يعرفون حقيقته ولا معناه؟ فما هو مفهوم العبادة عند هؤلاء وما هو تعريفها؟

إن من أشرك بالله شيئًا لم يوحد الله سبحانه وتعالى بالعبادة ، ومن لم يوحد الله بالعبادة لم يعبد الله فدخل تحت قوله : " وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ " فصار بذلك كافرًا فمن كان متلبسًا بشرك أكبر في العبادة لا يدخل الإسلام حقيقة حتى يتجرد من الشرك ،
ومن تلبس بالشرك بعد أن تجرد منه وتركه فقد ارتد به عن الإسلام ، ولو كان النطق بالشهادتين عاصمًا من الوقوع في الشرك لم يكن للتثبت معنى ، ويدل على ذلك

قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً " وقوله تعالى : " فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "

فقوله : " فَإِنْ تَابُوا " أي من الشرك وفعلوا التوحيد " وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ " وكما في حديث معاذ أنه قال له : " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"

وكذلك حديث علي : " ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم".

وحديث أبي هريرة : " فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" .

وحاصل هذه الأحاديث أن أول واجب هو التوحيد وهو أول ما يكلف العبد به وتُقبل به الأعمال :
توحيد الله ، إفراد الله بالعبادة ، وليس كما يقول هؤلاء أن أول ما يخاطب العبد به هو البراءة الإجمالية أو الإقرار والالتزام الإجمالي وعقد الإسلام فقط أو التعهد بترك الشرك دون تحقيق ذلك ؛ بل أول ما يخاطب به العبد هو إخلاص العبادة لله بإثبات بالتوحيد وترك الشرك : " وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ "

فالشاهد قوله تعالى " فإن تابوا " أي من الشرك الأكبر وفعلوا التوحيد ، ولم يقل التزموا بالتوحيد ، فلابد من الإتيان والترك حتى يكون مسلمًا لابد من أن يأتي بالتوحيد ويترك الشرك جملة وتفصيلاً ، وهذا معنى الالتزام هو أن تلزم نفسك بأوامر الله من الفعل والترك ، فإن لم تلزم نفسك بأوامر الله من الإتيان والترك ، فلست ملتزمًا وإن ادعيت أنك ملتزم بالإسلام ،
فالإسلام له حقيقة وهي ترك الشرك وفعل التوحيد فلا دخول في حقيقة الإسلام إلا بالتوحيد وترك الشرك جملة وتفصيلاً .
______________________

فهؤلاء المشركون يقولون من كان عنده عقد الإسلام فهذا يعذر بجهله إذا عبد القمر والنجوم مع الله سبحانه وتعالى ووقع في جميع صنوف الشرك لا يكفر بشيء من ذلك كله ما لم يخرج عن إقراره الإجمالي بالتوحيد ، فالمقصود عذرهم بترك الشرك هو الالتزام بترك الشرك وأن الوقوع في الشرك لا ينافي هذا الإقرار، بل يقولون إن المسلمين في عهد رسول الله كان أغلبهم على الشرك مع إسلامهم ، وأنهم أمروا بترك الشرك تباعًا لا جملة واحدة في بدء الدعوة ، وأن من أسلم بعد اكتمال تحريم الشرك الذي حُرم منجمًا كتحريم المعاصي كان يلتزم فقط بالبراءة الإجمالية ويبقى على كثير من مفردات الشرك التي كان عليها دون أن يضر ذلك إسلامه ، وأنه كان يبصر أو يوعظ بترك الشرك تباعًا بعد ذلك حسبما تيسر ذلك ، وربما تُرِك الكثير منهم على مفردات شركه دون نهي عن ذلك وبقوا مع ذلك مسلمين لأنهم لم يتح للمسلمين تبصيرهم بترك مفردات الشرك ، وأنه لا يكفر أحد بالوقوع في الشرك والكفر؛
هذه هي عقيدة القوم ، ولاحول ولاقوة الا بالله

ونقول أن المقصود بتحريم الشرك هو الترك - ترك الشرك - وليس مجرد الالتزام بالترك أو عهد بالترك ، وأن المقصود بالأمر بالتوحيد هو الفعل أي فعل التوحيد والقيام به وليس مجرد الالتزام اوالعهدعلي الفعل ، والالتزام بالشرائع ركن من أركان التوحيد مثل اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ذاته ، وأنه واحد لا معبود بحق إلا هو ، كل هذا من مفردات التوحيد وضدها مفردات الشرك .

فإذا كان الذي يقع في مفردات الشرك لا يكفر. فكذلك من لم يلتزم بالشرائع لأنها أحد مفردات التوحيد وكل هذا باطل ولا يوجد شيء اسمه الالتزام بالتوحيد ؛ بل التوحيد والشرك إتيان وترك فمن لم يلتزم بإتيان التوحيد وبترك الشرك فهو كافر ، وترك الشرك الأكبر لا تفاوت فيه ولا تفاضل ولا تبعض ولا يذهب بعضه ويبقى بعضه ولا يصلح فيه الالتزام بدلاً من الفعل ولا الإجمال بدلاً من التفصيل ، فمن التزم بترك الشرك الأعظم وتَرَكَ جملة منه إلا أنه وقع في شرك أعظم ، في فرد واحد من أفراد الشرك الأكبر ومات عليه ، فقد مات يشرك بالله شيئًا ووجب له الخلود في النار ، والتوحيد لا يُجْزِئ فيه الالتزام أو البراءة الإجمالية أو الإقرار الإجمالي وما سوى ذلك من العبارات عن الإتيان والترك ، ولا يُجْزِئ فيه الجملة عن التفصيل ولا فرق فيه بين بدء واستمرار

فالله سبحانه وتعالى يقول : " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ "

فهذا تَرْكٌ تفصيلي للشرك نبه على فرد من أفراده : " وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ".
ومن هنا فعلم أنه لا فرق في التوحيد وترك الشرك بين بدء واستمرار في حقيقة الإسلام ولا تكفي براءة أو إقرار وإنما لابد من الإتيان والترك جملة وتفصيلاً ، وهذا هو التوحيد وهذه هي حقيقة الإسلام
______________
شُــــــــــــبهات وردود

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر