قبح الشرك وبطلانه يدرك بالعقل قبل ورود الشرع



قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته ، وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال ، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى .

وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به... وبعبادة غيره ! وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه ! .

فيا عجبا ! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج ، والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقول والفطر ؟ وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم ؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي ، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل ، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه ، وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة ، بل نفى عنهم السمع والبصر ، والمراد سمع القلب وبصره ، فأخبر أنهم صم بكم عمي ، وذلك وصف قلوبهم أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ، وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح ، والحق والباطل ، ولذلك اعترفوا في النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع والعقل ، وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم .

قال الله تعالى حاكيا عنهم" وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير "وكم يقول لهم في كتابه " أفلا تعقلون " ، " لعلكم تعقلون " .

فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحسن والقبيح ، ويحتج عليهم بها ، ويخبر أنه أعطاهموها لينتفعوا بها ، ويميزوا بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل .

وكم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به ، وقبح ما نهى عنه ، فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ، ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي دون ضرب الأمثال ، وتبيين جهة القبح المشهودة بالحسن والعقل .

والقرآن مملوء بهذا لمن تدبره ، كقوله تعالى "ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون "يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له ، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ، ولا يرضى بذلك ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي ؟ وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر ، والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك .

وكذلك قوله تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئوا الملكة ، وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له ، فهل يصح في العقول استواء حال العبدين ؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان ) أ.هـ. (مدارج السالكين) 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر