شبهات وردود




الاحتجاج بقول أحد وترك النص، عدّه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ من شرك الطاعة، أيّ من الشرك الأكبر.

- قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في (فتح المجيد): (فالواجب على كُل مُكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك، أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه [209]... فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم، أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة، فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وأنتسب إلى مذهبه، لابُد أن يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم، فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقاً إلى معرفة المسائل واستحضارها ذهناً وتمييزاً للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه) [210].

- وقال رحمه الله على قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام/121]، (وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلَّدوهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من هذا الشرك [211]. ومنهم من يغلوا في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يُكره، أو يُحرم؛ فعظُمت الفتنه. ويقول: هو أعلم منا بالأدلة) [212].

- وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: (والإنسان إذا تبين له الحق، لم يستوحش من قلّة الموافقين، وكثرة المُخالفين، لا سيما في آخر هذا الزمان. وقول الجاهل: لو كان هذا حقاً ما خفي على فلان وفلان [213]، هذه دعوى الكفار، في قولهم: {لو كان خيراً ما سبقونا إليه} [الأحقاف/11] {أهؤلاء مَنَّ اللهُ عليهم من بيننا} [الأنعام/53] وقد قال علي رضي الله عنه، اعرف الحق تعرف أهله، وأما الذي في حيرةٍ ولبس، فكل شبهة تروج عليه، فلو كان أكثر الناس اليوم على الحق، لم يكن الإسلام غريباً، وهو والله اليوم في غاية الغربة. ولمّا ذكر أبن القيم رحمه الله: نوع الشرك وظهوره، قال: فما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؟ يعني: ما أقل من لا يُعادي من أنكره، وهذا قوله في زمانه، ولا يأتي عام إلاَّ وما بعده شرٌ منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم) [214].













الشبهة الثانية: شبهة من يقول: ما كلفني الله بتكفير الطواغيت والمشركين ولن يسألني الله عنهم.

- قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (فالله، الله، إخواني: تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أُسه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلاَّ الله؛ واعرفوا: معناها؛ وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين؛ واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وابغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال ما عليّ منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب [215] هذا على الله، وافترى؛ بل: كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم؛ ولو كانوا: إخوانه، وأولاده؛ فالله، الله، تمسكوا بأصل دينكم، لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئاً؛ اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين) [216].

- وقال رحمه الله: (... عرفت أن الإنسان لا يستقيم له دين ولا إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلاَّ بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء [217]) [218].

- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله: (فمقت هؤلاء المشركين وعيبهم وذمهم وتكفيرهم والبراءة منهم هو: حقيقة الدين، والوسيلة العظمى إلى ربّ العالمين، ولا طيب لحياة مسلم وعيشه إلاَّ بجهاد هؤلاء، ومراغمتهم وتكفيرهم والتقرب إلى الله بذلك واحتسابه لديه) [219].

- قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلاَّ الله؛ لا تظن أنك إذا قلت هذا هو الحق، وأنا تارك ما سِواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئاً، لا تظن: أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل: لا بُدَّ من بُغضِهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: {إنَّا بُرءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة/4] وقال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة/256] وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل/36]. ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق، لكن: لا أتعرض اللاَّت، والعُزى، ولا أتعرض أبا جهل، وأمثاله، ما عليَّ منهم؛ لم يصح إسلامه) [220].







الشبهة الثالثة: شبهة من يعتذرون للطواغيت المشرعين بحديث: "كفر دون كفر"، وقول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.

- قال سليمان العلوان في كتابه (التبيان شرح نواقض الإسلام) في الحاشية على هذه الآية: قال شيخ الإسلام في الاقتضاء [1/208]: (وفرق بين الكفر المُعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم ((ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلاَّ ترك الصلاة))، وبين كفر منكر في الإثبات) أ.هـ فالكفر المعرف بالألف واللام لا يحتمل في الغالب إلاَّ الأكبر، كقوله تعالى: {فأولئك هم الكافرون} فيمن حكم بغير ما أنزل الله.

وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه من قوله: (كفر دون كفر) فلا يثبت عنه فقد رواه الحاكم في مستدركه (2/313) من طريق هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس به وهشام ضعفه أحمد ويحيى، وقد خولف فيه أيضاً فرواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: هي كفر، وهذا هو المحفوظ عن ابن عباس أي أن الآية على إطلاقها، وإطلاق الآية يدل على أن المراد بالكفر هو الأكبر، إذ كيف يقال بإسلام من نحى الشرع واعتاض عنه بآراء اليهود والنصارى وأشباههم. فهذا مع كونه تبديلاً للدين المنزل هو إعراض أيضاً عن الشرع المطهر، وهذا كفر آخر مستقل. وأما ما رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال: (ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا) فليس مُراده أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر، ومن فهم هذا فعليه الدليل وإقامة البرهان على زعمه، والظاهر من كلامه أنه يعني أن الكفر الأكبر مراتب متفاوتة بعضها أشد من بعض، فكفر من كفر بالله وملائكته واليوم الآخر أشد من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله.

ونحن نقول أيضاً: إن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله أخف من كفر من كفر بالله وملائكته.. ولا يعني هذا أن الحاكم مسلم وأن كفره كفر أصغر، كلا بل هو خارج عن الدين لتنحيته الشرع، وقد نقل ابن كثير الإجماع على هذا، فأنظر البداية والنهاية [13/119]).






الشبهة الرابعة: شبهة ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)):

يُعظم علماء المرجئة وعلماء الحكومات هذا الحديث في أعين الناس حتى أستقر عند كثير من طلبة العلم أن من كفر مسلم فهو كافر - وهذا قول باطل - حتى تورع كثيرٌ من طلبة العلم عن تكفير الطواغيت، ووجد من يتورع عن قول ((ظالم)) للطاغوت، ويتبين ظلال هذا القول من وجوه:

1) أن عمر بن الخطاب كفر حاطب بن أبي بلتعة لأنه فعل جُرماً عظيماً وليس كفراً، والدليل على ذلك أن الله ناداه باسم الإيمان في قوله: {يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية [الممتحنة/1]، لمّا أراد الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ولم يغضب، وقال: ((وما يُدريك يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) - وأصل القصة في البخاري - ، ومع ذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: أنت تكفيري تكفر المسلمين وأنت من الخوارج، كما يقول علماء الحكومات اليوم لأهل التوحيد، ومع ذلك بوب البُخاري في (صحيحه) على هذه القصة، وقال: (باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً).

- وقال ابن القيم رحمه الله على قصة حاطب وما فيها من الفوائد: (وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظّه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يُثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدَّعوه) [221].

2) وأيضاً ما ثبت في البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أن معاذاً كان يُصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم، فقرأ بالبقرة، فتجوز رجل فصلى صلاةً خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فأخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر قول معاذ للرجل ولكن أنكر الإطالة، فقال: ((أفتّان أنت يا معاذ - قالها ثلاثاً - اقرأ (والشمس وضحاها) و (سبح أسم ربك الأعلى) ونحوها)).

3) وأيضاً ما حصل للصحابة في قصة الإفك، والحديث عند البخاري من حديث عائشة في كتاب التفسير سورة النور، لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وقال: ((يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً. وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي))، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت - أي عائشة رضي الله عنها - : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلً صالحاً، ولكن احتملته الحميَّة، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتُلنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين... إلى آخر القصة.

فجعل أُسيد بن حُضير سعد بن عبادة منافق، ويجادل عن منافق يعني عبد الله بن أبي سلول، ومعروف من هو سعد بن عباده! ومع ذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أُسيد ولم يقل إنك تكفيري أو خارجي، مثل ما يقول علماء الحكومات للترقيع لطواغيتهم، وما قام أحد من أهل التوحيد وصدع به وتبرأ من الطواغيت إلاَّ قالوا له هذا الكلام، حتى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لمّا صدع بالتوحيد وسب الطواغيت وعاداهم، قالوا عنه علماء السوء: إنه خارجيّ تكفيري مثل اليوم سواءً بسواء، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.

وأما معنى الحديث: ((فقد باء بها)) أي باء بالإثم، يعني أنه آثم ولا يجوز ذلك، أما من قال إنه كُفر فقوله ضعيف بعيد جداً، فليُنتبه لذلك، ومن أراد مزيد بحث فليرجع إلى كلام الشيخ عبد الله أبو بطين في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) (5/511).

- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (إن كان: المكفِّر لبعض صُلحاء الأمة متأولاً مخطئاً، وهو ممن يسوغ له التأويل، فهذا وأمثاله ممن رُفع عنه الحرج والتأثيم، لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعه، فإن عمر رضي الله عنه وصفه بالنفاق، وأستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). ومع ذلك فلم يُعنف عمر، على قوله لحاطب: إنه قد نافق؛ وقد قال الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا} [البقرة/286] وقد ثبت: أن الربَّ تبارك وتعالى، قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها ((قد فعلت)) وأما إن كان: المكفِّر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان، من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفراً بواحاً، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفِّر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله) [222].

- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله وعفا عنه عن الذي يروي ((من كفر مسلماً فقد كفر)): فأجاب عفا الله عنه: (لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الحديث المعروف: ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) ومن كفَّر إنساناً، أو فسقه. أو نفقه، متأولاً، غضباً لله تعالى، فيُرجى العفو عنه [223] كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعه، أنه منافق، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم... وقول الجُهال: إنكم تكفرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام ولا التوحيد، والظاهر: عدم صحة إسلام هذا القائل [224]، فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئاً فليس بمسلم) [225].



الشبهة الخامسة: من يرتكب المحظور من أجل الإصلاح والدعوة، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما الأدلة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل معصية قط من باب المصلحة، كما يلي:

الدليل الأول: ما جاء في السيرة أن قُريشاً أرسلت عتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفاوضه على ترك سبّ آلهتهم، وقال: فرقت شملنا، فإن كنت تُريد السيادة لا نقطع أمراً دونك، وإن أردت زوجاً زوجناك، وإن أردت مالاً أعطيناك، فقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أول سورة فُصِلت [226]، والقصة صحيحة باعتبار طرقها.

فالعرض ليس فيه مُكفر، ومع ذلك لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك باسم مصلحة الدعوة، وطلبوا منه فقط ترك التصريح بكفرهم وباطلهم وترك انتقاد الأوضاع الباطلة، مع أنهم عرضوا عليه أن يكون سيداً، يعني رئيساً وهذه مصلحة عظيمة يتمناها كثيراً من دعاة الإصلاح، ومع ذلك لم يقبل بذلك لأنه يتضمن معصية، وهي ترك إظهار الولاء والبراء، وترك جزء من التوحيد.

الدليل الثاني: عند مسلم وهو: ((أن قريشاً أتت النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه مجلساً مقابل أن يطرد الضُعفاء)) [227]، فأنزل الله عليه آيتين، الآية الأولى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشىّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} [الأنعام/52]، مع أن فيه مصلحة وهي الاجتماع بهم ودعوتهم، ولكن لما كان مقابل معصية مُنع من ذلك، والمعصية هي كسر قلوب الضعفاء وخذلانهم، ومثله اليوم لو طلب العلمانيون من الإسلاميين طرد المجاهدين مقابل مكاسب دعوية لم يجز لهذا النهي. الآية الثانية: {وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشىّ يريدون وجهه ولا تعدُّ عيناك عنهم تريدُ زينة الحياة الدنيا} [الكهف/28].

الدليل الثالث: قصة ابن أم مكتوم عندما جاء يسأل الرسول فتركه الرسول صلى الله عليه وسلم، مقابل أنه كان يتكلم مع كفار قريش فطمع في إسلامهم، وفي ذلك مصلحة للدعوةِ إلى الله، فأنزل الله أول سورة عبس [228].

الدليل الرابع: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يكون في آخر الزمان أُمراء ظلمه ووزراء فسقه وقضاة كذبه، فمن أدرك ذلك الزمان فلا يكونن لهم جابياً ولا عريفاً ولا شرطياً)) [229]، ووجه الدلالة: أنه منع إعانة الظلمة ومساعدتهم.

الدليل الخامس: يقال لهم لو أن أهل البدع أحدثوا بدعة يريدون الخير والمصلحة كإحياء المولد وصيام النصف من شعبان، فسيقولون لا يجوز، نقول إذاً فالباب واحد، ومثله لو خلا رجل بامرأة من باب الدعوة، فسيقولون لا يجوز، نقول إذاً فالباب واحد.

الدليل السادس: يُستدل عليهم أيضاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما جعل دواء أمتي فيما حُرِم عليها إن الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً)) [230].

الدليل السابع: فقد أجمع أهل الحديث أنه لا يجوز للشخص أن يخ - ترع أحاديث من عنده في باب الفضائل، أو يضع أحاديث لحث الناس على أمر ما، ولو كان في هذه الفضائل مصلحة الخير والازدياد من الطاعة، لأنه يلزم منه معصية وهي الكذب على الله ورسوله.



الشبهة الخامسة: من يرتكب المحظور من أجل الإصلاح والدعوة، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما الأدلة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل معصية قط من باب المصلحة، كما يلي:

الدليل الأول: ما جاء في السيرة أن قُريشاً أرسلت عتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفاوضه على ترك سبّ آلهتهم، وقال: فرقت شملنا، فإن كنت تُريد السيادة لا نقطع أمراً دونك، وإن أردت زوجاً زوجناك، وإن أردت مالاً أعطيناك، فقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أول سورة فُصِلت [226]، والقصة صحيحة باعتبار طرقها.

فالعرض ليس فيه مُكفر، ومع ذلك لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك باسم مصلحة الدعوة، وطلبوا منه فقط ترك التصريح بكفرهم وباطلهم وترك انتقاد الأوضاع الباطلة، مع أنهم عرضوا عليه أن يكون سيداً، يعني رئيساً وهذه مصلحة عظيمة يتمناها كثيراً من دعاة الإصلاح، ومع ذلك لم يقبل بذلك لأنه يتضمن معصية، وهي ترك إظهار الولاء والبراء، وترك جزء من التوحيد.

الدليل الثاني: عند مسلم وهو: ((أن قريشاً أتت النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه مجلساً مقابل أن يطرد الضُعفاء)) [227]، فأنزل الله عليه آيتين، الآية الأولى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشىّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} [الأنعام/52]، مع أن فيه مصلحة وهي الاجتماع بهم ودعوتهم، ولكن لما كان مقابل معصية مُنع من ذلك، والمعصية هي كسر قلوب الضعفاء وخذلانهم، ومثله اليوم لو طلب العلمانيون من الإسلاميين طرد المجاهدين مقابل مكاسب دعوية لم يجز لهذا النهي. الآية الثانية: {وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشىّ يريدون وجهه ولا تعدُّ عيناك عنهم تريدُ زينة الحياة الدنيا} [الكهف/28].

الدليل الثالث: قصة ابن أم مكتوم عندما جاء يسأل الرسول فتركه الرسول صلى الله عليه وسلم، مقابل أنه كان يتكلم مع كفار قريش فطمع في إسلامهم، وفي ذلك مصلحة للدعوةِ إلى الله، فأنزل الله أول سورة عبس [228].

الدليل الرابع: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يكون في آخر الزمان أُمراء ظلمه ووزراء فسقه وقضاة كذبه، فمن أدرك ذلك الزمان فلا يكونن لهم جابياً ولا عريفاً ولا شرطياً)) [229]، ووجه الدلالة: أنه منع إعانة الظلمة ومساعدتهم.

الدليل الخامس: يقال لهم لو أن أهل البدع أحدثوا بدعة يريدون الخير والمصلحة كإحياء المولد وصيام النصف من شعبان، فسيقولون لا يجوز، نقول إذاً فالباب واحد، ومثله لو خلا رجل بامرأة من باب الدعوة، فسيقولون لا يجوز، نقول إذاً فالباب واحد.

الدليل السادس: يُستدل عليهم أيضاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما جعل دواء أمتي فيما حُرِم عليها إن الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً)) [230].

الدليل السابع: فقد أجمع أهل الحديث أنه لا يجوز للشخص أن يخ - ترع أحاديث من عنده في باب الفضائل، أو يضع أحاديث لحث الناس على أمر ما، ولو كان في هذه الفضائل مصلحة الخير والازدياد من الطاعة، لأنه يلزم منه معصية وهي الكذب على الله ورسوله.





الشبهة السادسة: شبهة أن الإمام أحمد قال: (لو لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان):

هذه المقولة في ثبوتها عن الإمام أحمد نظر، وقد ثبتت عن غيره من السلف، ثم إن ذلك معناه أن لو ليّ دعوة مستجابة لدعوتها للسلطان ليصلحهُ الله ويُحكِّم شرعه، ولا تنافي في هذه المقولة وقول بعض الناس في عدم تكفير الطواغيت لأن الإمام قال هذا الكلام.

ثم نحن نتمنى ونفرح أن يحكم بشريعة الرحمن في الأرض، ولا تنافيّ بين القولين.


الشبهة الثامنة: شبهة من يتوقف في كفر الطواغيت، يحتج بأن الإمام أحمد لم يُكفر المأمون وهو يقول بخلق القرآن.

نقول: هل أشد كفراً الحكم بغير ما أنزل الله أم القول بخلق القرآن؟

لا شك ولا ريب أن الحكم بغير ما أنزل الله أشد كفراً وأوضح من القولبخلق القرآن، والدليل على ذلك قول الله عزّ وجلّ: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، فشيء سماه الله كفراً أشد من شيء لم يسمه الله كفراً، فالحكم بغير ما أنزل الله سماه الله كفراً بينما القول بخلق القرآن لم يسمه الله كفراً، ومع ذلك فهو كفر، فهناك فرق بين الأمرين، انتبه إليه يا أخا التوحيد لكي لا يُلبس عليك علماء الحكومات.

وقد ثبت عن الإمام أحمد قال كما في كتاب السنة للخلال [5/95]، قال أخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال حدثنا أبو طالب قال، قلت لأبي عبد الله: إنهم مرّوا بطرسوس [232] بقبر رجل، فقال أهل طرسوس: الكافر لا رحمه الله، فقال أبو عبد الله: نعم فلا رحمه الله هذا الذي أسس هذا وجاء بهذا.

وذُكر في السير أن المأمون مات في طرسوس.

ويقصد الإمام أحمد بأنه الذي أسس هذا وجاء بهذا، يعني فتنة خلق القرآن، والله أعلم.



الشبهة السابعة: شبهة من يعتذرون لعلماء الحكومات ويقولون: لو أن العلماء قالوا الحق لحصلت فتنة عظيمة وقتال وأمور لا تُحمد عُقباها، فهم ساكتون من أجل ذلك.

فنرد عليهم بما قاله الشيخ سليمان بن سحمان قال: (والمقام الثاني: أن يُقال:إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه: أن الكفر أكبر من القتل، قال: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة/217] وقال: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة/191] والفتنة: هي الكفر؛ فلو اقتتلت البادية والحاضرة، حتى يذهبوا، لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتاً، يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله صلى الله علبه وسلم) [231].


Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر