معني وحقيقة لا اله الا الله للشيخ عبد الرحمن بن حسن




يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن : وأهل الكتاب المذكورين في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى إذ ذاك قوله [ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ] : وكانوا يقولونها لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه ، فكان قولهم " لا إله إلا الله " لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة ، فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد ، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم ، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك ، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليدا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم ، وهذا توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ، فلم يدخلهم في الإسلام ، كما قال تعالى : {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} إلى قوله : {فأنى تسحرون} وقوله {قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحيِّ ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} ، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير ، وهذا التوحيد قد أقر به مشركو الأمم وأقر به أهل الجاهلية الذين بعث فيهم محمد ، فلم يدخلهم في الإسلام ، لأنهم قد جحدوا ما دلت عليه هذه الكلمة من توحيد الأُلُوهية ، وهو إخلاص العبادة ونفي الشرك والبراءة منه ،كما قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون} فهذا التوحيد هو أصل الإسلام وقال تعالى : {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}

وقال تعالى : {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله}
وقال تعالى : {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وأن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلىِّ الكبير} وقال تعالى : {فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص}.
وأمثال هذه من الآيات في بيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب في القرآن كثير.




وقال أيضاً : ( لكن هذه الكلمة العظيمة لا يحصل رجحانها إلا في حق من أتى بقيودها التي قيدت بها في الكتاب والسنة ، وقد ذكر الله سبحانه في سورة براءة وغيرها كثيراً ممن يقولها ولم ينفعهم قولها ، كحال أهل الكتاب والمنافقين على كثرتهم وتنوعهم في نفاقهم فلم تنفعهم مع ما قام بهم من ترك تلك القيود فمنهم من يقولها جاهلا بما وضعت له وبما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه ، والصدق والإخلاص وغيرها ، كعدم القبول ممن دعي إليها علماً وعملاً ، وترك الانقياد بالعمل بما تقتضيه كحال أكثر من يقولها قديما وحديثا ، ولكن في أواخر هذه الأمة أكثر .
ومنهم من يمنعه من محبتها والعمل بها ما قام بقلبه من كبر أو هوى أو غير ذلك من الأسباب وهي كثيرة منها ، قوله تعالى : {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ،والله لا يهدى القوم الفاسقين}.
وأما أهل الإيمان الخالص فهم الذين أتوا بهذه الكلمة واجتمعت لهم قيودها التي قيدت بها علماً ويقينا وصدقا وإخلاصا ومحبة وقبولا وانقياداً وعادوا فيه ووالوا فيه وأحبوا فيه وأبغضوا فيه ، وقد ذكرهم الله تعالى في مواضع من سورة براءة وغيرها وخصهم بالثناء عليهم ، والعفو عنهم أعد لهم جنته وأنجاهم من النار كما قال تعالى : {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها إلا نهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} فهؤلاء ومن اتبعهم هم أهل ( لا إله إلا الله ) وغير هذه من الآيات في الثناء عليهم وما أعد لهم في الدار الآخرة .
فمن تدبر القرآن وعرف تفاوت الخلق في محبة ربهم وتوحيده والعمل بطاعته والهروب من معصيته وإيثار ما يحبه تعالى رغبة وعملاً ، وترك ما يكرهه خشية ورجاء ، واعتبر الناس بأحوالهم وأقوالهم وأعمالهم ونياتهم وما هم فيه من التفاوت البعيد ، تبين له خطأ المغرورين ،كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ]








ويقول : " هذا هو حقيقة معناها الذي دلت عليه هذه الكلمة من الإخلاص ونفي الشرك ، والصدق والإخلاص متلازمان لا يوجد أحداهما بدون الأخر فإن لم يكن مخلصاً فهو مشرك ومن لم يكن صادقاً فهو منافق ، والمخلص أن يقولها مخلصاً الأُلُوهية لمن لا يستحقها غيره وهو الله تعالى ، وهذا التوحيد هو أساس الإسلام الذي قال فيه الخليل عليه السلام : {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} وقالت بلقيس : {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} وقال الخليل عليه السلام : {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين}. والحنيف : هو الذي ترك الشرك رأساً وتبرأ منه وفارق أهله وعاداهم وأخلص أعماله الباطنة والظاهرة لله وحده ,كما قال تعالى : {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} . فإسلام الوجه هو إخلاص العبادة المنافي للشرك والنفاق وهو معنى الآية ونحوها إجماعاً . فهذا هو الذي ينفعه قوله : ( لا إله إلا الله ) ولهذا قال تعالى : {فقد استمسك بالعروة الوثقى} وهذا بخلاف من يقولها و هو يدعو غير الله ويستغيث به من ميت أو غائب لا ينفع ولا يضر ،كما ترى عليه أكثر الخلق ، فهؤلاء وإن قالوها فقد تلبسوا بما يناقضها ، فلا تنفع قائلها إلا بالعلم بمدلولها نفيا وإثباتا ، والجاهل بمعناها وأن قالها لا تنفعه لجهله بما وضعت له الوضع العربي الذي أريد منها من نفي الشرك ، وكذلك إذا عرف معناها بغير تيقن له فإذا انتفى اليقين وقع الشك.
ومما قيدت به في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : ( غير شاك ) فلا تنفع إلا من قالها بعلم ويقين لقوله : [ صدقا من قلبه ،خالصا من قلبه ] وكذلك من قالها غير صادق في قوله ، فإنها لا تنفعه لمخالفة القلب اللسان كحال المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وكذلك حال المشرك فلا تقبل من مشرك لمنافاة الشرك للإخلاص ، ولما دلت عليه هذه الكلمة مطابقة فإنها دلت على نفي الشرك والبراءة منه والإخلاص لله وحده لا شريك له مطابقة , ومن لم يكن كذلك لم ينفعه قوله ( لا إله إلا الله ) كما هو حال كثير من عبدة الأوثان يقولون : ( لا إله إلا الله ) وينكرون ما دلت عليه من الإخلاص ويعادون أهله وينصرون الشرك وأهله , وقال الخليل عليه السلام لأبيه وقومه : {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه} وهي ( لا إله إلا الله ) وقد عبر عنها الخليل بمعناها الذي وضعت له ودلت عليه ، وهو البراءة من الشرك وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له كما تقدم تقريره ، وكذلك من قالها ولم يقبل ما دلت عليه من الإخلاص كان قوله لهذه الكلمة كذبا منه بل قد عكس مدلولها فأثبت ما نفته من الشرك ونفى ما أثبتته من الإخلاص .
فهذا الذي ذكرناه هو حال الأكثرين من هذه الأمة بعد القرون الثلاثة ، وسبب ذلك الجهل بمعناها وإتباع الهوى فيصدفه عن إتباع الحق وما بعث الله به رسله من توحيده الذي شرعه لعباده ورضيه لهم ".

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر