صفةُ الكفر بالطواغيتِ

Photo: ‎صفةُ الكفر بالطواغيتِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ  1-صفة الكفر بالطواغيـــت  2-أنواعُ الطواغيتِ التي يجبُ الكفرُ بِها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  بَعْدَ أَنْ عرفْتَ أَنَّهُ يَجِبُ عليكَ الكفرُ بالطَّاغوتِ، وأَنَّ إيمانَ المَرْءِ لا يَصِحُّ إِلاَّ بَعْدَ الكفرِ بِهِ، يتعيَّنُ عليكَ أَنْ تَعْرِفَ صِفَةَ الكفرِ بالطَّاغوتِ لتمارِسَهُ في واقِعِ حياتِكَ العمليَّةِ،  وحتَّى لا يكونُ كفرُكَ بِهِ مجرَّدَ دعوَى أَوْ زعمًا بالِّلسانِ مِنْ دُونِ عَمَلٍ، لا تَظهَرُ آثارُهُ على الجوارِحِ وفي واقِعِ الحياةِ، فيَطَالُكَ قولُهُ تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3].  أوَّلاً:  (معاداتُهمْ وبغضُهمْ والتبرُّؤُ منهمْ  ---------------------------------- أي الطواغيتِ - وممَّنْ يعبدونَهمْ مِنْ دونِ اللهِ).  قالَ تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا َيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].  تأمَّل قولَهُ {بَدَا} الَّذي يُفيدُ غايةَ الظُّهورِ والوضوحِ وتقديمَ العداوةِ الَّتي مَحِلُّها الجوارِحُ الظَّاهرةُ على البغضاءِ الَّتي مَحِلُّها القَلْبُ، وهذا يدلُّ على أهمِّيَّةِ إظهارِ العداوةِ والبراءَةِ منهمْ إظهارًا لا لَبْسَ فيهِ ولا مُوارَبَةَ ولا غموضَ، إِذْ لا يَكفي إضمارُ البغضاءِ لهمْ في القلبِ ثُمَّ نحنُ في الظَّاهرِ طائعونَ مُسَلِّمونَ متودِّدونَ لهمْ!  ثُمَّ تأمَّلْ تقديمَ البراءةِ مِنَ العابدينَ وشِرْكِهِمْ قِبَلَ المعبودينَ، وما ذلكَ إلاَّ للأهمِّيَّةِ، فإِنَّ البراءةَ مِنَ العابِدِ وشِرْكِهِ يقتضي البراءةَ مِنَ المعبودينَ دونَ العكسِ، فإِنَّ البراءةَ مِنَ المعبودينَ لا تستلزِمُ البراءةَ مِنْ عابديهمْ ومايُشركونَ. وقالَ تعالى عَنْ الخليل إبراهيمَ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26]. وقالَ: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ العَالمِينَ (77)}[الشعراء: 75-77]. وقالَ: {أُفٍّ لَكُمْ وَلما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67]. هذهِ هِيَ الأُسوةُ الحسنةُ الَّتي أُمِرْنا بالاقتداءِ بها، وهذهِ هِيَ مِلَّةُ إبراهيمَ الَّتي لا يَرْغَبُ عنها إلاَّ مَنْ سَفِهَ نفسَهُ: {وَمَن يَّرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}[البقرة: 130].  ثانيًا: (تكفيرُ الطواغيتِ). ------------------------- قالَ تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]، فلا بُدَّ مِنِ اعتقادِ كفرِهمْ بَلْ إِنَّهُ ركن في صِحَّةِ الإسلامِ. وقالَ تعالى: {وَمَن يَّقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالمِينَ} [الأنبياء: 29]، وهذا وعيدٌ بحقِّ الكافرينَ.  ثالثًا: (عدمُ التحاكُمِ إلى الطواغيتِ). -------------------------------------- يكونُ الكفرُ بالطَّواغيتِ أيضًا بعَدَمِ التَّحاكُمِ إليهمْ بما يُشَرِّعونَ مِنْ قوانينَ ما أنزلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ وعَدَمِ إقرارِهمْ على دساتيرِهمُ المزعومَةِ، وقَدْ عَلِمْنا أَنَّ ذلكَ يكونُ عبادةً لهمْ مِنْ دونِ اللهِ. قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَّعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17]. وقالَ تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّة رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 35]. وقالَ عَنْ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} [مريم: 48] وقالَ تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49].  رابعًا: (البراءةُ منهم وعدمُ موالاتِهمْ). --------------------------------------  ومِنْ اركان الكفرِ بالطَّواغيتِ انتفاءُ موالاتِهمْ أَوْ مُوَادَّتِهِمْ أَوِ الرُّكونِ إليهمْ أَوِ التَّحالُفِ معهمْ. قالَ تعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَّتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} [الكهف: 102]. فهذا مستحيلٌ إلاَّ إذا آثَرَ عبادُ اللهِ الكفرَ وَأَنْ يكونوا غَيْرَ مؤمنينَ. وقالَ تعالى: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ...} [النساء: 144] وقالَ تعالى: {وَمَن يَّتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].  وقالَ تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]. وقالَ تعالى: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]. وقالَ تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}[هود: 113].  قالوا في الرُّكونِ: هوَ المَيْلُ اليسيرُ. قالَ ابنُ عبَّاسٍ: {وَلا تَرْكَنُوا} قالَ: ولا تميلوا.  ولمَّاكانتِ الطواغيتُ على رأسِ الظالمينَ كانَ لِزَامًا على كلِّ مَنْ ينتسبُ للإسلامِ أنْ يكَفِّرَهُمْ ويجاهِدَهُمْ بقلبهِ وبِمَا استطاعَ مِنْ جوارِحِهِ.  قالَ تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}  قالَ ابنُ مسعودٍ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فبِقَلْبِهِ، وَلْيَلْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ؛ أَيْ عَابِسٍ مُتَغَيِّرٍ مِنَ الْغَيظِ والبُغْضِ.  هذهِ هِيَ صفةُ الكفرِ بالطَّواغيتِ، وهكذا يَجِبُ أَنْ تكونَ، أمَّا أَنْ يَبْسُطَ لهمْ في المُوالاةِ والتَّودُّدِ ويَركَنَ إليهمْ، ويذودَ عنهمْ، ويَتَوَسَّعَ في التَّأويلِ لهمْ، ويَنْصُرَهُمْ على مَنْ عاداهمْ مِنْ أهلِ التَّوحيدِ، ثُمَّ هُوَ بعدَ ذلكَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يكفرُ بالطَّواغيتِ، فهذا لا يكونُ مؤمنًا باللهِ كافرًا بالطَّاغوتِ، وهُوَ مِنْ غرائبِ الأمورِ الَّتي يَشْتَدُّ لها العَجَبُ في هذا الزَّمانِ.  وأَعْجَبُ مِنْ ذلكَ أناسٌ يُصَوِّرُونَ - رهبةً أَوْ رغبةً - الكفرَ بالطَّواغيتِ ومعاداتَهمْ وبُغْضَهم والخروجَ عليهمْ على أَنَّهُ فتنةٌ يَجِبُ اجتنابُها، وخروجٌ على وُلاةِ الأمرِ ويَعُدُّونَهُ بَغْيًا يستوجِبُ القتلَ ثُمَّ يتكلَّفونَ في لَيِّ النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ الَّتي قيلتْ في المسلمين وأئمَّةِ المسلمينَ ليحمِلوه على طواغيتَ اجتمعتْ فيهمْ جميعُ خِصالِ الكفرِ والنِّفاقِ، وفي ذلكَ منهمْ المأجورُ مِنَ الطَّواغيتِ الَّذينَ يَذُبُّ عنهمْ، ومنهمْ مَنْ يظُنُّ أنَّها قُربى يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ بها، غباءً مِنْهُ وجهلا غَيْرَ معذورٍ فيهِ.  ولهؤلاءِ  ومَنْ راوَغَ رَوَغانَهمْ وزاغَ كَزَيْغِهِمْ نقولُ لهمْ انطلاقًا مِنْ معتقداتِهمْ وما يَدَّعُونَ مِنْ علمٍ وزُهدٍ وَوَرَعٍ: ما مِنْ نبيٍّ إلاَّ وقَدِ ابتلاهُ اللهُ تعالى بطاغوتٍ بَلْ طواغيتَ يقارِعُهمْ ويجاهِدُهمْ ويُبطِلُ شِرْكَهمْ وكفرَهمْ، ولِتَتَمايزَ بجهادِهمُ النُّفوسُ فيُعْرَفُ المجاهِدُ الصَّابرُ مِنَ المنافقِ القاعِدِ المتخاذِلِ، كما قالَ تعالى: {وَلَنَبْلُوَكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}محمد: 31  وقالَ تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].  فَعَلامَ أنتمْ - دعاةَ الاقتداءِ بالأنبياءِ - كما تَزْعُمونَ ‍‍لا تريدونَ أَنْ يكونَ لكمْ طواغيتَ تُبْتَلَوْنَ بهمْ، وتُظْهِرونَ الحقَّ والتَّوحيدَ مِنْ خلالِ مقارَعَتِهمْ ومجاهدَتِهمْ؟  فَعَلامَ تريدونَ أَنْ تكونوا نَشازًا عَنِ الأنبياءِ وتابعيهمْ مِنْ علماءِ الأمَّةِ العامِلينَ، ليسَ لكمْ طواغيتُ تجاهدونَهمْ وتُبْتَلَوْنَ بِهِمْ عِلْمًا بأَنَّ الأرضَ تَعُجُّ بآلافِ الطَّواغيتِ الَّتي تُعْبَدُ - جِهارًا نهارًا - مِنْ دونِ اللهِ تعالى وأنتمْ تعلمونَ ذلكَ وتُجادلونَ فيهِ بغَيْرِ برهانٍ مِنَ اللهِ إلاَّ تأويلَكمُ الفاسدَ وتبديلَكمْ لمعاني المُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟  تقولونَ  هُمْ أولوا أمرِكمْ، وتقولونَ كفرًا دونَ كفرٍ، وتقولونَ الدستورَ ينُصُّ  على أَنَّ الإسلامَ هُوَ دينُ الدَّولةِ، وتقولونَ... وتقولونَ... بُهتانًا وزورًا، ساءَ ما تحكمونَ، ستُكْتَبُ شهادَتُكمْ وتُسألونَ.  فَرَرْتُمْ مِنَ الفِتنةِ بزعمِكمْ، ولَكِنَّكمْ قَدْ وقعتمْ فيها ودخلتموها مِنْ أوسعِ أبوابِها وأنتمْ تدرونَ أَوْ لا تدرونَ. {وَمِنْهُمْ مَن يَّقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49].   أنواعُ الطواغيتِ التي يجبُ الكفرُ بِها بالصِّفَةِ الَّتي بَيَّنَّا: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  والطَّواغيتُ كثيرةٌ وعلى رأسِها في هذا الزَّمانِ: المُشَرِّعُ مِنْ دونِ اللهِ والحاكِمُ بغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ والعلماءُ الَّذينَ يُحَلِّلونَ ويُحرِّمونَ بغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ اللهِ.  أوَّلاً: المُشَرِّعُ مِنْ دُونِ اللهِ. --------------------------- يختَلِفُ المُشرِّعُ عَنِ الحاكِمِ المُنَفِّذِ، وهذا ما يُسمُّونَهُ في هذهِ الأيَّامِ بالسُّلطَةِ التَّشريعيَّةِ  الَّتي تُلْزِمُ السُّلطةَ التَّنفيذيَّةَ - وهُمُ الحكَّامُ - بتنفيذِ مايَصْدُرُ عنها مِنْ أحكامٍ وتقريراتٍ وتشريعاتٍ. وقَدْ يكونُ المُشرِّعُ مِنْ دونِ اللهِ شخصًا أَوْ هيئةً أَوْ جماعةً أَوْ حِزبًا أَوْ مَجْلِسًا يضُمُّ مُشرِّعينَ أَوْ أحبارًا ورهبانًا ومشايخَ يكتسونَ بالطَّابِعِ الدِّينيِّ...وغَيْرَذلكَ.وعلى العُمومِ فإنَّنا نقولُ: كُلُّ مَنْ جَعَلَ خاصِّيَّةَ التَّشريعِ: التَّحليلِ والتَّحريمِ والتَّحسينِ والتَّقبيحِ لنفسِهِ مِنْ دونِ اللهِ، وأَخَذَ يُشرِّعُ للعِبادِ ما يهواهُ ويراهُ، فهُوَ طاغوتٌ وقَدْ جَعَلَ مِنْ نفسِهِ نِدًّا للهِ تعالى، يَجِبُ تكفيرُهُ والكُفْرُ بِهِ.  وقولُهُ تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَّتَحَاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَّكْفُرُوا بِهِ}  يَطالُهُ ويَشمَلُهُ كطاغوتٍ يُعبَدُ مِنْ جِهةِ التَّحاكُمِ إلى ما يُشَرِّعُ، ومِنْ جِهَةِ طاعتِهِ والإقرارِ لَهُ بخاصِّيَّةِ التَّشريعِ الَّتي تُعتبرُ مِنْ خصوصيَّاتِ اللهِ وحدَهُ، كما قالَ تعالى: {وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26]. فأيُّما مخلوقٍ يعتَرِفُ لَهُ بهذا الحقِّ، ويتحاكَمُ إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أحكامٍ وتشريعاتٍ، فقَدْ أقَرَّ لَهُ بالإلهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ، واتَّخذَهُ معبودًا ونِدًّا للهِ تعالى في أخصِّ خصائصِهِ، وإِنْ صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ المسلمينَ.  ثانيًا: الحاكِمُ بغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ. ------------------------------- والحاكِمُ بغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ هُوَ رأسُ الطُّغيانِ والجُورِ، لمُجاوَزَتِهِ حُكْمَ اللهِ تعالى وإعراضِهِ عَنْهُ واستبدالِهِ بِحُكْمِ وشرائعِ الجاهليَّةِ الأخرى، الَّتي وَضعَها المُشرِّعونَ مِنَ البشرِ أمثالِ جِنْكيز خان والمُشرِّعونَ للقوانينِ الوضعيَّةِ في هذا الزَّمانِ وفي كُلِّ زمانٍ ومكانٍ.  قالَ تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].  وقالَ تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالمُونَ} [المائدة: 45].  وقالَ تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْم يُّوقِنُُونَ} [المائدة: 50].  وكُلُّ حُكْمٍ غَيْرِ حُكْمِ اللهِ فهُوَ حُكْمُ الجاهليَّةِ، والآيةُ تشمَلُهُ وتطالُهُ، وكُلُّ مَنْ يبغي حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ اللهِ فهُوَ مِمَّنْ يبغي حُكْمَ الجاهليَّةِ.   ومِمَّنْ ينالُهمْ مُسمَّى  الطَّاغوتِ وصِفَتُهُ ويَقَعُ عليهمُ اسمُ الكفرِ والظُلْمِ والفِسْقِ الوارِدِ في الآياتِ لعَدَمِ حكمِهمْ بما أنزَلَ اللهُ: المُشرِّعونَ الَّذينَ وضعوا هذهِ القوانينَ ومَنْ سَوَّغَ لهمْ وَضْعَهَا وأَفسَحَ لهمُ المجالَ لذلكَ، واعتَقَدَ أحقيَّتَهمْ في وَضْعِ نُظُمٍ وقوانينَ تقومُ عليها حياةُ البشرِ.  ومِمَّنْ ينالُهمْ مُسمَّى الطَّاغوتِ  أيضًا قُضاةُ المحاكِمِ الوضعيَّةِ، والمحامونَ العامِلونَ فيها الَّذينَ يحكمونَ في النَّاسِ بشرائعِ الطَّاغوتِ، ونَحْوُهمْ مشايخُ العشائِرِوالقبائِلِ الَّذينَ يحكمونَ بالعاداتِ السَّائدةِ وبالأعرافِ والأهواءِ وسَواليفِهمُ الباطلةِ، ويقدِّمونَها على شَرْعِ اللهِ تعالى.  فإِنْ قيلَ:  تُقُرِّرَ في التَّعريفِ أَنَّ الطَّاغوتَ هُوَ الَّذي يُعبَدُ مِنْ دونِ اللهِ، فأيْنَ تَكْمُنُ عبادةُ الحاكِمِ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ حتَّى سُمِّيَ طاغوتًا؟  والجوابُ على ذلكَ مِنْ أوجُهٍ: ------------------------------ - منها: أَنَّ اللهَ تعالى قَدْ سمَّى الحاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ طاغوتًا في قولِهِ تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَّتَحَاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَّكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60]  ولا شكَّ أَنَّ الطَّاغوتَ الواردَ ذِكرُهُ في الآيةِ يشمَلُ الحاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ، ولَرُبَّما يكونُ المعنى بالدَّرجةِ الأولى مِنْ صِفَةِ الطُّغيانِ ومُسَمَّى الطَّاغوتِ الواردَةِ في الآيةِ. وقَدْ أُثِرَ عَنْ بعضِ السَّلَفِ أَنَّ المُرادَ بالطَّاغوتِ الواردِ في هذهِ الآيةِ هُوَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ اليهوديُّ، لكوْنِهِ يحكمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ.  والمرادُ بالطَّاغوتِ في هذهِ الآيةِ صَراحةً الحاكِمُ الَّذي يحكمُ بقوانينَ أخرى غَيْرِ قانونِ اللهِ وشَرْعِهِ، وكذلكَ نظامُ المحاكِمِ الَّذي لا يُطيعُ سلطةَ اللهِ العُليا ويستندُ إلى كتابٍ آخرَ غَيْرِ كتابِ اللهِ.  - ومنها: أَنَّ الحاكِمَ بغَيْرِ ما أَنزلَ اللهُ يُعْبَدُ مِنْ جِهَةِ التَّحاكُمِ والطَّاعةِ مِنْ قِبَلِ المُتَحاكِمِ إليهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّحاكُمَ عبادةٌ لا تُصْرَفُ إلاَّ للهِ تعالى، فمَنْ تحاكمْ إلى غَيْرِهِ فهُوَ مُأَلِّهٌ لهذا الغَيْرِ وعابدٌ لَهُ.  - ومنها: أَنَّ الَّذي يحكمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ يُخرِجُ أولياءَهُ ومُتابعيهِ الرَّاضينَ بِهِ مِنْ نُورِ الوَحْيِ وعَدْلِ الإسلامِ، وهُوَ الحُكْمُ بما أنزلَ اللهُ، إلى ظُلماتِ الشِّرْكِ والكفرِ والجاهليَّةِ، وهُوَ الحكمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ، وهُوَ المُرادُ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].  ومِنْهُ  يُعلمُ أَنَّ الحاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ يُجْرَى عليهِ مُسَمَّي الطَّاغوتِ اسْمًا وَصِفَةً وَمَعْنًى، ولا محالةَ مِنْ ذلكَ.  قالَ الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِالوهَّابِ  رحمَهُ اللهُ: [الطَّواغيتُ كثيرةٌ ورؤوسُهمْ خمسةٌ، منهمُ الَّذي يحكُمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ، والدَّليلُ قولُهُ تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}]. (مجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ ) اهـ  ثالثًا: العلماءُ الَّذينَ يُحلِّلونَ ويُحرِّمونَ بما لَمْ يأذنْ بِهِ اللهُ. ----------------------------------------------------------- وهؤلاءِ أمثالُ كَعْبِ بنِ الأشرَفِ في زَمَنِ الجاهليَّةِ الأولى وعلماءِ السُّلْطةِ في هذا الزَّمانِ وفي كُلِّ زمانٍ ومكانٍ بما أقرُّوا حكَّامَهمْ على ما شَرَّعُوهُ مِنْ قوانينَ وضعيَّةٍ ما أنزلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ بَلْ وَسَوَّغُوا لَهُمُ الحُكمَ بها واعتبَروهُ مرجعيَّةً في فَتْوَاهُمْ في التَّحليلِ والتَّحريمِ بَلْ وَهَلَّلوا وصفَّقوا لِمَا اعتبَروهُ نصرًا مُؤَزَّرًا لَمَّا غَرَّرَ بهمْ أسيادُهمْ مِنَ الكبراءِ باستبدالِ بَعْضِ الأحكامِ الطَّاغوتيَّةِ بأحكامٍ طاغوتيَّةٍ أخرى، أيضًا مِنْ صُنعِ البشرِ. وصَدَقَتْ تسميةُ اللهِ لهمْ بالأحبارِ والرُّهبانِ بَلْ وتسميةُ مَنْ اعتبرَهمْ مرجعيَّةً دينيَّةً يستفتيهمْ في أمرِهِ بقولِهِ جَلَّ وعلا: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} [التوبة: 31]   ______________________‎

صفة الكفر بالطواغيـــت و أنواعُ الطواغيتِ التي يجبُ الكفرُ بِها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بَعْدَ أَنْ عرفْتَ أَنَّهُ يَجِبُ عليكَ الكفرُ بالطَّاغوتِ، وأَنَّ إيمانَ المَرْءِ لا يَصِحُّ إِلاَّ بَعْدَ الكفرِ بِهِ، يتعيَّنُ عليكَ أَنْ تَعْرِفَ صِفَةَ الكفرِ بالطَّاغوتِ لتمارِسَهُ في واقِعِ حياتِكَ العمليَّةِ،
وحتَّى لا يكونُ كفرُكَ بِهِ مجرَّدَ دعوَى أَوْ زعمًا بالِّلسانِ مِنْ دُونِ عَمَلٍ، لا تَظهَرُ آثارُهُ على الجوارِحِ وفي واقِعِ الحياةِ، فيَطَالُكَ قولُهُ تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3].

أوَّلاً:
(معاداتُهمْ وبغضُهمْ والتبرُّؤُ منهمْ
----------------------------------
أي الطواغيتِ - وممَّنْ يعبدونَهمْ مِنْ دونِ اللهِ).
قالَ تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا َيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

تأمَّل قولَهُ {بَدَا} الَّذي يُفيدُ غايةَ الظُّهورِ والوضوحِ وتقديمَ العداوةِ الَّتي مَحِلُّها الجوارِحُ الظَّاهرةُ على البغضاءِ الَّتي مَحِلُّها القَلْبُ، وهذا يدلُّ على أهمِّيَّةِ إظهارِ العداوةِ والبراءَةِ منهمْ إظهارًا لا لَبْسَ فيهِ ولا مُوارَبَةَ ولا غموضَ، إِذْ لا يَكفي إضمارُ البغضاءِ لهمْ في القلبِ ثُمَّ نحنُ في الظَّاهرِ طائعونَ مُسَلِّمونَ متودِّدونَ لهمْ!
ثُمَّ تأمَّلْ تقديمَ البراءةِ مِنَ العابدينَ وشِرْكِهِمْ قِبَلَ المعبودينَ، وما ذلكَ إلاَّ للأهمِّيَّةِ، فإِنَّ البراءةَ مِنَ العابِدِ وشِرْكِهِ يقتضي البراءةَ مِنَ المعبودينَ دونَ العكسِ، فإِنَّ البراءةَ مِنَ المعبودينَ لا تستلزِمُ البراءةَ مِنْ عابديهمْ ومايُشركونَ.
وقالَ تعالى عَنْ الخليل إبراهيمَ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26].
وقالَ: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ العَالمِينَ (77)}[الشعراء: 75-77].
وقالَ: {أُفٍّ لَكُمْ وَلما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67].
هذهِ هِيَ الأُسوةُ الحسنةُ الَّتي أُمِرْنا بالاقتداءِ بها، وهذهِ هِيَ مِلَّةُ إبراهيمَ الَّتي لا يَرْغَبُ عنها إلاَّ مَنْ سَفِهَ نفسَهُ:
{وَمَن يَّرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}[البقرة: 130].

ثانيًا: (تكفيرُ الطواغيتِ).
-------------------------
قالَ تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]، فلا بُدَّ مِنِ اعتقادِ كفرِهمْ بَلْ إِنَّهُ ركن في صِحَّةِ الإسلامِ. وقالَ تعالى: {وَمَن يَّقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالمِينَ} [الأنبياء: 29]، وهذا وعيدٌ بحقِّ الكافرينَ.

ثالثًا: (عدمُ التحاكُمِ إلى الطواغيتِ).
--------------------------------------
يكونُ الكفرُ بالطَّواغيتِ أيضًا بعَدَمِ التَّحاكُمِ إليهمْ بما يُشَرِّعونَ مِنْ قوانينَ ما أنزلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ وعَدَمِ إقرارِهمْ على دساتيرِهمُ المزعومَةِ، وقَدْ عَلِمْنا أَنَّ ذلكَ يكونُ عبادةً لهمْ مِنْ دونِ اللهِ. قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَّعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17].
وقالَ تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّة رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 35].
وقالَ عَنْ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} [مريم: 48]
وقالَ تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49].

رابعًا: (البراءةُ منهم وعدمُ موالاتِهمْ).
--------------------------------------
ومِنْ اركان الكفرِ بالطَّواغيتِ انتفاءُ موالاتِهمْ أَوْ مُوَادَّتِهِمْ أَوِ الرُّكونِ إليهمْ أَوِ التَّحالُفِ معهمْ.
قالَ تعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَّتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} [الكهف: 102]. فهذا مستحيلٌ إلاَّ إذا آثَرَ عبادُ اللهِ الكفرَ وَأَنْ يكونوا غَيْرَ مؤمنينَ.
وقالَ تعالى: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ...} [النساء: 144]
وقالَ تعالى: {وَمَن يَّتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].

وقالَ تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
وقالَ تعالى: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1].
وقالَ تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}[هود: 113].

قالوا في الرُّكونِ: هوَ المَيْلُ اليسيرُ.
قالَ ابنُ عبَّاسٍ: {وَلا تَرْكَنُوا} قالَ: ولا تميلوا.

ولمَّاكانتِ الطواغيتُ على رأسِ الظالمينَ كانَ لِزَامًا على كلِّ مَنْ ينتسبُ للإسلامِ أنْ يكَفِّرَهُمْ ويجاهِدَهُمْ بقلبهِ وبِمَا استطاعَ مِنْ جوارِحِهِ.

قالَ تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

قالَ ابنُ مسعودٍ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فبِقَلْبِهِ، وَلْيَلْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ؛ أَيْ عَابِسٍ مُتَغَيِّرٍ مِنَ الْغَيظِ والبُغْضِ.

هذهِ هِيَ صفةُ الكفرِ بالطَّواغيتِ، وهكذا يَجِبُ أَنْ تكونَ، أمَّا أَنْ يَبْسُطَ لهمْ في المُوالاةِ والتَّودُّدِ
ويَركَنَ إليهمْ، ويذودَ عنهمْ، ويَتَوَسَّعَ في التَّأويلِ لهمْ، ويَنْصُرَهُمْ على مَنْ عاداهمْ مِنْ أهلِ التَّوحيدِ، ثُمَّ هُوَ بعدَ ذلكَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يكفرُ بالطَّواغيتِ، فهذا لا يكونُ مؤمنًا باللهِ كافرًا بالطَّاغوتِ، وهُوَ مِنْ غرائبِ الأمورِ الَّتي يَشْتَدُّ لها العَجَبُ في هذا الزَّمانِ.

وأَعْجَبُ مِنْ ذلكَ أناسٌ يُصَوِّرُونَ - رهبةً أَوْ رغبةً - الكفرَ بالطَّواغيتِ
ومعاداتَهمْ وبُغْضَهم والخروجَ عليهمْ على أَنَّهُ فتنةٌ يَجِبُ اجتنابُها، وخروجٌ على وُلاةِ الأمرِ ويَعُدُّونَهُ بَغْيًا يستوجِبُ القتلَ ثُمَّ يتكلَّفونَ في لَيِّ النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ الَّتي قيلتْ في المسلمين وأئمَّةِ المسلمينَ ليحمِلوه على طواغيتَ اجتمعتْ فيهمْ جميعُ خِصالِ الكفرِ والنِّفاقِ، وفي ذلكَ منهمْ المأجورُ مِنَ الطَّواغيتِ الَّذينَ يَذُبُّ عنهمْ، ومنهمْ مَنْ يظُنُّ أنَّها قُربى يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ بها، غباءً مِنْهُ وجهلا غَيْرَ معذورٍ فيهِ.

ولهؤلاءِ

ومَنْ راوَغَ رَوَغانَهمْ وزاغَ كَزَيْغِهِمْ نقولُ لهمْ انطلاقًا مِنْ معتقداتِهمْ وما يَدَّعُونَ مِنْ علمٍ وزُهدٍ وَوَرَعٍ: ما مِنْ نبيٍّ إلاَّ وقَدِ ابتلاهُ اللهُ تعالى بطاغوتٍ بَلْ طواغيتَ يقارِعُهمْ
ويجاهِدُهمْ ويُبطِلُ شِرْكَهمْ وكفرَهمْ، ولِتَتَمايزَ بجهادِهمُ النُّفوسُ فيُعْرَفُ المجاهِدُ الصَّابرُ مِنَ المنافقِ القاعِدِ المتخاذِلِ، كما قالَ تعالى: {وَلَنَبْلُوَكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}محمد: 31

وقالَ تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].

فَعَلامَ أنتمْ - دعاةَ الاقتداءِ بالأنبياءِ - كما تَزْعُمونَ ‍‍لا تريدونَ أَنْ يكونَ لكمْ طواغيتَ تُبْتَلَوْنَ بهمْ، وتُظْهِرونَ الحقَّ والتَّوحيدَ مِنْ خلالِ مقارَعَتِهمْ ومجاهدَتِهمْ؟

فَعَلامَ تريدونَ أَنْ تكونوا نَشازًا عَنِ الأنبياءِ وتابعيهمْ مِنْ علماءِ الأمَّةِ العامِلينَ، ليسَ لكمْ طواغيتُ تجاهدونَهمْ وتُبْتَلَوْنَ بِهِمْ عِلْمًا بأَنَّ الأرضَ تَعُجُّ بآلافِ الطَّواغيتِ
الَّتي تُعْبَدُ - جِهارًا نهارًا - مِنْ دونِ اللهِ تعالى وأنتمْ تعلمونَ ذلكَ وتُجادلونَ فيهِ بغَيْرِ برهانٍ مِنَ اللهِ إلاَّ تأويلَكمُ الفاسدَ وتبديلَكمْ لمعاني المُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟

تقولونَ

هُمْ أولوا أمرِكمْ، وتقولونَ كفرًا دونَ كفرٍ، وتقولونَ الدستورَ ينُصُّ

على أَنَّ الإسلامَ هُوَ دينُ الدَّولةِ، وتقولونَ... وتقولونَ... بُهتانًا
وزورًا، ساءَ ما تحكمونَ، ستُكْتَبُ شهادَتُكمْ وتُسألونَ.

فَرَرْتُمْ مِنَ الفِتنةِ بزعمِكمْ، ولَكِنَّكمْ قَدْ وقعتمْ فيها ودخلتموها مِنْ أوسعِ أبوابِها وأنتمْ تدرونَ أَوْ لا تدرونَ.
{وَمِنْهُمْ مَن يَّقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49].


أنواعُ الطواغيتِ التي يجبُ الكفرُ بِها بالصِّفَةِ الَّتي بَيَّنَّا:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والطَّواغيتُ كثيرةٌ وعلى رأسِها في هذا الزَّمانِ: المُشَرِّعُ مِنْ دونِ اللهِ والحاكِمُ بغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ والعلماءُ الَّذينَ يُحَلِّلونَ ويُحرِّمونَ بغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ اللهِ.

أوَّلاً: المُشَرِّعُ مِنْ دُونِ اللهِ.
---------------------------
يختَلِفُ المُشرِّعُ عَنِ الحاكِمِ المُنَفِّذِ، وهذا ما يُسمُّونَهُ في هذهِ الأيَّامِ بالسُّلطَةِ التَّشريعيَّةِ

الَّتي تُلْزِمُ السُّلطةَ التَّنفيذيَّةَ - وهُمُ الحكَّامُ - بتنفيذِ مايَصْدُرُ عنها مِنْ أحكامٍ وتقريراتٍ وتشريعاتٍ.
وقَدْ يكونُ المُشرِّعُ مِنْ دونِ اللهِ شخصًا أَوْ هيئةً أَوْ جماعةً أَوْ حِزبًا أَوْ مَجْلِسًا يضُمُّ مُشرِّعينَ أَوْ أحبارًا ورهبانًا ومشايخَ يكتسونَ بالطَّابِعِ الدِّينيِّ...وغَيْرَذلكَ.وعلى العُمومِ فإنَّنا نقولُ: كُلُّ مَنْ جَعَلَ خاصِّيَّةَ التَّشريعِ: التَّحليلِ والتَّحريمِ والتَّحسينِ والتَّقبيحِ لنفسِهِ مِنْ دونِ اللهِ، وأَخَذَ يُشرِّعُ للعِبادِ ما يهواهُ ويراهُ، فهُوَ طاغوتٌ وقَدْ جَعَلَ مِنْ نفسِهِ نِدًّا للهِ تعالى، يَجِبُ تكفيرُهُ والكُفْرُ بِهِ.

وقولُهُ تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَّتَحَاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَّكْفُرُوا بِهِ}

يَطالُهُ ويَشمَلُهُ كطاغوتٍ يُعبَدُ مِنْ جِهةِ التَّحاكُمِ إلى ما يُشَرِّعُ، ومِنْ جِهَةِ طاعتِهِ والإقرارِ لَهُ بخاصِّيَّةِ التَّشريعِ الَّتي تُعتبرُ مِنْ خصوصيَّاتِ اللهِ وحدَهُ، كما قالَ تعالى: {وَلا يُشْرِكُ في
حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26].
فأيُّما مخلوقٍ يعتَرِفُ لَهُ بهذا الحقِّ، ويتحاكَمُ إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أحكامٍ وتشريعاتٍ، فقَدْ أقَرَّ لَهُ بالإلهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ، واتَّخذَهُ معبودًا ونِدًّا للهِ تعالى في أخصِّ خصائصِهِ، وإِنْ صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ المسلمينَ.

ثانيًا: الحاكِمُ بغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ.
-------------------------------
والحاكِمُ بغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ هُوَ رأسُ الطُّغيانِ والجُورِ، لمُجاوَزَتِهِ حُكْمَ اللهِ تعالى وإعراضِهِ عَنْهُ واستبدالِهِ بِحُكْمِ وشرائعِ الجاهليَّةِ الأخرى،
الَّتي وَضعَها المُشرِّعونَ مِنَ البشرِ أمثالِ جِنْكيز خان والمُشرِّعونَ
للقوانينِ الوضعيَّةِ في هذا الزَّمانِ وفي كُلِّ زمانٍ ومكانٍ.

قالَ تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].

وقالَ تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالمُونَ} [المائدة: 45].

وقالَ تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْم يُّوقِنُُونَ} [المائدة: 50].

وكُلُّ حُكْمٍ غَيْرِ حُكْمِ اللهِ فهُوَ حُكْمُ الجاهليَّةِ، والآيةُ تشمَلُهُ وتطالُهُ، وكُلُّ مَنْ يبغي حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ اللهِ فهُوَ مِمَّنْ يبغي حُكْمَ الجاهليَّةِ.

ومِمَّنْ ينالُهمْ مُسمَّى

الطَّاغوتِ وصِفَتُهُ ويَقَعُ عليهمُ اسمُ الكفرِ والظُلْمِ والفِسْقِ الوارِدِ في الآياتِ لعَدَمِ حكمِهمْ بما أنزَلَ اللهُ: المُشرِّعونَ الَّذينَ وضعوا هذهِ القوانينَ ومَنْ سَوَّغَ لهمْ وَضْعَهَا وأَفسَحَ لهمُ المجالَ لذلكَ، واعتَقَدَ أحقيَّتَهمْ في وَضْعِ نُظُمٍ وقوانينَ تقومُ عليها حياةُ البشرِ.

ومِمَّنْ ينالُهمْ مُسمَّى الطَّاغوتِ

أيضًا قُضاةُ المحاكِمِ الوضعيَّةِ، والمحامونَ العامِلونَ فيها الَّذينَ يحكمونَ في النَّاسِ بشرائعِ الطَّاغوتِ، ونَحْوُهمْ مشايخُ العشائِرِوالقبائِلِ الَّذينَ يحكمونَ بالعاداتِ السَّائدةِ وبالأعرافِ والأهواءِ وسَواليفِهمُ الباطلةِ، ويقدِّمونَها على شَرْعِ اللهِ تعالى.

فإِنْ قيلَ:
تُقُرِّرَ في التَّعريفِ أَنَّ الطَّاغوتَ هُوَ الَّذي يُعبَدُ مِنْ دونِ اللهِ، فأيْنَ تَكْمُنُ عبادةُ الحاكِمِ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ حتَّى سُمِّيَ طاغوتًا؟

والجوابُ على ذلكَ مِنْ أوجُهٍ:
------------------------------
- منها: أَنَّ اللهَ تعالى قَدْ سمَّى الحاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ طاغوتًا في قولِهِ تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَّتَحَاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَّكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60]

ولا شكَّ أَنَّ الطَّاغوتَ الواردَ ذِكرُهُ في الآيةِ يشمَلُ الحاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ، ولَرُبَّما يكونُ المعنى بالدَّرجةِ الأولى مِنْ صِفَةِ الطُّغيانِ ومُسَمَّى الطَّاغوتِ الواردَةِ في الآيةِ. وقَدْ أُثِرَ عَنْ بعضِ السَّلَفِ أَنَّ المُرادَ بالطَّاغوتِ الواردِ في هذهِ الآيةِ هُوَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ اليهوديُّ، لكوْنِهِ يحكمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ.

والمرادُ بالطَّاغوتِ في هذهِ الآيةِ صَراحةً الحاكِمُ الَّذي يحكمُ بقوانينَ أخرى غَيْرِ قانونِ اللهِ وشَرْعِهِ، وكذلكَ نظامُ المحاكِمِ الَّذي لا يُطيعُ سلطةَ اللهِ العُليا ويستندُ إلى كتابٍ آخرَ غَيْرِ كتابِ اللهِ.

- ومنها: أَنَّ الحاكِمَ بغَيْرِ ما أَنزلَ اللهُ يُعْبَدُ مِنْ جِهَةِ التَّحاكُمِ والطَّاعةِ مِنْ قِبَلِ المُتَحاكِمِ إليهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّحاكُمَ عبادةٌ لا تُصْرَفُ إلاَّ للهِ تعالى، فمَنْ تحاكمْ إلى
غَيْرِهِ فهُوَ مُأَلِّهٌ لهذا الغَيْرِ وعابدٌ لَهُ.

- ومنها: أَنَّ الَّذي يحكمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ يُخرِجُ أولياءَهُ ومُتابعيهِ الرَّاضينَ بِهِ مِنْ نُورِ الوَحْيِ وعَدْلِ الإسلامِ، وهُوَ الحُكْمُ بما أنزلَ اللهُ، إلى ظُلماتِ الشِّرْكِ والكفرِ والجاهليَّةِ، وهُوَ الحكمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ، وهُوَ المُرادُ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].

ومِنْهُ

يُعلمُ أَنَّ الحاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ يُجْرَى عليهِ مُسَمَّي الطَّاغوتِ اسْمًا وَصِفَةً وَمَعْنًى، ولا محالةَ مِنْ ذلكَ.

قالَ الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِالوهَّابِ

رحمَهُ اللهُ: [الطَّواغيتُ كثيرةٌ ورؤوسُهمْ خمسةٌ، منهمُ الَّذي يحكُمُ بغَيْرِ ما أنزلَ اللهُ، والدَّليلُ قولُهُ تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}]. (مجْمُوعَةُ
التَّوْحِيدِ ) اهـ

ثالثًا: العلماءُ الَّذينَ يُحلِّلونَ ويُحرِّمونَ بما لَمْ يأذنْ بِهِ اللهُ.
-----------------------------------------------------------
وهؤلاءِ
أمثالُ كَعْبِ بنِ الأشرَفِ في زَمَنِ الجاهليَّةِ الأولى وعلماءِ السُّلْطةِ في هذا الزَّمانِ وفي كُلِّ زمانٍ ومكانٍ بما أقرُّوا حكَّامَهمْ على ما شَرَّعُوهُ مِنْ قوانينَ وضعيَّةٍ ما أنزلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ بَلْ وَسَوَّغُوا لَهُمُ الحُكمَ بها واعتبَروهُ مرجعيَّةً في فَتْوَاهُمْ في التَّحليلِ والتَّحريمِ بَلْ وَهَلَّلوا وصفَّقوا لِمَا اعتبَروهُ نصرًا مُؤَزَّرًا لَمَّا غَرَّرَ بهمْ أسيادُهمْ مِنَ الكبراءِ باستبدالِ بَعْضِ الأحكامِ الطَّاغوتيَّةِ بأحكامٍ طاغوتيَّةٍ أخرى، أيضًا مِنْ صُنعِ البشرِ.
وصَدَقَتْ تسميةُ اللهِ لهمْ بالأحبارِ والرُّهبانِ بَلْ وتسميةُ مَنْ اعتبرَهمْ مرجعيَّةً دينيَّةً يستفتيهمْ في أمرِهِ بقولِهِ جَلَّ وعلا:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} [التوبة: 31]
______________________




الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ وأَثَرُهُ في قبولِ لا إلهَ إلاَّ اللهُ
_______________________________

اعلم أنَّ أعظمَ ركنٍ في الإسلامِ جاءتْ بِهِ الرُّسلُ هُوَ الإيمانُ باللهِ تعالى وحدَهُ والكفرُ بالطَّاغوتِ، وهُوَ غايةُ الرُّسلِ والرِّسالاتُ، وأوَّلُ ما يجِبُ على العبدِ القيامُ بِهِ نَحْوَ ربِّهِ قَبْلَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ وحَجِّ بيتِ اللهِ الحرامِ، وغيرِ ذلكَ مِنْ فرائضِ الإسلامِ،
فلا يَصِحُّ إيمانٌ إلاَّ بعدَ الكفرِ بالطَّاغوتِ، ولا يُقبَلُ عَمَلٌ إلاَّ بعدَ الكفرِ بالطَّاغوتِ، ولا يُعصَمُ دَمٌ ولا مالٌ إلاَّ بَعْدَ الكفرِ بالطَّاغوتِ.
قالَ تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [سورة النحل: 36].
فهِيَ المُهمَّةُ الأولى لجميعِ الرُّسلِ بلا استثناءٍ.
وقالَ تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [ سورة البقرة: 256].

فتقديمُ الكفرِ بالطَّاغوتِ على الإيمانِ باللهِ تعالى، لَهُ دلالاتٌ عظيمةٌ
منها:عدمُ الاستهانةِ بقضيةِ الكفرِ بالطَّاغوتِ، وبيانُ أَنَّهُ أصلٌ هامٌ تُبنَى عليهِ بقيَّةُ أصولِ الدِّينِ وفروعِهِ

ومنها: أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْبِقَ الإيمانَ باللهِ الكفرُ بالطَّاغوتِ، ولَوْ قُدِّمَ الإيمانُ على الكُفرِ بالطَّاغوتِ فإِنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُ صاحبَهُ في شيءٍ إلاَّ بَعْدَ الكفرِ بالطَّاغوتِ والتَّخلِّي عَنِ الشِّركِ.

- ومنها: أَنَّ الإيمانَ باللهِ والإيمانَ بالطَّاغوتِ لا يمكنُ اجتماعُهما في قَلْبِ امرِئٍ واحدٍ ولَوْ لبُرْهَةٍ واحدةٍ، فإِنَّ الإيمانَ بأحدِهما يستلزمُ انتفاءَ الآخَرِ، كما في الحديثِ:
(لا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ وَالْكُفْرُ في قَلْبٍ وَاحِدٍ). فإمَّا إيمانٌ باللهِ يسبِقُهُ كفرٌ بالطَّاغوتِ، وإمَّا إيمانٌ بالطَّاغوتِ وكفرٌ باللهِ تعالى، وافتراضُ اجتماعِهما هُوَ افتراضُ اجتماعِ الشَّيءِ وضدِّهُ في آنٍ واحدٍ.

وفي معنى {الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: العروةُ الوُثقى تعني الإيمانَ. وقالَ بعضُهمْ: تعني الإسلامَ، وقالَ بعضُهمْ: تعني لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ... وهذهِ أقوالٌ متقاربةٌ كلُّها صحيحةٌ لا تَنافيَ بينَهاومفهومُ قولِ اللهِ تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفَصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقتضي أَنَّ مَنْ آمنَ بِاللهِ وَلَمْ يكفرْ بالطَّاغوتِ، أَوْ كفرَ بالطَّاغوتِ ولَمْ يؤمنْ بِاللهِ لا يكونُ قَدِ استمسَكَ بِالعُروةِ الوُثقى وشَهِدَ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.

وفي الحديثِ: فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّهُ قالَ: (مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ). رواهُ مسلمٌ

قالَ شيخُ الإسلامِ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ:
-------------------------------------------
فقولُهُ: (وَكَفَرَ بِمَايُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ) تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ، فَلا يَكُونُ معصومَ الدَّمِ والمالِ إلاَّ بذلكَ، فلَوْ شكَّ أَوْ تردَّدَ لَمْ يُعْصَمْ دَمُهُ ومالُهُ]. واعلم أيضا أَنَّ الإنسانَ لا يصيرُ مسلمًاإلاَّ بالكفرِ بالطَّاغوتِ، والدَّليلُ قولُهُ تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فالرُّشدُ دينُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والغَيُّ دينُ أبي جهلٍ، والعُروةُ الوُثقى شهادةُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وهيَ متضمِّنةٌ للنَّفيِ والإثباتِ؛ تنفِي جميعَ أنواعِ العبادةِ عَنْ غَيْرِ اللهِ وتثبتُ جميعَ أنواعِ العبادةِ كلِّها للهِ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ.
وهذا الأمرُ أعظمُ عروةً مِنَ عُرَى الإسلامِ، لا تُقبلُ صلاةٌ، ولا صيامٌ ولا زكاةٌ ولا حَجٌّ ولا جِهادٌ بَلْ ولا دعاءٌ إلاَّ بِهِ، ولا يمكنُ النَّجاةُ مِنَ النَّارِ دونَ التَّمسُّكِ بِهِ، إِذْ هُوَ العروةُ الوحيدةُ الَّتي ضَمِنَ اللهُ تعالى لنا ألاَّ تَنْفَصِمَ، أمَّا مَا سِواهَا مِنْ عُرَى الدِّينِ وشرائِعِهِ فلا تكفي وحدَها دونَ هذهِ العُروةِ للنَّجاةِ، قالَ تعالى: {قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا...}
[البقرة: 256].

تأمَّلْ كيفَ قَدَّمَ اللهُ الكفرَ بالطَّاغوتِ واجتنابَهُ في الذِّكْرِ على الإيمانِ بِهِ والإنابةِ إليهِ سبحانَهُ، تمامًا كما قَدَّمَ النَّفيَ على الإثباتِ في كلمةِ التَّوحيدِ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وما ذلكَ إلاَّ تنبيهًا على هذا الرُّكنِ العظيمِ مِنْ هذهِ العُروةِ الوُثقى، فلا يَصِحُّ الإيمانُ باللهِ ولا يَنْفَعُ إلاَّ بالكفرِ بالطَّاغوتِ أوَّلاً.

حكم من يقول لا إله إلا الله لكنه لم يكفر بالطواغيت:
--------------------------------------------------------
إِنَّ مَنْ يقولُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ لكنَّهُ لَمْ يكفرْ بالطَّاغوتِ هُوَ كمَنْ يقولُ بالشَّيءِ وضِدِّهِ في آنٍ واحدٍ، وبالشَّيءِ وعَدَمِهِ لا تستقيمُ الأمورُ، فإِنَّ لا إلهَ إلاَّ اللهُ تَتَضَمَّنُ الكفرَ بالطَّاغوتِ في جانِبِ النَّفيِ منها، فمَنْ لا يكفرْ بالطَّاغوتِ مَثَلُهُ كَمَثِلِ مَنْ يقولُ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ ثُمَّ مِنْ جِهَةٍ أخرى - بلسانِ الحالِ أَوِ المَقَالِ – يقولُ : هناكَ إلهٌ مَعَ اللهِ
وهذا في دعواهُ الإسلامَ كذَّابٌ ومنافقٌ وزِنديقٌ ومُستهزِئٌ بدينِ اللهِ، وهُو كافرٌ بَلْ لَمْ يدخلْ في الإسلامِ أصلاً ومُرْتَدٌّ عَنْهُ إِنْ كانَ قَدْ دخلَ فيهِ،
وقَدْ تكونُ رِدَّتُهُ مُغَلَّظَةً مِنْ جهةِ تكرارِ رِدَّتِهِ وتهاوُنِهِ في ذلكَ، وإليكَ الأدلَّةُ على ذلكَ

أمَّا كَوْنُهُ كذَّابًا:
فَهُوَ لقولِهِ بالشَّيءِ وضِدِّهِ، فَمِنْ جِهَةٍ يَدَّعِي أَنَّهُ يكفرُ بالآلهةِ جميعِها إلاَّ اللهَ، ثُمَّ تراهُ يُؤمنُ بالطَّاغوتِ ويعبُدُهُ مِنْ دونِ اللهِ أَوْ مَعَهُ.

وأمَّا كَوْنُهُ منافقًا،
فَهُوَ لجَمْعِهِ بَيْنَ الشَّيءِ وضِدِّهِ، فمِنْ جِهَةٍ تراهُ يَزْعُمُ بلسانِهِ التَّوحيدَ، ثُمَّ هُوَ في المقابلِ يُضْمِرُ الكفرَ وعبادَةَ الطَّاغوتِ.

- وأمَّا كونُهُ زِنْديقًا:
فهُوَ لجُحودِهِ وكفرِهِ وأَنَّهُ عابدٌ للطَّاغوتِ، وإذا ما أُقيمتِ الحُجَّةُ على كُفرِهِ، فهُوَ سُرعانَ ما يُنْكِرُ ويَتَمَلَّصُ بأَنَّهُ مُسلمٌ وأَنَّهُ يقولُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ متحصِّنًا بها كما زيَّنَ لَهُ شياطينُ الإنسِ ممَّنْ يُسَمَّوْنَ بالدُّعاةِ في هذ الزَّمانِ، فَهُمْ حقًّا دُعاةٌ ولَكِنْ دُعاةٌ على أبوابِ جهنَّمَ مَنْ أجابَهمْ قذفوهُ فيها

وأمَّا كونُهُ مستهزِئًا بدينِ اللهِ:
فهُوَ لإعلانِهِ التَّوحيدَ مئاتِ المرَّاتِ بتلفُّظِهِ بلا إلهَ إلاَّ اللهُ – كما يَزْعُمُ - وفي كلِّ مرَّةٍ لا يبالي في أَنْ يأتيَ بما يَنْقُضُ التَّوحيدَ على مدارِ السَّاعةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدَ حَرَجًا في أَنْ يأتيَ بضدِّهِ وبما ينقُضُهُ في نفسِ الوقتِ. فأيُّ تلاعبٍ بدينِ اللهِ بعدَ هذا التَّلاعُبِ، وأيُّ استهانةٍ بَعْدَ هذهِ الاستهانةِ.

يقولُ الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ رحمَهُ اللهُ: [دينُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ التَّوحيدُ، وهُوَ معرفةُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ محمَّدٌ رسولُ اللهِ، والعَمَلُ بمُقتضاها، فإِنْ قِيلَ: كُلُّ النَّاسِ يقولونها، قِيلَ: منهمْ مَنْ يقولُها ويحسَبُ معناه أَنَّهُ لا يخلقُ إلاَّ اللهُ ولا يَرزُقُ إلاَّ اللهُ وأشباهُ ذلكَ، ومنهمْ لا يفهمُ معناها، ومنهمْ مَنْ لا يعملُ بمُقتضاها، ومنهمْ مَنْ لا يَعْقِلُ حقيقَتَها، وأَعَجْبُ مِنْ ذلكَ مَنْ عَرَفَها مِنْ وَجْهٍ وعاداها وأهلَها مِنْ وَجْهٍ! وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَنْ أحبَّها وانتسَبَ إلى أهلِها ولَمْ يُفرِّقْ بَيْنَ أوليائِها وأعدائِها! يا سبحانَ اللهِ العظيمِ أَتكونُ طائفتانِ مختلفتانِ في دينٍ واحدٍ وكلُّهمْ على الحقِّ؟ كلا واللهِ، فماذا بَعْدَ الحقِّ إلاَّ الضَّلالُ؟]. (الرسائل) اهـ

وأمَّا كوْنُهُ كافرًا:
لأنَّ الكفرَ بالطَّاغوتِ رُكن في صحَّةِ الإسلامِ كما قَدَّمْنا.

وأمَّا كونُهُ مرتدًّا:
هُوَ ممَّا لا خَفاءَ فيهِ، حيثُ هُوَ بَعْدَ دخولِهِ الإسلامَ بشهادَةِ التَّوحيدِ الَّتي نَطَقَ بها – كما يظنُّ – لا يزالُ عاكفًا على عبادةِ آلهةٍ أخرى مَعَ اللهِ أَوْ مِنْ دونِهِ. فالشِّرْكُ مُحْبِطٌ للعملِ كليًّا، كما قالَ تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88].

-وأمَّا كوْنُ ردَّتِهِ مغلَّظَةً لِتَلاعُبِهِ بالتَّوحيدِ
وتِكْرارِ رِدَّتِهِ مِنْ غَيْرِ اكْتراثٍ بما يَصْنَعُ. قالَ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} [النساء: 137]. وقالَ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90].

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ رحمِهُ اللهُ:
------------------------------------------
[أخبرَ سبحانَهُ أَنَّ مَنِ ازدادَ كفرًا بَعْدَ إيمانِهِ لَنْ تُقبَلَ توبَتُهُ، وفرقٌ بَيْنَ الكفرِ المَزِيدِ كفرًا والكفرِ المجرَّدِ في قَبُولِ التَّوبةِ مِنَ الثَّاني دُونَ الأوَّلِ، فمَنْ زَعَمَ أَنَّ كلَّ كُفْرٍ بَعْدَ الإيمانِ تُقْبَلُ مِنْهُ التَّوبةُ فَقَدْ خالَفَ نَصَّ القرآنِ]. (الصارم المسلول) اهـ
إذا تقرَّر هذا: فإِنَّ مَنْ لَمْ يكفرْ بالطَّاغوتِ لا تنفَعُهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، ولا سائرُ الأعمالِ الصَّالحةِ مِنْ صلاةٍ وزكاةٍ وصِيامٍ وحَجٍّ وغَيْرِ ذلكَ،لأنَّهُ يأتي بالتَّوحيدِ وبما يُكذِّبُهُ في آنٍ واحدٍ.
واعلم أنَّ العبوديَّةَ للهِ وحدَهُ والبراءَةَ مِنْ عبادَةِ الطَّاغوتِ والتَّحاكُمَ إليهِ سبحانَهُ مِنْ مُقتضَى شهادَةِ أَن لاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ وأَنَّ محمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ بَلْ من شُرُوطِ قَبُولِهَا.
فمَنْ نَصَحَ نفسَهُ وأهلَهُ وعِيَالَهُ، وأرادَ النَّجاةَ مِنَ النَّارِ، فَلْيعرِفْ شَهادةَ أَن لاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ، فإِنَّها العُروةُ الوُثقى وكلمَةُ التَّقوى، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْ أَحَدٍ عملاً إلاَّ بها، لا صلاةً ولا صوْمًا ولا حَجًّا ولا صدقةً ولا جميعَ الأعمالِ الصَّالحةِ إلاَّ بمعرفةِ معناها والعملِ بمُقتضى هذهِ المعرفةِ، وهِيَ كلمةُ التَّوحيدِ وحَقُّ اللهِ على العباد.
_____________________________

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر